السبت، مايو 28، 2016

ياسر بكر يكتب : قرار النيابة في قضية " الشعر الجاهلي " !! ( الحلقة الثامنة )




غلاف كتيب " قرار النيابة في كتاب الشعر الجاهلي " والصفحة الأولى منه


ياسر بكر يكتب : 

قرار النيابة في قضية " الشعر الجاهلي " !!
( الحلقة الثامنة )




في صدر شبابنا، في سنوات الدراسة بآداب القاهرة كانت الأحلام وردية ناعمة مخملية الملمس .. كنا نعتقد أننا فرسان الزمن الأتي .. وأننا بما تعلمناه نملك إرادة التغيير .. كنا نتحلق للنقاش في فناء الكلية أمام مدرج 78 الذي اسموه مدرج طه حسين .. كانت تدور الأحاديث أحيانا حول الدور المشبوهة لمن حمل المدرج اسمه في اختراق الثقافة العربية من خلال طرح رؤى مسكونة بروح الآخر وموجهة أيدلولوجيا من مفكريه وأعوانهم  من العملاء والجواسيس لطرح ثقافته وأفكاره وهيمنتها على توجهاتنا، كنا نضرب المثل بكتابه : " في الشعر الجاهلي "   .. كان البعض يرد دون تردد أو تفكير : " .. ولكن النيابة قد برأته " !! ليأخد الحوار منحى آخر حول دور النيابة وأنها ليست جهة تبرأة أو إدانة؛ فهذا اختصاص أصيل للمحكمة .. حقيقة أن النيابة العامة في مصر قد خصها المشرع بعدة أدوار لا تتثنى لنظيراتها في الكثير من دول العالم بما يجعلها خصم وحكم في الوقت ذاته فهي جهة التحقيق .. وجهة سلطة توجية الاتهام .. والجهة القائمة على صياغة قرار الإحالة للمحاكمة .. والجهة القائمة بالادعاء في جلسات المحاكمة !!

كان المشارقة من المستشرقين بالانتساب من أنصار مدرسة " طه حسين " القائمة على صفاقة الادعاء والتزييف في وقاحة بدون دليل كثيرا ما يصفون التحقيق مع طه حسين بمعرفة النيابة العامة على أنه وقائع محاكمة ومنهم من هم ليسوا فوق مستوى الشبهات من أمثال : عبد الخالق ثروت باشا وعبد العزيز فهمي باشا ( الماسونيان ) ود. محمد حسين هيكل ( أحد العناصر الناقلة لعدوى الاستشراق ) وامتدادات ذلك التيار في الثقافة د . جابر عصفور وعبد المعطي حجازي ورجاء النقاش ود . علىّ شلش وسامح كريم وخيري شلبي وجمال الغيطاني ويوسف القعيد وحلمي النمنم وآخرون من نفايات مثقفي المقاهي!!

وكان آخرون من المعادين لذلك التيار يرون أن إدانه طه حسين ثابتة بما كان يستوجب ضرورة إحالته للمحاكمة الجنائية بتهمة التعدي على الإسلام لكونه دين الدولة، وأحد الأديان السماوية التي تُؤدى طقوسها علناً طبقاً لنص القانون.. لكن النيابة العمومية آنذاك اتخذت قراراً سياسياً بحفظ التحقيق معه إدارياً بأوامر من الملك فؤاد لتجنيب الوزارة القائمة أزمة كتلك الأزمة التي حدثت مع وزارة زيور باشا أثر أزمة كتاب "الاسلام وأصول الحكم" المنسوب زوراً للشيخ علي عبد الرازق، والتي انتهت بانهيار الائتلاف الوزاري المكون لها بعد إقالة وزير الحقانية عبد العزيز باشا فهمي لرفضه تنفيذ حكم هيئة كبار العلماء!!

.. وبلغت تلك التهامسات  محمد بك نور وكيل نيابة مصر العمومية الذي قام بالتحقيق مع المدعو طه حسين ، واتخذ قراراً بحفظ أوراق التحقيق مع إدارياً، وأراد الرجل أن ينفي الشبهة عن نفسه ويبرأ ذمته الشخصية والقانونية من الدنية؛ فإدانة طه حسين ظاهرة للعيان، لكن نصوص القانون قد غلت يد النيابة من تقديمه للمحاكمة الجنائية فيما هو منسوب من اتهام لانعدام ركن من أركان ثبوت الاتهام وهو ركن القصد الجنائي، .. وهو الركن الأدبي في أى جريمة وبدونه فلا عقاب !!.. ولم يجد الرجل حلاً متاحاً أمامه آنذاك سوى نشر مذكرة النيابة في قضية الشعر الجاهلي في كتيب من 32 صفحة، تم طبعه على نفقته الخاصة بمطبعة الشباب بشارع عبد العزيز !!

وقد استخدم المشارقة من أنصار مدرسة طه حسين هذا الكتيب في التدليس على العوام باستغلاله أسوأ استغلال باقتطاع كلمات من عباراتها وعبارات من سياقها، وهو ما حدث في كتاب " محاكمة طه حسين " لخيري شلبي، وكتاب سامح كريم بعنوان : " في الشعر الجاهلي .. تقديم ودراسة وتحليل " والذي أدعى في مقدمته براءة طه حسين بعد ثمانين عام من تهمة النقل عن مرجليوث!!

وأنا بصدد الإعداد لكتابي بعنوان : " حرب المعلومات " في الجزء الخاص بـ "ثقافة الكولينزم" لم يكن من المأمون النقل عن هؤلاء، أو اعتبارهم مصادر أو مراجع بحث؛ لذا كان الواجب يقتضي البحث عن كتيب محمد بك نور الذي زاد من صعوبته أنه لا يحمل رقم إيداع بدار الكتب المصرية لكونه أقل من 50 صفحة حسب قانون الإيداع، .. بما جعل الأمر يستلزم جولات متعددة في أسواق الكتب القديمة في القاهرة (سورالأزبكية وسور السيدة زينب) وفي الأسكندرية ( أكشاك شارع النبي دانيال ) مع بذل الوعود للكتبية المحترفين، .. وما تبع ذلك من بورصة المزيدات،  وأخيراً اتصل بي أحداهم ليزف لي البشارة ويطلب مني " أتقل جيبي " .. فقد جاء بالمطلوب .. نسخة رثة من الكتيب متسخة الغلاف .. تعلو وريقاتها الأتربة وتفوح منها رائحة القدِم التي تكشف عما عانته من الزمن والإهمال، .. وكانت فرحتي بها غامرة لكونها تفي بالغرض .
في الصفحة الأولي للكتيب :

" نحن محمد نور رئيس نيابة مصر
 


من حيث أنه بتاريخ 30  مايو 1926 تقدم بلاغ من الشيخ خليل حسنين الطالب بالقسم العالي بالأزهر لسعادة النائب العمومي يتهم فيه طه حسين الأستاذ بالجامعة المصرية بأنه ألف كتاباً اسماه " في الشعر الجاهلي " ونشره على الجمهور وفي هذا الكتاب طعن صريح في القرآن الكريم حيث نسب الخرافة والكذب لهذا الكتاب السماوي الكريم إلى آخر ما ذكره في بلاغه .

وبتاريخ 5 يونيو 1926 أرسل فضيلة  شيخ الآزهر خطاباً لسعادة النائب العمومي يبلغ له به تقرير رفعه  علماء الجامع الأزهر عن كتاب الفه طه حسين المدرس بالجامعة المصرية اسماه " في الشعر الجاهلي" كذب فيه القرآن وطعن فيه على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى نسبه الشريف.

وبتاريخ 14 سبتمبر 1926 تقدم إلينا بلاغ آخر من حضرة النائب عبد الحميد البنان أفندي عضو مجلس النواب ذكر فيه أن الأستاذ طه حسين المدرس بالجامعة المصرية نشر ووزع وعرض للبيع في المحافل والمحلات العمومية كتاباً اسماه " في الشعر الجاهلي "وتعدى فيه على الدين الإسلامي وهو دين الدولة بعبارات صريحة ِ.

وفي 19 اكتوبر سنة 1926 بدأنا التحقيق أخذنا أقوال المبلغين جملة ثم استجوبنا المؤلف وأخذنا في دراسة الموضوع بقدر ما سمحت لنا الحالة.

وحيث اتضح من أقوال المبلغين أنهم ينسبون إلى مؤلف كتاب " في الشعر الجاهلي " أنه طعن على الدين الإسلامي في مواضع اربعة من كتابه :

الأول : أن المؤلف أهان الدين الإسلامي بتكذيب القرآن في اخباره عن ابراهيم واسماعيل فذكرهما في التوارة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي ويرى أنه مضطر إلى أن نرى القصة نوعاً من الحيلة في إثبات الصلة بين اليهود والعرب من جهة، وبين الإسلام واليهودية والقرآن والتواره من جهة أخرى ".

الثاني : ما تعرض له المؤلف في شأن القرآات السبع المجمع عليها والثابته لدى المسلمين جميعاً وأنه يزعم عدم انزالها من عند الله وأن هذه القرآت انما قرأتها العرب حسب ما استطاعت لا كما أوحى الله بها إلى نبيه مع أن معاشر المسلمين يعتقدون أن كل هذه القراآت مروية عن الله تعالى على لسان النبي صلى الله عليه وسلم .

الثالث : أن المبلغين ينسبون للمؤلف أنه طعن على النبي طعناً فاحشاً من حيث نسبه فقال في ص 72 من كتابه : " ونوع آخر من تأثير الدين في انتحال الشعر وإضافته إلى الجاهليين وهو ما يتصل من تعظيم شأن النبي من نحية أسرته ونسبه في قريش فلأمر ما اقتنع الناس بأن النبي يجب أن يكون من صفوف بني هاشم وأن يكون بني هاشم صفوة بني عبد مناف وأن يكون بنو عبد مناف صفوة بني قصي وأن تكون قصي صفوة قريش وقريش صفوة مضر ومضر صفوة عدنان وعدنان صفوة العرب والعرب صفوة الانسانية كلها .

الرابع : أن المؤلف أنكر أن للإسلام  أوليه في بلاد العرب وأنه دين ابراهيم إذا يقول في ص 80 :

" أما المسلمون  فقد ارادوا أن يثبتوا أن للإسلام أوليه في بلاد العرب كانت قبل أن يبعث النبي وأن خلاصة الدين الإسلامي وصفوته هي خلاصة الدين الحق الذي أوحاه الله للأنبياء من قبل ......" إلى أن قال في ص 81:

" شاعت في العرب اثناء ظهور الإسلام وبعده فكرة أن الإسلام يجدد ابراهيم ومن هنا اخذوا يعتقدون أن دين ابراهيم هذا كان دين العرب في عصر من العصور ثم أعرضت عنه لما اضلها المضلون وانصرفت إلى عبادة الأوثان " .

ومن حيث أن العبارات التي يقول المبلغون أن فيها طعناً على الدين الإسلامي إنما جاءت في كتاب في سياق الكلام على موضوعات كلها متعلقة بالغرض الذي ألف من أجله فلأجل الفصل في هذه الشكوى  لايجوز انتزاع تلك العبارات من موضعها والنظر إليها منفصلة وإنما الواجب توصلاً إلى تقديرها تقديراً صحيحاً بحثها حيث هي في موضعها من الكتاب ومناقشتها في السياق التي وردت فيه؛ وبذلك يمكن الوقوف على قصد المؤلف وتقدير مسئوليته تقديراً صحيحاً .

.. عن الاتهام الأول :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

من حيث أهم ما يلفت النظر ويستحق البحث في كتاب من حيث علاقته بموضوع الشكوى انما ما تناوله المؤلف بالبحث في الفصل الرابع تحت عنوان : " الشعر الجاهلي واللغة "، ومن حيث أن المؤلف بعد ان تكلم في الفصل الثالث من كتابه على أن الشعر المقال بأنه جاهلي لا يمثل الحياة الدينية والعقلية للعرب الجاهليين وأراد أن يدلل على صحة هذه النظرية ؛ فرأى بحق أن يدلل على صحة هذه النظرية فقال أن الرأي الذي اتفق عليه الرواة أو كادوا يتفقون عليه هو أن العرب ينقسمون إلى قحطانيين فهم العرب العاربة، والعدنانيين وهم العرب المستعربة التي يتصل نسبها باسماعيل ابن ابراهيم وأن الرواة يتفقون على شئ آخر وهو إن خلافاً قوياً بين لغة حمير ولغة عدنان مستنداً على ما روى أبي عمرو ابن  العلاء من أنه كان يقول : " ما لسان حمير بلساننا ولا لغتهم بلغتنا" وعلى أن البحث الحديث قد أثبت خلافا جوهريا بين اللغة التي كان يصطنعها الناس في جنوب البرد العربية واللغة التي كانوا يصطنعونها في شمال هذه البلاد وأشار إلى وجود نقوش تثبت هذا الخلاف في اللفظ وقواعد النحو والتصريف.

وتعقب مذكرة النيابة على ما أورده المؤلف بثلاثة أمور أحدها : الغفلة العلمية للمؤلف عن " ظاهرة مطردة " عبر التاريخ بإسقاط عنصر التفاعل عنها مع الأيام والأحداث،  وهي اللغة،  والأمر الأخر: الانكار بغير دليل، والثالث : عدم الأمانة العلمية :

الغفلة العلمية :
ـــــــــــــــــــــــ

" إن المؤلف أختار للمقارنة بين اللغتين زمن يتعذر تحديده لكنه في كل حال لن يقل عن عشرين قرناً، فهل يريد المؤلف هذا أن يتخذ الاختلافات التي بين اللغتين دليلاً على عدم صحة نظرية الرواة غير حاسب حساباً للتطور الواجب حصوله في اللغة بسبب مضي هذا الزمن الطويل؛ وما يستدعيه العصور توالي من تتابع الحوادث واختلاف الظروف  .

الانكار بغير دليل :
ـــــــــــــــــــــــــــــ

إن المؤلف قد أخطأ في استنتاجه بغير شك وأن استنتاجه لا يصلح دليلاً على فساد نظرية الرواة التي يريد أن يهدمها وأنه إذا ما ثبت وجود اختلاف مهما كان مداه بين اللغتين من حيث تعلم اسماعيل العربية من جرهم، ولا يضيرها أن الأستاذ المؤلف ينكرها بغير دليل لأن طريقة الانكار، والتشكك بغير دليل طريقة سهلة جدا في متناول كل إنسان عالما كان أو جاهلاً .

على أننا أيضا لاحظنا على المؤلف أنه لم يكن دقيقاً في بحثه  وهو الذي يتشدد كل التشدد في التمسك بطرق البحث الحديثة فقد ارتكن على الخلاف بين اللغتين على أمرين :

الأول ما روي عن أبي عمر ابن العلاء من أنه كان يقول " ما لسان حمير بلساننا ولا لغتهم بلغتنا "

الثاني : فإن المؤلف لم يتكلم عنه بأكثر من قوله ولدينا نقوش ونصوص تمكننا من إثبات هذا الخلاف.. فأردنا استجوابه وأن نستوضحه ما أجمل فعجز وليس أدل على هذا العجز من أن نذكر ما دار في التحقيق من المناقشة بشأن هذه المسألة "  . ـ ص10 ،11

عدم الأمانة العلمية :
ــــــــــــــــــــــــــــــــ

وهنا تؤكد مذكرة النيابة على عدم الأمانة العلمية لطه حسين بقولها :

( .. وقد قام طه حسين بالتغيير فيما روى أبو عمر بن العلاء في كتاب " طبقات فحول الشعراء ": " ما لسان حمير بلساننا وأقاصي اليمن ولا عربيتهم بعربيتنا " ليضع محلها " ولا لغتهم بلغتنا " وهو تحريف عن عمد ليصل إلى تقرير هذه النتيجة .. قد يكون للمؤلف مأرب في تغيير هذا

لكن الذي نريد أن نلاحظة أن ابن سلام في الصفحة نفسها يقول ما يأتي :

" وأخبرني يونس عن أبي عمر قال " العرب كلها ولد اسماعيل إلا حمير وبقايا جرهم " فكان واجب على المؤلف إذن وقد اعتمد صحة العبارة الأولي أن يسلم بصحة العبارة الثانية لأن الراوي واحد، والمروي عنه واحد وتكون النتيجة أنه فسر ما اعتمد عليه من أقوال أبي عمر بن العلاء بغير ما أراده بل فسره بعكس ما أراده؛ ويتعين اسقاط هذا الدليل) .

.. وعن وجود نقوش تثبت هذا الخلاف في اللفظ وقواعد النحو والتصريف .

تقول مذكرة النيابة :

" وقد نوقش في التحقيق فلم يستطع رد هذا الاعتراض . وناقض قوله في تعريف اللغة مع ما أجاب به من أن " مراده اللغة لغتان دون أن يتعرف على واحدة منهما "

وعندما سألناه عن النصوص

جـ ـ اما ايراد النصوص والأمثلة فهو يحتاج إلى ذاكرة لم يهبها الله ولابد من الرجوع إلى الكتب المدونة في هذه اللغة .

س ـ هل يمكن لحضرتكم أن تبينوا لنا هذه المراجع أو تقدمونها لنا ؟

ج ـ أنا لا أقدم شيئاً " .

***

وعن التشكيك في الوجود التاريخي لإبراهيم وإسماعيل .. تقول مذكرة النيابة :

" .. وأراد المؤلف أن يوهم بأن لرأيه أساساً !!

وهنا يجب أن نلاحظ على مؤلف كتاب " في الشعر الجاهلي " أنه خرج من بحثه عاجزا كل العجز عن أن يصل إلى غرضه الذي عقد هذا الفصل من أجله وبيان ذلك أنه وضع في أول الفصل سؤالاً وحاول الإجابة عليه، وجواب هذا السؤال في الواقع هو الأساس الذي يجب أن يرتكز عليه في التدليل عل صحة رأية لكن المؤلف وضع السؤال وحاول الإجابة عليه، وتطرق في بحثه إلي الكلام على مسائل في غاية الخطورة صدم بها الأمة الإسلامية في أعز مالديها من الشعور ولوث نفسه بما تناوله من البحث في هذا السبيل بغير فائدة ولم يوفق إلى الإجابة بل خرج من البحث بغير جواب ، . وأن ما ذكره ليس جواباً على السؤال الذي وضعه !!

فالمؤلف ( طه حسين ) اذن واحد من اثنين إما أن يكون عاجزا وإما أن يكون سئ النية؛ قد جعل البحث ستاراً ليصل بواسطته إلي الكلام في تلك المسائل الخطيرة"  ـ ص 8
فالأستاذ المؤلف في بحثه رأي انكار شئ يقول لا دليل عليه  .. وإذا رأى تقرير أمر لايدلل عليه بغير الأدله التي أحصيناها له وكفي بقوله حجة ـ ص 16

سئل الأستاذ في التحقيق عن أصل هذه المسألة ( أي تلفيق قصة ابراهيم واسماعيل ) وهل مي من استنتاجه أو نقللها فقال : فرض فرضته أنا دون أن أطلع عليه في كتاب أخر وقد أخبرت بعد أن ظهر الكتاب أن شيئ أمثل هذا الفرض يوجد في بعض  كتب المبشرين ,لكن لم أفكر فيه حتى بعد ظهور كتابي ..  على أنه سواء كان هذا الفرض من تخيله كما يقول أو من نقله عن ذلك المبشر الذي يتستر تحت اسم أبو الهاشم العربي فإن كلامه لا يستند إلا دليل ولا قيمة له على أننا نلاحظ أن ذلك المبشر مع ما هو ظاهر من مقاله من غرض الطعن على الإسلام كان في عبارته أظرف من مؤلف كتاب "في الشعر الجاهلي " لأنه لم يتعرض للشك في وجود ابراهيم واسماعيل بالذات وقال أن حقيقة الامر  في قصة اسماعيل انها دسيسة لفقهاء قدماء اليهود تزلفا إليهم ، كما نلاحظ أيضا أن ذلك المبشر قد يكون له عذره في سلوك هذا السبيل لأن وظيفته التبشير لدينه وهذا غرضه الذي يتكلم فيه .. ولكن ما عذر المؤلف في طرق هذا البابوما هي الضرورة التي الجأته أن يرى في هذة القصة نوعاً من الحيلة .

.. وتقرر مذكرة النيابة حول تلك المسألة أن : " أخطأ المؤلف فيما كتب وأخطأ أيضا في تفسير ما كتب وهو في هذه النقطة قد تعرض بغير شك لنصوص القرأن ولتفسير نصوص القرآن، وليس بوسعه الهرب بإدعائه البحث العلمي منفصلاً عن الدين ـ ص 17

المؤلف في هذه المسألة يتخبط تخبط الطائش ويكاد يعترف بخطئه لأن جوابه يُشعر بهذا عندما سألناه في التحقيق عن السبب الذي دعاه أخيراً لأن يقرر بطريقة تفيد الجزم أن القصة حديثة العهد ظهرت قبيل الإسلام فقال في محضر التحقيق: " هذه العبارة تفيد الجزم إن صح الفرض الذي قامت عليه" ص 18

 .. حقا إن الاستاذ المؤلف قد تورط  في هذا الموقف بغير ضرورة يقتضيها بحثه ولا فائدة مرجوة في النتيجة التي وصل إليها من بحثه .. ونحن لا نفهم كيف أباح المؤلف لنفسه أن يخلط بين الدين وبين العلم ، وهو القائل بأن الدين يجب أن يكون بمعزل عن هذا النوع من البحث الذي هو بطبيعته قابل للتغيير والنقض والشك والانكار " ـ ص 19

" أما مسألة بناء الكعبة فلا يفهم الحكمة في نفيها واعتبارها أسطورة من الأساطير اللهم إلا إذا كان مراده إزالة كل أثر لابراهيم وإسماعيل ولكن ما مصلحة المؤلف في هذا الله أعلم بمراده " ص 20

عن الاتهام الثاني :
ــــــــــــــــــــــــــــــ

وبشان الاتهام المنسوب إلى المؤلف بشأن القراآت السع ترى مذكرة النيابةأن " المؤلف لم يتعرض لمسألة القراآت من حيث أنها منزلة أو غير منزلة وإنما قال كثرت القراآت وتعددت اللهجات وقال أن الخلاف الذي وقع في القراآت تقتضيه ضرورة اختلاف اللهجات بين قبائل العرب التي لم تستطع أن تغير حناجرها وشفاهها فهو بهذا يصف الواقع رأي المؤلف في القراءات السبع .

ونرى أن ما ذكره في هذه المسألة هو بحث علمي لا تعارض بينه وبين الدين لا اعتراض لنا عليه ".

عن الاتهام الثالث :
ــــــــــــــــــــــــــــــ

المؤلف أور هذه العبارة في كلامه على " الدين وانتحال  الشعر" والأسباب التي يعتقد أنها دعت المسلمين إلى انتحال الشعر وأنه: ان يقصد بالانتحال في بعض الأطوار إلى اثبات صحة النبوة وصدق النبي وكان هذا الانتحال موجها إلى عامة الناس.

وترى مذكرة النيابة : " ونحن لا نري وانما ما نلاحظه عليه أنه تكلم فيما يختص بأسرة النبي ونسبه في قريش عبارات خالية من الاحترام بل بشكل تهكمي غير لائق ولا يوجد في بحثه ما يدعوه لايراد العبارة على هذا النحو  "

عن الاتهام الرابع :
ـــــــــــــــــــــــــــــ

يقول حضرات المبلغين أن الأستاذ المؤلف أنكر أن للإسلام أولية في بلاد العرب وأنه دين ابراهيم إذا يقول في ص 80 :

" أما المسلمون  فقد ارادوا أن يثبتوا أن للإسلام أوليه في بلاد العرب كانت قبل أن يبعث النبي وأن خلاصة الدين الإسلامي وصفوته هي خلاصة الدين الحق الذي أوحاه الله للأنبياء من قبل ......" إلى أن قال في ص 81:

" شاعت في العرب اثناء ظهور الإسلام وبعده فكرة أن الإسلام يجدد ابراهيم ومن هنا اخذوا يعتقدون أن دين ابراهيم هذا كان دين العرب في عصر من العصور ثم أعرضت عنه لما اضلها المضلون وانصرفت إلى عبادة الأوثان "

وترى مذكرة النيابة أن : " وحيث أن كلام المؤلف هنا هو استمرار في بحث بيان أسباب انتحال من حيث تأثير لدين على الانتحال ولا اعتراض على البحث من حيث هو وقد قرر ولا أن له أولية في العرب، ونحن لا نرى اعتراضاً على أن يكون مراده بما كتب في هذه المسألة هو ما ذكره ولكننا نرى أنه كان سيء التعبير جداً في بعض عباراته" .

التكييف القانوني للقضية :
ــــــــــــــــــــــــــــ



ـ الركن الأول :  التعدي، وهو ثابت فيما كتبه طه حسين في كتابه بعنوان: " في الشعر الجاهلي ".

ـ الركن الثاني : العلنية ، الطعن الثابت بيانه ورد في كتاب طبع ونشر وبيع في المحلات العمومية بما يحقق ركن العلنية .

ـ الركن الثالث : أن يقع التعدي على دين تؤدى شعائرة علنا .. ولا نزاع على هذا الركن أيضاً لأن التعدي وقع على الدين الإسلامي الذي تؤدى شعائرة علنا وهو الدين الرسمي للدولة .

ـ الركن الرابع : وهو الركن الأدبي الذي يجب أن يتوافر في كل جريمة فيجب إذن لمعاقبة المؤلف أن يقوم الدليل على توافر ركن القصد الجنائي بعبارة أوضح أن يثبت أنه انما اراد بما كتبه أن يتعدى على الدين الإسلامي فإذا لم يثبت هذا الركن فلا عقاب .

وحيث أن المؤلف قد أنكر انه يريد الطعن على الدين الإسلامي ، ولكنه كعالم مضطر إلى أن يذعن  لمناهج البحث، ولما قرأنا ما كتبه بإمعان وجدناه منساقاً في كتابته بعامل قوي متسلط على نفسه وقد بينا حين بحثنا الوقائع كيف قاده بحثه إلى ما كتب وهو إن كان قد أخطأ فيما كتب إلا أن لخطأ باعتقاد الصواب شئ وتعمد الخطأ بنية التعدي شئ آخر.

وحيث أنه مع ملاحظة أن أغلب ما كتبه المؤلف مما يمس موضوع الشكوى وهو ما قصرنا بحثنا عليه انما هو تخيلات وافتراضات واستنتاجات لا يستند إلى دليل علمي صحيح .

وحيث أن للمؤلف فضلاً لا ينكر في سلوكه طريق جديد حذا فيه حذو العلماء من الغربيين ولكنه لشدة تأثير نفسه مما أخد عنهم قد تورط في بحثه حتى تخيل ما ليس بحق أو ما يزال في حاجة إلى إثبات أنه حق ـ أنه سلك طريقاً مظلمة فكان يجب أن يسير على مهل وأن يحتاط في سيره حتى لا يضل ولكنه أقدم في غير احتياط فكانت النتيجة غير محمودة.

وترى مذكرة النيابة عدم توافر ركن القصد الجنائي :

" وحيث أنه مما تقدم يتضح أن غرض المؤلف لم يكن الطعن والتعدي على الدين بل أن العبارات الماسة بالدين التي أوردها في بعض المواضع إنما قد أوردها في سبيل البحث العلمي مع اعتقاده أن بحثه يقتضيها وحيث أنه من ذلك يكون القصد الجنائي غير متوافر" .

" فلذلك "

تحفظ الأوراق إدراريا

القاهرة في 30 مارس 1927
رئيس نيابة مصر

.. والحقيقة وإن كان قرار النيابة قد برأه من تهمة التعدي على الدين الإسلام إلا أنه ألصق به من سمات العار ما يجعله أسيره ما بقي من أيام عمره ومنها الغفلة العلمية والانكار بدون دليل وعدم الأمانة العلمية وأنه تصدى لموضوع بحث لم يمتلك أدواته بما جعله يتخبط تخبط الطائش، فهو ـ على حد وصف النيابة ـ  واحد من اثنين إما أن يكون عاجزا وإما أن يكون سئ النية؛ قد جعل البحث ستاراً ليصل بواسطته إلي الكلام في تلك المسائل الخطيرة، فضلا عن كونه أساء الأدب في الحديث عن النبي ونسبه وأساء التعبير في حديثه عن تجديد دين ابراهيم ، واقحم نفسه في أمور لم يستطع الإجابة عليها .. بل خرج من البحث بغير جواب !!

***

الحلقة القادمة : قناع نجيب محفوظ .. وحيلة الأدب الماكر !!







 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق