الاثنين، أكتوبر 30، 2017

كتاب حكايات من زمن الخوف، ياسر بكر ، بصيغة Word



 
حكايات من زمن الخوف ـ جزء 1

 
الإهــــــداء
ـــــــــــ

.. إلى المسافرين عبر الأيام حتى نلتقى فى محطة «الحقيقة»
فى لحظـة من زمن «المضـارع المستمر» لفعل «الخــوف».
.. إلى الأبناء، والأحفاد، والأسباط 

 ياسربكر

« ـ ها أنت تقفز للنهاية .. هلا حكيت الحكاية
ـ .. ولمن أقول؟!
ـ هذى صفوف السنط والصبار تنصت للحكاية .
ـ ألها عقول؟!
ـ ماذا يضيرك .. ألق ما فى القلب حتى للحجر، أو ليس أحفظ للنقوش من البشر؟!»

نجيب سرور
من ديوان «لزوم ما يلزم»


المقدمة:

ــــــــــــ

   لم أكن أنتوى كتابة هذا الكتاب على هذه الصورة، وبكل هذا الكم من التفاصيل، لكن أثناء إنجاز كتابى الأسبق بعنوان: «حرب المعلومات» توقفت طويلاً عند تجربة الألمانى وليم شايرر فى كتابه «سقوط الرايخ الثالث»، وقد شجعتنى تلك المحاولة من جانبه على كتابة تجربتى الشخصية مع عمليات التضليل، والتلاعب بالوعى، وعمليات غسيل الدماغ، وزرع ذاكرة بديلة من خلال عمليات تزوير التاريخ، واقتلاع القيم الأصيلة التي تبلورت عبر قرون من الزمن، وغرس قيم بديلة شوهاء ومزيفة وخادعة!!

    .. وبالفعل كتبت الفصل الأخير من كتاب «حرب المعلومات» بعنوان: «انظر خلفك فى غضب» وهى عبارة مقتبسة من حوار مستر جون أستون أحد أبطال مسرحية «الحارس» للكاتب الإنجليزى هنرى أوزبرون..  وحاولت أن أعيد للذاكرة بعضاً من ملامح زمن وناس عاشوا فيه؛ فكتبت عن مكان المولد وسنوات النشأة والتكوين والحدوتة والأسطورة والغنوة والموال والعدودة .. وكتبت عن الأفندية (المؤهلين والحفاة) والشيوخ (الفقهاء والمتفيقهين والمتنطعين) .. وعن الظرفاء والحكائين .. وعن النصابين والفشارين والتافهين والجلادين والبصاصين والأجلاف وشهود الزور والكذابين وصناع الزيفً وأعضاء نادى الصفوة من أصحاب (الياقات البيضاء) فى آداب القاهرة، وكواليس صحافة الوطن!!

   ..وكان ذلك ضرورة .

    .. ولكنى خشيت أن يصيب الترهل الكتاب، ويخرجه عن أهدافه ومراميه، فكان هذا الإصدار المستقل بعنوان: «حكايات من زمن الخوف .. شهادة على العصر 1954 ـ 2014».

   .. ولكونى ارتضيت لهذا الكتاب أن يكون فى شكل الشهادة؛ لما توافر لها من أركان الشهادة، وما اجتمع لشخصى من اطلاع مباشر على ما جاء بها، وما تكون لدىّ من رؤية ذاتية عما وقع تحت بصرى أو جال فى سمعى المباشر، وفى إطار ما شاركت فيه من أحداث، أى فى حدود ما لى به صلة معرفة مباشرة .. لذا أبدؤها مثل كل الشهادات بالقسم .

    «أقسم بالله العظيم .. أقول الحق» .
   فقد اعتاد عدول الشهود.. وشهود الزور .. والمأجورون للشهادة أمام المحاكم، وجهات التحقيق على أداء اليمين قبل الإدلاء بالشهادة .. وصار القسم إجراءً قانونياً، وركناً من أركان التقاضى لا تصح بدونه الشهادة.
.. وأيضا أجدنى أمام عِظم، وثقل المسئولية، ملزما بأداء اليمين لأربعة أسباب أخرى تضاف إلى السبب السابق وهى:

   أولاً: أن التاريخ يتم تزويره أمام أعيننا ونحن شهود وقائعه، ومعاصرو أحداثه بوقاحة وبدون خجل، وأن كثيرا من المؤسسات تنقل الأحداث مكذوبة عن قصد، بما يحقق مصالحها الضيقة والمؤقتة وفق منهج انتقائى تمارس فيه الأخذ والترك والتلاعب فى عمليات التتالى والتداعى للأحداث التاريخية، بما يعد تزييفاً فى منظور السببية التاريخية، ويشكل خللاً فى ارتباط العلة بالمعلول ويحدث ارتباكاً فى البناء التأريخى وضبط الحقيقة التاريخية فى سياقها.

     كما أن البعض لا يخجل من رفع شعار: «العملاء والجواسيس يصنعون التاريخ»، وأن طبقة العملاءComprador  الذين تم إعدادهم بعناية فى أقبية الخيانة يقومون بكتابته بما يحقق مصالح الأعداء، والترويج لأكاذيبهم عبر المنصات المصنوعة لإطلاق وسائل الميديا المتعددة، والمدفوعة الأجر بحيث أصبح لا يدخل إلى صفحات «كتاب التاريخ» فى بلدنا إلا العملاء وخونة الأوطان .

    ثانياً: أن شهادتى هذه ليست أمام قاضٍ زائل فى مسألة عابرة، قد ينتهى الحكم فيها سواء كان بالإدانة أو البراءة إلى الحفظ فى أكوام «الأضابير» فى غرفة منسية أو مخفية .. لكنها شهادة قد يكتب الخلود خاصة أنها شهادة أمام محكمة «التاريخ»، وقاضيها الأوحد هو «الضمير»؛ فكما يقول الحكيم بتاح حوتب: «إن صوت الناس يفنى، لكن صوت الكاتب يعيش أبد الدهر، وحتى نهاية الوجود.» .

   ثالثاً: أننى قد أهدرت ـ عن عمد ـ فى بعض المواقف ما سمعت من تقولات يرددها الغوغاء من باب «الفشر»، أو «الفهلوة»، وادعاء فهم الأمور وهى «طايرة»، وكذلك ما يتداوله بعض المثقفين الذين سقطوا فى مستنقع «الغواية بالمصلحة» من حكايا باعتبارها ثوابت ومسلّمات لا تقبل المناقشة، وآثرت أن أسمع «هتاف الصامتين» فيما لم ينطقوا به، لكنهم قالوه صراحة فى مسلكهم، ونقشوه بالرمز على جدران منازلهم فى القرى والنجوع والكفور والحارات وجحور العشوائيات، وكتبوه على هياكل المركبات، ومؤخرات التكاتك، وعربات الفول المدمس وعربات الكشرى، وكلها موروثات تاريخية عن الأجداد .

    وأيضا أمعنت التأمل فيما عبّر عنه بعض الناس فى لحظات خوفهم وحيرتهم بلغة أجسادهم، وبإيماءاتهم، وحركات أيديهم، ونظرات أعينهم ومآقي أبصارهم، وكتبت ما فهمته وفقا لما تراءى لى بعد تمحيصه من خلال علاقة جدلية بين ما يحدث وما فهمته.

    رابعاً: .. ولأن كتابة شهادة للتاريخ بدون جغرافيا الأماكن كرجل يسير فى الهواء؛  فقد أوليت عناية بالترتيب الزمنى للوقائع، وعاينت بنفسى حدود الأماكن وطبيعتها ومدى اتساقها مع الأحداث، وسمعت صوتها، وشممت رائحتها، وكانت تحضرنى كلمات الشاعر اليونانى القديم إكسنوفون فى ملحمته الرائعة: أنابازيس «رحلة الصعود Αναβασης»:

«ربما تصنع معى الأحجار بعض الذكرى» .

    توقفت طويلا أمام العبارة :«الأحجار تصنع بعض الذكرى»؛.. وتساءلت: «فما بالنا بالبشر؟!»؛ لذا فقد ذكرت الأحداث منسوبة إلى أبطالها الفعليين، وبأسمائهم الحقيقية مع ما قد يسببه ذلك من إحراج لهم أو لذويهم .. لكنى أردت أن أضع كل أمام مرآة نفسه، وأمام مسئوليته عن أفعاله أمام الله والتاريخ والناس مع الأخذ فى الاعتبار أمرين:

   أولهما: أنا لا أكتب التاريخ، ولكنني أكتب شهادة قد يوليها التاريخ اهتماما، وأيضا لا استطيع أن أخفى دوافعى الداخلية فى جمع المادة الخام للتأريخ فى صورة شهادة ـ ربما ـ يشتغل عليها المؤرخ عندما تسمح الظروف .

   ثانيهما: أننى فى هذه الشهادة  لا أحاكم التاريخ، ولا أتحاكم مع غيرى حول وقائعه، لكنى أود أن أعرف ويعرف غيرى أمرين مهمين هما: لماذا حدثت وقائعه؟، وكيف حدثت؟ حتى لا نلدغ من الجحر مرتين؛ فالذى لم يتعلم من دروس التاريخ يعيش أبد الدهر طفلاً !!

    والتاريخ هو: «الحدوث فى نهر الزمن» أو كما يقول العارفون من أهل اليقين: «التاريخ هو المسار الجبرى الذى حدده الله لعباده»، وثمة تعريف ثالث يتردد بين المشتغلين بالتأريخ وهو أن التاريخ: «نهر الزمن المرتبط بالماضى والدائم التدفق»، وتعريف رابع يتردد بين علماء الاجتماع وهو أن التاريخ : «رصد لحياة المجتمعات»، ومكوناته: دقائق الزمان وأحداثه ونوائبه وفواجعه وأفراحه وأتراحه وانتصاراته وانكساراته.. وهو ما يمثل لى أيام العمر التى عشتها فى رحم «زمن الخوف»، وتحت راية «جمهورية الخوف».

لماذا كان «الخوف»؟!:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   لماذا كان «الخوف»؟!، ولماذا صار ذلك «الخوف» علامة على العصر؟!، ولماذا أصبح «الخوف» محور الحكي والحكايا؟!

   .. تساؤل مشروع؛ لأن التساؤل حق إنساني، ولأن الحق في المعرفة يعلو على جميع الحقوق ويُقدم عليها في المجتمعات التي تحترم حقوق الإنسان، ويظل الحق في المعرفة ديناً واجب الوفاء في عنق من يعرف ومن يملك الإجابة، ولا يسقط هذا الحق ـ أبداً ـ بالإبراء أو التقادم !!

   والإجابة : أنه مع صبيحة يوم 23 يوليو 1952 استيقطت مصر على وقع أقدام ثقيلة لانقلاب عسكري التفت حوله جموع الشعب بالفرحة رغم تباين الأراء حول توصيفه؛ فبعض الناس اعتبره «انقلاب عسكري» سانده الشعب، ومنهم من أرتأى أنه «ثورة شعب» قام بها الجيش بالوكالة باعتباره من أبناء الشعب؛ لذا فهو من وجهة نظرهم «ثورة»؛ وارتأى فريق ثالث أنه «انقلاب عسكري» قح أجهض ثورة مصر الحقيقية التي نضجت أسبابها، وبدأت أمارات مخاضها، وكادت توشك على الاندلاع، وارتأى فريق رابع أنه «انقلاب عسكري أمريكي» من نوع الانقلابات التي نفذتها المخابرات الأمريكية C.I.A. في سوريا ودول أمريكا اللاتينية والتي تعد إبداعاً أمريكياً خالصاً، ولكن كل هذه الطروح لم تقلل من فرحتهم به خاصة أن حركة الجيش المباركة ـ كما كان يطلق عليها آنذاك ـ قد طرحت شعارات وطنية منها: «الاتحاد والنظام والعمل»، و«ارفع رأسك يا أخي فقد مضى عهد الذل»، و«مجتمع الكفاية والعدل»، و«إقامة الحياة الديمقراطية»، و«إقامة العدالة الاجتماعية»، وكلها شعارات يصعب الاختلاف عليها.

   وبعد شهور قليلة أسفر الانقلاب عن وجهه، وكشف عن إرادة القائمين عليه في تولي الحكم منفردين وإقصاء الجميع، وعندما تعالت الأصوات تطالب بتنحي «العسكر» عن الحكم والعودة إلى ثكناتهم، اصطنع «العسكر» تظاهرة مدفوعة الأجر قادها صاوي أحمد صاوي (صاو ..صاو) رئيس نقابة عمال النقل، وطافت التظاهرة بمحيط مجلس الوزراء ومجلس الدولة، وراحت تهتف : «تسقط الديمقراطية» .. «تسقط الحرية» .. «يسقط المثقفون»، واشتركت قوات الحرس الوطنى وأعضاء من هيئة التحرير فى المظاهرات. وقام جنود البوليس الحربى بارتداء ملابس مدنية وشاركوا فى المظاهرات، واعتبر ضباط الانقلاب تلك التظاهرة تعبيراً عن توجه الجماهير، وتعاملوا معها على أنها بمثابة «شيك على بياض» من الشعب المصري صادر لصالحهم، وعائد صرفه هو الإستمرار في الحكم وعمل ما يريدون؛ فراحوا يستولون على مواقع الأرستقراطية القديمة التي ثاروا عليها؛ فسكنوا القصور، واستولوا على الممتلكات، ولم تسلم النساء من سلوكياتهم الوضيعة، ودخلت مصر إلى مرحلة من «الحكم العسكري» الذي راح يفتك بكل من يخالفه الرأي، ويلصق به الاتهامات الجزافية بالرجعية والعمالة والولاء للإستعمار وقوى الثورة المضادة .

    واستخدم الحكم العسكري سلاح «لقمة العيش»، وأسلوب «التجويع» في تركيع الخصوم وتجريدهم من كل شئ، وتركهم منبوذين في مجتمعاتهم بلا مورد رزق، ولا عمل يكفل لهم العيش الكريم بزعم أنهم «معزولون سياسياً» بعد تلطيخهم بأقذر اتهامات الخيانة والعمالة وتلويث الشرف الشخصي؛ فأصبحوا موتى على قيد الحياة.. لا يجدون الكفاف الذي يسد الرمق، ولا يمكنهم اللحاق بالموت .. لكنهم يعيشون على شفا حفرته .

    .. كما كانت «الاعتقالات والتعذيب»، و«التعذيب» ذروة إهانة الكرامة الإنسانية؛ لكونه احتباس الألم في قلب الحياة، وسجن البشر في مرحلة ما بين .. بين .. الموت والحياة .

     وتحت سطوة التعذيب انتهكت الأعراض؛ فتم هتك عرض الشيخ محمد المجدوب (من علماء الأزهر الشريف)، وضُرب عبد القادر عودة (القاضي السابق)، وأحمد حسين (زعيم مصر الفتاة) علقة موت بقوايش العساكر وأحذيتهم، وتصفية بعض كوادر الإخوان المسلمين في سجن طرة، ومات شهدي عطية (المفكر اليساري ومفتش اللغة الإنجليزية بوزارة التربية والتعليم) في إحدي «حفلات التعذيب الجماعي» التي أقامها ضابط شاذ جنسيا «سلبي» في معتقل أبو زعبل، و«حفلات التعذيب الجماعي»  كانت عبارة عن مرور المعتقلين بين صفين من الجنود الذين يضربونهم بالهروات الغليظة !!
وأصبح من إجراءات التحقيقات: الصفع على القفا، والبصق على الوجوه، وهتك أعراض الرجال وإدخال العصي والأصابع في أدبارهم، ووضع ألجمة الحمير في أفواههم، والتهديد باغتصاب النساء بعد تعليقهن عرايا كالذبائح في حضور أهلهن، وإجبار النساء على البصق في وجوه أزواجهن، ومنادتهم باسماء النساء، وإجبار الرجال على ارتداء ملابس النساء، وأكل علف البهائم كما حدث مع أهالي قرية كمشيش، محافظة المنوفية !!

    وقُتل المفكر الكبير الأستاذ سيد قطب مظلوما دون ذنب أو جريمة في ادعاء مكذوب عن علاقته بتنظيم لم تثبت له علاقة به !!

   .. ثم كانت الهزيمة النكراء في 5 يونيو1967، وتحت مظلة الخوف راح الخائفون تحت مظلة الخوف يهتفون لقائد الهزيمة ويستجدون بقائه!!

.. وعندما طالب بعض الشباب المنتمين إلى «منظمة الشباب» بضرورة التغيير في شكل وأسلوب الحكم، واستبعاد القيادات المسئولة عن الهزيمة، وضرورة محاسبتها تم حل التنظيم، وعندما اعتصم طلاب كلية الهندسة ـ جامعة الإسكندرية احتجاجاً على سوء الأوضاع قام جيش الهزيمة بإطلاق الرصاص عليهم بأوامر من الرئيس جمال عبد الناصر الذي جعل قائد المنطقة الشمالية العسكرية تحت إمرة محافظ الإسكندرية!!، ومن نجا من القتل من هؤلاء الطلاب تم إلقاء القبض عليه، وتسليمه للتجنيد الإجباري!!

    .. وكهذا أصبح «الخوف» كطائر فوق رؤوس العباد مثل القدر المعلق     .. وبموت الرئيس عبد الناصر تغير شخص اللاعب، وبقيت قواعد اللعبة إلى يومنا هذا .


***

عزيزى القارئ :

   .. لذا كان لابد من الاتفاق على ثلاثة أمور:

   أولهما: فإذا اعتبرت ما جاء فى هذا الكتاب شهادة تحكمها اعتبارات كثيرة أهمها: شخص الشاهد، وموقع الرؤية، ومنظور الرؤية ومدى اتساع زاوية الرؤية أو ضيقها؛ فلك ذلك، وقد تختلف معى فى الكثير مما جاء فى هذه الشهادة، وهذا حقك فى الاختلاف لا أنازعك فيه .

    ثانيهما: وإذا اعتبرته «رواية إنسانية عن حياة طفل يتيم فى قرية منسية»؛ فلك ذلك،  دون أن يعطيك هذا الاعتبار الحق فى منازعتى فى رؤيتى لسرد وقائع سيرتى الذاتية، ورؤيتى الذاتية للبشر والأحداث والأماكن؛ لكونها تجربة شديدة الخصوصية حيث لا توجد حقيقة بذاتها مستقلة عن ذاتية الكاتب، مع الأخذ فى الاعتبار أن كلمة «ذاتى» هنا لا تأتى بمعنى أنه شخصى، ولا أنه شيء من قبيل الهوى، ولكن ذاتى بمعنى أنه لا ينتمى إلى «المادة البحثية»، وما تخضع له من مناهج البحث العلمى.

   ثالثهماً: أن المنتج الإعلامى أو المنتج الثقافى عامة سواء كان فى شكل شهادة أو رواية مثل أى منتج آخر قد يصادف قبول المتلقين فيصبح سائغاً؛ فيقبلون عليه، أو قد يلقى من عدم الرضا ما يجعلهم يعزفون عنه ويطرحونه جانباً؛ فنقد العمل جائز .. لكن ليس من حق أحد أياً كان شخصه أو موقعه توجيه لوم لشخص الكاتب، أو تجريح شهادته دون سند من الواقع والحقيقة والتاريخ.

والله الموفق والمستعان

ياسر بكر


الإسكندرية ـ مايو 2017

تلــــوانة
1954 ـ 1972

( الجزء الأول )


 ***



الفصل الأول :

ــــــــــــــــــــــ


المكان .. وأحوال الناس !!



ـ الاسم: ياسر إمام إبراهيم إسماعيل بكر
ـ السن: 63 سنة
ـ المهنة: كاتب صحفى حر وباحث متخصص فى علوم الإعلام والاتصال الجماهيرى .
ـ العنوان: أحد المنتجعات بضواحى الإسكندرية.
ـ أقسم بالله العظيم أقول الحق .

***

شهادتى على العصر:
ــــــــــــــــــــــــــــــــ

    .. شهادتى تمتد على مدى ستين سنةً تبدأ من سنة 1954 م إلى سنة 2014 م، وتنقسم إلى ثلاثة أقسام أحدها عن القرية (تلوانة)، وآخر عن القاهرة (المدينة والجامعة)، وثالث عن (صحافة الوطن) .. والله المستعان.

    .. هناك فى تلوانة .. كان المولد، والنشأة الأولى .. تلوانة قرية صغيرة فى جنوب الدلتا فى محافظة المنوفية، وتتبع إداريا مركز الباجور الذى تأسس عام 1947 بعد ضم بعض من قرى مراكز منوف وأشمون وقويسنا إلى قرية الباجور، التى كان عمدتها الحاج محمد أبو حسن أحد العمد التاريخيين الذين وردت أسماؤهم فى كتاب: «رحلات الخديو فى بر مصر» حيث يروى الكتاب وقائع زيارة الخديو عباس حلمى الثانى للعمدة الحاج محمد أبو حسن فى قرية الباجور، وكيف قدم حضرة العمدة لجناب الخديو ساعة ذهبية ثمينة صنعها خصيصا لتلك المناسبة صائغ أرمللى بالقاهرة، وكيف وقف رشاد أفندى أبو حسن ابن حضرة العمدة بين يدى جناب الخديو المعظم، وألقى قصيدة عصماء من تأليفه فى مآثر وأفضال جنابه فى السرادق الضخم الذى أقيم بالباجور.

الباجور :
ـــــــــــــ

    .. ألصقت صفة «المدينة» بقرية الباجور دون أن يكون لها سمة واحدة من سمات المدن، وصار المركز الوليد يضم مدينة واحدة وهى الباجور، وهى مدينة شديدة التواضع، ويغلب عليها طابع «الترييف» شأن كل بنادر الأرياف، إضافة إلى 47 قرية، و106 عزب .

   سميت الباجور بهذا الاسم نسبة إلى التسمية التاريخية للقرية القديمة «بيجور»، وعلى مر الأيام تم تحريف الاسم ليصبح «الباجور»، وإبان دراستى فى مدرسة الباجور الثانوية المشتركة أخبرنا أحد المدرسين المتحذلقين أن اسم الباجور مشتق من كلمة فرنسية :«Pas Jour»  وتعنى:«ولا يوم»؛ لأن جيش نابليون واجه عندما مر بها مقاومة شرسة من أهلها، فلما أخبره أحد ضباطه بضرورة إراحه الجنود يوما أو يومين فى هذا المكان؛ أجابه نابليون: «Pas Jour  ولا يوم».

    وهو كلام شديد السذاجة، فإذا افترضنا أن اسم «الباجور» قد أُطلق عليها مرتبطاً بتلك الواقعة التى تعود إلى ما بين يوليو 1798 وأغسطس 1799 (فترة بقاء نابليون فى مصر)؛ فماذا كان اسم المكان قبل ذلك التاريخ ؟!

    ثانياً: أنه لم يثبت تاريخيا من تتبع خط سير جيش نابليون فى مصر أنه مر بتلك المنطقة .

    ثالثاً: أنه لم يثبت ثمة دور للمنوفية كلها فى مقاومة الغزاة؛ فالثابت تاريخيا أن بعضاً من عائلات المنوفية الضالعة فى الخيانة والموالية للغزاة كانت تمهد الطريق أمامهم، والأمثلة كثيرة فى بطون كتب التاريخ.. وأن حادثة دنشواى التى اتخذتها المحافظة عيداً قومياً ومن مفردات أحداثها شعاراً لها كانت حادثاً عفويا، وكان يحمل سمات المشاجرة وليست المقاومة، وقد قام محمد حبيب عمدة زاوية الناعورة ـ مركز الشهداء بأحقر الأدوار فى مساعدة الإنجليز فى تجهيز أدلة إدانة الأهالى الذين علقوا على أعواد المشانق فى دنشواى، تلك الأدلة التى صاغها فى قالب قانونى المحامى إبراهيم الهلباوى ممثل الادعاء.

تلوانة:
ــــــــــــ

     تقع قرية تلوانة فى غرب مركز الباجور، وتحدها قرية شنشور جنوبا وقرية فيشة الصغرى شمالا، وقرية بى العرب شرقا، وقرية هيت غربا، وتبلغ مساحة القرية 1290 فدانا و15 قيراطا  .

     والقرية بطبيعتها شأن كل القرى المصرية ظلت مقترنة بثالوث التخلف الإنسانى (الفقر ـ الجهل ـ لمرض) بما جعلها طاردة للسكان، وجعل أبناءها يرون أن الخروج منها يمثل لهم الخروج من الجحيم؛ فمن خرج من العناصر الواعدة لم يفكر فى العودة؛ لانتشال الآخرين أو محاولة الأخذ بأيديهم؛ فبقى الجحيم جحيماً .. وازدادت نيران سعيره حين لم يتبق على مزاود القرية سوى «أشرار البقر» الذين بقوا على مداود التخلف إلى يومنا هذا، يضيفون إليه ولا ينقصونه .. ويتمترسون خلفه مدافعين عنه ولا يبارحونه .. وإن ارتأى بعضهم إحداث تغيير فهو فى أغلب الأحوال لا يزيد عن كونه «تحديثاً للتخلف» يزيد السيء سوءاً!! 

     ..وجغرافيا القرية ذات طبيعة منبسطة، وهو ما منح البشر فيها سمات تقترب من هذه الطبيعة، فهم هادئون ربما بسبب الحضور الدائم للخضرة والماء واعتدال المناخ، ولكنهم غير مباشرين، وملتوون مثل الطرق التى يسيرون عليها، والترع التى يشربون منها ويسقون حقولهم وبهائمهم، وهو ما يطلق عليه «خبث الفلاحين» الذى يفتقد المباشرة، فلابد من لزوم ما يلزم من التمهيد بما يدغدغ المشاعر، والمقدمات الطويلة والديباجات المنمقة، والكلمات الفضفاضة والممطوطة التى يكون هدفها المداهنة للحصول على منفعة دون عطاء.

   ولم ينتج ذلك الفكر الملتوى سوى أخلاق أكثر التواء أورثتهم فقراً بين أعينهم لا يفارقهم، وعلى تلك الحال قامت الكثير من الجرائم «غير المنظورة» التى رصدتها أبحاث المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية، والتى أرجعتها الدراسات إلى عدم تهذيب الغرائز، وعدم الالتزام بقيم الصدق والحق، وشهادة الزور والغلول وأكل حقوق الناس بالباطل والجور فى المواريث، والكيد والتآمر لجلب منفعة، أو دفع ضرر محتمل أو عقاب مستحق أو تهرب من أداء حق واجب وتبرير ذلك ـ من وجهة نظرهم ـ  بأنه ينطوى على المهارة والحذق فى التعامل ويبلغ حد الكياسة والحكمة والرشد.

    .. ويتداول البعض المقولة: «المنوفى لا يلوف (لا يألف) .. لو أكلته لحم الكتوف (الأكتاف).» بمعنى أنهم لا يألفون الناس؛ للطعن فى قيم الوفاء عند المنايفة وإلصاق إحدى صفات المنافقين بهم، وعند تأصيل تلك المقولة، وجدنا أن الأصل فى إطلاقها يرجع إلى نساء القاهرة من الأمهات فى الأحياء الشعبية القريبة من الجامع الأزهر حيث يسكن الطلاب المجاورون، وكانت تتولى أسر تلك الأحياء رعاية المجاورين من طلاب الأزهر وتخفيف أعباء الغربة عنهم على أمل تزويج إحدى بناتها من أحد علماء المستقبل أو المشايخ أو قضاة الشريعة، وكانت حيلتهن تفلح مع كثيرين منهم من أبناء المحافظات الأخرى،  لكنها فى أغلب الحالات تفشل مع «المنايفة» الذين كانوا يحصدون المنفعة فى وقتها بانتهازية سافرة وعارية من قيم النخوة والرجولة، ودون أدنى حد من مراعاة فضائل الشرف والأخلاق والصدق .. وفى النهاية يفضلون العودة إلى قراهم والزواج منها ممن هن على شاكلتهم، ومن نفس نسيج قطعة ثوبهم عملاً بموروثهم الثقافى: «خذ اللى من توبك»!!

    .. ويتداول المنايفة فى تفسيرهم لتلك المقولة رواية ثانية يرجعونها إلى العصر المملوكى بشأن شهادة حق عن جريمة قتل فى مواجهة إغراءات بشهادة الزور .. وهى رواية افتقدت التوثيق ولم يدعمها سند من أقوال الرواة أو الإخباريين فضلاً عن تناقض وعدم اتساق مسار السرد فى تلك الرواية !! ..

   وتظل العبارة: «المنوفى لا يلوف.. لو أكلته لحم الكتوف.» ماضية فى مسارها كطلقة طائشة مجهولة المصدر قد تصيب فى مقتل بعض المنايفة، وقد تخدش أو تدمى بعضهم، وقد لا تؤثر فى الجلود السميكة لبعضهم .

   ...  ومع ذلك لا يمكن قبول تلك المقولة الشعبية على عواهنها؛ فهى شأن الكثير من مثيلاتها تندرج تحت مصنف الموروثات الشعبية المتداولة والمتواترة تقع فى خطأ التعميم؛ فطبائع الأمور تؤكد دائما وجود الاستثناء، والاستثناء يثبت خطأ القاعدة اللهم إذا كان لدى الباحث إشكالية الانحياز الكامن لفكرة ما فى النموذج الإدراكى .

 
خريطة مركز الباجور وموقع قرية تلوانة

شوارع القرية وترعها :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

     كانت شوارع القرية ضيقة وملتوية .. لكنها كانت نظيفة فقد اعتادت القرويات رش المياه والكنس أمام أبواب البيوت لما ترسخ فى أذهانهن من أن نظافة مداخل البيوت من الأمور التى تطرد الشيطان وتجلب البركة وتوفر الرزق .

    .. وكانت النفايات التى يتم جمعها كلها منافع؛ فكانت تستخدم كوقود لأفران الخبيز، والكوانين «مواقد الطبيخ الطينية»، وتدفئة القاعات وتسخين المياه فى الشتاء، وكان التراب المتخلف عن ذلك يستخدم فى تسميد الحقول .

    .. وأسهمت القرويات الفقيرات فى نظافة الشوارع من باب المنفعة المتبادلة؛ حيث كن يقمن بجمع روث الماشية من الطرقات، وتجفيفه فى شكل أقراص مستديرة لبيعها وقوداً للأفران؛ فأسهمن فى إعادة تدوير المخلفات بما يحقق نظافة الشوارع، ويضمن لهن أيضا فى ذات الوقت ما يكفيهن ذل السؤال .

     وكان ماء الترع عذباً وصافياً ورقراقاً وكان يحظى بقداسة هى خلاصة اختلاط رقائق الحضارات فى مصر، تلك القداسة التى عصمته من الاجتراء عليه؛ لما ترسخ فى ثقافة القرويين من أنه: «ملعون من لوث النهر .. ملعون من أفسد على الناس مشربهم»، وأن من أفسد الماء يؤتى به يوم القيامة ليصلح برموش عينيه ما أفسده، وما هو بمستطيع؛ بما يجعله فى عذاب مُقيم .

   كان القرويون يزرعون أشجار التوت والنخيل على سبيل الصدقة الجارية، وأشجار الصفصاف والكافور مما جعل صباح القرية دائما طازجاً وبكراً ومعطراً برائحة الكافور، وكانت نسمات المساء تحمل إلينا رائحة زهور البرسيم، وعطر زهر الليمون والبرتقال .

الفوانيس و«السراج» :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   كانت شوارع القرية تضاء بمصابيح الكيروسين فى فوانيس متباعدة مثبتة فى حوائط البيوت فى غير الليالى القمرية فقط .. حيث يتولى عامل وحدة الشئون الاجتماعية عم عبد الغنى شبايك (يرحمه الله) الذى كان يشغل وظيفة «السراج» أو «المشاعيلي».

    كان السراج يطوف بالقرية مرتين يومياً حاملاً سلماً خشبياً صغيراً، مرة قبيل أذان المغرب ليسرج المصابيح، ومرة أخرى فى الصباح بعد شروق الشمس ليطفئها، وينظف بنورتها، ويزودها بالكيروسين.

    كان عم شبايك يؤدى عمله فى صمت وصبر، ودون أن يأبه بمشاغبات أطفال الناحية من خلفه، وهم يرددون الأغنية :
«عفريت الليل بسبع رجلين..
 وعيونه سود فحم العود..
وسنانه بيض من أكل الدور»

عم محمد «الفنطاس»:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

     كان فى تلوانة أربعة صنابير مياه عمومية، اثنان منهما بالناحية الغربية، واثنان فى الناحية الشرقية .. كان حارس الصنبور القريب من دارنا بمنطقة «كوبرى السرود» عم محمد البربرى (يرحمه الله) الذى كان أهلنا فى تلوانة يطلقون عليه لقب «الفنطاس»، كان كلمة الفنطاس تعنى خزان المياه، ثم لم يلبث أن انسحب اسم «الفنطاس» ليصبح لقباً لعم محمد .

     .. كان عم محمد الفنطاس يقيم بشكل دائم صيفاً وشتاء وليلاً ونهاراً إلى جوار صنبور الماء وكان يسترزق مما تقدمه له القرويات من طعام، وما يتعطف عليه به أهل البر من كساء وغطاء .

    لكن الرجل الذى ضعف بصره، وانحنى ظهره لم يكن يسلم من مشاكسات بعض صبية القرية؛ فكان يهرع وراءهم بعصاه قائلاً عبارته المشهورة مخاطباً المارة :

    ـ «إمسك .. يسترك .».

    فإذا لم يجد إجابة لطلبه أردف هامساً لنفسه، ومعزياً لها عن خيبة الرجاء قائلاً :

    ـ «فلت، وجرى .» .

     حتى صارت العبارة: «إمسك .. يسترك، .. فلت، وجرى.» من العبارات التى يتناقلها البعض للتعبير عن كوميديا الموقف.

     كان المستورون من أهل القرية يستخدمون «الملاّية» لجلب الماء من الصنبور العام مقابل أجر شهرى،  كانت «الملاّية» هى البديل النسائى لمهنة السقاء لاعتبارات ريفية، وكانت «الملاّية» تنقل الماء إلى أهل الدار فى جرة من الفخار تحملها فوق رأسها على حاشية من طوق قماش ملفوف يسمونه «لواية» أو «حواية».

      .. كانت ملاّية دارنا خالتى هنية التهامى بكر «أم إبراهيم» (يرحمها الله) ، كانت خالتى هنية ممشوقة القوام، مستوية القامة، عفية تمشى الهوينى تحت ثقل جرة المياه .. وكانت عزيزة النفس رفضت أن يعولها ابناها، وآثرت أن تأكل لقمتها من كدها وعرق جبينها .


عادات الزواج :
ـــــــــــــــــــــــــ

     لا أعرف لماذا لم يفارقنى أبداً الشعور بأن أيام الفرح فى قريتنا هى ساعات مختلسة من «زمن الخوف»؛ فإذا ضحكنا من القلب توجسنا الشر، وقلنا: «اللهم اجعله خير»، وأن ليالى الفرح دائماً متبلة بطعم الحزن، ولون الدم .

        كانت عادات الزواج فى القرية بسيطة تبدأ بالخطبة وتقديم الشبكة التى تتفاوت قيمتها بتفاوت المكانة الاجتماعية والحالة الاقتصادية للعروسين بين عُقد من الكهرمان، أو عُقد من الذهب أو الفضة يطلق عليه البعض «كردان» أو «لبة» بدور واحد أو بعدة أدوار، أو قرط ذهبى على شكل هلال، كان أهلنا فى تلوانة يطلقون عليه «الحلق المخرطة» لتقارب شكلى الهلال و«مخرطة الملوخية»، أو سوار من الذهب أو الفضة يطلق عليه البعض «غويشة» أو أكثر، أو خلخال من الفضة أو من الذهب .

    ثم يقبض ولى العروس مهرها قبيل العقد ليبدأ فى إعداد شوارها «جهازها».. كان الشوار بسيطاً، ويتكون من صندوق خشبى لحفظ الملابس يحمل على جنباته صوراً من رسوم شعبية لعنتر وعبلة، وخضرة الشريفة، وأبو زيد الهلالى، ومرآة زجاجية فى إطار خشبى، وبعض الأغطية، وأوانى الطبخ، وحشية ووسادة من القطن للنوم يقوم المنجد بصنعهما .. تتناغم ضربات المذبة على القطن، ودقاته بالدقماق على وتر القوس مع نغم الطبلة وغناء النسوة بأغانى التنجيد :

«يا منجد علّى المرتبة
عروستنا حلوة مؤدبة
يا منجد علّى المرتبة
عروستنا ناعمة غُريِّبة
 يا منجد علّى المرتبة
اعمل حساب الشقلبة»

    كان للموسرين من أهل القرية مسلك آخر فى تجهيز الشوار يقترب أحيانا من عادات أهل البنادر، لكن كان  يجمع بين الفقراء والموسرين زفة جهاز العروس الذى تحمله الجمال، والتى كان يتقدمها بنغمات مزماره الشيخ راشد عبد الجليل يصاحبه بإيقاع طبلته عم بدوى السرساوى ماسح الأحذية بأغنيته الشهيرة:

« آه يا دلال يا وله
والعمدة خالك يا وله
آه يا دلال يا وله
والباشا عمك يا وله»

 كانت تلك الكلمات لا تتغير سواء كان خال العروس عمدة أو أجيراً أو كان عمها باشا أو كلاف ماشية !!

      فإذا ما نفحه أحد أقارب العروس على سبيل النقطة تعريفة (عملة من فئة 5 مليمات)، أو قرش صاغ غير نغمة المزمار، وردد الكورس من ورائه:

«يحيا أبوها يحيا
عوج الطربوش على ناحية
يحيا أبوها وشنبو
اللى ما حدش غلبو
قولوا لأبوها الله كتر خيرك
ربى وكبر واللى خدها غيرك (1)

    سواء كان أبو العروس من لابسى الطرابيش، أو من لابسى اللبد أو الطراطير، أو أنه يرتدى طاقية ممزقة يخرج من نسيجها شعر رأسه أو أنه يربط رأسه بمنديل محلاوى.

       .. وأيضا كان يتم زفاف طحين العرس بالمزمار والطبلة والغناء فى رحلته من وإلى وابور الطحين، وكانت الفتيات يرددن الأغنية :

«يا ام العريس .. الله يتم عليكى
يا مسعدة .. والسعد ملو إيدكى
القلب أبيض فلة .. والدقيق علامة*(2)»

    وتنتهى مراسم الزواج بليلة الزفاف التى يطلقون عليها «ليلة الدخلة».. والتى تسبقها ليلتان لا تقلان عنها فى الأهمية، وهما: ليلة «الجلوة» وليلة الحنة.

     وفى ليلة «الجلوة» تقوم صديقات العروس بمساعدتها فى حمام العرس، وتمشيط شعرها، وغسل كعوب رجليها لأن المأثور فى العرف الريفى يقول إن: «اللى ما تحنى كعبها .. ما يدق الفرح قلبها.»؛ ليبدأ عمل البلانة قبل ليلة الحنة .

     وليلة الحنة هى الليلة السابقة لليلة الزفاف، وفيها يتم وضع الحناء على رأس العروس وقدميها ويديها .

   .. فى ليلة الزفاف تزف العروس إلى دار عرسها، وتبدأ مأساة فض بكارة العروس؛ حيث تقوم الداية بالمهمة باستخدام إصبعها الملفوف بالمنديل، تساعدها سيدتان تمسكان بالعروس بشدة .. وبعد فض البكارة بتلك الوحشية، يؤخذ المنديل المستخدم وبه آثار الدماء، ويطوف به أهل العروس القرية معلنين عن شرف البنت الذى لم يمس؛ وقد يتزيد البعض فى ذلك الأمر فيعدون منديلين ملطخين بالدماء أحدهما يطوف به الرجال شوارع القرية، وآخر تطوف به النساء وهن يرددن الغنوة :

« يا أبو الجدايل*(3) يا قصب
.. عندنا فرح واتنصب
.. خد المنديل بدمها
.. ونزل يفرج عمها
قولوا لأبوها إن كان جعان يتعشى
يركب حصانه وفى البلد يتمشى
.. قولوا لأبوها الدم عبى الفرشة (ملأ الفراش)
.. قولوا لأبوها إن كان تعبان يرتاح
.. قفل متربس وجاله المفتاح» .

   والمنديل الثانى يحمله رجال العائلة على أطراف النبابيت فى خطوات أقرب إلى الهرولة، ويتقدمهم بعض حملة مشاعل النار على الشماريخ، وهم يتغنون بالأغنية:

« يا برسيم على أول حشة
جيت أحشه لقيته لسه»

    .. كانت الغنوة ترمز مجازاُ إلى البكارة، والشرف المصان الذى لم يمس .

    وبعد فض بكارة العروس تبدأ مراسم عشاء العروسين «حلة الاتفاق»، وتنتهى «ليلة الدخلة» بمراسم «الصباحية» .. كان يستوقفنى كم الدماء التى تلطخ المنديل الذى يتراوح طوله من ثلاثة إلى خمسة أمتار .. وهو ما دفعنى إلى مناقشة الأمر مع الأستاذ الدكتور عبد الرحمن نور الدين رئيس تحرير مجلة «طبيبك الخاص» الأسبق، الذى أكد لى أن هذا مستحيل من الناحية الطبية .. إلا فى حال النزيف، وتلك كارثة طبية، وأضاف ضاحكاً: «أن دماء المنديل على تلك الصورة ما هى إلا دم دجاجة أو أرنب مذبوح!!» .

    .. واستشعرت أننا أمام حالة خداع تجيدها الدايات المحترفات، ويعتبرنها سراً من أسرار المهنة التى ورثنها عن الأمهات والجدات، ولا يبحن بها للغرباء !!

    وتسلطت علىّ «إرادة المعرفة» فناقشت الأمر مع الداية فاطمة أبو يوسف (أم أمين)، كانت المرأة مراوغة، وأبدت بعضاً من السادية؛ ظهر واضحاً فى استشعارها الفخار بما مارسته من أفعال بحق نسوة القرية، وكان حديثها ذا ملمح بذئ.

     وبقيت الرغبة فى المعرفة قائمة، وتمثل لى صداعاً مزمناً لا يبارحنى، ولا أستطيع نسيانه؛ ففى لقاء صحفى مع إحدى الدايات العجائز التى تقاعدت بعد أن كف بصرها .. لخصت لى العجوز الحكاية فى عبارة واحدة .. قالت:

   ـ «شوف يا ابنى هما كلمتين: إنهم يريدون شرفاً زائفاً، ونحن نعطيهم ما يريدون، ونأخذ منهم ما نريد من المال والعطايا .».

     .. فالكثيرات من البنات الريفيات يفقدن عذريتهن بين جدران الزرائب ووسط مزروعات الحقول .. وكانت أم البنت «تكفى على الخبر ماجور» .. بمعنى «كتمان السر»، والبركة فى الداية التى تكون قد أعدت كل شئ لزوم الستر .. كما أن كثيرا من شباب الريف قد مارس شذوذ الاتصال الجنسى بالحيوان قبل الزواج؛ وهو ما يجعل الممارسة الجنسية لديه تتسم بحالة من العنف لا تطيقها المرأة، ولا تتفق مع طبيعتها، لذا فإن وجود الداية فى تلك الليلة ضرورة .

     والاتصال الجنسى بالحيوان حالة من الاضطراب الجنسى يطلق عليها علمياً اسم «Zoo Phlia»، وقد قيدت سجلات محكمة شبين الكوم أوراق دعوى خلع رفعتها هـ . ج . ، ضد زوجها خالد (...) الذى يفضل العلاقة الحميمة مع حمارة على ممارسة الحب معها !!

   فى السنوات الأخيرة سمعت الكثير عن عمليات «اصطناع البكارة» و«غشاء البكارة الصيني» و«غشاء البكارة البلدى» بعد أن ابتلى مجتمعنا بوباء الزواج العرفى، وأصبحت مسألة «اصطناع البكارة» ساحة للعراك الدينى عبر سجال الفتاوى بين من أحل وأباح من منطلقات الستر، وبين من حرم وجرم من منطلقات الغش، وما يترتب عليه من بطلان العقد، وفساد رابطة الزواج.

     .. ولم يكن يعنينى فى قليل أو كثير ذلك العراك الدينى أو السجال الفقهى أو الجدل الأخلاقى؛ لكونها ليست أكثر من محاولات لرتق نسيج بالٍ اتسع خرقه على الراتق، لكن ما كان يهمنى أننا أصبحنا مجتمعا فى أزمة حقيقية .. أزمة جعلته بين شقى رحى غرائزه وعقائده!!

   .. أزمة جعلت أفراحنا بطعم الحزن، ولون الدم، ونتن الخداع!!

السهم يشير إلى الكاتب الصحفي الأستاذ ياسر بكر في أحد الأفراح بقرية تلوانة


عادات الجنائز
و«فن الحزن» الجميل:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    .. فى رحم اليتم نشأت.. عانيت من وخزات الوجع التى يحدثها فى القلب، والتى ظلت تداهمنى على غير موعد ولا ساعة انتظار؛ فتوقظ آلاماً وتهيج أحزاناً، وتترك فى القلب ندبات من بؤر الشقاء التى تتدفق فى نهر اللا شعور لتنبئ عن حالة الفقد .. وتجعل الحواس أكثر تفتحاً وتفهماً وتفاعلاً مع معانى الفراق، أيا كانت أداته أو وسائله سواء كانت كلمة فى غنوة، أو نغمة فى لحن، أو جملة بصرية فى صورة أو رسم أو نقش.

     .. إنها حالة شديدة الخصوصية قد لا يحسها إلا من عاش التجربة!!

     .. كانت الجنائز فى قريتنا لا تقل صخباً وضجيجا عن الأفراح، وتعكس حالة من الفقر الثقافى والتدنى الاجتماعى والانحطاط الحضارى.. وتبدأ مراسم الجنائز حسب العرف الريفى من ساعة العلم بحدوث الوفاة؛ فتبدأ النسوة اللائى تلقين «الصدمة الأولى» بالعويل و«الندب»، والندب هو لطم الخـدود، وشق الملابس، والضرب بشدة على الصدر، وتتزيد بعض النسوة فتهيل التراب على رأسها، وتلطخ وجهها بالطين أو النيلة الزرقاء أو زهرة الغسيل تعبيرا عن عمق الفاجعة .

     تصاحب عملية الندب حالة من الغنـــاء البكائى الذى يطلق عليه:«العدودة» والاهتزاز العنيف فى حركة هيستيرية أقرب إلى رقص الزار، وتشبه إلى حد كبير حركة الطائر الذبيح، لكنها فى كل الأحوال تمثل شكلاً من أشكال الفنون العفوية لتفريغ الطاقة، والتى يتم التعبير عنه بالكلمة والحركة وغيرها من المؤثرات الأخرى مثل إهالة التراب على الرأس، وتلطيخ الوجه بالطين وغيرها من الأفعال التى تكشف عن لوعة النفس وانكسار القلب اللذان خلفتهما حالة فقد عزيز .

    والعدودة جزء من الموروث الشعبى التشافهى المجهول المؤلف والمتوارث؛ لذا فهى تتسم بالمرونة، والميوعة؛ فتخضع للحذف والإضافة حسب مقتضى الحال شرط الاحتفاظ بالوزن، والإمساك بالقافية التى غالباً ما تكون بالتنوين بالكسر .. فضلاً عن كونها إبداعاً نسائياً خالصاً تخصصت فيه النساء لأنهن أكثر إحساساً باللوعة، وأوجاع الفقد من الرجال.

     والعدودة قريبة الشبه بالسيمفونية، فكلاهما يتكون من عدة أجزاء أو حركات؛ فالسيمفونية أربع حركات، والعدودة ثلاث حركات، الحركة الأولى فى العدودة: هى مرحلة «الاستهلال» وتبدأ هادئة حيث تبدأ المعددة القائد (الشلاية) فى وصف الحال بأسلوب رصين، وتبيان حال المتوفى (رجل ـ امرأة ـ طفل ـ شاب ـ فتاة ـ كهل ـ عجوز)، ثم تبدأ المرحلة الثانية: وهى «الشبشة» وتتسم بالسرعة وعلو الصوت ويزداد الانفعال ويزداد الهياج العصبى، وتندلع لواعج النفس لتعبر عن حرقة القلب ولوعة الفراق، وشيئاً فشيئاً تنتقل المعددة القائد (الشلاية) إلى المرحلة الثالثة: وهى «التطويحة» وتتسم تلك المرحلة بمد حروف الكلمات تمهيداً للانتهاء.

    كانت المعددة القائد (الشلاية) فى قريتنا هى فرح بنت حليمة كودية الزار.. هكذا كنا ندعوها منسوبة لأمها حليمة فلم يعرف لها أحد من أهل القرية أباً .. كانت فرح بنت حليمة امرأة حبشية شديدة السواد، وكانت ترتدى ملابس أقرب إلى ملابس الرجال، ولم يكن يظهر من ملامح وجهها سوى بياض عينيها وأسنانها إذا ضحكت أو تكلمت .. كنت أخافها وأهرب عندما أراها .. جاءت المرأة إلى دارنا أكثر مرة فى محاولة لاستمالتى بقطع الحلوى، لكنى كنت موقناً أنها أمنا الغولة التى حكت لى خالتى فاطمة البربرى عنها فى الحدوتة، خالتى فاطمة البربرى هى زوجة ابن عمى على بكر .

   ضحكت  فرح بنت حليمة، ولم يزدنى ضحكها إلا نفوراً منها !!

    .. ولأن المصائب تجمع المصابين؛ فسرعان ما ينضم للنسوة من أهل الميت نساء القرية المكلومات من الحزانى والثكالى والأيامى والأرامل فى حلبة «الندب»، ويشكلن دوائر تلتف حول بعضها فى تداخل غير مدروس، وكأنها لوحة لتابلوه من الغناء البكائى والرقص الحزين!!

     وتعد أكثر أنماط العديد ذيوعاً تلك التى ترددها المعددات المحترفات وتنحصر فى ثلاثة أنماط :

     1 ـ عدودة تخاطب الميت، وتبين حال أهله من بعده.
   2 ـ عدودة تسدى النصح للأرملة التى مات زوجها حتى تتخطى فاجعتها.
     3 ـ عدودة تصف حال اليتيم الذى فقد ملاذ الأب وعزه.

.. ومن نمط العدودة التى تخاطب الميت وتصف تأثير حال فقده :

«القبر قال له انزل وانا اتلقاك
آنستنى وقَطعت باللى وراك
القبر قال له يا مرحبا يا زين
انت صغير، وانا ضلامى شين
القبر قال له يا مرحبا يا حُرْ
انت صغير وانا ضلامى مُرْ»
والنمط الثانى من العدودة يتمثل فى إسداء النصح للأرملة التى مات عنها زوجها حتى تعبر أوجاعها، وتصل بأولادها إلى بر الأمان:
« يا صغيرة  يا أم تُلِّيه *(4)
بدرى عليكى  م الهُجُوليه *(5)
يا صغيره يا عاقده الأكمام
بدرى عليكى من شبكة الأيتام
ربِّى اليتامى ووسـعى كمامك
وخدى الحديت والطعن ف جناِبك
واتجَّلدى لما يكـبروا اولادك»
والنمط الثالث من العدودة ذلك الذى يصف حال اليتيم :

«والله اليتامى وَردهم دبلان
وقعادهم وسط الصغار بيبان
والله اليتامى وردهم مــايل 
وقعادهم وسط العيال باين
والله اليتامى وردهم  قطفـــوه
وقعادهم وسط الصغار عِرفُوه
والله اليتامى وردهم مقطـــوف
وقعادهم وسط الصغار معروف»

      كما توجد أنماط أخرى من «العدودة» عن فقدان الكبير ولو كان عضما فى قفة، والفراغ الذى يخلفه خلو مكانه، بما يحمله من غياب الحكمة وافتقاد المشورة الصائبة، وكذلك «العدودة» عن فقدان الأم وما يستتبعه من افتقاد الملاذ والحضن الدافئ والمحبة الصادقة، كما كانت توجد بعض أنماط «العديد» عن أحوال بعينها مثل حال المرأة المتوفاة التى لم تنجب حيث تقول المعددة القائد (الشلاية):

«مال الولية نعشها مايل؟!»
فترد عليها النساء مولولات :
«ملهاش ولد وسط الرجال شايل».
     وأيضا كان التعبير عن الضعف الإنسانى للرجال مسموحاً به؛ فالموروث الثقافى فى قريتنا يرسخ لمفهوم أن: «ساعة الفراق الحجر بيلين»؛ فكان من المألوف أن تجد رجلا يجهش بالبكاء، أو يجعر فى ألم بعزم الصوت!!

     كان عم مغربى الناعى يطوف شوارع القرية ليعلن عن الوفاة بصوته فيما يشبه النعى الذى تنشره الصحف معلنا ومعدداً صلات القرابة والنسب التى تربط الأحياء بالمتوفى، فإذا لم يكن للمتوفى عزوة اختتم النعى بالعبارة:«وقريب جميع عائلات تلوانة» .

     .. كنت أتعجب من ذلك؛ فالفقير والمقطوع من شجرة الذى لم يهتم أحد بأمره يوماً، والغريب الذى عاش بيننا مثل عشب الشوك فى حقل قمح يصبح قريبا لجميع عائلات تلوانة يوم يتغمده الله برحمته.. وكنت أستشعر أن تلك العبارة بمثابة اعتذار غير مجدٍ لذلك المتوفى عن قسوة قلوبنا، وإهمالنا له فى حياته .

      وبعد دفن المتوفى، تقوم بيوت المستورين من أهل القرية بإخراج صوانى الطعام للمعزين المنتقلين من القرى المجاورة، وبعد الغداء وصلاة العصر تبدأ مراسم العزاء بتلاوة آيات القرآن الكريم فى دور العزاء الخاصة بكل مجموعة من العائلات التى تربطها وشائج القربى أو علاقة الجيرة أو الشراكة، ويبلغ عددها فى قريتنا 9 دور منها 6 فى الناحية الشرقية مسماة بأسماء الدروب التى تقع فيها :
الدوار البحرى، ودوار السجاعية، ودوار الحتايتة، ودوار الأربعين، ودوار البراشمة، ودوار الشرم، وثلاثة فى الناحية الغربية مسماة بأسماء مواقعها أو العائلة التى تملكها :

      دوار الدرب الكبير، ودوار أبو عمارة، ودوار درب خير.

     بعد الانتهاء من العزاء تبدأ مرحلة الحداد التى قد تستمر لمدة سنة تُحرم فيها كل مظاهر البهجة، فالملابس سوداء، وتُحّرم الملابس الملونة، ويقتصر الطعام على البتاو والمش وقطع البصل، ويُحرّم تماماً طبخ الملوخية الخضراء، وملفوف الكرنب، والأرز باللبن، والعصيدة، والفطائر بأنواعها؛ لكونها فى العرف الريفى أطعمة معبرة عن الفرحة!!

    .. كان مناط الأمل ومعقد الرجاء فى تغيير ذلك الواقع المُزرى هم خطباء المساجد عبر الخطاب الدينى القويم؛ فالعواقل معاقل .. لكن كان هؤلاء كانوا مخيبين للرجاء؛ فهم أقرب إلى الشخصيات الفلكلورية التى تصلح للإضحاك عبر كوميديا الفارس، وليس الوعظ !!

     كان فى القرية أربعة مساجد، اثنان فى الناحية الغربية وهما  المسجد الغربى، ومسجد سيدى محمد الحجازى، واثنان فى الناحية الشرقية، وهما مسجد سيدى محمد الأربعين، ومسجد سيدى يوسف أبو الحجاج.

     .. كان خطيب  المسجد الغربى الشيخ محمد درغام، ولم يكن الرجل مؤهلاً للوعظ، وكان ضعيف البصر.. كان مصدر وعظه ذلك الخطاب المُستقى من الكتب القديمة الصفراء؛ لذا لم يكن مستغرباً أن يدعو فى نهاية خطبة الجمعة لسلطان المسلمين جلالة السلطان عبد الحميد الثانى أو شقيقه السلطان عبد العزيز، ولم يكن مستغربا أن يتعثر فى قراءة كلمة غير واضحة الحروف فى الورقة التى أعدها له ولده، فيتلعثم مخاطباً نفسه هامساً:«الله يخيبك يا غريب يا ابنى .. بقى دى كتابة، ولا ده خط يا وله!!»، ثم يتخطى الجملة؛ تاركاً فجوة فى السياق؛ فيصير الخطاب مفككا فاقداً للمعنى والمضمون .

    ولم يكن مسجد سيدى محمد الحجازى الذى تم ضمه للأوقاف أحسن حالاً؛ فقد حالت ميزانية الأوقاف دون توظيف خطيب للمسجد؛ فتتابع عليه خطباء من كل حدب وصوب يعملون بالمكافأة من غير المؤهلين، ولكل كانت سقطاته!!

     كان خطيب مسجد الأربعين الشيخ عبد الحكيم المرسى، ولم يكن الرجل مؤهلاً، وكان خطابه فكاهياً ومعاداً ومكرراً، ومن خطابه المتكرر والذى يغلب عليه طابع الزجر:

    «أتزحزحون البتن (الحدود الفاصلة بين الأراضى الزراعية) عن الحديدة (علامات المساحة)، وتريدون أن تدخلوا الجنة؟!! .. يا أخى هوووووه .
.. أتدخنون الحشيش، وتأكلون الأفيون، وتريدون أن تدخلوا الجنة؟!!.. يا أخى هوووووه .»

      وقد كان الخطاب يأتى دائما خالياً من الأحكام !!

     أما خطيب مسجد سيدى يوسف أبو الحجاج فكان الشيخ طه حسن، ولم يكن مؤهلاً، وكان خطابه منقولا من كراسات جدى لأمى الشيخ أحمد عبد الله (يرحمه الله) الخطيب السابق للمسجد .

       كان الشيخ طه حسن يمثل حالة من العوار فى الخطاب الديني؛ فقد كان الرجل كفيفاً ومزواجاً، ومدمناً لمخدر الحشيش، وتحت تأثير «السطل» كانت تحدث المفارقات التى تبلغ حد المهازل، وتصل أحيانا إلى ذروة المساخر بما يجعله غير مؤتمن على صعود منبر رسول الله .

***

.. كان الخطاب الدينى متخلفاً وساقطاً، وكان خليطاً من الفكر الدينى والأساطير والحواديت والخرافات والقبوريات.. وظل ينحدر من سيء لأسوأ، وبلغ ذروة الانحطاط فى خطاب «أمراء التكفير».

 الاحتفال بالأعياد:
ــــــــــــــــــــــــــــ
        
كانت أيام وليالى الأعياد أيضا لحظات مختلسة من «زمن الخوف»، ففى احتفالات المولد النبوى الشريف كان يوم المولد هو اليوم السنوى لتناول الحلوى المشكلة فى صورة عروسة للبنات وصورة حصان للأولاد، كان المستورون من أهل القرية يطهون فى تلك المناسبة أطباق الأرز باللبن والمهلبية وشطائر الزبدة والسكر، والزلابية والبقلاوة والعصيدة .

     فإذا كانت أحوال القرية تشى بحالة مواتية من الرخاء، ووفرة المحصول قام بعض المتنطعين بجمع أموال من بيوت القرية لإحياء ليلة المولد «لزوم التفاريح»، يدعون إليها الشاعر فتحى سليمان، والشاعر فتحى سليمان فلاح من قرية «زاوية جروان» مركز الباجور، وكان يحفظ السيرة الهلالية، ويجيد العزف على الربابة، وقد عاش طوال حياته فلاحاً يزرع أرضه، ورغم شهرته لم يعتبر روايته للسيرة الهلالية مهنته، بل هوايته.

     كان الشاعر فتحى سليمان يرتدى الزى الأزهرى العمامة والفراجية فى أناقة يفتقدها عمدة قريتنا الحاج محمود أبو سليمان آخر العمد المحترمين فى تاريخ قريتنا .

   كان الشاعر فتحى سليمان يجلس على أريكة فى جرن المولد عند كوبرى السرود، ويبدأ الإنشاد معرفاً نفسه للمتلقى قائلاً:

« أنا الشاعر فتحى سليمان
لا بحب هيصة، ولا كتر كلام
يا سامع كلامى
خلى بالك معايا
ح أقولك نصيحة غالية فى الأسعار
بعد الصلاة على النبى المختار
يقول الراوى:
يا سادة يا كرام
لكل مقام مقال
.. ولكل حدث حديث .

***
« يقول الشاعر أبو سليمان :

أنا اللى ح غنى
وأروى لكم أشهر الحكايات
وأبدأ كلامى بالصلاة على النبى
.. ما عليك ملام يا اللى تصلى على النبى
اللهم صلى على البدر التمام
مصباح الظلام ورسول الله الملك العلام
ابن زمزم المقام والمشاعر العظام
من كان يصلى بالليل والناس نيام
حتى تورمت منه الأقدام عليه أفضل الصلاة وأتم السلام
.. العلماء العاملين، وأولياء الله الصالحين، وحملة العرش أجمعين،
والخضر وإلياس والمرسى أبو العباس، وأولياء الله من مشارق الأرض إلى مغاربها .. لهم منا الفاتحة .
من قرأ الفاتحة فتح الله عليه
ببركة بسم الله الرحمن الرحيم .»

      .. ويبدأ فى رواية السيرة الهلالية .. لكن أهل القرية سرعان ما انفضوا عن الشاعر؛ ولم تعد غناويه ورواياته تستهويهم فى «زمن الخوف»؛ تلك االغناوى والروايات التى ترسم صورة البطل حامل القيم القديمة عن البطولة والفروسية وإرادة المقاومة؛  فانصرفوا عنه إلى لون آخر من الغناء الراقص، وأصبح المطرب محمد فايد مغنيهم المفضل بما تحمله أغانيه من قيم بديلة.

     وقد أثر الشاعر فتحى سليمان على العديد من أدباء وشعراء المنوفية الذين كان يحضرون حفلاته، وهم فى مرحلة الصبا والشباب، ومن هؤلاء الشاعر محمد عفيفى مطر الذى تحدث عن شخصية الشاعر فتحى سليمان وتأثيره بإعجاب شديد فى أكثر من موضع، لكن تأثير الشاعر على الروائى فتحى إمبابى فاق حدود الاستمتاع بالسيرة الهلالية برواية الشاعر إلى حدود توظيف رواية الشاعر فتحى سليمان فنيَّاً فى بنائه الروائى الذى يتناول «تغريبة المصريين» فى ليبيا فى سبعينيات القرن الماضى فى روايته بعنوان: «مراعى القتل»، حين اختار بطل الرواية عبد الله من مريدى الشاعر فتحى سليمان، وممن تلبستهم البطولة الهلالية التى رباهم عليها بينما كانوا يعيشون فى ظروف أقرب للمذلة والمهانة منها للعزة والكرامة!!
  
     من حسن الطالع أن إحدى شركات الكاسيت بطنطا ـ محافظة الغربية حفظت لنا 36 ساعة من تسجيلات الشاعر فتحى سليمان، مكنت الباحث سيد إسماعيل ضيف من إعداد أطروحته الشيقة بعنوان: «آليات السرد بين الشفاهية والكتابية.. دراسة فى السيرة الهلالية ومراعى القتل».

       كان يسبق «ليلة التفاريح» انتهاء أهل القرية من أعمال موسم الزراعة، فتطبخ ربات البيوت وجبة دسمة يكون الظفر «لحوم الدواجن المطهوة» أهم مكوناتها، وغالبا ما يكون البط (باعتباره من عطايا النهر) تماشياً مع الموروث التاريخى لاختلاط الحضارات المرسوم على المعابد الفرعونية، ويسمون ذلك اليوم «يوم مسح السلب»، والمقصود بـ «السلب» هنا الأمعاء التى يتم تغذيتها بطعام دسم بعد فترة من الطعام الجاف والخشن المكون من البتاو المقمر والمش والبصل أو طبيخ الخبيزة والبصارة والرجلة الفلاحى*(6)
    .. كان أهالى القرية يطلقون على مساء يوم الخميس .. ليلة الجمعة .. «ليلة الزيطة»؛ فيتجمع شباب القرية فى منطقة كوبرى السرود حيث توجد حوانيت البقالة؛ فيشترون منها الحلاوة الطحينية والسميط والعسلية والفول السودانى ولوازم الكيف من قراطيس الشاى والسكر وأكياس الدخان ودفاتر «البفرة» والسعوط وعلب المعسل والسجائر «المكن» بالعلبة أو بنظام «الفرط» ، وما يلزمهم من باعة القصب وباعة البرتقال أو البلح الأمهات والتين البرشومى وغيرها من فواكه الموسم، ويعودون إلى ذويهم لقضاء ليلة هنية، وقبل الفجر تخرج النسوة تتغندرن لملء الجرار لزوم حمام الهناء، وتستقبل الترعة الجارية أفواجاً من الرجال عراة يغطسون فى مياهها؛ ليتطهروا ثم يصلوا الفجر؛ لتنتهى «ليلة الزيطة»؛ وتشرق شمس يوم جديد .

     .. قبيل رمضان تنتفض القرية من ركودها، بالاستعداد لرمضان بشراء الياميش الذى كان مقصوراً على صنفين فقط هما البلح  الأبريمى، والفول السودانى، كانت مظاهر البهجة فى رمضان مقصورة على لهو الصغار بالفوانيس الصفيح المضاءة بالشموع، وأداء الكبار لصلاة التراويح.

    .. كنت لا أعرف حتى عقدين من سنوات مضت لماذا عندما يأتى شهر رمضان أو يرد على خاطرى فى غير أيامه تستدعى الذاكرة صورة فانوس من الصفيح بابه مخلوع .. وشمعته مطفأة بفعل الريح، وظلت تلك الصورة تفزعنى بشكل متكرر لسنوات فى كوابيس منامى !!

فى لقاء مع الصديق الأستاذ الدكتور عادل صادق أستاذ الطب النفسى بجامعة عين شمس حكيت له عن ذلك الكابوس؛ فقال لى :

     ـ «إن ذلك الحلم يعنى سيطرة حالة من الخوف نتيجة فقدان أحد أشكال الحماية، وأن تلك الحالة مرتبطة بحدث وقع فى شهر رمضان».

    وقلت:

    ـ « توفى والدى فى يوم الثلاثاء 10 رمضان 1376 هـ الموافق 9 أبريل 1957 م».

    قال الأستاذ الدكتور عادل صادق :

   ـ «لقد وضعت يدك على العقدة .. لن يعاودك ذلك الكابوس مرة ثانية».

    قلت ضاحكاً:

   ـ «جعلتها عقدة يا دكتور!!»

    قال الأستاذ الدكتور عادل صادق بجدية وحزم:
    ـ «.. ومن منا لا يخلو من بعض العقد أو بعض المرض العقلى؛ فالنفس البشرية خضم هائل، ولن يستطيع باحث أو الطبيب أن يغوص فى أعماقها أو يثبر أغوارها طالما أنه بشر.» .

   .. وبالفعل لم يعاودنى ذلك الكابوس.

    فى طفولتى بدأت معاناتى بوفاة والدى، وبدأت معها معاناة الأهل معى فى شهر رمضان؛ فقد بكيت وأصررت أن أرى «السحور»، ولما أيقظتنى أمى فى ساعة السحور .. أنكرت عليها ذلك قائلاً :

    ـ « ده مش السحور !! ده أكل !!».

   وتفتق ذهن أمى عن حيلة تجعل من شخصية المسحراتى ما يقرب إلى فهم معنى السحور؛ فعندما جاء مسحراتى شارعنا الشيخ عفيفى أبو النور.. قالت أمى:

    ـ «ده السحور .»

    واعترضت على خداع الأم ، وقلت :

   ـ «ده عم الشيخ عفيفى .. مش السحور!!».

   وأسقط فى يد أمى، وضاق صدرها ؛ فصفعتنى .. وبكيت، وانتزعنى أخى الكبير كامل من بين يديها، وراح يسترضينى، ويحاول أن يقرب لى بين صور الأشياء، ويقارب لى ما لا أعرف، بما أعرف..

    كان أخى كامل مقبلاً على الحياة متفاعلاً مع أيامه رغم قسوتها؛ فقد اضطر لترك دراسته فى كلية العلوم ـ جامعة القاهرة، والتخلى عن حلمه فى أن يصبح كيمائيا، والالتحاق بمعهد المعلمين المتوسط بعد وفاة والدى؛ ليصبح أحد معلمى التعليم الابتدائى .

   ولأن أخى كامل ممن يصنفون تحت مسمى «شخصية فعالة بصورة زائدة hyperactive»؛ فقد التحق بهيئة التحرير، وانضم إلى الحرس الوطنى وأصبح له سمت وهيئة الضباط .

   كان  للعيد فى قريتنا مذاق خاص؛ فأيامه ساعات مختلسة من «زمن الخوف» .. كنا نسهر أمام دكان الحلاق عبد الفتاح عمار فى انتظار الدور لنحلق حلاقة العيد، ونجلس أمام دكان الخياط عم طايع فى انتظار استلام ثوب العيد، كان بعض الصبية يتوددون للخياط للحصول على أولوية فى استلام الثوب بمساعدته فى تركيب الأزرار .

   فى ليلة العيد كنا نحتضن ثوب العيد والحذاء القماش الذى اشتريناه من باتا بسبعة قروش فى انتظار نسمات العيد وسماع تكبيراته.. ليبدأ يوم من أيام «التفاريح».
.. لكنى كنت لا أستطيع أن أتفهم لماذا يصر الرجال فى قريتنا على زيارة المقابر؟! .. وأخيراً توصلت إلى أنها حالة من الانحياز الأبله ضد الذات من خلال خلط الحزن بساعات الفرح، واستحضار الموت إلى قلب الحياة؛ لنبقى إلى نهاية التاريخ شعباً جنائزياً كما أراد لنا أجدادنا الفراعنة!!

المعاملات التجارية:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

     كانت العلاقات التجارية فى تلوانة مقصورة على عمليات بيع وشراء المستلزمات الحياتية؛ فكانت المعاملات التجارية اليومية محدودة ومقصورة بين الأهالى والبقالين، وكانت العلاقات التجارية الموسمية بين الأهالى وتجار الغلال والأقطان فى مواسم تسويق المحصول.

    كانت العلاقات بين الأهالى والبقالين محكومة بأسلوب «المقايضة» الذى تغيب عنه النقود؛ فكان البيع والشراء غالباً ما يتم مقابل كيزان الذرة وبيض الدجاج .
     .. وكان نظام البيع بالأجل هو السائد فى التعامل مع البقالين الذين يبيعون لوازم أهل القرية على «نوتة البقال» على أن يكون السداد موسميا وبعد حصاد المحصول .

«نوتة البقال» :
ــــــــــــــــــــــــ
     كان لـ «نوتة البقال» قوانينها غير المكتوبة التى ترسم حدود العلاقة بين البائع والمشترى، وتكفل حماية رأس مال البقال وحق المستهلك، وتضمن توازن الحقوق بأساليب بسيطة ابتكرها العرف الريفى.

   كان من أعراف «نوتة البقال» أنه فى حال مماطلة المدين فى سداد مديونيته؛ فإن البقال يمتنع عن تزويده باحتياجاته، وإذا حاول المدين الحصول على احتياجاته من عند بقال آخر، وكان المتبع  أن البقال البديل يرجيء التعامل معه لحين الاستعلام عنه من البقال .

    فى أغلب الأحوال كان يتم تسوية النزاع ودياً .. إما بالدفع على أقساط، أو بضمان أحد الموثوق بهم من أهالى القرية .. أو قبول البقال البديل شراء الدين مقابل زيادة فى مبلغ الدين، ولم يكن يعد هذا ربا؛ لأنه إذا توسطت السلع فلا ربا .

    كانت «نوتة البقال» أحد الحلول العبقرية التى عالجت نقص الأموال السائلة فى أيدى الفلاحين والمزارعين وصغار الموظفين، وجنبت البقالين الكساد .

الوجد الصوفى
وأنشودة البساطة:
ـــــــــــــــــــــــــــــ

   فى تلوانة .. وفى ليلة الجمعة من كل أسبوع، وبعد صلاة العشاء فى مسجد سيدى محمد الحجازى، كان الرجال يجتمعون تحت سقف قبة مقام سيدى جعفر بالدرب الكبير؛ حيث يتحلقون فى صحن يؤدى إلى غرفة الضريح، يقرأون إحدى الصيغ السبع فى الصلاة على أشرف الخلق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من كتاب: «دلائل الخيرات وشوارق الأنوار فى ذكر الصلاة على النبى المختار» لأبى عبد الله محمد بن سليمان الجزولى المتوفى فى سنة 870 هـ، ثم يشفعونها بأبيات من قصيدة «الكواكب الدرية فى مدح خير البرية صلى الله عليه وسلم» للإمام محمد بن سعيد البوصيرى المنسوب إلى بلدته أبو صير بين الفيوم وبنى سويف بمصر، والمولود سنة 608 هـ ، وكان لتلك القصيدة أسماء أخرى منها «البرأة»؛ لأن البوصيرى كما يزعمون بريء بها من علة الفالج، وكذلك سميت بـ «قصيدة الشدائد» ؛ وذلك لأنها - حسب زعمهم - تقرأ لتفريج الشدائد، وتيسير كل أمر عسير .

    فى طفولتى كانت تأسرنى كلمات «دلائل الخيرات» و«نهج البردة»، كانت قرون من الزمان تفصل بينى وبين المؤلفين، لكن كان الوجد متصلاً؛ فتنساب من عينى العبرات، وكنت أسعد لأمرين، كان أحدهما عندما علمت أن سيدنا رسول الله هو الذى أكمل الشطر الثانى من البيت: «مــولاى صـلى وسـلم دائماً أبدا» الذى أنشأه البوصيرى، وأُغلق عليه فلم يتمه؛ فنام مهموما؛ فجاءه سيد الخلق صلى الله عليه وسلم فى رؤيا وقال له:

    «أكمل يا بوصيرى الشطر الثانى للبيت، وقل: .. على حبيبك خير الخلق كلهم».
     
.. وكان ثانيهما:

      عندما قال لى أحد العارفين فى سياق المواساة: إن الله سبحانه وتعالى قد منَّ علىّ بجزء من «ميراث النبوة» وهو «اليتم فى الصغر».. كنت أبكى بحرقة فقدان أبى، وأشتاق إليه .. وأعتقد أن موته قد قصم ظهرى، وأننى سقطت برحيله فى مثلث الضعف الإنسانى: اليتم والفقر والقرية؛ فصرت بعد تلك البشارة صابراً محتسباً .. أنتظر عطاء الله .. كنت أرى فى كلمات سورة الضحى خطاباً يحمل إلىّ فى ثناياه الكثير من رحمة ربى.. وكنت فى ساعات الضيق كثيراً ما أهمس فى نفسى:

     ـ أين عطائى يا رب الكون؟!

    .. ثم سرعان ما أستدرك خطأ اللسان.. وخطيئة القلب؛ فألهج بالاستغفار.

    .. وكان فضل الله عظيما .. فكان الإيواء من بعد اليتم .. وكان الغنى من بعد العيلة .. وكانت الهداية من بعد الضلال .. وكان العطاء حتى الرضا .. وفى مقام النبى صلى الله عليه وسلم صليت الظهر قبل أن أغادر المدينة المنورة .. وأنا أردد: « رضيت يا رب .. رضيت يا رب».

     .. فى مقام سيدى جعفر كان الرجال بعد قراءة ورد الصلاة على أشرف الخلق وأبيات من نهج البردة يقفون فى شكل حزمة تتمايل مثل رؤوس النخيل فى اليوم العاصف شديد الريح مرددين أسماء الله فى ثلاث طبقات تبدأ بطبقة: «لا إله إلا الله» حيث يقول الحادى: «لا إله إلا الله» فيردد الذاكرون: «لا معبود بحق إلا الله» وتتوسطها طبقة: «هو» حيث يقول الحادى: «هو» فيردد الذاكرون: «حاضر لا يغيب»،  وفى ختامها طبقة «حى».. حيث يقول الحادى: «حى» فيردد الذاكرون:«دائم الحياة».

     كان الرجال إذا غنّاهم الحادى يسمعون منه التذكار، فتعلو همتهم فى الأذكار، فتحلق أرواحهم فى دنيا الوجد الصوفى، وتطيب نفوسهم بالقرب من بوارق الإخلاص؛ فترى أن أحدهم كالغائب على حال الحاضر، وكالحاضر على حال الغائب .. وكنا صغارا .. كان بعضنا يقلد الكبار بأسلوب أقرب طرائق للقرود والنسانيس، وكان آخرون يحاولون أن يرتدوا ثوب الرجال قبل موعده .

     .. كان الرجال يبدأون فى تلاوة بعض صيغ الصلوات على خير البرية، والتغنى بالإنشاد فى فضله صلى الله عليه وسلم بالأبيات:

ما سامنى الدهر ضيماً واستجرت به *** إلا ونلت جــــواراً منه لم يُضــَم
مــولاى صـلى وسـلم دائماً أبدا      *** عــلى حبيبك خــير الخــلق كلـهم
ولا التمست غنى الدارين من يده *** إلا اسـتلمت الندى من خــير مستلم
 مــولاى صـلى وســلم دائماً أبدا    *** عـلى حـبيبك خــير الخـــلق كلـهم

ثم ينتقلون إلى أبيات التوسل بحضرته الشريفة :

يا أكرم الخلق ما لى من ألوذ به *** سواك عند حلول الحادث العــمم
مــولاى صـلى وسـلم دائماً أبدا *** عــلى حبيبك خــير الخــلق كلـهم
ولن يضيق رسول الله جاهك بى *** إذا الكـــريم تحــــلى باسم منتقم
مــولاى صـلى وسـلم دائماً أبدا *** عــلى حبيبك خــير الخــلق كلـهم
فإن من جـودك الدنيا وضـرتها *** ومن علومك عـلم اللــوح والقـلم
مــولاى صـلى وسـلم دائماً أبدا *** عــلى حبيبك خــير الخــلق كلـهم


    .. وما إن يصل الحادى والذاكرون إلى الدعاء:

    «يارب سامح لنا كلنا من غاب منا، ومن قد حضر، وبالوالدين فكن راحماً، والطف بنا فى القضاء والقدر» .

     حتى تدخل النساء بقصعات وطسوت الأرز باللبن، ويبدأ تناول طعام «الحضرة» الذى كان يطلق عليه اسم «النفحة» .. كانت أيدينا الصغيرة تقصر عن الوصول إلى الأرز فى القصعات والطسوت؛ فكنا نقفز على كتفى القطب الصوفى الشيخ محمد عبد المقصود ( يرحمه الله) قائلين :

    ـ أكلنا يا عم الشيخ محمد .
    كان الشيخ محمد يُجلس هذا على ساقه .. ويحمل ذاك على كتفه .. ويطعم هذه .. ويمسح بطرف ثوبه أنف ذاك .. ويربت بيده على ضفيرة تلك .. ويمسح رأس ذلك الطفل الباكى وعينيه، ويسترضيه بقطعة من الحلوى اشتراها بـ «كوز» ذرة، وهو يردد أنشودته العذبة:

     « أمدد يديك يا طويل الكبشة ..  أمدد يديك يا طويل الكبشة».

     ليحث الرجال على تناول طعام البركة .

    كان الرجل لا يكف عن الذكر .. كان صوته يزلزل فى شوارع القرية يشق ساعات القيلولة ويمزق سكون الليل بنداء التوحيد، وفى مفترق الطرقات وفى مقابر القرية يزعق بالصوت العالى بالصلاة على النبى صلى الله عليه وسلم.. ناصر الحق بالحق، والهادى إلى صراط مستقيم؛ لأنه بالصلاة على النبى يرحم الله الجميع بارهم وفاجرهم.

     كان هذا حال الشيخ محمد عند الرضا .. لكن كان له حال آخر عن الخوف عندما يجتلب القلب الخواطر المزمومة .. فكان يحمل نعله فوق رأسه ومن فوقه التراب يطوف شوارع القرية فى ذله وهلع، ويطلب الصفح من محبوبه؛ فحسب عهود الوجد والعشق الصوفي:

« لا صغيرة إذا قابلك عدله، ولا كبيرة إذا واجهك فضله»

     .. وفى حال الرجاء .. كان للرجل شأن آخر .. يرفع يديه وناظريه إلى السماء تضرعاً وخيفة .

     .. وفى سنوات الغياب .. انتقل الرجل (يرحمه الله) إلى جوار ربه، ولم يتثن لى معرفة فى أى حال كان .. ولا أى مقام بلغ .. وغابت البهجة عن المكان .. وفسد الهواء فى جنباته .. وانتشرت علاقات الضلال.. وتشابكت مصالح الزور.. وغرقت تلوانة فى تلال القمامة، وطفحت بيارات الصرف الصحى .. وصارت «فتاوى التنطعات» هى الفكر الحاكم لأهلها تبثه فيهم قطعان «المتأسلمين الجدد».

    .. لكنى لم أستطع حتى الآن التوصل إلى حل اللغز:

     لماذا يربط الناس فى قريتى بين صفة الولاية، وأناس من ذى الاحتياجات الخاصة؟!! .. ناظلة العمياء، وأمينة البلهاء، والشيخ سيد التربى أحد مجازيب الشوارع، والذى أشاع بعض أهلنا فى تلوانة أن نعشه قد طار فوق رؤوس المشيعين، وأنه لم يتوقف عن الطيران حتى استعطفه بعض المقربين منه لأن الرجال قد تعبوا من ملاحقة النعش .

***

  فى تلوانة ولدت .. ووسط هؤلاء كانت النشاة الأولى، وسنوات التكوين.



الفصل الثانى :

ـــــــــــــــــــــــ

 لحظة الميلاد فى نهر الزمن.. 
وتلاطـــــم الأحـــــــداث !!  


  .. فى ظهيرة يوم شتوى دافئ .. كانت لحظة الميلاد .. فى يوم الثلاثاء 2 نوفمبر 1954 م الموافق 6 من ربيع الأول 1374 هـ، كان الرجال من عمال الزراعة المستأجرين «الأجرية» عائدين لتوهم من حقلنا بعد حصاد زرعة الذرة المتأخرة لتناول وجبة الغداء فى ركن من صحن الدار، وشرب الشاى ثلاثة أدوار فى استرخاء .. كانت وجبة الغداء أحد مكتسبات الأجرية التى أرستها شرائع العرف الريفى، بالإضافة إلى اليومية ومقدارها قرشين ونصف القرش صاغ؛ كان طعام الأجرية المعتاد فى بيوتهم لا يخرج عن كسرة من البتاو (خبز الذرة) وبعض المش وقطع البصل .

     كان الأجرية فى أيام العمل يأملون أن يقدم إليهم صاحب الأرض وجبة ساخنة تعوضهم عن أيام وليالى الحرمان.. وهذا ما يفسر حالة التنطع لدى الأُجرية فى استيفاء مكتسبهم دون مراعاة لظروف أهل الدار، ورغم توجعات الأم وآلام مخاضها، وصوت أنينها يعلو وينخفض.. وتواجد الجارات لتقديم المساعدة، وحضور الممرضة مس «امتثال» ـ وهذا اسمها ـ من مستوصف إحدى جمعيات التبشير التى كانت تجوب القرى لتقوم بدورها تحت ستار تقديم الخدمات الاجتماعية والرعاية الطبية .. حيث كانت الخدمة الطبية الحكومية غير موجودة تماما أو غير وافية بالغرض، وكانت ممثلة فى شخوص ضررهم أكثر من نفعهم مثل المزين الحاج عبد ربه بكر، والحلاق الأسطى أحمد عمار حلاقي الصحة، والقابلة «داية الأرياف» الحاجة خديجة بكر، كانت مهمة الداية هى المساعدة فى الولادة، وفض بكارة الفتيات فى ليلة الزفاف التى كان أهلنا يسمونها «ليلة الدخلة».

     استثمرت تلك القوافل التبشيرية ذلك الواقع المتخلف؛ فانتهجت فلسفة أنه:
«حيثما تجد بشراً تجد آلاماً، وحيثما تكون الآلام تكون الحاجة إلى الطبيب .. وحيثما تكون الحاجة إلى الطبيب فهنالك فرصة للتبشير».

    كان ذلك المستوصف وتلك الممرضة تابعين لمستشفى هربر بمركز منوف التى كانت تتبعه قريتنا «تلوانة» قبل أن تنتقل تبعيتها إداريا إلى مركز الباجور.. كان أهلنا القرويون يطلقون على مستشفى هربر لصعوبة نطقها اسم «هرمل» كان المرضى فى مستشفى هربر بمنوف مجبرين على حمل تذكرة مكتوب عليها :

     «المسيح يسوع جاء للدنيا عشان يخلص الخاطئين، أجرة الخطيئة هى الموت، أما عطية الله فهى حياة دائمة .. واحنا خدامينكم عشان خاطر يسوع»  .

    كان نظام العمل فى هذا المستشفى يغرى العامة على التزاحم على المستشفى، ففى الصباح المبكر تصرف التذاكر مجانا حتى الساعة الثامنة فيغلق شباك التذاكر المجانية، وتصرف بعد ذلك التذاكر مقابل خمسة قروش، ويرجع السبب فى ذلك إلى حث المرضى على التبكير حتى يحضروا قداس الصباح، وسماع الدرس الدينى؛ إذ يقف أحد المبشرين فيلقى فى جموع المرضى درساً دينيا فى فضائل المسيحية، ونعمة وبركة يسوع المسيح، ويعرج فيه إلى التشكيك فى الدين الإسلامى والطعن فى ثوابته وسيرة نبيه ويدعوهم إلى اعتناق المسيحية، ولا تنحصر مهمة الطبيب فى هذا المستشفى على فحص المريض، ووصف الدواء له، والقيام بعلاجه بل كان لزاماً عليه أن يسأل المريض عند الفحص عما ألقى عليه من درس الصباح الدينى، وفى هذا يشعر المريض بوجوب الإصغاء والانتباه، وحفظ ما سمعه من المبشر حتى يلقى من الطبيب عناية كبيرة، وكان المبشرون يدونون بيانات المرضى فى بطاقات شخصية، وبعضهم يندس وسط المرضى ليتعرفوا على أحوالهم التى يصعب تدوينها فى كارت البيانات؛ لاختيار الطرق والأساليب المثلى التى يغزون بها قلوبهم واستمالتهم؛ فيعدون المرضى برعاية خاصة من الأطباء لينال الشفاء العاجل، ومن كان فقيراً منوه بالغنى، ومن كان عاطلاً فتحوا له باب الأمل، وإيجاد ما يريده من عمل، ومن كانت أرملة أخذوا أبناءها إلى ملاجئهم، وأغدقوا عليهم الهدايا، وأخبروهم بأن ذلك من فضل المسيح وبركته .

     .. وعلى المستوى السياسى كان مذياع الجيران من ماركة فيلبس الذى يعمل بنظام البطارية السائلة فى الدار المقابلة لدارنا بشارع داير الناحية لا يكف طوال ساعات الإرسال عن إذاعة أغنية: «يا جمال يا مثال الوطنية»، وبعض مقاطع من خطابه فى ميدان المنشية.. كان صاحب الدار محمد بك أبو ستة القاضى الشرعى العائد بعد النكبة من فلسطين بصحبة زوجتيه وكانت إحداهما مصرية، والأخرى شامية فلسطينية، وفى حلوقهم الكثير من الغصة، وفى جرابهم الكثير من الحكايا عن الخيانة، وعن الرعب الآتى فى ثنايا القادم .

     ..  كان رئيس الوزراء جمال عبد الناصر قد تعرض لحادث اعتداء فى ميدان المنشية بالإسكندرية فى مساء يوم 26 أكتوبر 1954، .. وقبيل مولدى بثلاثة أيام وفى مساء 30 أكتوبر 1954 أقيم احتفال ضخم بنادى ضباط الزمالك نقلته الإذاعة على الهواء، وغنت أم كلثوم أغنية: «يا جمال يا مثال الوطنية»، وقد حرص مذيع الحفل على وصف تمايل الضباط طربًا، وترديد الكلمات تجاوبًا مع كلمات الأغنية التى ألفها بيرم التونسى، ولحنها رياض السنباطى، والتى تقول كلماتها:

« يا جمال يا مثال الوطنية
أجمل أعيادنا المصرية
بنجاتك يوم المنشية
ردّوا ردّوا علىّ

***

بنجاتك ونجاة أوطانك
فرحتنا وحسرة من خانك
خاين غدَّار كان قصده يصيب
وتبات النار فى صدر حبيب
القلب المليان وطنية
ردّوا ردّوا على ردّوا علىّ

***
واجهت النار بثبات وإيمان
وقفة شجعان ما يوقفها جبان
طلقات النـار عندك أوتـار
توهبها وبنفس أبية
ردّوا ردّوا على ردّوا علىّ

***

طلقات عديدة سمعناها أخذت قلوبنا وياهـا
كانت يا ما أطولها ثانية
عدينا واحدة والثانية لحد ثمانية
ضربتها عناية إلهية وبقت لك آيــة وطنية
ردّوا ردّوا على ردّوا علىّ»

    وبمتابعة لصحف القاهرة الصادرة فى يوم مولدى نتبين بعض ملامح ذلك العصر الذى بدأ؛ ففى يوم 2 نوفمبر 1954، صدرت جريدة الأهرام، وفى صدر صفحتها الأولى عنوان كبير:

• «عامل يعثر على المسدس الذى أطلق منه الجانى الرصاص على الرئيس.»
• حضوره من الإسكندرية سيرًا على الأقدام لتقديم المسدس للرئيس.
• الرئيس يقابله بمجلس قيادة الثورة ويشكره ويمنحه 100 جنيه مكافأة له.

     ..  وذكرت الصحيفة قصة شاب يدعى خديوى آدم (من الأقصر ـ 23 سنة ـ ويعمل فاعلاً فى صناعة البناء) الذى عثر مصادفة على المسدس الذى أطلق منه الجانى رصاصاته الثمانى الطائشة، فقد تعثرت به قدمه أثناء تدافع الجماهير، فالتقطه ووضعه فى جيبه، وكان المسدس ساخنًا «لسع يديه»، والمسدس من النوع الذى إذا أطلقت جميع مقذوفاته ينفتح؛ فأدرك آدم أنه المسدس الذى استخدم فى الحادث.

     وروت الصحيفة أن خديوى آدم قد أبى إلا أن يسلمه إلى الرئيس عبد الناصر بنفسه يدًا بيد، ولما كان شاب فقيرا؛ فلم يستطع الحضور من الإسكندرية إلى القاهرة فى سيارة أو قطار؛ فلم يكن أمامه إلا الحضور ماشيًا، وبدأ رحلة السير على قدميه على قضبان السكك الحديدية فى الرابعة من صباح يوم الأربعاء 27 أكتوبر حتى بلغ مدخل شبرا يوم الاثنين أول نوفمبر فى حوالى الساعة 12 ظهرًا، وتلمس مكان الرئيس حتى قابله، وقبَّل يده، فقبَّله الرئيس مقدرًا وشاكرًا، ثم أمر بمكافأته بمائة جنيه.

    وعن رحلة خديوى آدم من الإسكندرية للقاهرة ذكرت الصحيفة تحت عنوان : « يجوع فيبيع قفطانه ويأكل»

     « إن خديوى آدم مشى بين قضبان السكك الحديدية إلى أن أخذ منه التعب كل مأخذ وشعر بالجوع.. وكان قد وصل إلى سوق مدينة فى الطريق لم يعرف اسمها، فباع قفطانه وأكل وشبع وواصل سيره.».

      وفى اليوم التالى ذكرت الصحيفة: «عقد الأستاذ محمد عطية إسماعيل ـ المحامى العام ـ والأستاذ على نور الدين الوكيل الأول فى نيابة أمن الدولة اجتماعًا قصيرًا دعى على أثره العامل خديوى آدم واستمع وكيل النيابة إلى معلومات عثوره على المسدس».

     كانت حكاية «الاعتداء على الزعيم» فى مجملها تنطوى على تناقضات كثيرة ساذجة وسخيفة تشعرنا بأننا قد دخلنا عصر «صناعة الكذب»، والاستخاف بالعقول!!

***

    ـ وفى 5 نوفمبر 1954، صدرت مجلة «المصور» وعلى غلافها صورة بحجم الغلاف لجمال عبد الناصر فى ثيابه العسكرية مع عنوان: «كلكم عبد الناصر»، وداخل العدد ملف بعنوان: «السمكرى الذى وجَّه 8 رصاصات إلى قلب عبد الناصر»

    وذكرت المجلة قصة الاعتداء على الرئيس وحكاية العامل الذى عثر مصادفة على المسدس الذى استخدمه الجانى، وانتقلت المجلة للقاء المصابين فى الحادث، وهما الأستاذان ميرغنى حمزة وزير المعارف والرى والزراعة السودانى، وأحمد بدر الدين سكرتير هيئة التحرير بالإسكندرية، وقد قال مندوب المجلة نقلاً عن ميرغنى حمزة: «عندما انطلق الرصاص، أصابته شظايا الزجاج المكسور، ولم يشعر بالإصابة إلا حينما رأى الدم يغطى يده كلها، وحاول الانسحاب بهدوء، ولكن الدم السائل لفت نظر الجميع فهرع الجميع إليه، ونقلوه إلى مستشفى المواساة».

   وقال مندوب المجلة نقلاً عن أحمد بدر الدين (المصاب الثانى):

     «أصابته رصاصتان، واحدة فى أصبعه والثانية فى جنبه».

   ..   وتحت عنوان «الابن يستنكر جريمة الأب» كتب محرر المجلة:
اسمه عبد اللطيف محمود عبد اللطيف «٩ سنوات»، هو الابن الأكبر للجانى، قال لمندوب «المصور»:

    « أنا كنت باسمع الراديو بالليل، وكان جمال عبد الناصر بيخطب، وبعدين سمعت ضرب الرصاص، فعيطت لأنى افتكرت إنه جراله حاجة، وبعدين سمعته بيقول: أنا جمال عبد الناصر، فبطلت عياط، وصفقت من الفرح لما عرفت أن الرصاص مجاش فيه».
وسكت الطفل ولمعت عيناه وكأنه اهتدى إلى شيء مثير وقال للمندوب:

   «اسمع أن عايز أروح لجمال عبد الناصر أبوسه وأقول له مبروك عشان الرصاص ما جاش فيه» .

    ـ فقال المندوب: « إنه مشغول وقد لا يستطيع أن يراك» .

    فقال الطفل: « طيب استنى لما أكتب لك جواب تديهوله» .

..  وكتب الطفل هذا الخطاب:

   «أنا عبد اللطيف محمود عبد اللطيف محمد زعلان من بابا عشان هو ضرب جمال عبد الناصر بالرصاص، وإنه مبسوط خالص عشان ربنا سلم ومفيش حاجة حصلت لجمال عبد الناصر.

   توقيع: عبد اللطيف محمود عبد اللطيف ـ بتاريخ: 27 ـ 10 ـ 1954»
 
   والتقت المجلة والد المتهم والسيدة والدته هدية محمد يوسف، والسيدة حماته نعيمة خليل والسيدة زوجته ونقلت عنهم أحزانهم وإدانتهم للحادث.

***

   .. وكانت تلك الحكاية عن طفل المتهم خير دليل على انتهاك براءة الطفولة فى قسوة من أجل مكاسب سياسية رخيصة ومبتذلة وزائلة .. وكانت شهادات المقربين من المتهم (والده ـ والدته ـ زوجته ـ حماته) خير شاهد  على ميلاد «زمن الخوف» !!

***

     .. وأصبح عبد الناصر بطلاً شعبيًا، واصطفت الجماهير على محطات السكة الحديد فى طريق عودته من الإسكندرية لتحيته والهتاف له، ولم يعد لمعاهدة الجلاء ذكر، وأصبح محور حديث المنتديات شجاعة عبد الناصر والإطراء على أفعاله، والإشادة بإنجازاته، وانسحب الحديث عن عوار بعض بنود اتفاقية الجلاء إلى هامش النسيان!!

     وفى حى الدرب الأحمر بالقاهرة قاد الضابط علوى حافظ رعاع الحى لحرق مقر جماعة «الإخوان المسلمون» مكان مقر قسم شرطة الدرب الأحمر حاليا وسط هتافات معادية لجميع طوائف الصف الوطنى .

    وقادت الكوادر المصنوعة لـ «هيئة التحرير» مظاهرات فى الأقاليم لاستعداء الجيش على جميع الفصائل السياسية .. وهتفت تلك التظاهرات:

«اشنق .. اشنق يا جمال،
لا رجعـــية ، ولا إخــــوان»

    وتم القبض والاعتقال العشوائى على الآلاف من المشتبه فى انضمامهم لجماعة وفى أكبر حملة اعتقالات فى التاريخ، وساعد على ذلك أن جمال عبد الناصر أثناء توليه منصب وزير الداخلية قد استولى لنفسه على السجلات التى أعدها القلم المخصوص «البوليس السياسي».. ولأن تلك القوائم لم يتم تحديثها فقد حدثت بعض المفارقات منها القبض على بعض الأقباط بزعم انتمائهم إلى «الإخوان المسلمين»، وكذلك مداهمة بعض العناوين التى غادرها بعض المطلوبين واعتقال أشخاص لا علاقة  لهم بالأحداث .

اختفاء مرشد الإخوان:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

     فى خضم تلك الأحداث اختفى مرشد الإخوان حتى تم ضبطه فى فيلا مدام بليللى رقم 14 شارع سنت جينى بمصطفى باشا بالإسكندرية، وقد استطاع البوليس معرفة ذلك من ورقة ضبطت بحوذة صلاح شادى مدون بها بعض أرقام التليفونات، ولما سئل عن أصحاب هذه التليفونات أجاب إجابات مبهمة، لكن المحققين لاحظوا أن هناك رقمًا مشطوبًا بالقلم الحبر بطريقة تدل على الرغبة فى إخفاء معالمه، مما كان السبب فى إثارة الشك حول هذا الرقم، وبالفحص الفنى الدقيق أمكن معرفة أول رقم من اليمين وهو 2 ورقم من اليسار وهو رقم 7، أما باقى الأرقام فكانت غير واضحة، وبعد مراجعة كثير من الأرقام التى يدخل فى طرفيها هذان الرقمان أمكن التوصل إلى معرفة رقم تليفون الفيلا التى يختبئ فيها الهضيبى، حيثُ قبض عليه.
    وقد ذكرت مدام بليللى أنه فى 15 سبتمبر 1954 حضر إليها شابان وطلبا استئجار الفيلا باسم الدكتور حسن صبرى (اسم مستعار) وأفهماها أن الدكتور قد عين حديثًا فى جامعة الإسكندرية وانصرفا بعد أن دفعا لها 52 جنيها مقدم إيجار عن شهرين، وأنها لم ترَ الهضيبى سوى مرات قليلة عندما كان يخرج للجلوس فى الحديقة تحت أشعة الشمس ولم تتبين ملامحه لأنه كان يخفى وجهه بقبعة كبيرة من الخوص .

المحاكمة:
ــــــــــــــــ

    اتخذ مجلس قيادة الثورة حادثة المنشية  مبررا للعودة إلى المحاكم الاستثنائية، فأصدر أمرا بتأليف محكمة مخصوصة باسم محكمة الشعب برئاسة قائد الجناح جمال سالم وعضوية القائمقام أنور السادات والبكباشى حسين الشافعى؛ لتحاكم كل من يتهم بأفعال تعد خيانة للوطن أو ضد سلامته فى الداخل أو الخارج، وكل ما يعتبر موجها ضد نظام الحكم والأسس التى قامت عليها الثورة، واتخذت المحكمة مبنى مجلس قيادة الثورة بالجزيرة مقرا لعقد جلساتها، وكانت نموذجا جديدا من نماذج القضاء الاستثنائى وخرق العدالة، حيث يقوم طرف من طرفى الخصومة بمحاكمة خصمه فى إطار خارج عن النظام القضائى الطبيعى، وفى جرائم فضفاضة غير محددة، وفى ظروف لا تراعى فيها قواعد قانون الإجراءات الجنائية، وبعقوبات لا ترتبط بقانون العقوبات بالضرورة.

     وكانت محكمة الشعب رابع نوع من المحاكم الاستثنائية تشكلها قيادة الانقلاب بعد المجالس العسكرية ومحكمة الغدر ومحكمة الثورة.

    ووفقا للإحصائيات المتوافرة فى ذلك الوقت فإن عدد من حكمت عليهم محاكم الشعب كان 867 فرداً، وعدد الذين حكمت عليهم المحاكم العسكرية 254 فرداً، ووصل عدد المعتقلين بعد عام من حادث المنشية إلى 2943  معتقلا انخفض عددهم بعد ذلك إلى 571 معتقلا.

    كما أفادت الإحصائيات أن حملات الاعتقال لم تواجه بأى نوع من المقاومة باستثناء واقعة واحدة حيث قام الطالب محمد شاكر خليل بتبادل إطلاق النيران مع قوات الشرطة .

    كان محمد شاكر خليل طالب بكلية الهندسة جامعة القاهرة ومنتميا لجماعة «الإخوان المسلمين» ومقيما بالعقار رقم 40 ش فخر الدين بشبرا، وقد انتهى الاشتباك بإصابة الطالب ببتر ثلاثة من أصابع يده وإلقاء القبض عليه، وقتل أحد أصدقائه وإصابة رجلين من أفراد الشرطة.

إعفاء نجيب من مناصبه :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

      وفى التحقيقات التى تمت مع المتهمين من جماعة «الإخوان المسلمين» تم استنطاقهم سواء بالادعاء أو الإغراء بتقولات مفادها أن:
     «الرئيس محمد نجيب كان على اتصال بهم وأنه كان معتزماً تأييدهم إذا ما نجحوا فى قلب نظام الحكم.»، وبناء عليه قرر مجلس قيادة الثورة فى 18 ربيع الأول 1374 هـ الموافق 14 نوفمبر 1954 إعفاء محمد نجيب من جميع مناصبه، وعند حضوره إلى مقر مجلس قيادة الثورة لم تؤدَ له التحية العسكرية، ولم يطلق البروجى لتحيته، وتم القبض عليه بطريقة مهينة حيث تم صفعه وركله واقتياده بطريقة لا إنسانية إلى محل تحديد إقامته الجبرية التى استمرت قرابة 20 سنة فى فيلا زينب الوكيل بالمرج؛ ولم يتحرك «الإخوان المسلمين» ولم يحركوا الشارع من أجل نجيب مثلما فعلوا فى أزمة مارس؛ فقد أدركوا أن عبد الناصر ممسك بجميع خيوط اللعبة .

نهاية الصراع
على الحكم فى مصر :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

      .. وبإعفاء اللواء محمد نجيب من مناصبه وتحديد إقامته جبرياً انتهى الصراع بين أعضاء قيادة انقلاب 23 يوليو 1952، ودخلت مصر إلى مرحلة الحكم العسكرى بعد أن تم الإجهاز على آخر القوى المناوئة لهم هى جماعة «الإخوان المسلمين».

    كان أغلب ضباط  انقلاب 23 يوليو 1952 من المنتمين إلى الجناح العسكرى لتنظيم «الإخوان المسلمين» وكان أكثرهم من المنتمين لـ «الحرس الحديدى»، وهو ما يؤكد ما ذهب إليه ستيفن ميد عضو C.I.A. الذى جاء إلى القاهرة بتكليف من روزفلت لإعداد «تقدير موقف» عن حالة ضباط الانقلاب الذين كان روزفلت يطلق عليهم «صبيان القاهرة Juniors Of Cairo» .. كتب ستيفن ميد أن :

    « صبيان القاهرة Juniors Of Cairo مجموعة متجانسة متقاربة فى السن، وأنهم أقرب إلى عصابة روبن هود المرحة» .

    .. وساعد على تجانس تنظيم ضباط انقلاب 23 يوليو 1952 تقارب أعمارهم وانتماؤهم إلى الطبقة المتوسطة وثقافة تستند إلى مناهج التعليم العام .

      بدأ التوتر مبكراً بين ضباط انقلاب 23 يوليو 1952 وتنظيم «الإخوان المسلمين»؛ ففى مساء 29 يوليو 1952 أعلن عبد الناصر فى أول لقاء جمعه بمرشد الإخوان حسن الهضيبى فى بيت المستشار صالح أبو رقيق بعد خروج الملك:

    «أنا لم أعدا أحد بشئ .. فإذا توهم أحد أننى وعدته بشئ؛ فهو مخطئ.».

      .. وكان هذا تنصلا من كافة الاتفاقيات بين ضباط انقلاب 23 يوليو 1952 وتنظيم «الإخوان المسلمين» الذى كانوا يعتبرون أنفسهم شركاء فى الثورة؛ وبذلك يعد جمال عبد الناصر أحد أعضاء الجماعة الذين خانوا «البيعة»، وانشقوا عن الجماعة ويحق عليه العقاب المنصوص عليه فى «قسم البيعة».

    ونظر المرشد إلى حسن العشماوى قائلاً :

   ـ « أنتو مش اتفقتوا على كل حاجة يا حسن» .

     ورد حسن العشماوى بالإيجاب، ولم يعلق عبد الناصر .

     كان خطأ «الإخوان المسلمين» التاريخى أنهم لم يدركوا حقيقة أولية هى أنه إذا ما خرج الجيش من ثكناته فإنه حتما سيطيح بكل القوى السياسية والمدنية؛ ليصبح هو القوة الوحيدة فى البلد،  وأنه لا يفرق فى هذه الحالة بين وفدى وسعدى ولا بين إخوانى وشيوعى، وأن كل قوة سياسية عليها أن تلعب دورها المرسوم والمحدد مع القيادة العسكرية ثم يقضى عليها .. لكن .. لا الإخوان عرفوا هذا الدرس و لا غيرهم استوعبه .. ودفع الجميع الثمن، ودفعته مصر أيضا .. دفعته من حريتها وكرامتها ودماء أبنائها؛ فالسلطة العسكرية أو الديكتاتورية العسكرية لا تطيق تنظيما آخر، ولا كلمة واحدة،  ولا نفسا ولا حركة، ولا تتسع الأرض إلا لها، ولا أحد غيرها.

    .. وظلت العلاقة بين ضباط الحركة وتنظيم «الإخوان المسلمين» فى مد وجذب؛ فقد أصدرت قيادة الحركة قراراً بحل جميع الأحزاب السياسية واستثنت جماعة «الإخوان المسلمين» من الحل بزعم أنها جماعة دعوية وليست حزباً سياسياً، وأفرجت قيادة الحركة عن السجناء من الجماعة ومن بينهم قتلة المستشار أحمد الخازندار وقتلة النقراشى وغيرهم من السجناء الذين تمت إدانتهم بأحكام القضاء فى سائر القضايا الأخرى .
كما أعلنت قيادة الحركة القبض على قتلة حسن البنا، وتقديمهم للمحاكمة، وأبدت قيادة الحركة رغبتها فى تعيين وزيرين من الإخوان فى أول وزارة يتم تشكيلها .

      وبدأ اول خلاف بينهما برفض الإخوان الانضمام إلى «هيئة التحرير»، واعتبارهم أن تكوين «هيئة التحرير» نكوص عن الوعد بتطبيق الشرعية الإسلامية، ثم كان الخلاف الثانى عندما رشح الإخوان للمشاركة فى تشكيل الوزارة كلا من أحمد حسن الباقورى وزيراً للأوقاف والمستشار أحمد حسنى وزيراً للعدل، وقبل حلف اليمين حضر كل من حسن العشماوى ومنير الدلة ليبلغا مجلس قيادة الثورة عدم موافقة مكتب الإرشاد على الاشتراك فى تشكيل الوزارة، وخرج الباقورى عن الالتزام بموقف الجماعة وقبل منصب وزير الأوقاف، وأصدر مكتب الإرشاد قراراً بفصله من «الإخوان المسلمين».

    ثم كان الخلاف الثالث حول مفاوضات الجلاء مع الإنجليز .. وفى 14 يناير 1954 أصدر مجلس قيادة الحركة بيانا بحل جماعة «الإخوان المسلمين» .

     وبدأت التحرشات من كلا الجانبين ببعضهما ففى 28 فبراير 1954، حيث قامت شعبة الطلبة بجماعة «الإخوان المسلمين» باستضافة نواب صفوى قائد الجماعة الإرهابية الإيرانية المسماة «فدائيان إسلام» فى ندوة بقاعة المؤتمرات الكبرى بجامعة القاهرة، كانت جماعة «فدائيان إسلام» قد أعلنت مسئوليتها عن مقتل رجل ايران القوى الجنرال رزم آراه «أبو على» رئيس وزراء إيران على يد أحد مهاويسها، وكانت تلك الجماعة تربطها علاقات وثيقة بجماعة «الإخوان المسلمين» فى مصر!!

    وبعد الندوة خرج طلبة «الإخوان المسلمين» فى مظاهرها تصدت لها الشرطة، وسقط عدد من القتلى والجرحى؛ مما حدا بعبد القادر عودة نائب المرشد أن يقود مظاهرة من فوق سيارة جيب إلى قصر عابدين ملوحاً بملابس ملوثة بالدماء فى هتاف :

« الدم .. الدم .. يا نجيب،
 الدم .. الدم .. يا نجيب».

     وخرج اللواء محمد نجيب لشرفة قصر عابدين لاحتواء الموقف، ودعوة عبد القادر عودة للدخول إلى القصر للتفاهم .. لينكشف الستار عن مشهد هزلى وهو دخول عبد القادر عودة إلى القصر، ومن خلفه المعلم إبراهيم كروم فتوة بولاق راكباً حصانه الأبيض، وشاهراً نبوته ولم تفلح الجهود لمنعه؛ لتذرعه بأن ضباط انقلاب يوليو قد يغدروا بعبد القادرعوده!!

    كان شباب الإخوان يحاصرون قصر عابدين بنية القبض على ضباط انقلاب 23 يوليو 1952 الذين خرجوا على الجماعة وتنكروا لها .. لم ينصرفوا إلا بعد أن خرج عودة إلى شرفة القصر وأشار لهم بالانصراف.

 أزمة مارس :
ــــــــــــــــــــــــ

    وكانت أزمة مارس المحطة الأخيرة فى الصراع حول كيف يمكن أن تُحكم مصر. بدأت الأزمة فى 24 فبراير 1954 حينما قرر نجيب الاستقالة من رئاسة مجلس قيادة الثورة، وفى اليوم التالى، أعلن مجلس القيادة تعيين عبد الناصر رئيسا للوزراء واستقالة نجيب من جميع مناصبه. وقوبل هذا الإعلان برفض سلاح الفرسان الذى كان لخالد محيى الدين تأثير قوى فيه، ودعا ضباط السلاح إلى اجتماع عام حضره عبد الناصر الذى فوجئ بمدى عمق الكراهية لمجلس قيادة الثورة، وبعد استشارة المجلس عاد عبد الناصر لضباط الفرسان وأعلن أن المجلس وافق على حل مجلس قيادة الثورة وعودة محمد نجيب رئيسا لجمهورية برلمانية وقيام خالد محيى الدين بتشكيل حكومة انتقالية لمدة ستة أشهر تقوم خلالها بإجراء انتخابات لجمعية تشريعية تضع دستورا دائما.
    وكانت تلك مناورة مدروسة من عبد الناصر؛ فأقنع خالد محيى الدين بقبول منصب رئيس الوزراء حتى يؤلب الأسلحة الأخرى التى رأت فى هذا الإجراء «انقلابا شيوعيا بقيادة سلاح الفرسان». وهو ما حدث بالفعل، حيث حاصرت عناصر من سلاح المدفعية دبابات سلاح الفرسان وكاد يحدث صدام مسلح بين الجانبين. وتم اعتقال عدد من ضباط سلاح الفرسان مما جعل ضباطا من السلاح يهددون بتوجيه مدافع دباباتهم المحاصرة نحو مجلس قيادة الثورة إذا لم يتم الإفراج عن الضباط المعتقلين.

    وفى تلك الأثناء كانت المظاهرات التى كان يحركها الإخوان المسلمون تتسع فى شوارع القاهرة وفى الجامعات مطالبة بعودة نجيب وسجن عبد الناصر وصلاح سالم، وكانت هناك ثورة فى سلاح الفرسان وانتهت الأزمة مؤقتا باتخاذ عبد الناصر قرارا ـ بناء على تفويض من مجلس قيادة الثورة ـ  بعودة نجيب رئيسا للجمهورية. وقد قوبل نجيب بمظاهرات تأييد حاشدة آنذاك.

     غير أن هناك رواية أخرى يرويها العقيد أحمد أنور قائد البوليس الحربى:

     « كان محمد نجيب يرفض العودة إلى رئاسة الجمهورية .. وأخذت أحايله عشان ما يحصلش حاجة، ولكنه أصر على الرفض وقلت لنفسى ما بدهاش وأخذته إلى مكان مهجور و»ظبطه».. أعطيته علقه لم يأخذها مثلها من قبل، وكان يتوسل إلى ويبكى وأنا أضربه ويقول سأوقع على قرار عودتى .. وأنا كنت شحنت (انفعلت) ولم أعد فى وعيى وبعدين الضباط اللى معايا فمنعونى حتى لا تحدث مشكلة .. لم أتركه حتى سف التراب .
      وقدمت إليه ورقة يعلن فيها الموافقة على سحب استقالته والعودة على رئاسة الجمهورية ورجعناه بيته علشان يغير البدلة بتاعته اللى توسخت وتمزقت وكنت قد نزعت الرتب من على كتفيه وألقيت بها فى الطريق والدنيا ظلام ولم نعثر عليها بعد ضربه.» .
غير أن هذا التطور لم يحسم النزاع؛ فقد قامت قوات الشرطة باعتقال العشرات فى أيام المظاهرات المطالبة بعودة نجيب والأيام التالية لعودته للحكم. وطالب نجيب بإطلاق سراح المعتقلين والتحقيق فى وقائع الاعتداء على المتظاهرين. وإزاء الزخم الذى حظيت به الحركة المطالبة بالديمقراطية، اجتمع مجلس قيادة الثورة فى 5 مارس وقرر اتخاذ الإجراءات فورا لعقد جمعية تأسيسية منتخبة بطريق الاقتراع المباشر على أن تجتمع خلال يوليو من نفس العام بهدف مناقشة مشروع الدستور الجديد. وقرر المجلس إلغاء الرقابة على الصحف وإلغاء الأحكام العرفية قبل إجراء الانتخابات البرلمانية.

     غير أن تلك الإجراءات أيضا لم تكن نهاية المطاف فى الصراع. حيث سعى كل طرف خلال الأسابيع القليلة التالية إلى تأكيد سلطته فى مواجهة الآخر. فقد اعتمد نجيب على التأييد الشعبى الواسع، وظل يعقد اللقاءات الجماهيرية ويتصل بالنقابات المهنية والأحزاب والقوى المطالبة بالديمقراطية. ومن أجل تعزيز قوته فى مواجهة الخصوم، دعا نجيب إلى طرح رئاسته للاستفتاء الشعبى.

     واتخذ مجلس قيادة الثورة طريقا آخر، هو العمل على استمالة الضباط وتهدئة الخلافات التى نشبت فى الفترة السابقة من جهة، ومحاولة تأسيس حزب جديد يعبر عن المجلس من جهة أخرى. لكن السياسيين من الأحزاب والقوى السياسية الذين أعلنوا من قبل استعدادهم للتعاون مع مجلس قيادة الثورة حينما كانت أحزابهم تتعرض للإقصاء، تراجعوا عن ذلك وعادوا للارتباط بأحزابهم. فى الوقت نفسه كان الاتجاه الغالب لدى القوى المطالبة بالديمقراطية هو تصفية حركة الجيش وخروجه كليةً من الحياة السياسية بالعودة إلى الثكنات. وهنا ظهر مجددا لجناح عبد الناصر أن عودة البرلمانية تعنى نهاية دور العسكريين.

    ومع إزالة الرقابة على الصحف ورفع القيود على النشاط السياسى، ونجاح نجيب فى استعادة قدر كبير من سلطاته، تسارعت وتيرة النزاع بين المطالبين بالديمقراطية والمعادين لها. واجتمع مجلس قيادة الثورة فى 25 مارس وشهد مناقشة عاصفة بين عبد اللطيف البغدادى، الذى طالب بإلغاء قرارات 5 مارس، وخالد محيى الدين الذى تمسك بهذه القرارات. وكان رد فعل عبد الناصر أن حوّل النقاش إلى مسار آخر، وهو إما الاستمرار فى الخط الذى سارت عليه الثورة فى العامين السابقين أو تصفية الثورة. وتم حسم الموقف بصدور ما عرف بقرارات 25 مارس وتضمنت السماح بقيام الأحزاب وحل مجلس قيادة الثورة فى 24 يوليو يوم انعقاد البرلمان المرتقب وعدم السماح للمجلس بتشكيل حزب، وصوت لصالح هذه القرارات ثمانية أعضاء منهم عبد الناصر، بينما عارضها صلاح وجمال سالم وعبد اللطيف البغدادى وحسن إبراهيم.

    غير أن هذا الاقتراح المريب من عبد الناصر كان يشير إلى أنه يجرى التدبير لشيء ما خلال الأيام التالية. وفور إعلان القرارات، تم الإفراج عن المعتقلين، وخاصة الإخوان المسلمين ومرشدهم العام، الذى زاره عبد الناصر فى منزله فور الإفراج عنه. وكانت هذه الزيارة حاسمة فى تغيير موقف الإخوان، حيث سمح لهم باستئناف نشاطهم فى مقابل اتخاذ موقف الحياد من الأزمة. وبدا ذلك طبيعيا لأن الإخوان كانوا يدركون أن عودة الحياة البرلمانية تعنى حرية النشاط لأعدائهم التقليديين وعلى رأسهم الوفد. لكن يبدو أن ما لم يدركوه هو أن النظام كان غير مستعد لتحمل أى نوع من المعارضة الحقيقية، وأن هذا النظام إذا نجح فى القضاء على كافة القوى الديمقراطية فمن المحتم أن ينقلب على الإخوان، الذين لن يكون التأييد الجماهيرى الذى يحظون به وحده قادرا على حمايتهم.

     عندما ذهب حسين الشافعى عضو مجلس قيادة الثورة إلى هيئة التحرير، وأبلغ سكرتيرها إبراهيم الطحاوى بقرارات المجلس، رفض الأخير هذه القرارات وقال إن ذلك معناه دخول الضباط إلى السجن. وكان هذا الرأى يعبر عن توجه الكثير من ضباط الصف الثانى الملتفين حول مجلس قيادة الثورة. فقد اتخذت غالبية هؤلاء موقفا معارضا للديمقراطية، وكانوا وراء وقف تعيين خالد محيى الدين، وقاموا بالتنكيل بالمعارضة وقمع المطالبين بالديمقراطية، ووقفوا ضد مطالب سلاح الفرسان.

    كان الضباط خلال العامين السابقين قد اعتادوا حياة الترف وبالتمتع بمزايا غير مسبوقة من وراثة مزايا الطبقة الأرستقراطية والاستيلاء على أموالها وقصورها بل ونسائها.. والمشاركة فى إدارة الوزارات باختراع منصب «مندوب قيادة»، أو عبر الانزلاق إلى الشللية كأتباع لهذا القائد أو ذاك. لذا كان الاتجاه الغالب لدى هؤلاء الضباط هو رفض العودة إلى الثكنات، ليس فقط خوفا من المحاسبة، ولكن أيضاً حرصا على الحفاظ على الوضع الجديد المتميز. وقد عبر الطحاوى عن هذه المخاوف فى قوله عندما علم بقرارات 25 مارس أن الثورة ليست جمال عبد الناصر وأنه إذا انسحب عبد الناصر لن ينسحب الضباط لأنهم يعرفون أنهم معرضون ومكشوفون ورجوع العهد القديم يقضى عليهم.

   عقب صدور قرارات 25 مارس رتب الطحاوى مع صاوى محمد صاوى سكرتير عام اتحاد عمال النقل القيام باعتصام بزعم خوف العمال من فقدانهم مكاسب الثورة بشأن منع الفصل التعسفى، وحصل صاوى مقابل ترتيب تلك المظاهرة على 4000 جنيه مصرى اشترى بها 16 فدانا فى قريته قمن العروس ببنى سويف وأصبح الصعلوك من الأعيان.

     وساندت هيئة التحرير هذا التوجه؛ فقام الصاغ أحمد طعيمة ممثل النقابات فى هيئة التحرير بالاتصال بالنقابات لدعوتها للاعتصام دفاعا عن الثورة. وقام أبناء اتحاد نقابات الصعيد بشل حركة المواصلات، ونزلوا إلى الشارع فى مظاهرات تطالب بسقوط الحرية فى 28 مارس. واشتركت قوات الحرس الوطنى وهيئة التحرير فى المظاهرات. وقام جنود البوليس الحربى بارتداء ملابس مدنية وشاركوا فى المظاهرات.

     وعلى الجانب الآخر، اجتمع مجلس نقابة الصحفيين فى 25 مارس واتخذ قرارات طالب فيها بإلغاء الأحكام العرفية فورا وزوال الآثار المترتبة عليها والإفراج عن المعتقلين. وفى نفس اليوم، عقد المحامون جمعية عمومية غير عادية وأدانوا تنكيل ضباط البوليس بزملائهم. واتخذوا قرارا بالإضراب فى 28 مارس احتجاجا على الاعتداء على المسجونين والمعتقلين. وفى نفس اليوم أيضا، عقد طلاب جامعة القاهرة مؤتمرا أعلنوا فيه تشكيل جبهة الاتحاد الوطنى من الطلبة المنتمين إلى الوفد والشيوعيين والحزب الاشتراكى والإخوان، وطالبوا بإلغاء الأحكام العرفية والإفراج عن المعتقلين وإلغاء مجلس قيادة الثورة فورا وتشكيل حكومة ائتلافية تجرى انتخابات.

دور القضاء فى التمثيلية:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

     مع الساعات الأولى لانقلاب 23 يوليو 1954 وتحت تأثير الخوف من الضباط أصدر قسم الرأى بمجلس الدولة برئاسة الدكتور عبد الرزاق السنهورى العديد من الفتاوى المنبتة الصلة بصحيح القانون،  وانزلقت مصر إلى مستنقع التكييف المزاجى للقوانين (ترزية القوانين)؛ لتتلاءم مع رغبات الحكام الجدد التى انتهت بها إلى دولة اللا قانون.

      ورغم ذلك لم يحصل الدكتور عبد الرزاق السنهورى على أية ميزة، بل تم الاعتداء عليه فى مجلس الدولة وتم ركله بالأقدام وكسر ضلوعه وإصابته بالشلل.. والحقيقة أن الدكتور عبد الرزاق السنهورى كان نابغة فى القانون، لكنه كان ـ على المستوى الشخصى ـ كان شخصية مهترئة شديدة الانتهازية، ولا تتورع عن شئ من أجل مصالح رخيصة وتافهة .
وكان رفيقه فى هدم دولة القانون المستشار سليمان حافظ نائب رئيس مجلس الدولة عبر الكثير من الفتاوى التى تحمل خروقات قانونية؛ لذا أطلق البعض عليه لقب (الغدة السامة لإفراز القوانين الضارة)، كانت المقولة المشهورة عن المستشار سليمان حافظ لضباط انقلاب 23 يوليو 1952: « قولوا لنا حضرتكم عايزين إيه؟! ، وإحنا نفصل !!».
كان  المستشار سليمان حافظ أحد الذين حملوا وثيقة التنازل عن العرش إلى الملك فاروق، يقول الملك فاروق عن المستشار سليمان حافظ:

     «حمل إلىّ وثيقة التنازل ضابط برتبة «تمساح» كان يبدو شديد التأثر .. وتتساقط دموع التماسيح من عينيه، وحاول إقناعى بأن أعطيه بعض أسماء أعوانى المخلصين حتى يمكنه الاتصال بهم، والتنسيق معهم حتى يمكن مساعدتى فى استعادة عرشى، ولكنى لم أسقط فى الشرك الذى نصبه لى، وشكرته على نواياه التى تبدو على عكس حقيقتها طيبة.».

       لم يكتف المستشار سليمان حافظ نائب رئيس مجلس الدولة بما يمارسه من «عُهر قانوني» فراح ينافق ضباط انقلاب 23 يوليو 1954 فى أحط أنواع «الدعارة السياسية» غير المسبوقة؛ فقد قال عن جمال عبد الناصر:

    « إنه يذكرنى بالنبى محمد صلى الله عليه وسلم وأن عبد الحكيم عامر هو أبو بكر الصديق»، وأسند المستشار إلى كل ضابط اسم وصفة أحد صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

     فلما استنفد ضباط انقلاب 23 يوليو 1952 أغراضهم من ذلك المستشار أهانوه ثم اعتقلوه ورموا به فى مزابل التاريخ .

الاعتقالات والتعذيب :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

       وبدأ عبد الناصر بعد أن امتلك كل مفاتيح السلطة بيديه فى ممارسة أبشع الأفعال فاعتقل كل المختلفين معه، فاعتقل عبد القادر عودة وأحمد حسين، وأصدر أوامره إلى العقيد أحمد أنور قائد البوليس الحربى بضربهم وإصدار الأوامر إلى العساكر بضربهم بالأحذية والأحزمة، ونقل عبد الناصر إلى بعض مؤيديه أن العساكر ضربوهم بالجزم وأبدى شعوراً بالسعادة والشماتة قائلاً :

     «عشان عبد القادر عودة يبقى يطلع ويمسك القميص فى ميدان عابدين ويقول: الدم .. الدم يا نجيب ، وعشان أحمد حسين يبقى يبعث لى تلغراف يقول لى: مصر ليست عزبة أبيك تتصرف فيها بهذه الصورة..».

      كانت جريدة «المصري» تتحدث عن التعذيب وانتهاك كرامة الإنسان وتقود حملة «الثورة ضد الثورة» فى سلسلة مقالات كتبها توفيق الشهاوى ود. محمد صلاح الدين وأبو الخير نجيب .

إغلاق جريدة «المصرى»:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    كانت جريمة «المصرى» أنها طالبت بالحكم الدستورى والليبرالى وعودة الجيش إلى ثكناته بعد أن أدى مهمته، وانتقدت الممارسات القمعية، والتعذيب .

    ففى سبتمبر 1953 نشر أحمد أبو الفتح مقالين بعنوان «إلى أين؟»  تساءل فيهما:  إلى أى طريق يندفع الضباط الذين بدأوا ينتشرون فى كل  أجهزة  الحكم  تحت  اسم  «مندوب قيادة»، وما تلى ذلك من اعتقالات  السياسيين وكبار ضباط الجيش والبوليس السابقين.
 
    ثم كتب أحمد أبو الفتح مقالاً آخر بعنوان: (الدستور يا رئيس اللجنة)، وكان المقصود برئيس اللجنة على ماهر باشا الذى كان مكلفاً بلجنة لوضع دستور للبلاد ؛ هذة اللجنة كانت معطلة وكان كل رجال وإمكانيات النظام مسخرة لاحتفالات ومهرجانات يظهر فيها رجال مجلس قيادة الثورة . عملوا أسبوعا (لمعونة الشتاء) وظلوا يطوفون قرى مصر؛ وأسبوع  (كتاكيت النقطة الرابعة) والنقطة الرابعة كانت مشروعاً هزيلا لمعاونة مصر اقتصادياً؛ فأرسل صلاح سالم رداً للجريدة بعنوان: (المتباكون على الدستور) تم نشره فى إطار تقاليد العمل الصحفى المعروفة مع تعقيب من كاتب المقال بعنوان: (نعم نحن باكون على الدستور) .

     وثار صلاح سالم؛ وبعد فترة قصيرة طالبت الضرائب الجريدة بمبلغ 26 ألف جنيه ضرائب لم يكن لها أى أساس لأن الجريدة كانت سددت الضرائب المستحقة عليها؛ وكانت هذه أولى المضايقات .

     أسدل الستار على جريدة المصرى بصدور عددها رقم 5904 بتاريخ 4 مايو 1954؛ كان العدد الأخير ولم يصدر عدد بعده؛ فقد أصدرت محكمة الثورة حكمها بإغلاق «المصرى» .

      ونشر العدد الأخير  ـ الذى لم يكن أحد يعرف أنه الأخير ـ خبر «تأجيل اجتماع مجلس قيادة الثورة إلى مساء اليوم ـ 4 مايو ـ»، جاء فيه :

       «علم مندوب المصرى أن قائمة السياسيين المستقلين الذين سيحرمون من الحقوق السياسية ستذاع عقب هذا الاجتماع؛ كما يعرض على المجلس الحكم الذى ستصدره محكمة الثورة فى قضية محمود وحسين أبو الفتح، وذلك للتصديق عليه».

      .. مانشيت «المصرى» الأحمر: انتهاء مرافعة الدكتور وحيد رأفت؛ والمرافعة نفسها تستغرق الصفحتين الأولى والثانية، وهى تتحدث عن صفقة سلاح توسط حسين أبو الفتح لشرائها .. والمحامى يقدم الدليل على براءة موكله؛ ولا يعيب عليه أنه تقدم بشكاوى حادة اللهجة؛ ونحس من مرافعة الدفاع أن هناك اتهامات غامضة وصلت حد «الكرافتات»، وهل هى رشوة أم عربون الصداقة والمحبة.

      كانت هذه آخر كلمات «المصرى» الذى استيقظ  قراؤه ذات صباح؛ ليجدوه «قد نفد للأبد»، واضطر أصحابه للهروب؛ ليعيشوا خارج مصر.

      حكى أحمد أبو الفتح أن عبد الناصر أثناء دعوته على الغداء فى منزل شقيقه حسين أبو الفتوح مع ضباط انقلاب 23 يوليو 1952  فيما عدا زكريا محيى الدين قال :

      « أتمنى أن يأتى اليوم الذى أستطيع فيه أن أضغط على زر كزر الكهرباء فينام كل شعب مصر ثم أضغط عليه مرة أخرى فيستقيظ الشعب!!»

      .. وقد أسر بذلك إلى محمد حسنين هيكل وعلى ومصطفى أمين وجلال الدين الحمامصى.

ذروة الهوان الوطنى :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

      كان هتك أعراض الرجال أحد أساليب ضباط انقلاب 23 يوليو  1952 لكسر أنوف معارضيهم؛ فقد حدث أن أبدى فضيلة الشيخ محمد المجدوب إمام وخطيب أحد المساجد الصغيرة المجاورة للجامع الأزهر استياءه من دخول الضباط إلى المساجد وسط صخب العامة وفلاشات الكاميرات .. وزاد من الأمر سوءا أن أحد القراء كان يقرأ من سورة النمل: «وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ»ـ النمل آية 6 ـ .. وأخد القارئ يعيد كلمة «ولكم فيها جمال» بقراءات مختلفة أكثر من عشر مرات، ولم يتوقف حتى أشار إليه البكباشى جمال عبد الناصر مبتسما بما يعنى أن رسالته قد وصلت!!

      .. لم يعجب الأمر فضيلة الشيخ محمد المجدوب؛ فصعد المنبر، وأسهب فى نقده؛ فقُبض عليه ليخرج بعد أيام من سجنه مشلولاً لا يكف عن البكاء حتى مات، ولم يفض بسره إلا للشيخ الباقورى الذى نقل ما حدث للشيخ الجليل للبكباشى جمال عبد الناصر الذى علق قائلاً :

«هما عملوها الأشقياء .. أحسن عشان يبطل كلام .»

النحاس باشا
و«قطار الجيش» :
ـــــــــــــــــــــــــــــ

    كان الوحيد الذى تعامل بعقلانية شديدة مع ضباط انقلاب 23 يوليو 1952 هو النحاس باشا، فقد أرسل إليه ضباط الانقلاب رسالة قبل وقوعه نقلها الضابط أحمد مظهر (الذى أصبح الممثل أحمد مظهر) إلى صهره د. محمد صلاح الدين وزير الخارجية (والد زوجته) لإبلاغها إلى النحاس باشا كان مفاد الرسالة:
«أن الضباط سيقومون بانقلاب، وأنهم يريدون أن يتعاون النحاس معهم فى أمور الحكم».

    ورد النحاس :

   «أنه لا يؤيد دخول الجيش إلى مجال السياسة .. وأن الجيش إذا أمسك الحكم؛ فلن يتركه قبل 60 سنة» .

    .. ولم يبلغ النحاس باشا عنهم.

الموقف الثانى :

       أن مجموعة من شباب «الطليعة الوفدية» ذهبوا إلى النحاس باشا يستشيرونه فى القيام بأعمال مناهضة للحكام الجدد .. وأغلق عليهم باب حجرة الصالون بالمفتاح، وقال لهم:

      «إنه لن يسمح لهم بالخروج قبل أن يقسموا على المصحف أن يعدلوا عن هذا التفكير .» وأضاف :

   «الجيش يا ولاد زى القطار .. هوا فيه حد عاقل يقف أمام القطار، ويقوله: يا تدهسنى يا أهدسك .. طبعا القطار هيدهسكم ويخللى جثثكم ألف حته .».

إهانة الرفاق والحلفاء:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    تمت إهانة الرئيس محمد نجيب وصفعه وركله بالأقدام لحظة إلقاء القبض عليه، وتم استبعاد البكباشى يوسف صديق القائد الحقيقى لانقلاب 23 يوليو 1952 من تنظيم الضباط الأحرار وتحديد إقامته، واعتقال زوجته توحيدة هانم صبرى وابنة خاله عمدة زاوية المصلوب التى طلبت فور وصولها إلى المعتقل أن تتحدث تليفونيا إلى جمال عبد الناصر، وعندما تم لها ما أرادت قالت لعبد الناصر :
   « يا ريس أنا مكنتش أعرف أن الضباط قاموا بثورة عشان يعتقلوا النسوان».

    .. وسقط عبد الناصر فى بئر الخجل، ولم يعرف بماذا يرد، وأمر بإعادتها إلى بيتها معززة مكرمة .

     .. وفى ذات المسلسل تم إبعاد اليوزباشى خالد محيى الدين إلى سويسرا، وشطب البكباشى عبد المنعم أمين جلاد كفر الدوار من قائمة «الضباط الأحرار».

     ومن المدنيين الذين أعانوا الانقلاب على نقائصه:

    ـ في٧ سبتمبر ١٩٥٢ اُجبـِر على ماهر أول رئيس وزراء فى زمن الانقلاب على الاستقالة بزعم عرقلته لمشاريع الإصلاح الثورية مما جعل الثورة تتأخر فى تحقيق أهدافها، ليظل رهين محبسه فى بيته إلى أن توفى فى أغسطس ١٩٦٠.

   ـ مات د . راشد البراوى (اليسارى الماركسى) مفكر الانقلاب فى ظروف غامضة، وتم قيد الحادثة بوصفها انتحاراً.

   ـ تم طرد الشيخ الباقورى من الوزارة والاعتداء عليه بمعرفة أحد الضباط عندما وقف مع الوزراء فى استقبال الرئيس عبد الناصر، حينئذ طلب الضابط منه أن يقف وسط الجماهير؛ فلما حاول الباقورى إفهامه أنه وزير سابق؛ فدفعه الضابط فى صدره؛ فسقط على الأرض .. وبعد نهوضه اكتشف إصابته بالشلل؛ ليقضى طوال حياته مشلولاً ومحاصراً بالشائعات عن فسقه، وعلاقاته النسائية بممثلة ناشئة (لبنى عبد العزيز) وامراة تدعى نعيمة تمتلك مطعما للفول والطعمية (مطعم فلفلة)، وطالت الشائعات بناته!!

    التقيت فضيلة الشيخ أحمد حسن الباقورى أكثر من مرة فى مطلع الثمانينيات من القرن الماضى عندما عملت مديراً فنياً لمجلة «الشبان المسلمين» التى كان يترأس مجلس إدارتها ويرأس تحريرها .. أحسست ساعتها أننى أمام رجل يجيد التلاعب بالكلمات، ويحذق عملية التكسب بالموقف ويعشق ترويج الزيف، ولا يمتلك حق الاختيار، ويجيد تنفيذ التعليمات، أحسست أننى أمام رجل «أُلعوبان» بلغة أولاد البلد.
     ـ وتم الاعتداء على الدكتور عبد الرزاق السنهورى رئيس مجلس الدولة وضربه علقة ساخنة انتهت بكسر ذراعه، وتحطم ضلوعه وأصيب بالشلل .. كان السنهورى عبقرية قانونية لكنه على المستوى الشخصى شخصية شديدة الانتهازية والاهتراء.

      ـ ولم يكن حظ سليمان حافظ نائب رئيس مجلس الدولة أفضل حالاً منه فقد تم اعتقاله وإهانته !!

     ـ ولم يكن نصيب الألعوبة صاوى أحمد صاوى رئيس نقابة عمال الترام أفضل من سابقيه.. كان صاوى قد تم استئجاره من قبل عبد الناصر مع شراذم من الرعاع للهتاف بسقوط الديقراطية؛ وسقوط الحرية، وسقوط المثقفين، وكان الصاوى يعتقد أنه صاحب فضل على ضباط انقلاب 23 يوليو 1952، وارتأى الضباط بعث رسالة له مفادها أنه تم استخدامه فى «عمل قذر» وقبض الثمن وانتهى الأمر، حيث قام العقيد أحمد أنور قائد البوليس الحربى بصفعه على وجهه أثناء اصطفاف قيادات العمال لاستقبال الرئيس عبد الناصر عند عودته من مؤتمر باندونج .. يقول العقيد أحمد أنور فى روايته للواقعة لأحمد حمروش :

    «لقيت الواد بيعلى صوته علىّ، وبيقوللى إحنا خدمنا الثورة، وما خدناش حاجة؛ فما حستش بنفسى، ولهفته قلمين .» .

    .. وذهب الصاوى ليشكو العقيد أحمد أنور إلى الرئيس عبد الناصر الذى قال له :

    «أنا مش هأقدر أعمله حاجة .. أنت صاحبى ، وهو صاحبى .. أجر ناس تضربه علقة!!».

    وفهم الصاوى مضمون الرسالة، وغادر القاهرة إلى بلدته فى قمن العروس فى بنى سويف، ولم يبارحها حتى لقى وجه ربه .

    .. هكذا كانت تدار البلاد فى سنوات « زمن الخوف»

الإنتاج السينمائي
 فى سنة مولدى :
ـــــــــــــــــــــــــــ

     فى السنة التى ولدت فيها شهدت السينما حالة ازدهارا وانتعاشا فقد تم إنتاج 27 فيلماً هى :

      «آثار فى الرمال، أربع بنات وضابط، إرحم دموعى، إسماعيل ياسين فى الطيران، إسماعيل ياسين يقابل ريا وسكينة، الآنسة حنفى، الأستاذ شرف، الستات ما يعرفوش يكدبوا، الظلم حرام ، الفارس الأسود، المال والبنون، الوحش، إنسان غلبان، بنات حواء، تاكسى الغرام، جعلونى مجرما، جنون الحب، حياة أو موت، خطف مراتى، دايما معاك، رسالة غرام، صراع فى الوادى، عفريتة إسماعيل ياسين، كدبة أبريل، فتوات الحسينية، قلوب الناس، ياظالمنى» .

اسمى ياسر :
ـــــــــــــــــــــ

الطفل ياسر بكر ( 6 سنوات )
     اختار أبى لى اسم ياسر، على اسم ابن خالى ياسر ياسين عبد الله، كان خالى ياسين يعمل موظفاً مدنيا فى إدارة الذخيرة بالجيش المصرى «الجباخان» فى سيناء، وقد اختار لابنه الذى يكبرنى بأربع سنوات اسم ياسر تبركاً بأحد أولياء الله الصالحين فى مدينة العريش وهو «ولى الله ياسر» بالقرب من منطقة وادى السيل، وكان أهالى العريش يحكون الكثير عن كراماته، وأنه صحابى جليل جاء إلى مصر مع جيش عمرو بن العاص، وأنه توفى فى منطقة وادى السيل ودفن بها قبل أن يصل عمرو إلى المساعيد .

     فى سنة 1992 أثناء تواجدى فى مدينة العريش زرت ضريح «ولى الله ياسر»، وقرأت الفاتحة .

     أثار تسميتى باسم ابن خالى أزمة فى العائلة؛ فقد تطيرت جدتى لأمى الحاجة أم ياسين، واعتبرت ذلك فألا سيئا ونذير شؤم، وغضبت من أبى، وفى محاولة استرضائها حاول أبى أن يقنعها أن : «الأسماء محبة»؛ فلما لم يفلح فى إقناعها ذهب إلى موظف قيد المواليد بتلوانة الشيخ مصطفى الغلام لتغيير اسمى ليصبح «فيصل»، لكن الموظف أخبره بأنه تم إرسال الدفاتر للتسجيل فى مديرية الصحة .

     وللخروج من تلك الإشكالية ارتأت أمى أن يكون اسمى فى الأوراق الرسمية: «ياسر»، وأن تجرى مناداتى باسم: «فيصل»، .. واستراح الجميع على مضض لذلك الحل.

      وفى يوم السبوع .. أولم أبى بعقيقة تصادف موعدها مع احتفال القرية بذكرى المولد النبوى الشريف، وكانت الفرحة فرحتين، وتمت التوسعة على الفقراء من أهالى القرية.

      .. وبعد سنوات، وفى سنة 1962 وبعد أزمة سياسية بين مصر والمملكة العربية السعودية بعد التواجد المصرى فى اليمن ارتكب فيها الرئيس جمال عبد الناصر مختلف أنماط البذاءة ضد العائلة السعودية الحاكمة من عينة : «هنتف لهم ذقونهم»، تفتق ذهن أحد شعراء «التعبئة الثورية» فى مصر عن هجاء الأمير فيصل بن عبد العزيز وزير الخارجية السعودى آنذاك بقصيدة جاء فيها :

«فيصل  أنت؟!، أم فصل من كتاب النفاق؟!»

     وأمسك عبد المجيب أفندى صالح أحد المعلمين الحفاة فى مدرسة تلوانة الابتدائية بطرف ذلك الشطر من بيت الشعر شأن أنصاف المتعلمين حين يتحذلقون؛ فراح يردده كلما رآنى!!

    كنت كلما سألت أحد عن المعنى يضحك ولا يجيب .. وعندما فهمت المعنى أصررت أن يكون اسمى ياسر، ولا أقبل باسم غيره .. وإذا نادنى أحدهم باسم «فيصل» أتجاهله، ولا أرد، وإذا ألح على قلت باقتضاب:«اسمى ياسر.».

      وأصبحت أحمل ذلك الاسم لافتة تدل علىّ طوال أيامى،.. أنهكته معى كما أتعبتنى أيامى .

***

فى هذا الجو المشحون بشتى الانفعالات السياسية غير المنضبطة.. وانهيار منظومة القيم الاجتماعية والقانونية والأخلاقية .. وآلام الأم .. وقلق الأهل، .. ورغبة ممرضة التبشير فى إنجاز مهمتها الأصلية، والنجاح فى وسيلتها التى اتخذتها غطاء لتلك المهمة، وضيقها بنطاعات «الأجرية» وتخلفهم، وسماجتهم فى التعامل مع الحال، وعدم انصرافهم قبل تناول الطعام، وشرب الشاى ثلاثة أدوار، ووسط الأفراح الشعبية بنجاة الزعيم، والزخم السياسى لتصفية بعض القوى السياسية، والتخلص من بعضاء حلفاء المرحلة الذين أعانوا الحكم على نقائص أخلاقية وسياسية وقانونية؛ لإفساح المسرح أمام لاعب جديد يحمل فى جعبته قوانين جديدة للعبة .. وتظهر فى خلفية المشهد ملامح مرعبة لـ «زمن الخوف»!!

     .. جئت إلى الدنيا، وكنت الابن العاشر فى أسرتى المكونة من 11 أخا وأختا؛ منهم ثمانية أخوة لأبي!! كان أخوتى لأبى إخوتى وفى نفس الوقت أبناء خالتى فاطمة التى توفيت؛ فتزوج أبى شقيقتها التى هى أمي.

الفصل الثالث :

ــــــــــــــــــــــ

أسرتى .. ومدرستى

    ..لاشك أن فى الحديث عن أسرتى صعوبة، لكنى سأحاول رسم بورتريه أو نحت صور لأعمدتها الرئيسية، تختلط فى تلك الصور سواء المرسومة أو المنحوتة الملامح بالأحداث فى دراما المشهد فى علاقة تبادلية بين الزمن والحدث والبشر، فتبزر ملامح البشر والشخوص تارة؛ لتحتل واجهة المشهد لتقوم بدور البطولة، وتبدو الأحداث فى خلفيته زاعقة أحيانا وباهتة أحيانا.. وتنسحب الملامح والشخوص إلى عمق المشاهد وتتصدره الأحداث؛ لتبدو صانعة لها وبطلتها المسيطرة .

أبى
إمام افندى:
ــــــــــــــــــ

    أبى إمام افندى بكر من مواليد سنة 1898م، وهو ابن الشيخ إبراهيم اسماعيل إمام بكر تاجر الغلال بتلوانة، وابن الحاجة فرح يوسف غيث .

   جده إمام بكر الكبير صاحب «عزبة إمام بكر» بناحية البيشة مركز منوف، وهو أحد ضباط الجيش المصرى فى عهد الخديو إسماعيل.

   أبى أحد علماء الأزهر الشريف؛ ومعلم قريتنا تلوانة وشيخها، حيث حصل على شهادة العالمية سنة 1922 ممهورة بتوقيع وخاتم فضيلة شيخ الأزهر محمد أبو الفضل الجيزاوى.

والدي الفقيه إمام ابراهيم بكر في زيه الأزهري

     ومنذ ذلك التاريخ حمل أبى لقب فقيه ومعه شارة العلماء، وبدأت رحلته فى البحث عن عمل فى ظل تضييق المستعمر الإنجليزى على توظيف خريجى الأزهر، ضمن خطة أعدها مكتب المخابرات البريطانية فى القاهرة لإشعارهم بالهوان، وأنهم عملة بائرة فى سوق العمل مع التوسع فى توظيف خريجى الجامعة الأهلية، ومدارس الإرساليات الأجنبية .

   وفى ذات الوقت أطلقت يد المبشرين فى ممارسة أنشطتهم فى حماية مظلة قانون الامتيازات الأجنبية.

    وقد استغل المبشرون إنشاء المكتبات لبيع الكتب فى الظاهر؛ ولتكون ستاراً لإدارة أعمال التبشير واستجلاب الزبائن ودعوتهم لاعتناق المسيحية، والدعوة لاستعمال العامية بدلا من الفصحى لغة القرآن الكريم، وبدأت الدعوة لاستبدال الحرف العربى بالحرف اللاتينى .

     فى وسط تلك الأجواء بدأت معاناة أبى الشاب حامل شارة العلماء فى ظل الهوان الذى كانت تلاقيه مؤسسة الأزهر على يد المبشرين، وأعوانهم من الماسون.

     كان نشاط الإرساليات التبشيرية يشكل تهديداً مباشراً للمجتمع المصرى، وزاد من الأمر سوءاً أمران :

     أولهما: دخول المبشر صموائيل زويمر إلى صحن الأزهر ونشر دعاية دينية مسيحية إذ وزع بالأزهر عدة رسائل لتك الدعاية .

    ولم يقتصر الأمر على هذا؛ فبعد فترة من الوقت عاود زويمر الكرّة بالذهاب إلى الأزهر مع ثلاثة من الأجانب، ودخلوا إلى حلقة درس الشيخ سرور الزنكلونى أثناء شرحه سورة «براءة»، ووزع على الطلاب فى سرية ثلاث رسائل عنونت الأولى بعنوان:«دعوة إلى القبلة القديمة»، والثانية بعنوان : «شرح أسماء الله الحسنى» والثالثة بعنوان: «تفسير آية الكرسي»، والرسالتان الأخيرتان متضمنتان تفسيرا بمعنى ما هو وارد فى التوراة والإنجيل، وأهاج ذلك طلبة الأزهر .. لكن المشايخ نصحوهم بالهدوء !!

الأمر الثانى:
ـــــــــــــــــــــ

    بعد احتلال انجلترا مصر .. توافد على مصر مثل الجراد الملايين من صعاليك ورعاع أوربا، ولم يسكنوا المدن فقط بل انتشروا فى القرى والكفور والنجوع يبيعون الحلوى والشاى والسكر والدخان والملوحة والسمك المجفف (البكالاة) وعلب السردين واللحم المعلب (البلو بيف) والذهب والقماش والخمر ويقيمون المقاهى والخمارات، ويستجلبون العاهرات، وينشرون الدعارة ويقرضون بالربا الفلاحين المولعين بالفسق مقابل صكوك الدين النافذة بأمر الأداء والتى تنتهى بانتزاع ملكية الأراضى من أغلبهم !!

    ولا تمر سنة أو سنتان على الأكثر حتى يصبح هؤلاء الرعاع ملاكا للأراضى، ويتحكمون فى رقاب أولاد البلد الذين تحولوا إلى أجراء لديهم!!
    .. وكان هؤلاء الرعاع تابعين للمخابرات البريطانية ينقلون لها المعلومات عن أحوال الناس فى تلك القرى والنجوع، ويتلقون عنها التعليمات لإحكام السيطرة على البلد المحتل .

   كانت المخابرات البريطانية تدير تلك المنظومة القذرة، وتدبر لها الأموال اللازمة من خلال جباية «البدل العسكرى»؛ فكان أبناء الميسورين يدفعون مبلغ 40 جنيهاً بدلاً عن عدم أداء الخدمة العسكرية، تؤدى إلى خزينة المحتل؛ ليستخدمها فى إدارة منظومة استخباراتية تستخدم الرعاع الأوربيين من اليهود والنصارى، وتسخرهم فى جمع المعلومات!!

    وكان هؤلاء الصعاليك يتوددون إلى القرويين من السذج الذين سرعان ما يسقطون فى فخاخهم، ويصبحون هدفاً سهلاً لأطماعهم، وكان هؤلاء القرويون يطلقون عليهم لقب: «الخواجات» لكن هؤلاء «الخواجات» كانوا يثيرون حنق المتعلمين، وريبتهم، ويشعرونهم بالضيق .. فقد كان المتعلمون يعرفون أن وراء المظهر البائس لهؤلاء الرعاع مخبرا رديئا ويدركون وضاعة وسائلهم!!

    .. لم يكن أبى متهافتاً على الوظيفة؛ فلديه الكثير مما تدره تجارة أبيه من أرباح، وما تغله الأطيان من عائدات بما يكفيه ويغنيه، لكنه كره أن يظل بلا عمل، وزاد من ضيقه أنه لن يستطيع إنفاذ اتفاق أبيه مع شريكه فى التجارة الشيخ أحمد عبد الله بتزويجه ابنته فاطمة، وانعقدت الخطبة بقراءة الفاتحة.

والدي حضرة إمام افندي بكر في هندامة الإفرنجي

    لكن سرعان ما أتى فرج الله، وفى سبتمبر 1924 حصل أبى على وظيفة معلم بإحدى المدارس الأولية بمدينة بورسعيد، بمرتب شهرى 120 قرشاً؛ فتزوج وسافر مع عروسه (خالتى فاطمة) إلى هناك، وبدأت عجلة الحياة تدور، وخلع أبى الزى الأزهرى، واستبدله بالملابس الإفرنجية، وتخلت العروس عن الملابس الريفية وبدت فى هندامها الأنيق وكأنها إحدى أميرات الأساطير أو وردة بلدية فى أناقة فرنسية من تيور رمادى وغطاء رأس أنيق أقرب إلى الشابو الباريسية .. ساعدها فى ذلك جمالها الهادئ وذكاؤها ورقيها الفطرى.

    وفى 20 ديسمبر 1925 رزقهما الله بمولودهما الأول أخى محمود.

     .. وعندما عاد أبى فى أجازته الصيفية، ولم يكن منزل الأسرة يلائم حياة المدن التى اعتادها؛ فاقترح جدى بناء سراى له، ولضيق الوقت ارتأى أبى شراء سراى الخواجة كرياكوس أرتين، ولكن جدى اعترض لكون إحدى غرف السراى خمارة يرتادها السكارى وراغبو شراء زجاجات «منقوع البراطيش» من برميل بنايوتى، لكن أبى أقنعه أن الأماكن تطهر بنظافتها، ولا مانع من ختم القرآن والصلاة جماعة فى المكان قبل سكناه .. وراقت الفكرة جدى وشرع فى إجراءات الشراء.

    كانت السراى أقرب إلى طراز الأرت نوفو Art Nouveau وكانت أشبه بسرايات حى الحلمية بالقاهرة، وكان طراز (الأرت نوفو Art Nouveau أى الفن الجديد) قد ظهر هذا الطراز المعمارى فى أوربا بين عامى 1890 ـ 1910 كجزء من مناهضة المادية ومجتمع الصناعة وسيطرة الآلة؛ ولهذا حاول هذا الفن محاكاة خطوط الطبيعة؛ لذا نجد أن خطوط الأرت نوفو طويلة متموجة، وعادة ما تأخذ شكل الزهور والأجنحة وخمائل العنب وأشياء أخرى رقيقة، وقد بدا ذلك واضحاً فى الزخارف الشجرية للترسينة (الشرفة) وزخارف إفريز خشب الأسقف.

     ولذا فمن المرجح أن السراى التى صارت دارنا بنيت فى الفترة ما بين عامى 1890 ـ 1910 م أو بعد ذلك بقليل .

    كان قارب حياة أبى يسير فى هدوء بين ضفتى الأيام والليالى، وظل ينتقل مع زوجته من مدرسة إلى أخرى ومن مدينة إلى مدينة؛ فعمل فى مصر المحروسة فى مدرسة أمير الصعيد الابتدائية، وانتهى به المطاف فى مدرسة قريتنا وفى سراياه، ولكنها الحياة لا تخلو من منغصات؛ فقد مرضت زوجته (خالتى فاطمة) وانتقلت إلى رحاب الله فى سنة 1947 تاركة له ثمانية من الأبناء (4 أولاد، و4 البنات)، وافتقد أبى البهجة فى حياته وأصبح دائم الوجوم .. حزينا .. مهموماً .. زاهداً فى الحياة .. عازفاً عن الطعام، وافتقد أناقه هندامه، ولم يعد فى أكثر الأوقات حليقاً أنيقاً .

   .. وزادت أحزانه بوفاة شقيقه الوحيد عمى إسماعيل تاركاً خلفه أربع بنات صغيرات، وولدا واحدا دون سن الرشد .. كانت أرملة عمى مبروكة عامر تأمل فى الزواج منه خاصة أن كليهما أرمل ويعول، وقد جرى العرف فى الريف أن يتزوج الأخ أرملة أخيه ويتولى تربية الأيتام؛ فلما لم تجد منه استجابة عمدت إلى إغاظته؛ فتزوجت من أحد خدم العائلة .

    وتفاقمت الأحزان عن قدرة الاحتمال بوفاة زوج عمتى توحيدة؛ فجاءت مع ابنتها لتعيش معنا، اتشحت عمتي بالسواد، وكانت دائمة البكاء، ولم تفلح محاولات التسرية عنها، ولحقت بزوجها.

    وفى مواجهة الانهيارات المتتالية فى كيان الأسرة، وضعف مقومات رعاية الأبناء اقتراح عواقل العائلة أن يتزوج أبى شقيقة زوجته الراحلة، وبعد أخذ ورد، ومشاورات، ومناقشات بين مؤيد ومعارض، تزوج أبى شقيقتها (أمي) فى سنة 1948.

    كانت أمى فتاة ريفية صغيرة السن؛ فلم تستطع ملء الفراغ الذى خلفته خالتى فاطمة (يرحمها الله) فى حياة أبي؛ فكانت أوجاع النفس هى القاسم المشترك فى طعم أيامه، ولونها ، ورائحتها، وأصبحت أيامه كلها ساعات انتظار ليلحق بخالتى فاطمة (يرحمها الله).. حبه الوحيد، .. وراح يلتمس الصبر والتصبر والمصابرة والسلوى فى التصوف.

    وأخذ أبى العهد على يد شيخ السجادة العفيفية، وأصبح من أتباع الطريقة العفيفية التى أسسها الشيخ عبد الوهاب العفيفى كأحد روافد الطريقة الشاذلية، نقلا عن ابن عطاء الله السكندرى عن أبى العباس المرسى عن القطب الغوث أبى الحسن الشاذلى .

   كان الشيخ عبد الوهاب العفيفى المدفون بقرافة المجاورين بالدراسة، يعود بأصوله إلى بلدة مجاورة لنا، وهى قرية منية عفيف (ميت عفيف).

   كان أبى يتلو الأوراد، ويواظب عليها لاعتقاده أن لكل شيخ ورده الذى جعل الله فيه مدده وسره وسر طريقته، فمن ترك ورده؛ فقد نكث عهد شيخه، ومن ترك ورده انقطعت عنه الأمداد فى ذلك اليوم.

     وهو ما ذكره الشيخ فى قصيدته المسماة بـ «البرقية» التى أنشدها فى زيارة صحراوية لسيدى أبى الحسن الشاذلى فى جبل حميثرة بصحراء عيذابات بصحراء مصر الشرقية وقال فى مطلعها:

يا برق قبل وصولنا لحميثرا *** بلغ سلام العاشقين معطراً
واشرح لهم حالى وطول تلهفى *** ومدامعى تجرى عقيقاً أحمرا

     وقد ورثت عن أبى نسخة من مخطوط بعنوان: «قدوة السالكين القطب الكامل سيدى عبد الوهاب العفيفي» تأليف العارف بالله تعالى سيدى عبد الرحمن القرينى الشاذلى، وتوجد نسخة أخرى منه فى مكتبة الملك سعود بالرياض تحت رقم 218 / س . ق

      كان شيخ السجادة العفيفية يحضر إلينا مرة كل عام؛ فيخرج المريدون لاستقباله عند قرية بير شمس بالركائب والبيارق والرايات الخضراء والطبول والصاجات والدفوف والإنشاد؛ ليدخل إلى قريتنا فى زفة من فوق حصان.

    بعد أن يفرغ الشيخ من طعامه .. كان الصبية من أبناء المريدين يتسابقون بالإبريق والطست والمنشفة لغسل أيدى الشيخ .. كان الشيخ يمنح كلا منهم قطعة من النقود من فئة الريال الفضة، وكان المريدون يحتفظون به ولا ينفقونه؛ فهو بركة من الشيخ وسيكون ـ بإذن الله ـ خميرة الثراء المقبل ببركة الشيخ .

  كان شيخ السجادة يحضر إلى دارنا لإقامة حضرة (جلسة ذكر)، وفى الليلة التالية يتم عمل حضرة أخرى فى بيت الحاج عبد الهادى صالح، وينصرف الشيخ إلى حال سبيله وسط دموع المريدين الذين يقبلون يديه تبركاً، ويستحلفونه ببركة جده رسول الله ألا ينساهم فى الدعاء والنفحات.

    .. ولم يطل الأمد بأبى كثيراً؛ فلقى وجه ربه فى 9 ابريل 1957 م، الموافق 10 رمضان 1376 هـ عن تسعة وخمسين عاماً.. وكنت طفلا فى الثانية والنصف من سنين العمر.

والدي في أخر صورة التقطت له قبل وفاته


أمى
.. شلبية هانم:
ـــــــــــــــــــــــ

    أمى شلبية هانم من مواليد سنة 1932، ابنة فضيلة الشيخ أحمد محمد عبد الله إمام وخطيب مسجد سيدى يوسف أبو الحجاج وتاجر الغلال بناحية تلوانة منوفية، وبنت السيدة أم محمد أحمد الرفاعى.

والدتي شلبية هانم أحمد عبد الله

      ولأنه يصعب رسم صورة للقريب .. ولأن من الصعب أن نبتعد لنكتب عن المقربين منا؛ لأننا فى النهاية بشر؛ فسأحاول رسم عدة بورتريهات لأمى تقرب إلينا صورتها .

    عندما صدرت مجموعتى القصصية الأولى (سبتمبر 1990) بعنوان: «حكايات تافهة جداً»، كان الإهداء :

    ( إلى صــــفاء
.. هذا ما بقى منك، .. ومنى
.. ذكرى شاحبة بـ «لون الموت»
.. و«حكايات تافهة جدا»ً )

    توقفت أمى أمام كلمات الإهداء، وحملقت بعيداً فى سقف صحن الدار، وقالت دون أن تنظر إلىّ :

    ـ هل تحبها ؟!!

    قلت :

   ـ القلب الذى دقه الحزن .. لا يعرف الحب .

    قالت :

   ـ تتحدث كما لو كنت فى سنوات حطام الشيخوخة !!

   قلت :

   ـ تحاملت الأوجاع على القلب حتى أمسى مثل ثمرة الكمثرى المعطوبة.. وأصابنى مرض السكر.

    قالت دون أن تنظر إلىّ :

   ـ .. لا يأتى السكر إلا من مرارة الأيام، ولكن ليس فى حوادث الأيام ما يستحق الاهتمام، .. كلها عابرة .. وفى ظروف عابرة !!

    قلت:

   ـ دائما ما تكون الغصة فى لحظة انحسار الروح، وانكسار القلب عندما يضيع الحلم .. كانت مفردات الحلم تجمع من مشاهد الخيال الكثير.. منها ما هو بين أحضان الحبيبة، وبعضها عن بيت هادئ تشع جدرانه بالدفء، وتفوح برائحة الطبيخ، وطفل جميل أسميناه فى حلمنا المذبوح «كريم»، وبنوتة رقيقة مثل زهرة الياسمين تلهو بعرائسها فى ركن هادئ أسميناها فى خيالنا المتوهم «كريمة» تيمنا باسم «الخالة الحماة» .

     قالت :

   ـ كريمة ؟!!، .. لماذا كريمة ؟!!، ولمَّ لا تكون «شلبية» ؟!!

    قلت ضاحكاً :

    ـ لأن القلب لا يتسع لأكثر من «شلبية هانم» واحدة . . هى الحب كله.

    وبضحكة تفيض عذوبة قالت :

   ـ آاااه منك .. كل الصحفيين «بكاشين» .. و»أونطجية» . . لا أعرف لماذا أسمونى «شلبية»؟!!
     قلت :
    ـ كان عندهم رؤية ثاقبة .. اسم على مُسمى، «شلبية» كلمة تركية .. تعنى البنت الجميلة .. الذكية .. اللطيفة الخصال والشمائل .. عرفت أنهم كانوا محقين يا «شلبية خانو»؟.

    ـ قالت: « خانو ؟!!»

   ـ قلت: خانو تعنى «هانم»، وتستخدم للتدلل والتحبب.

   .. وبدت على ملامحها إمارات الرضا .

   .. فى فواصل الزمان من لحظات الصفاء .. وساعات الرضا .. كنت أضع رأسى على ساقها، .. ويبدأ الحوار التقليدى المُعاد عن شعيرات بيضاء اكتشفتها فى شعر رأسى، وهى تعبث بخصلاته .. تبدأ فى عدها .. شعرة .. دول اتنين .. خمسة .. دول كتير .. ضرب الشيب رأسك !! .. بلغت من العمر أرذله.. أنا لا أتذكر متى ولدتك !!

   كنت أجيبها: لكن أنا فاكر !!

   تتساءل: متى ؟!

   أقول: لقد ولدت سنة حفر «البحر الفرعونى» .. البحر الفرعونى مصرف مجاور لقريتنا .. وقد أطلق عليه أهلنا فى تلوانة «البحر الأعمى» وكان الأهالى يعتمدون عليه فى غذائهم من الأسماك الملوثة .
    تقول بلهجة لا تخلو من مشاغبة ناعمة:

   ـ .. أعتقد أنك تظن البحر الأقدم من ذلك !!

   .. كنت أغنى لها أغنية فيروز :

«البنت الشلبية عيونها لوزية
حبك من قلبى يا قلبى انت عينيا»

    كانت تسعدها تلك الحوارات، .. وكان بعض المقربين من القادرين على إفراز السموم وحقنها يسعون لإفسادها، .. لكن مساحات بيضاء جمعت بيننا ساعدتنا على تجاوز الصغائر .. والعفو عن كثير .

***
    تصفحت أمى أوراق مجموعتى القصصية «حكايات تافهة جداً»، وتوقفت عند القصة القصيرة التى حملت عنوان: «امرأة من سلالة فرعون» .. قرأتها . . ثم أعادت قرأتها ثانية .. ثم قالت :

   ـ هذه أنا ؟!

    قلت :

   ـ جائز !!
   .. كانت القصة القصيرة عن حالة امرأة اتشحت بالسواد بعد وفاة زوجها، وصارت تبالغ فى إظهار القوة، وإعطاء الانطباع أنها امرأة قدت من صخر الجبال.. وفى المقابل أبدت شحاً فى مشاعر الضعف الإنسانى، وبدت متوجسة لا ترى فى اللغة المتداولة ثمة نقاء إلا فى «لغة الأرقام».

   قالت أمى :

   ـ قصة جميلة .. لكن خانك التوفيق فى اختيار العنوان: «امرأة من سلالة فرعون» .. ولو واتتك فرصة الاختيار مرة ثانية لوجدت من الأوفق أن يكون العنوان: «ابن جاحد»!!.

    قلت :

   ـ أعدك .

    .. كانت العبارة الأخيرة فى القصة القصيرة :

    « أمى امرأة مثل بقية نساء العالم .. هل تصدقون ؟! أمى تبكى .. هل رأيتموها ؟! .. سقطت دمعة ساخنة على وجهى أيقظت مشاعر كنت أظنها ماتت من سنين، وألهبت أحاسيس كنت قد نسيتها .» .

***
    فى المستشفى العسكرى جاءت أمى لزيارتى بعد إصابتى فى قدمى أثناء تأدية الخدمة العسكرية .. لم أستطع مغالبة مشاعرى .. فرت دمعة من عينى .. وقالت أمى بحزم :

    ـ لم يُخلق الرجال للبكاء .. خُلق الرجال للزود عن الشرف، .. وحماية الأرض، وصون العرض.

   .. وشردت لحظة .. توارى فيها وجه أمى لتحل مكانه صورة وصوت سيادة العقيد أركان حرب محمد صلاح الدين قائد كتيبتنا بهندامه العسكرى الأنيق، وقسمات وجهه الوسيم التى تفيض بالبشر والبياض وتشع نوراً، وصوته الهادر بالثقة والحزم والقوة، وهو يبث فينا الحمية فى طابور العلم، والتى تختلف نبراته عن صوته وهو يرتل القرآن خاشعاً فى حفرة خندقه .

    عدت من لحظة الشرود .. ونظرت إلى وجه أمى، وأديت التحية العسكرية قائلاً :
  
    ـ تمام يا افندم .

    على سماع صوتى جاءت الرقيب نادية عبد الحميد الممرضة العسكرية، وسألتنى :

    ـ بتأدى التمام لمين يا عسكرى ؟!
   أشرت إلى أمى وقلت :

   ـ .. لسيادة القائد الأعلى يا افندم .

   أدت الرقيب نادية التحية العسكرية لأمى، وطبعت قبلة على خدها وانصرفت ضاحكة .. وقد أشاعت فى المكان حالة من المرح .
   
    قالت أمى ضاحكة :

    ـ كلكم بتظبطونى (لفظة عامية مشتقة من اسم ضابط، وتعنى: إضفاء صفات حضرات السادة الضباط على شخص مدنى)، ربنا  يظبطكم، ويعلى مراتبكم .

    .. وانطلقت الضحكات من القلب صافية ورقراقة.

***
     على سرير أبيض فى جناح خاص بمستشفى الهلال الأحمر بالقاهرة جلست أمى .. كان الوهن قد دب فى جسدها .. وكانت يد خشنة تعتصر قلبى .. كنت أحس برفرفة أجنحة الموت فى المكان؛ .. فاندفعت نحوها مثل قطعة من معدن اجتذبها قطب مغناطيسى .. قبلت رأسها ويديها وقدميها .. وغادرت دون أن أنظر خلفى .. وكان اللقاء الأخير .

    توفيت أمى فى 22 مايو سنة 2002 عن سبعين سنة من العمر.

أخر صورة التقطت للسيدة والدتي قبل وفاتها


العدوان الثلاثى 1956 :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    .. مع حلول عيد ميلادى الثانى، كان العدوان الثلاثى على مصر .. احتلت إسرائيل سيناء فى بضع ساعات .. وكان  إعلان الإنذار البريطانى الفرنسى الذى بادر معه الرئيس عبد الناصر إلى دعوة مجلس الوزراء للانعقاد إلا أن عبد الحكيم عامر وصلاح سالم طلبا عقد اجتماع خاص، وكانا فى حالة من الذعر، وأعلن كلاهما بلا تردد أنه ينبغى أن يتوجه الرئيس عبد الناصر ورفاقه إلى السفارة البريطانية وتسليم أنفسهم لها، وأن يعرضوا قبولهم للمطلب المقدم إليهم، وقال عامر: « إن الجيش فى حالة ميئوس منها، وقد لا يستطيع مقاومة غزو تقوم به دولتان استعماريتان، وأن مصر ستصاب بدمار تام».

     .. وعند وصول عبد اللطيف البغدادى طلب الرئيس عبد الناصر منهما أن يعيدا ما قالاه أمامه، وقال البغدادي: « إن مكاننا الآن على القناة لا فى القاهرة، فإذا هزمنا ولم يقتلنا البريطانيون، يعين علينا أن ننتحر من أن نقع أسرى فى أيديهم»؛ وإذ ذاك استدعى الرئيس عبد الناصر زكريا محيى الدين وعرض عليه ما قاله البغدادى فوافق عليه؛ وسرعان ما أشار عليهم عبد الناصر بإعداد جرعات قاتلة من أقراص سيانيد البوتاسيوم.

     .. وعن حال الرئيس عبد الناصر يقول البغدادى فى مذكراته :

   «وفى نفس اللحظة التى كانت السفن الحربية الآنجلو فرنسية تبحر فى اتجاه بورسعيد قادمة من قاعدتها فى مالطة كان الرئيس عبد الناصر فى حالة من التوتر العصبى؛ حتى أنه كان يخاف أن ينام وحده أثناء الأزمة وكان يطلب من البغدادى أن يشاركه حجرته  .. إلا أنه لما بدأت مغامرة على الرأى العام العالمى تؤتى ثمارها استعاد رباطة جأشه؛ فأعلن فى خطاب تحد أذيع على الشعب وطالب بالانسحاب» .

     .. هذا كان سلوك بطل الهزائم التى منيت بها مصر طوال فترة حكمة .. فلم يكن شجاعاً سوى قبل الأزمات أو بعد انتهائها !!

    .. وهكذا أدخلنا الخائف جمال عبد الناصر إلى «زمن الخوف»؛ فعشنا فى الظلام تحت جناح الخوف وصفارات الخفراء وأفراد الحرس الوطنى للتحذير من انسياب شعاع الضوء من شقوق النوافذ؛ فكنا نضع اللمبات الجاز نمرة 5 أو نمرة 10 فى صناديق من الكرتون لتغير مسار الضوء  وانكساره بعيداً عن النوافذ، وعاشت أسرتنا كل معانى وملامح «زمن الخوف»؛ فقد وقع خالى ياسين فى أسر قوات العدوان، وظلت الأسرة تعيش فى حالة من الغم تراوحت المشاعر فيها بين اليأس والرجاء .

     ومع الدقائق الأولى من العدوان تم تدمير سلاح الطيران المصرى على الأرض وتبعثرت القيادة العسكرية المسئولة فى بورسعيد؛  القائمقام عبد الرحمن قدرى، وأصدر الأميرالاى صلاح الموجى أمرا بوقف إطلاق النار، وطلب عقد هدنة مع العدو وسقوطه أسيرا فى أيدى العدو،  وفشل قائد المقاومة الشعبية صاغ غريب الحسينى، وعجز قائد جيش التحرير الشعبى صاغ عبد المنعم الحديدى فى إقناع الجماهير بالتحرك معهم لبعدهم عن فهم روح الشعب الحقيقية ثم هربهم بعد ذلك من بورسعيد .

    .. ولم تكن فرق المقاومة الشعبية أفضل حالاً من قوات الجيش فقد غلب عليها الارتجال؛ فقد أكد البعض أن السلاح تم توزيعه فى بعض الأماكن بدون كشوف ولم يكن هناك رقيب على فتح الصناديق ـ الأسلحة ـ وتوزيعها بلا رقيب ولا ورقة أو قلم وبطريقة عشوائية .. وكانت النتيجة أن من حمل سلاحا روسياً حمل معه ذخيرة إنجليزية، والذى حمل سلاحاً إنجليزيا حمل معه ذخيرة روسية أى أنه لم يعد السلاح ينفع ولا الذخيرة!!

    يقول الفريق محمد فوزى وزير الحربية والذى عهد إليه بإعادة بناء القوات المسلحة بعد هزيمة 1967 فى شهادته أمام لجنة كتابة التاريخ :

      « لقد مُنعنا نحن العسكريين من الحديث عن خسائر حرب 1956 حتى لا نقلل من قيمة الانتصار السياسى» .

     .. فإذا اضيفت إلى تلك الخسائر قيمة التعويضات الجزافية من جراء تأميم شركة قناة السويس التى فرضت على مصر لصالح حملة الأسهم  وأصحاب السفن والتوكيلات الملاحية ـ خاصة مع اقتراب مدة انتهاء الامتياز ـ ، بالإضافة إلى تعطيل العمل بالقناة وتوقف عائداتها ، فضلا عن تكلفة إعادة صلاحياتها للعمل من جديد؛ فإننا أمام كارثة تقصم ظهر أعظم الامبراطوريات، وليست دولة حديثة التحرر من الاستعمار!!

     .. رغم الهزيمة الواضحة للعيان راح شعراء التعبئة الثورية «يجعرون» بعزم الصوت: «انتصرنا .. انتصرنا»، .. وقام صلاح جاهين بكتابة حوار وأغان لفيلم من إنتاج المجلس الأعلى للآداب والفنون من إخراج عبد القادر التلمسانى للسخرية من العدوان، وكان جميع أبطال الفيلم من شخصيات الأراجوز !!

حملة اليمن :
ــــــــــــــــــــ

    لم يكد الرئيس جمال عبد الناصر يفرغ من هزيمة 1956 التى أسماها انتصاراً حتى زج بالجيش فى حملة اليمن، والتى فشلت فى أن أعرف لها سبباً منطقياً حتى الآن !! .. كانت صناديق النعوش تأتى من اليمن يومياً لجثث بدون رؤوس للجنود المصريين، وأصبح الوجع هو القاسم المشترك فى كل بيوت مصر .

     أذكر واقعة محددة عندما استند الشاعر فتحى سليمان على حائط دارنا، وبدأ فى رواية «السيرة الهلالية»، وتحدث عن غزوة أبو زيد لليمن، وأخذت حالة السلطنة الشاعر؛ فأخذ يردد بنغمات مختلفة:« يا يمن .. اليمن .. اليمن .. ياااايمن»؛ فرد عليه أحد أهالينا من عائلة أبو عياد:

    ـ وهو فيه حد خرب بيوتنا، وضيع ولادنا إلا اليمن !!

     ولم تمض بضع دقائق، حتى حضر ضابط نقطة الشرطة؛ ليلقى القبض على الرجل  .. ليخرج بعد أيام معدوم العافية .. كسير النفس، ويلقى وجه ربه .

    .. وكان هذا آخر عهد الشاعر بقريتنا !!

    كانت القرية تعيش حالة الخوف على الشباب من أن ينزلق لسان أحدهم فى كلام يجلب له الأذى؛ فكان عم محمد وهدان ينصح الشباب بالنوم المبكر بمقولته الشهيرة:«كل شئ شافته عينك بالليل .. النوم أحسن منه.».

     وارتدت الكثيرات من فتيات القرية ونسوتها السواد بعد موت زوج أو حبيب أو خطيب أو قريب فى اليمن، ومع المعاشات الضخمة التى كانت تمنحها الدولة لأرامل قتلى اليمن لتبرير مأزقها فى اليمن، ورغبة الأرامل فى الاحتفاظ به مع التمتع بزواج جديد؛ انتشر الزواج العرفى فى مصر .

    وانتشرت فى ربوع مصر تجارة «الانكشارية العسكرية» العاملة فى اليمن، فكانت الطائرات والبواخر التى تذهب لليمن بالمؤن والذخائر تعود محملة بصناديق البضائع ضمن تجارة يديرها ضباط وجنود .

كُتّاب الشيخ
منصور الرفاعى :
ـــــــــــــــــــــــــــ

    وُلدت ضعيف البنية .. مُعتل الصحة .. هكذا شاءت إرادة الله، كان الأهل يحطوننى برعاية خاصة، .. إلى أن كان يوم أشارت إحدى الجارات على أمى أنه حان الوقت للالتحاق بالكُتّاب، وأفاضت فى مزايا الاختلاط بالأنداد، ومشاركة الأتراب لعب الطفولة، وأثره فى كسب الصحة، وما يعجل به من اجتلاب العافية .. ولم تكذب أمى الخبر .. وفى الصباح اصطحبتنى جدتى لأمى الحاجة أم ياسين إلى قريبها الشيخ منصور الرفاعى أحد أصحاب الكتاتيب فى درب السجاعية بقريتنا تلوانة .. عندما لمحها الشيخ أدرك قرب الفرج؛ فقام إليها مرحباً وأجلسها على الفروة بجواره، وأجلسنى إلى جانبه، وراح يتلطف معى .. قالت جدتى: هذا حفيدى .. ابن الغالى يرحمه الله ـ وذكرت اسم أبى ـ .. أثنى الرجل على ذكرى أبى، وعلمه وأدبه وفضله وقرأ الفاتحة لروحه، وطلب له الرحمة، .. ودمعت عيناى .. قالت جدتي:

    ـ أريد أن يتعلم على يديك مثل أخواله .

    قال الشيخ :

   ـ الله المستعان .. ربنا يقدرنا يا حاجة،  .. الشهرية نصف ريال، .. ويلزمنا لوح صفيح.

   أخرجت جدتى كيس نقودها، وفكت قِماطه .. ومنحته بعض ما أفاض الله عليها به .

   قال الشيخ :

   ـ ده كتير يا حاجة !!

   قالت جدتى :

   ـ ما يكترش عليك .. بعض خيرك يا أخويا .

    انثنى الشيخ وتناول من خلفه لوحا من الصفيح، وثنى أطرافه بعناية حتى لا تجرحنى، وكتب عليه اسمى بقلم من البوص الأبيض، وهو من نوع أقل فى جودته من البوص الأحمر .

    وانصرفت جدتى بعد أن أوصته بى خيراً، .. بعد انصراف جدتى غاضت ينابيع الوداعة من وجه الشيخ، واختفت ملامح البشر، وحلت محلها ملامح تفيض غلظة وقسوة، وطارت الحمائم البيضاء عن عمامته، وتحومت حولها الغربان السوداء؛ لتنذر بالشؤم القادم فى الغد الآتى وقال:

    ـ قوم فز .. أقعد مع العيال .

   ثم تناول من جانبه غصنا من سعف النخيل الجاف، وهوى به على رؤوس العيال طالباً منهم أن يفسحوا لى مجلساً .. انكمش الصغار، كل يحاول أن يخفى رأسه، ويقى ذاته من بطش الشيخ بالاحتماء بجسد أخيه .. كان الشيخ يزوم ويهمهم بأصوات تدخل الخوف على قلوبنا الصغيرة .

    كان سيدنا ـ هكذا كنا ندعو الشيخ ـ يكتب لنا آيات من قصار السور على لوح الصفيح بحبر مصنوع من «النيلة» الزرقاء أو «السخام» الأسود أو سناج لمبة الجاز «الهباب» .. وكان سيدنا يسمّع لنا ما فى «الألواح»، فإذا تيقن من أننا قد حفظنا ما بها أسماها: «الماضي»، وسمح لنا بمسحها، وكتب آيات جديدة يقرؤها علينا وأسماها: «الحاضر».

    كانت طريقة مسح اللوح مقرفة ومقززة؛ إذ كنا نبصق على الألواح، وندعكها بالتراب، ونمسحها بطرف ثيابنا.. فكنا نبدو دائما فى هيئة مزرية وملابس متسخة، وكانت أيدينا شديدة الاتساخ!!

   .. كان قضاء الحاجة فى الكتاب أمراً غير آدمى بالمرة، وكان الصغار يطرقعون بأصبع السبابة وهم يشيرون إلى أسفل، بما يعنى طلب الإذن للذهاب لقضاء الحاجة، وكان الأمر بالسماح يأتى من الشيخ بكلمة: «غور» أو «غور فى داهية» أو «غور فى ستين داهية»، .. وذلك حسب الرصيد المتاح لسيدنا من الدواهى .

   كان مكان قضاء الحاجة حارة مهجورة ملاصقة للكتاب تسمى حارة الأطرشة، تفوح برائحة النتن وتفيض بجيوش الذباب .

   .. وكان المشهد برمته أكثر عبثاً وسوءاً عندما كانت تنفلت بعض الروائح الكريهة من بطون بعض الأطفال، فينبرى الشيخ للتحرى عن الجرم، وهو يشم بأنفه فى الهواء  قائلاً: من فعلها ؟!

   .. وينبرى كُل لدفع الجرم عن ذاته قائلاً: مش أنا يا سيدنا !! ويتزيد بعض الصبية طالبين من الشيخ أن يشمهم .. ولم يكن الشيخ يتورع أن يدس أنفه فى فتحة ثوب أحدهم ليتيقن قبل أن يصدر حكمه بالبراءة أو الإدانة .

    .. كانت ساعات الدراسة بالكتاب تبدأ مع شروق الشمس لتنتهى مع أذان الظهر .. وعندما كان يصيبنا العطش نشرب من واحدة من مجموعة القلل القناوى المتراصة التى أعدتها زوجة الشيخ .. والويل والثبور وعظائم الأمور لمن تسول له نفسه الاقتراب من الزير أو من قلة سيدنا .

    لم أحب المكان وكرهت الشيخ .. كان كل شيء فى المكان يرسم لوحة من فسيفساء لفلكلور التخلف والجهل والقهر وتشوهات النفس وعورات الوجدان؛ وكان كل ما يعَلمه ويُعلمّه الشيخ قائماً على إجادة الحفظ وبراعة الاسترجاع ولم يكن للفهم مكان !!..  فلم أفهم ما يقوله من طلاسم .. ولم أحفظ عنه شيئاً، حتى كانت الواقعة حين طلب الشيخ إلى تسميع «الماضي»؛ فسكت، فطلب قراءة «الحاضر»؛ ولم أنطق، وتلعثمت،.. وصفعنى الرجل، وسال الدم من أنفى، .. وأصبح بينى وبين الرجل ثأر، ودم مسفوك .

     ورغم هذا اعتبرت نفسى من سعداء الحال والحظ مقارنة بما كان يلاقيه الأتراب؛ فبعضهم كان يعلق فى «الفلقة»؛ فتنحسر عنهم أثوابهم، وتظهر عوراتهم، والرجل ماض فى غيّه يضرب أقدامهم فى وحشية وبلا رحمة أو خجل!!  وبعضهم تدمى أذنه من جراء قرصة بحصاة احتفظ بها الشيخ .

***

    دفع بى الشيخ إلى عريف الكتاب الأعمى محمد حسن عبد الله ليعيد علىّ الحفظ .. أخذ العريف الأعمى يتحسس جيبى؛ ليجد فيه بعضا من طعام يشبع طفيليته، أو قطعة عملة من فئة التعريفة (خمسة مليمات) تسد دناءة طبعه؛ ليدلس لى عندنا سيدنا؛ فلما لم يجد دفع بى إلى الشيخ قائلاً: لا يحفظ يا سيدنا.

    .. وهم الرجل أن يضربنى مرة أخرى ، لكنى أفلت من بين يديه، مثل عصفور حبيس فر من قفص محبسه.. وقبل أن أغادر المكان قبضت حفنة من تراب حثوتها فى وجه الشيخ، وعفرت بها لحيته، وجن الرجل وأمر أطفال الكتاب أن يلحقوا بى، ويعيدونى إليه .. لكننى أطلقت ساقاى للريح حتى وصلت بيت جدتي.. وصممت ألا أعود إلى الكتاب .. ولم تفلح محاولات إعادتى .. رغم الوعود التى قطعها الشيخ على نفسه ألا يضربنى، وقررت ألا أعود إلى الكتاب فقد أدركت بفطرة الطفل أن الرجل يبيت لى غدراً .

    فى تلك الأيام تبينت لأول مرة فى حياتى ملامح «زمن الخوف» .. فى الوقت الذى كان العالم كله يطبق أفكار جون ديوى عن اقتران العملية التعليمية بالبهجة .. وأن «المدرسة للطفل .. وليس الطفل للمدرسة»، .. كان تعليمنا مقترنا بالألم والخوف، ومع ذلك أعترف أننى التمست للشيخ والعريف أعذاراً كثيرة .. لكنى لم أفلح أن أجد سبباً واحداً كافياً لاحترامهما؛ فمن لم يؤدبه القرآن؛ فلا مؤدب له .

    .. وكانت تلك نهاية عهدى بالكتاب .. لتبدأ مرحلة جديدة من التعامل مع الأفنديات من المعلمين الحفاة «أصحاب الياقات المتسخة» فى مدرسة «أبو صايمة» .

مدرسة «أبو صايمة» :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   فى سن الخامسة التحقت بمدرسة تلوانة الابتدائية التى كنا نسميها: «مدرسة أبو صايمة»، ووفاء لذكرى والدى قيدنى الناظر إبراهيم أفندى أبو النور زميل والدى فى كشوف التلاميذ المقيدين بالمدرسة رغم أننى لم أبلغ السن القانونى للقيد .
   وأبو صايمة هو أحد أهلنا الطيبين الصابرين، الذى كان يمتلك حوضاً لسقاية الماشية مقابل أقراص البتاو أو أرغفة الخبز أو كيزان الذرة أو بيض الدجاج أو قطع الجبن، كان منزل أبو صايمة وحوضه مجاوراً للمدرسة.. كان استرجاع الأسماء المطولة عبئاً ثقيلاً على ذاكرتنا؛ فاختزلنا اسم مدرستنا فى أقرب مَعَلم إليها، وهو «حوض أبو صايمة».

   ..  فى ذلك المكان بدأت معاناة طفولتى مع الزيف وطغيان المدرسة وإرهاب الكتاب المدرسى وديكاتورية الأفندية «المعلمين الحفاة» غير المؤهلين من أصحاب الياقات المتسخة والجوارب النتنة .

   كان المعلمون يجبروننا على أن نردد مثل ببغاوات صغيرة:

    «مدرستنا جميلة ونظيفة، وبها حديقة جميلة بها زهور كثيرة، وبها فناء واسع نلعب فيه الكرة.
مدرسونا مهذبون، ويحبوننا كثيراً».

    .. والحقيقة لم تكن المدرسة جميلة؛ فقد كانت المدرسة بناية حقيرة من الطوب اللبن أقرب إلى حظائر الماشية، ولم تكن نظيفة على الإطلاق، وتحت سطوة وإرهاب عمال المدرسة كنا نقوم بتنظيفها، وجمع المخلفات منها!!

   ولم يكن بالمدرسة حديقة؛ فقد كانت مساحة المزروع منها حوضا صغيرا به سارية العلم، وتحوطها فى تلك البقعة من الحشائش الطفيلية، ولا وجود للزهور !!

    ولم يكن ثمة فناء ولا لعب للكرة؛ فقد كنا نقف الطابور فى الحارة التى توجد بها المدرسة !!

   أما عن مدرسينا؛ فحدّث ولا حرج، فهم غير مؤهلين للقيام بالعملية التربوية والتعليمية وبؤساء فى هيئتهم وثيابهم المتسخة، ويمكن تصنيفهم بين تافهة .. أو جلاد .. أو بصاص .. أو جلف يفتقد أبسط قواعد التعامل مع طفل، وتوصيف حال هؤلاء ليس بقصد الإساءة إليهم، أو معايرتهم بظروفهم الاجتماعية، ولكن بهدف كشف ما فعلوه بقصد أو بغير قصد، وأصاب طفل القرية بتشوهات النفس وعورات الوجدان.

   ولأن إطلاق الحديث على عواهنه دون إقامة الدليل هو درب من دروب الادعاء الصفيق الذى لا يليق.. فسأقدم المثل للمعلم التافه الذى شوه وجداننا، وأساء إلى معارفنا وأصاب سلوكنا بالاعوجاج، وامتهن بتفاهته براءة طفولتنا بإدخالنا طرفاً فى تصفية خصوماته الشخصية، .. وهو مدرس الألعاب عبد العظيم أفندى صالح.

    كان عبد العظيم أفندى صالح يرتدى دائما بدلة رياضية Training Suit، ويقفز فى خطوات متواثبة أقرب إلى وثبات القردة فى حارة المدرسة مردداً شعار الأشبال: ابذل جهدك (أج)، ونداءات (أكيلا .. أج .. سج)، وقد جعلنا نعيش حالة من الانفصام بين واقعنا، وما ينقله إلينا من مغامرات الأشبال فى الغابات والبطولة فى مصارعة الأسود وخوض المخاطر، كانت طبيعة الأرض فى قريتنا ذات طبيعة منبسطة، فلم نعرف سوى زراعات القمح والبرسيم والذرة والقطن وشجر التوت والكافور، ولم نعرف من الحيوانات سوى الجاموس والأبقار والحمير والكلاب الضالة فى شوارع القرية .

    كان مردود ما يقوم به عبد العظيم افندى صالح من عمليات الشحن الذهنى لبطاريات العنف فى نفوذنا عبر حكايات الغابات ومصارعة الأسود .. وقتل النمور وترويض القرود فى مغامرات الشبل «جسور» هو توليد طاقات العنف فى نفوسنا؛ فرحنا نمارس التنفيس عن تلك الطاقات فى سلوكنا بالعنف فى التعامل مع أقران الطفولة !!

    ولم تقتصر تصرفات الافندى على ذلك، ولأن الشيء بالشيء يذكر؛ ففى فبراير سنة 1965 كان الرئيس جمال عبد الناصر يصطحب المناضل الكوبى أرنستو تشى جيفارا فى زيارة لمصنع الغزل والنسيج بشبين الكوم، وسيمران بمنطقة الخضرة التى تبعد عن قريتنا بـ 5 كيلو مترات .. كنا أطفالاً فى العاشرة أو نزيد عليها شهوراً، وظل الافندى طوال أسبوع يقوم بتحفيظنا نشيدا من افتكاساته للترحيب بالزعيمين، وفى اليوم الموعود أصر الأفندى أن نستيقظ فى الفجر والنوم فى أعيينا لنسير مسافة الـ 5 كيلو مترات سيراً على الأقدام، والاصطفاف على جانبى الطريق لتحية الزعيمين .

   مر موكب الزعيمين فى لمح البرق، لم نرهما ولم نحيهما ولم يحينا أحدهم، أسمعنا النشيد لأنفسنا، وبخيال الطفولة راح بعضنا يروى حكاية عن تحية الزعيمين له، وانتقلت عدوى الخيال بيننا، وراح كل منا يحكى الحكاية بطريقته.

     .. واستقل الأفندى دراجته عائداً إلى القرية، بعد أن أصدر إلينا التعليمات بأن نلزم الطريق ولا نحيد عنه يميناً أو شمالاً، وقد تركنا نعانى من التعب والإرهاق والجوع، أثار سوء حالنا بعض القرويين من البلاد المجاورة؛ فقاموا برأب التصرف الأحمق للافندي؛ فأحضروا ركائبهم وتجشموا عبء إعادتنا إلى أهلنا، ولم يحاسب أحد الأفندى على جريمة تعريض حياة أطفال للخطر.

   ويبقى ثالث الأثافى فى تصرفات ذلك الأفندى عندما فقد من عهدته عربة القمامة بالمدرسة، وهى عربة حديدية ذات صندوق صغير بعجلة واحدة أمامية، وذراعين للدفع وحامل خلفى، وحامت شبهات الافندى حول موظف السكرتارية الإدارية بالمدرسة، وحرر محضرا فى نقطة شرطة تلوانة، لكن سرعان ما أرشد عبد الرءوف عبد الله أحد بقالى القرية عن وجود العربة فى إحدى الخرائب، وانتشى الافندى بذلك، وافتكس نشيداً ليكيد الخصوم، واستغل براءة أطفال المدرسة فى تلك المكايدة الرخيصة؛ فقادهم فى صفوف سيراً فى شوارع القرية يتقدمهم أقواهم بنية، وهو يدفع بالعربة أمامه،  وهم يرددون النشيد الذى لقنهم إياه الافندى :

موتوا بغيظكم يا حرامية
رجعت لنا العربية
وعب رءوف له ألف تحية

    وأمام دكان عبد الرءوف، وهو أحد ظرفاء أهل الكيف قام المعلم برد تحية الأطفال الذين وجهوا له ألف تحية؛ فنثر عليهم قطع الحلوى، واختلطت الصفوف كما اختلطت الحلوى بالتراب، ولم يستطع الأفندى استكمال التظاهرة؛ فاكتفى بما كان!!

    هكذا كانت تتم استباحة طفولتنا دون رادع من رقابة حكومية على التعليم، أو وازع من ضمير «المعلمين الحفاة».

    لم يكن ذلك الأفندى وحده هو الذى أساء إلى طفولتنا؛ فقد كان «الجلاد» مدرس الرسم عبد الستار أفندى العوينى النموذج الصارخ لـ «الشخص السادي» فى القسوة والعنف مع الصغار؛ فإذا انتهى اليوم الدراسى ركب دراجته وساقنا أمامه مثل قطيع من الماعز، وهو يصدر أصواتا مثل أصوات الرعاة فى سوق الغنم !!

   كنا نلهث .. ونجرى خائفين أن يلحقنا؛ فيلحقنا أذاه، وتصيبنا عصاه .. استفز تكرار المشهد إحدى القرويات؛ فوبخته، وتجاوز الأفندى فى الحديث معها؛ فنادت زوجها الذى قذف به فى الترعة، ومعه دراجته.

    .. ووقفنا فى سعادة نصفق ونهلل لمشهد الانتقام من الأفندى «الجلاد»، وهو يخرج من الترعة، وينفض عن نفسه البلل مثل كتكوت سقط فى وعاء السقاية .

    وأصبح الأفندى كسير النفس .. بعد أن زرع فى نفوسنا الخوف وشهوة حب الانتقام .. أخطر تشوهات النفس البشرية فى «زمن الخوف».

     النموذج الثالث من «المعلمين الحفاة» من أصحاب الياقات المتسخة هو نموذج الأفندى «البصاص».

    كان عبد الحميد أفندى الدلاش نموذج الأفندى «البصاص»، كان الأفندى يستدرج الأطفال للحصول على معلومات عن أفراد أسرهم وأحوالهم المعيشية .. كنت فى البداية أعتقد أن الرجل مصاب بداء الفضول نتيجة الفراغ، لكن حدث أن سألنى هذا الأفندى عن أشياء تخص أسرتى، وعدت إلى البيت، وببراءة الطفولة حكيت لأمى ما حدث، وقالت أمى :

   ـ احكى الحكاية دى لأخيك كامل.

   .. ونادت يا كامل اسمع حكاية أخيك، سمع أخى الكبير الحكاية، وبدأت علامات الضيق عليه، وقال لى :

    ـ لو سألك عن حاجة تانى قول له :«عيب يا أفندى.. البيوت أسرار، ولو ضربك .. سيب المدرسة وتعال، وأنا ح أتصرف.».

    كانت تلك أول مرة يتم تدريبى على مواجهة موقف بنفسى فى «زمن الخوف»، وقد كان، .. وصدم الأفندى صدمة اللص الذى ضبط متلبساً بالمسروق، وامتقع وجهه بالاصفرار، ولم ينطق ببنت شفة، ولم يعاود الكرة معى.
كان من حسن حظ أهلنا أننا فى كراسات التعبير والإنشاء لم نكن أنفسنا، ولم نكن نكتب عن أحوالنا، وما يعتمل فى صدورنا أو يدور فى عقولنا؛ فتصبح بواطن أمورنا وأحوالنا مادة جاهزة لهؤلاء البصاصين؛ لم تكن «الإنشاء» مادة نتعلم فيها كيف نرتب أفكارنا ونحولها إلى نص  مكتوب مفهوم، وبنية منطقية متماسكة تحمل معانى، وإنما كانت قوالب لفظية جاهزة نحفظها عن ظهر قلب ونسترجعها ثم نرصها رصاً حين تحين المناسبة، ومن هذه القوالب التى كنت أحفظها للتعبير عن الطبيعة :

    «كان الجو جميلاً والشمس ساطعة والنسيم عليلا ومنظر الخضرة فى الحقول يشفى العليل ..... إلخ» .

    فإذا كان الحديث عن شخص فإن القالب الجاهز :

    « نشأ وترعرع فى كنف والديه ....... ألخ» .

   .. باختصار كنا ببغاوات صغار .. لم نتعود فريضة التفكير ولا كيف التعبير عن ذواتنا !!

***

   باستثناء هذه الآنماط الثلاثة من المعلمين (التافه ـ الجلاد ـ البصاص) كان جميع معلمينا تقريباً من «الأجلاف» !!

   كان أخى كامل بحكم اندماجه فى العمل العام قد أصبح جزءا من المنظومة القائمة على «التعبئة الشعبوية»؛ فقد انضم إلى هيئة التحرير، والتحق بالحرس الوطنى، وبعد حل هيئة التحرير انضم للاتحاد القومى، ومن بعده الاتحاد الاشتراكي؛ وشارك فى معسكرات الخدمة العامة، ومن ثم أصبح من الخبراء بقواعد اللعبة !!

   كانت قواعد اللعبة أن يخضع المجتمع بأثره لديكتاتورية فئة تحكم باسم «الأخ الأكبر» ـ على حد تعبير جورج أوريل فى روايته « العام 1984» ـ «الأخ الأكبر» الذى يمثل الحزب الحاكم الذى يحصى على الناس أنفاسهم، ويحول العلاقات الإنسانية إلى علاقات مراقبة عبر جعل الناس يعيشون حياة مخترقة بعمالة أطفالهم بتحويلهم إلى «بصاصين صغار» على أسرهم؛ كان «الأخ الأكبر» فى حكم الرئيس جمال عبد الناصر هو «أوتو قراطية الجيش» الذى كان يحكم عبر سيطرة البوليس الحربى والمباحث الجنائية العسكرية وإيداع المدنيين فى السجن الحربى وإخضاعهم للمحاكمات العسكرية بمسمياتها المختلفة (المجالس العسكرية ـ محكمة الثورة ـ محكمة الشعب ـ محكمة الغدر)، والتى كان المثول أمامها يمثل درباً من دروب العبث !!

      كان لـ «أوتو قراطية الجيش» أذرع من تنظيمات شعبية لإحكام السيطرة على الناس، ومراقبة أحوالهم، وعبر التجسس عليهم وكتابة التقارير عنهم (هيئة التحرير ـ الاتحاد القومي ـ الاتحاد الاشتراكي) وما انبثق عن الاتحاد الاشتراكي من كيانات (منظمة الشباب ـ التنظيم الطليعي) .

    كان على رأس كل تلك التنظيمات عناصر قيادية قضت سنوات طويلة من عملها في المخابرات العامة، وهذا ما ينطبق على ابراهيم الطحاوي وأحمد طعيمة وعلى صبري وشعراوي جمعة وسامي شرف .

     وإذا كانت وظيفة ضابط المخابرات هى جمع المعلومات أو أن المعلومات هي الأصل في عمله أو أن المعلومات هى أساس عمله؛ فكان من الطبيعي أن ينعكس هذا الحس الوظيفي على أسلوب العمل السياسي بحكم القائمين عليه؛ فأعطت أجهزة العمل السياسي أهمية لجمع المعلومات، وتحولت هذه الأجهزة لتصبح في المقام الأول أجهزة جمع معلومات، وأصبح أعضائها مجموعة من الجواسيس والبصاصين وكتاب التقارير.

    كان شرط التوظف في الحكومة هو الانضمام إلى تنظيم الاتحاد الاشتراكي بحيث تكون عضوية الموظف في هذا الاتحاد ـ واستمرار هذه العضوية ـ شرطاً أساسياً لازما لتولي الوظيفة، فإذا قررت لجنة النظام بالاتحاد الاشتراكي إسقاط العضوية عن موظف اعتبر مفصولاً من الوظيفة، وقد تم تطبيق ذات القواعد على القضاة .

    .. ووجد «العصاميون النوابغ» من أبناء الرعاع والانتهازيون والدهماء الصاعدون من أسفل السلم الاجتماعي في الانضمام للاتحاد الاشتراكي ما يمنحهم فرصة الترقي والوجاهة الاجتماعية والعائد المادي السخي؛ فقد كان جميع قيادات الاتحاد الاشتراكي موظفين لدى الدولة فأمناء الاتحاد الاشتراكي يتقاضون راتب وزير، وأمناء المحافظات يتقاضون مرتب نائب وزير حتى يتساووا مع المحافظين .

منظمة الشباب :
ـــــــــــــــــــــــــ

   تم الإعلان عن قيام منظمة الشباب الاشتراكى فى يوم 21 يوليو 1966 فى قاعة الاحتفالات الكبرى لجامعة القاهرة، كان إنشاء منظمة الشباب بهدف احتواء طاقات الشباب وغسل عقولهم للاصطفاف تحت شعار «التصدي للثورة المضادة» من خلال الأكف والحناجر عبر الهتاف الموحد ولم يكن الهدف هو استثمار طاقات الأجيال الجديدة ولا إدماجهم في معارك التنمية والبناء ولا أن يتعامل مع أى مرحلة من مراحل الثورة تعاملاً نقدياً .

     وبعد هزيمة 5 يونيو 1967 بدأ الشباب يطالبون بتغيير شكل وأسلوب الحكم واستبعاد العناصر التي كانت سبباً في النكسة، وكعادته ركب الرئيس عبد الناصر الموجة وأعلن أنه يعمل من أجل تغيير الأسلوب لكن دون تغيير الأشخاص !! وأضاف : من أين نأتي بالأشخاص لإنفاذ عملية التغيير؟! .. هل نلجأ للإستيراد؟!، وذكر أنه سيعلن على الشعب يوم 30 مارس 68 برنامج عمل اسماه : «برنامج 30 مارس»، .. وأعلن حل منظمة الشباب قبل طرح ذلك البرنامج للاستفتاء عليه يوم الخميس 2 مايو 1968.

التنظيم الطليعي :
ـــــــــــــــــــــــــــ

    كان الرئيس عبد الناصر يدرك فشل الاتحاد الاشتراكي في الدفاع عن أكاذيبه واقتصار دوره على الوساطة أو فرض الأمر الواقع بأساليب بيروقراطية، وتبلورت فكرة إنشاء التنظيم الطليعي وبدأ التنظيم الطليعي باختيارعبد الناصر لخمسة أشخاص من المقربين إليه على أن يكون دور كل واحد منهم تجنيد مجموعة خاصة به من عشرة أفراد بشرط أن تعرض الأسماء على عبد الناصر للموافقة عليها كان الأشخاص الخمسة الذين بدأ بهم عبد الناصر فكرة بناء التنظيم الطليعي هم:

      عباس رضوان ، كمال رفعت، على صبري، أحمد فؤاد ، محمد حسنين هيكل .

     واختار كل واحد من هؤلاء الخمسة عشرة أشخاص عرضهم على عبد الناصر ثم اختار كل واحد من العشرة المختارين عشرة أشخاص أخرين وهكذا أخذت الدوائر تتسع وتبتعد شيئاً فشيئاً عن متابعة عبد الناصر ، ثم أنشئ المعهد الاشتراكي ليكون أدة تثقيف للتنظيم الطليعي على التجسس وكتابة التقارير وتوجية مسار حركة الجماهير .

     .. وعندما علم المشير عبد الحكيم عامر بإنشاء التنظيم الطليعي طلب من شمس بدران إنشاء تنظيم مماثل داخل الجيش، واعتمد شمس بدران على أفراد دفعته (دفعة 1948)، والعسكريين المسرحين من الخدمة العسكرية والذين تم توظيفهم في وظائف مدنية بالوزارات والشركات والمصانع ليكونوا قوام هذا التنظيم !!

     هكذا تم تمزيق وحدة الصف الوطني، وانشغل الجيش عن أداء مهامه الحقيقية، .. وهكذا جعل الرئيس جمال عبد الناصر شعب مصر يعيش «زمن الخوف» بزعم حماية الثورة من أعدائها، ولم يعد هناك ما يخافه سوى الخوف ذاته!!

    بدأت لعبة السيطرة على الناس من خلال عمليات «غسيل الدماغ» الجماعى بتدريب مجموعة من ضباط الجيش فى معهد سراى الجزيرة (سراى الأميرة فايزة فؤاد) المجاورة لبرج القاهرة، والذى كان يديره الضابط محمد فريد طولان، ويقوم بالتدريب فيه مجموعة من خبراء المخابرات الأمريكية على عمليات التلاعب بالوعى، وتوجيه الرأى العام بما يدعم النظام القائم.

   .. وتلا ذلك إرسال كل من البكباشى زكريا محيى الدين والصاغ صلاح الدسوقى وفريق من ضباط الصف الثانى إلى موسكو للتدريب على أساليب التجسس على المجتمع، وأحدث أساليب التعذيب، والانتزاع القسرى للاعترافات، وعمليات غسيل الدماغ القذرة .

    .. وكان للرصيد الحر من حثالة النازيين من ضباط المخابرات الألمانية (الجستابو) التى استعانت بهم C.I.A. بعد هزيمة ألمانيا، وقامت بعمل تاريخ مصطنع لهم ومنحهم أسماء مستعارة وهويات مزورة، وزرعهم فى بلاد بعينها لتحقيق مصالح الشركات الأمريكية فى بلاد الانقلابات التى رعتها أمريكا ومنها مصر .. كان يشرف على إدارة «الرصيد الحر» من حثالة الضباط النازيين فى مصر الضابط سعد عفرة، وقد أرسى هؤلاء قواعد وأساليب اختراق المجتمع المصرى عبر:

     عمالة الأطفال، والتجسس عبر صناديق القمامة، وتنفيذ خطة «عيون المدينة»، و«عيون المدينة» نظام أمنى يهدف إلى استخدام المهمشين والصعاليك فى الحصول على المعلومة، ويتم فيه تجنيد جيوش من الشحاذين والعاهرات والباعة الجائلين والبوابين وسائقى التاكسى وسائسى كراشات الشوارع والقهوجية ونادلى الخمارات والسماسرة ومحصلى الفواتير وسائر المهن التى يبدو تواجد العاملين بها منطقياً وطبيعياً ولا يثير الريبة !!

     كان مصطفى أمين أمهر عملاء C.I.A. فى التجسس عبر صناديق القمامة يؤكد على أهمية التجسس بنظام «عيون المدينة» بمقولته الشهيرة:

« أخبار الحكومة مع البوابين !!»

   فى الريف كانت «عمالة الأطفال» هى النظام الأفضل لاختراق خصوصية الأسرة الريفية، لعدم جدوى «التجسس عبر صناديق القمامة» لكون قمامة البيت الريفى غالباً ما تحرق فى أفران الخبيز والكوانين، أو يتم تدويرها بطريقة أو بأخرى، ولأن نظام «عيون المدينة» غير مجد خاصة مع توجس الريفيين من الغرباء، وعدم الثقة فيما يظنون صلته بدوائر الحكم!!

حكاية  «زقلط»
ابن خـــــالتى :
ـــــــــــــــــــــــ

     كانت فكرة «عمالة الأطفال» غير متضحة لى حتى وجدت النموذج المفضوح والكاشف لها .. كان النموذج ابن خالتى عبد الفتاح جودة حبلص المدعو «زقلط»؛ فقد استطاع أعضاء من منظمة الشباب إقناع الطفل أن يشى بأبيه تاجر الغلال الذى يقوم بنقل تجارته إلى المحافظات المجاورة، وكان ذلك محظوراً خشية أن تنشأ سوق موازية بعد أن أعلن نور الدين قرة وزير التموين ان المخزون المركزي من القمح لا يكفي لأكثر من شهر واحد، وتسبب الطفل فى خسائر كبيرة لوالده نتيجة مصادرة الغلال، وأوشك أبوه على الإفلاس، وأصبح مهدداً بالسجن .

.. وتوالت الأحزان :
ــــــــــــــــــــــــــــــــ

    كان الحزن يخيم على سماء الوطن، ويلف حقول وبيوت القرية فى «زمن الخوف» دون أن يجرؤ أحد على أن ينطق الآه، وفى غمرة حالة الحزن الجماعى فى الوطن زاد على بيتنا حزن آخر؛ فقد حدث خلاف بين أمى وزوجة أخى كامل، وأصرت أمى على أن يترك أخى كامل البيت ويعيش فى منزل مستقل بعيداً عنا، وزادت أمى فى لدد الخصومة وتعميق القطيعة، ومع غياب أخى كامل عن البيت غابت عن حياتى البهجة التى كان يشيعها بروحه المرحة، وراحت أمى تدفع بنا تجاه أهلها، وتباعد بيننا وبين ما يمت لأهل أبى بصلة !!

    .. وانفض سامر الأسرة الذى كان ينعقد حول المدفأة فى الشتاء مع حبات البرتقال وأعواد القصب أو البلح الأبريمى والفول السودانى، وأبو فروة، وفى شرفة الدور العلوى صيفاً مع اللب والسودانى وشرائح البطيخ، وألقت الكآبة بظلالها على حياتنا .

أحداث كمشيش:
ــــــــــــــــــــــــ

    .. وكانت أحداث كمشيش التى رسخت وثائقها الصادرة من المكتب التنفيذى للاتحاد الاشتراكى العربى بالمنوفية بالدور القذر لتلك التنظيمات فى الفتك بالأبرياء، كانت تلك المكاتبات موقعة من كمال الشاذلى، واحتوت على ما هو مكذوب عن عمد بغرض الكذب لذاته .. وتعد تلك المكاتبات خير دليل كاشف عن دور الدولة البوليسية فى «زمن الخوف»!!.

    بدات أحداث كمشيش بجريمة قتل صلاح حسين عضو لجنة العشرين بالاتحاد الاشتراكى بالقرية بطلق نارى فى الرأس فى حادث ثأر على يد أفراد من عائلته، وبدلاً من أن تبحث زوجته شهندة مقلد عن القاتل الحقيقى أشارت بأصبع الاتهام إلى عائلة الفقى لتلبس قضية زوجها ثوباً قومياً يليق بمغازلة الدول الشيوعية التى تدفع!!؛ فاستغلت علاقة صداقة ربطتها بحسين عبد الناصر زوج ابنة المشير عامر وسوقت الأمر لديه على أنه صراع بين المناضلين الثوريين من كوادر الاتحاد الاشتراكى وفلول الإقطاع القديم ..  فأقنع المشير عامر بهذا، وصدر أمر المشير بالقبض على كافة أفراد عائلة الفقى (شمل الاتهام 370 رجلاً) وإذاقتهم صنوف العذاب وألوان الهوان وإجبار رجالهم على ارتداء ملابس النساء، وعلى أكل علف البهائم، وربط ألجمة الحمير أفواههم ووضع برادع الحمير على ظهورهم وإجبارهم على المبيت مكدسين فى «عشش الفراخ» لحين الترحيل إلى السجن الحربى حيث اقتادوھم إلى مبنى الشرطة العسكریة ومنھا إلى السجن الحربى، وواصلوا تعذیبھم بالتعلیق فى فلقة والضرب بقبضة الید وبالسوط وبقطع الحدید والركل بالأقدام وإطلاق الكلاب علیھم لعقرھم ونزع أظافر الید والوضع فى زنزانات مغمورة بالمیاه، كل ذلك بقصد حمل المتھمین على الادلاء باعترافات وحمل الشھود على الادلاء بشھادات ضد ھؤلاء المتھمین، وإجبار النساء على البصق فى وجوه أزواجهن، ومناداتهم بأسماء وصفات نسائية، والتھدید باعتقال الزوجات، .. وسجلت التقاریر الطبیة آثار التعذیب..!!

     .. في مقابلة لي مع الرائد رياض ابراهيم قائد المباحث الجنائية العسكرية آنذاك، وضابط السجن الحربي الذي أعطى نفسه رتبة ولقب اللواء بدون مسوغ رسمي أو قانوني ـ  فيما بعد ـ فى مكتب محاميه الأستاذ عمر حجاج الشال المحامى بشارع عبد العزيز حاولت تسجيل شهادته بصفته أحد الذين قاموا بأحداث الرعب فى كمشيش، والذى انتزع التحقيق من أيدى النيابة العامة كرهاً بحجة أن لديه معلومات هامة، وأن المتهمين لن يعترفون إلا على يديه !!

    .. كان الرجل ـ الرائد رياض ابراهيم ـ موتوراً وبذيئاً ويأتى بحركات غير متوقعة تفتقد الرصانة والأدب .. إضافة إلى عدوانية غير مبررة !!


صورتان لصفحتين من التقرير المكذوب الذي أعده كمال الشاذلي عن أحداث كمشيش


تنظيم «الإخوان المسلمين» 1965 :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

     ففى سنة 1965 لم يكن هناك تنظيم للإخوان المسلمين ولا يحزنون؛ فقد أكد وزير الداخلية اللواء عبد العظيم فهمى أنه: «لا توجد مؤامرة إخوانية .. وأنه مسئول عن ذلك»، وقد أكدت شهادة محمود الجيار سكرتير الرئيس عبد الناصر صدق ما جاء فى أقوال وزير الداخلية.

     .. الحكاية كلها أن صلاح نصر مدير المخابرات العامة كان يذهب للسهر فى منطقة المرج عند صديقه الصاغ عبد المنعم أمين (جلاد كفر الدوار) وزوجته محاسن سعودى التى كانت تجيد إعداد تلك السهرات وتهيئة أجوائها لعقد الصفقات وإطلاق النزوات.. يذكر تقرير أمريكى عنها أن اللقاء الأول بين البكباشى جمال عبد الناصر ومندوبC.I.A.  كان فى مارس 1952 فى شقة الصاغ عبد المنعم أمين على النيل، وقامت المذكورة بتهيئة أجواء اللقاء .. كانت محاسن سعودى الزوجة الثالثة فى حياة الصاغ عبد المنعم أمين، وكان عبد المنعم أمين الزوج الرابع فى ترتيب زيجاتها!!
    .. ورصدت أجهزة المباحث العامة هذه اللقاءات ورفعت بها تقرير إلى الرئيس عبد الناصر؛ فكانت تأشيرته: «استمر فى المراقبة»؛ فقد كان الرئيس عبد الناصر يتبع سياسة «توازن الأضداد» فى التعامل مع الأجهزة حتى لا يستأثر جهاز بالسلطة، وعلم صلاح نصر بأخبار المراقبة من صديقه سامى شرف، فكان لا بد من الانتقام من وزير الداخلية بتدبير مكيدة للوزارة تدخلها فى «حارة سد»، فى إطار الصراع السرى الدائر بين المباحث العامة والمخابرات العامة بعد أن استطاع أعوان عبد العظيم فهمى أن يتسللوا إلى عشر سفارات أجنبية معادية وفتح خزائنها بمفاتيح مصطنعة ويحضروا كل الوثائق الحافلة بأغرب الأسرار وأسماء العملاء المصريين ثم أعادوا كل شيء كما كان بعد تصويره، مما أوقع المخابرات العامة ومديرها صلاح نصر فى حرج بالغ وكشف وتدنى مستوى كفاءتهم المهنية وانعدام احترافيتهم الاستخباراتية!!

     .. ولكى تكون المكيدة محكمة كان لا بد أن يكون لها علاقة بتعريض حياة الرئيس للخطر!! .. وقد كان بالتعاون مع العقيد شمس بدران؛ فقد رفعت المباحث الجنائية العسكرية تقريرا إلى الرئيس عبد الناصر جاء فيه: «أن الداخلية غافلة .. ووزيرها نائم فى العسل، والتنظيمات السرية ترتع فى البلد، وأهمها تنظيم الأخوان المسلمين الذى يخطط لاغتيال الرئيس وقتل المغنية أم كلثوم وتدمير محطات الكهرباء وهدم القناطر الخيرية وإغراق الدلتا»، وأوصى تقرير المباحث الجنائية العسكرية بضرورة إعطاء الضوء الأخضر للمخابرات للتحرك بحرية للقضاء على المؤامرة!!.

.. ولم يكن أمام الرئيس عبد الناصر الذى يعيش أسير الخوف من كل شيء سوى الموافقة بعد أن تحركت فى نفسه الهواجس تجاه وزير الداخلية وجهازه !!

     .. ولم يقتصر الأمر على الكيد لجهاز المباحث العامة ووزارة الداخلية بل امتد إلى أسرة وزير الداخلية ؛ فقد كان لوزير الداخلية أخ أصغر يعمل فى وظيفة ضابط بحرى برتبة رائد .. وكان هذا الشقيق الأصغر تربطه علاقة غير شرعية بزوجة أحد ضباط انقلاب يوليو 1952 التى تربت منذ صباها فى احضان «الحرس الحديدي» وكانت ضمن نسائه المتخصصات فى العمليات القذرة .. فقامت المخابرات العامة برصد مكان اللقاء فى عوامة على النيل بمنطقة الزمالك، وأعلمت الزوج بموعد اللقاء وزودته بمفتاح العوامة ومسدس ورصاصات.. ليقوم الزوج بمداهمة المكان وقتل شقيق وزير الداخلية، وليطلب من الخائنة ارتداء ملابسها ليصطحبها خارجاً إلى منزلهما، وكأن شيئاً لم يكن .. ولتستمر الحياة ..!! .. لتنشر صحف القاهرة فى اليوم التالى الحادث بوصفه جريمة انتحار لأسباب عاطفية .. كان مقتل عازف الجيتار عمر خورشيد تكرارا لذلك السيناريو ولكن بأسلوب وإخراج آخر!!

    .. وكان هذا مفهوم ضباط انقلاب يوليو 1952 لمعنى الشرف !!

     .. كان اللواء عبد العظيم فهمى يبكى فى صمت .. ولا يجرؤ أن يبوح بأوجاعه، .. فقط قال للزميل إسماعيل النقيب مدير تحرير «أخبار اليوم»: «إنه لا يجرؤ على مواجهة زبانية صلاح نصر .. ولا يقوى على احتمال السجن الحربى» .

     ولم يقتصر الغل فى قلب صلاح نصر وشمس بدران على تصفية شقيق اللواء عبد العظيم فهمى على يد زوج ديوث فى واقعة تم تصويرها فى صورة حادث انتحار، بل أمتد الكيد إلى اتهام نجله صلاح الديبلوماسى بالسفارة المصرية فى جنيف باختلاس مبلغ 20 دولارا (عشرون دولارا) من أموال التبرعات لهيئة التحرير الجزائرية وقدرها 18 مليون دولار  (ثمانية عشرة مليون دولار)  والتى كان الديبلوماسى الشاب مكلفا بنقلها من جنيف إلى مقر الهيئة بالقاهرة، وهو اتهام ثبت كذبه حيث اتضح بإحصاء المبلغ وإعادة عده وجد أنه مطابق لما تم تحويله، لكن اللواء عبد العظيم فهمى فهمه على أنه رسالة تهديد له فى مستقبل ابنه !!

    .. وكهذا تمت الإطاحة بوزير الداخلية اللواء عبد العظيم فهمى الذى تم إعادة الاعتبار له ـ فيما بعد ـ بتعيينه سفيرا فى بودابست، .. وهكذا قتل الأستاذ سيد قطب .. شنق الرجل مظلوماً بغير جريرة ولا ذنب .. فلم يكن هناك تنظيم فى واقع الحال .. بل كان صراعاً بين الأجهزة لكسب رضاء طاغية على جسد وطن مُثخن بالهزائم والأوجاع!!

   .. ولم تفلح توسلات الأطباء بعدم جواز شنقه؛ فالرجل مريض وفى حالة متردية .. التقارير الطبية تشير إلى اقتراب أمر الله، ومع ذلك أصر الرئيس عبد الناصر على إعدامه شنقاٌ فى سنة 1966 بعد محاكمة هزلية غابت عنها ضمانات العدالة .. تجاهل الرئيس عبد الناصر الأسباب التى أصدر بها قراره  بالإفراج الصحى عنه فى عام 1964.. رفض الرئيس عبد الناصر تقارير الأطباء عن حالة الرجل ورفض وساطة بعض الحكام العرب، مبديا ندمه لكونه لم يشنقه فى أحداث سنة 1954 !! حتى أصبحت رأسه معلقة بيد سيد قطب ـ على حد قول الرئيس عبد الناصر ـ.. كان الرئيس عبد الناصر قد جعل الشعب أسيراً للخوف ولم يعد هناك ما يخافه الرئيس عبد الناصر سوى الخوف ذاته بعد الهزائم المتتالية والتى انسحب منها دون أن يحقق انجازاً .. فكان إعدام الرجل المريض ظلماً رسالة بحروف الدم إلى شعب مصر .

     مات الأستاذ سيد قطب، ترك الدنيا بغير عِقب يحمل اسمه أو يتبنى فكره ويدافع عن قضيته .. تبنى فكره بعض الشباب الغر الذين أساءوا للرجل لصالح توجهات مشبوهة، أو تحقيق أغراض تم اختراقهم من أجلها بهدف الإساءة للرجل بصفة خاصة، وتنفيذ مخططات مشبوهة تمزق وحدة الجماعة وتسيء للدين الإسلامى بصورة عامة !!

    كان آخر من شاهد الأستاذ سيد قطب قبيل دقائق من إعدامه النقيب فؤاد علام الذى تولى أمر نقله من السجن الحربى إلى سجن الاستئناف حيث تم تنفيذ الحكم.. نقل النقيب فؤاد علام عن الشهيد سيد قطب ما يصعب تصديقه، وخاصة أننا نعرفه، ونعرف الحكاية الحقيقية لما أسماه مذكراته عندما صار لواء متقاعدا والتى صدرت بعنوان: «أنا .. والإخوان» .. ونعرف أيضا كيف ولدت فكرة كتابة تلك المذكرات على يد الأستاذ محمود السعدنى فى نادى الصحفيين النهرى بالبحر الأعظم، وكيف تم عرض المهمة على الزميل الأستاذ عاصم حنفى الذى اعتذر لعدم وجود مادة تصلح قواماً لتلك المذكرات؛ فما أسموه بالمذكرات لم يكن سوى كراسة مدرسية ذات غلاف أحمر تحوى أسماء بعض المتهمين الذين حقق معهم ضابط أمن الدولة فؤاد علام فى أقبية ممارساته!!

    واقترح الأستاذ عادل حمودة أن يُسند الأمر للزميل الأستاذ كرم جبر الذى نعرف حقيقة دوره فى صياغتها، ونعرف دور فريق مكتب الناشر فى انتحال الكثير من وقائعها.. ونعرف كيف تم التدخل الصحفى فى ثناياها لتحمل سمت وصفة «المذكرات»!!، ونعرف حقيقة الخلاف بين سيادة اللواء والزميل الصحفى الذى حسمه القضاء لصالح الزميل .

    وتوالت حملة تشويه الأستاذ سيد قطب وكان منها وصف الأديب نجيب محفوظ للرجل فى «المرايا» فى شخصية أسماها «عبد الوهاب  إسماعيل» .. ادعى نجيب محفوظ أنه ذهب لتهنئة الأستاذ سيد قطب بالإفراج .. ـ نجيب غير مجامل ولم يعرف عنه القيام بدور اجتماعى أو تبادل التزاور مع الآخرين ـ لكن الحقيقة أن الزيارة كانت بتكليف بهدف كتابة تقرير أمنى للمسئولين عما آل إليه فكر الرجل، فقد كان نجيب محفوظ على رأس «التنظيم السرى للثقافة»، الذى كان يشرف عليه الرئيس جمال عبد الناصر، وكان نجيب محفوظ فيه بدرجة «كبير بصاصين».

      وكان موقف مؤسسة الأزهر مخزياً ومحزناً من إعدام رجل مريض لم تثبت له ثمة علاقة بالتنظيم المزعوم؛ فقد أصدر المجلس الأعلى للشئون الإسلامية كتاباً بعنوان : «رأى الدين فى إخوان الشيطان» فى إشارة إلى «الإخوان المسلمين» .. تم توزيع طبعتين منه هدية مجانية مع مجلة «منبر الإسلام».
كان بعض الأفندية من أهل قريتنا يتبادلون «الهمس الجبان» عما يدور فى سجون ومعتقلات الزعيم التى أسموها «وراء الشمس».

هزيمة 1967 :
ـــــــــــــــــــــــــ

     فى صبيحة يوم 5 يونيو 1967 تلقت مصر «رصاصة الرحمة» .. كنت فى إجازة صيف السنة الأولى من المرحلة الإعدادية، وجاءت الهزيمة لتضع النهاية المناسبة لما أسموه بـ «الناصرية»، ولتحطم أسطورة الزعيم الذى ادعى فى لحظة زور اشمأز منها منطق التاريخ بأنه: «علمنا الكرامة .. وغرس فينا العزة!!» .. ونتج عن الحدث تناثر حطام قلوب المخدوعين الذين استبدلوا اسم مصر التاريخية بـ «بلد ناصر».

     .. وكان المشهد كارثيا فى مفرداته المكونة من جثث القتلى على أرض سيناء، ومشهد مبادلة الجنود الإسرائيليين للأسرى المصريين ببطيخة وعلبة سجائر !!

    ومع أخر ضوء من يوم 9 يونيو أعلن عبد الناصر خبر الهزيمة، ونقل الناس فجأة من نشوة نصر أكيد وُعدوا به إلى ظلمة هزيمة مروّعة، وأعطى إشارة البدء وإزاحة الستار عن «مسرحية التنحى».

     وتحطم صنم الزعيم الذى بدا تافهاً يستجدى عواطف الجماهير ويطلب منها أن تقبله وسط صفوفها، لكن تنظيماته الكرتونية كانت قد صدرت له الأوامر فى حفر القنوات فى اتجاه آخر لتسير فيها تدفقات القطعان البشرية الرافضة لفكرة التنحى، وخرجت من قريتنا عربة نقل يملكها الحاج محمد عبد الهادى صالح، والتى كانت مخصصة لنقل البهائم إلى السوق تحمل على ظهرها القطعان البشرية من أهالى تلوانة بتعليمات من الاتحاد الاشتراكى للمشاركة فى تظاهرة رفض التنحى .

     اعتبر بعض ممن شاركوا فى التظاهرة من البسطاء من أهالى قريتنا أن المشاركة فرصة مجانية لرؤية القاهرة التى لم يشموا نسيمها طوال حياتهم مع الحصول على ساندوتش فول وآخر من الطعمية بدون مقابل من «خولى القطيع» مندوب التنظيم فى الاتحاد الاشتراكي.

    كان أهم ما يسترعى الانتباه والذى يجب التوقف عنده طويلاً، أن التاريخ الحديث والقديم لم يعرف شعباً خرج فى مظاهرات حاشدة غير الشعب المصرى، لا ليفتك بمن تسببوا فى هزيمته واحتلال أرضه وتدمير عتاد جيشه، الذى كانت جثث قتلاه تملأ سيناء وتفوح رائحتها من الصور المنشورة على صفحات صحف العالم.

     .. ولكن إذا عرف السبب بطل العجب، كان الهدف من تظاهرة رفض التنحى هو جبر شرعية انقلاب يوليو الذى استمد شرعيته من التفاف الجماهير حوله، والتى سقطت مع إعلان الهزيمة، وإعادة تنصيب عبد الناصر على قلوب الجماهير؛ فمسرحية «التنحى» أخرجت فصولها المتقنة بعض الدوائر الضيقة الموثوق بها فى الاتحاد الاشتراكى بتعليمات من على صبرى رئيس الاتحاد الاشتراكى وبعض الأجهزة الأمنية التى تتخذ طابعاً مدنيا، والتى نظمت وقادت تظاهرة جموع البسطاء فى الشوارع من خلال توفير وسائل النقل من أتوبيسات المصانع والشركات وعربات النقل الجماعى والجرارات الزراعية لسكان الريف من محافظتى المنوفية والقليوبية، والإيحاء لهم بتجهيز بعض اللافتات بالشعارات المطلوبة، ومكبرات الصوت؛ ولكن للأمانة العلمية أيضا كان هناك بعض الخروج العفوى من بعض الفئات التى أفادت من سياسات عبد الناصر والتى أخلصت فى الولاء له، واعتبرته الرباط الذي يجمع بينها، فقد كان هناك بالطبع بعض الضباط السابقين الذين ورثوا مراكز الأرستقراطية المعزولة كما كانت هناك بعض شرائح من العمال التى استفادت من التأميم وصغار المزارعين المستفيدين من الإصلاح الزراعى.

    وقد بدأت «مسرحية التنحى» بكورس من بكاء شعراوى جمعة وزير الداخلية ونهنهة زكريا محيى الدين نائب أول رئيس الجمهورية وهو يقول: «لا، لا رئيس إلا أنت يا رئيسى»، ونحيب وعويل أنور السادات رئيس مجلس الأمة فى وصلتين استحضر خلالهما كل مواهبه فى التمثيل، الوصلة الأولى عندما أعلن المهزوم قرار التنحى فى خطابه المتلفز، والوصلة الثانية وهو يلقى بيان المهزوم بالعدول عن قراره على مجلس الأمة بنبرات استعرض فيها قدرته على التلوين الصوتى وسط تصفيق وتهليل النواب الذين استخفت الفرحة أحدهم فقام يرقص «عشرة بلدى»!!.

    .. وبالطبع لم يكن إعلام النظام بعيداً عن هزلية المشهد، فسرعان ما لحس أكاذيبه، وراح ينحى منحى جديدا بالحديث عن:«أسرع استفتاء فى التاريخ على شعبية عبد الناصر»، وأن جماهير الشعب قالت: «لا»، و«تحت قصف المدافع وفوق قضبان السكك الحديدية تدافع الشعب إلى عبد الناصر» وذهب كتاب النظام إلى الحديث عن: «قصة 17 ساعة قضاها عبد الناصر مواطناً عادياً»، إلى أن أعادته الجماهير إلى مقعد الرئاسة ؟!

    راحت السكرة وجاءت الفكرة، وبدأ الشعب المصرى يحاول استعادة قدرته على ممارسة لعبة التفكير التى اعتزلها منذ انقلاب 23 يوليو 1952 مكتفياً بأن زعيمه يستطيع أن يقطف الانتصارات عبر الخطابات فى الراديو، ويرمى بها فى حجره بدون عناء وهو نائم دون أن يتجشموا أى عناء، وتركة النظام الغشوم الذى انهارت هيبته بالهزيمة .

     وبدأ عبد الناصر من خلال قنوات تحتية يشجع على فتح بعض الملفات، ومناقشة بعض القضايا واستغلالها فى إدارة الصراع لصالحه داخل النظام، واستغل فى ذلك القطيع المنتمى إلى اليسار الذى أجاد تطويعه وحدد له دوره؛ فاعتقله فترة، ثم أخرجه بعد إعادة تأهيله،  وخيّره بين أن ينتحر فى قبر الصمت ويموت جوعاً بأن ينزوى فى عزلة جدرانها الشعب ذاته الملتف حول الزعيم أو التوظيف فى إحدى مؤسسات الدولة العامرة فى ذلك الزمن على أن يغنى لإنجازات الزعيم من قفص حكومى مكتفياً بنصف أغنيته التى يريدها الحاكم  !!

***
    .. وهذا يبرر لنا أن المقولة الشهيرة لكل سجناء العصر الناصرى من الشعراء والكتاب :

«عبد الناصر سجننا، لكن بنحبه».

     .. كانت تلك المقولة تستوقفنى كثيرا، وكنت أتساءل: كيف يعشق المرء جلاده؟!!

    بعد اشتغالى بالصحافة توصلت إلى حل اللغز بعد أن وقفت على ما حصل عليه هؤلاء المرتزقة بالمجان من شقق الحراسات فى أرقى أحياء القاهرة، وحجم ثرواتهم، وعرفت كيف أنهم قبضوا ثمن ادعاء الوطنية دون أن يقدموا شيئاً للوطن .. فالفارق واضح بين العطاء للوطن، وخدمة الأغراض الدنيئة للعبة الحاكم الفرد !!

   .. وبعد أن وقفت على أنماط حياتهم ومدى البذخ الذين يعيشون فيها اكتشفت أن ادعاء الانتماء لليسار مجرد شكل من أشكال الوجاهة الاجتماعية .

***

    وانطلقت كتيبة الشعراء الموظفين (أحمد فؤاد نجم والمغنى الشيخ إمام عيسى ـ عبد الرحمن الأبنودى ـ أمل دنقل) بدعم من أجهزة الأمن الناصرية فى إبداعاتها لامتصاص حالة الغضب الجماهيرى بالمسكنات والمبررات للوصول، والوصول بالرأى العام إلى أن الهزيمة التى أسموها «نكسة» كانت «قدر مصر»، وقامت أجهزة الحكم الناصرى بتهيئة المنتديات لها فى الجامعات والمصانع لتنفيس عن طاقات الغضب الكامن فى نفوس تجمعات الطلبة والعمال والنقابات المهنية، وقد ارتأت تلك الأجهزة أنه لا مانع من انتقاد الزعيم كأحد أشكال «التغيير المزعوم» بعد الهزيمة وإسقاط الدولة البوليسية والتصدى لانحرافات المخابرات العامة .. كان محمد فائق وزير الإعلام يرى أن البلد مجروحة بسبب الهزيمة، وأن من مصلحة النظام أن يسمح بفرصة «محسوبة» للتعبير عن آلام الجراح؛  فكتب أحمد فؤاد نجم قصيدة بعنوان: «خبطنا تحت بطاطنا».. قال فيها :

«الحمد لله خبطنا
تحت بطاطنا
يا محلا رجعه ظباطنا
من خط النار
يا أهل مصر المحمية
بالحرامية
الفول كتير والطعمية
والبر عمار
والعيشة معدن واهى ماشية
اخر أشيا
مادام جنابه والحاشية
بكروش وكتار
ح تقول لى سينا وما سينا شي
ما تدوشناشي
ما ستميت اوتوبيس ماشى
شاحنين أنفار
إيه يعنى لما يموت مليون
أو كل الكون
العمر أصلاً مش مضمون
والناس أعمار
الحمد لله، وأهى ظاطت
والبيه حاطط
فى كل حتة
مدير ظابط
وإن شالله حمار
ايه يعنى فى العقبه جرينا
ولا ف سينا
هى الهزيمه تنسينا
إننا أحرار
إيه يعنى شعب ف ليل ذله
ضايع كله
دا كفاية بس أما تقول له
إحنا الثوار
الحمد لله ولا حولا
مصر الدولة
غرقانة فى الكدب علاوله
والشعب احتار
وكفايه أسيادنا البعدا
عايشين سعدا
بفضل ناس تملا المعدة
وتقول أشعار
أشعار تمجد وتماين
حتى الخاين
وان شا الله يخربها مداين
عبد الجبار» .

    .. وكان هذا أول اتهام بالخيانة بحق الرئيس عبد الناصر الذى أطلق عليه الطلبة اسم «عبد الجبار»!!

   .. وأتبعها نجم بقصيدة أخرى بعنوان: « شقع بقع يا ديل الفار» قال فيها :
«شقع بقع يا ديل الفار
يا شعب مصر يا خم النوم
ما تفوق بقى وتشوف لك يوم
الثورة قامت فى الخرطوم
وانت اللى نايم بالمندار
شقع بقع يا ديل الفار

***
يا شعب ثور داهية تسمك
وشيل أصول أسباب همك
عصابه بتمص فى دمك
والاسم قال ضباط أحرار
شقع بقع يا ديل الفار
***
اخدوا اليهود غزة وسينا
وبكرة يبقوا وسطينا
والراديوهات بتغدينا
خطب ونتعشى أشعار
شقع بقع يا ديل الفار».
وكتب عبد الرحمن الأبنودى أغنيته الحزينة بعنوان «عدى النهار»:

«عدّى النهار، والمغربية جاية
تتخفى ورا ظهر الشجر   
وعشان نتوه فى السكة شالت من ليالينا القمر
وبلدنا ع الترعة بتغسل شعرها
جانا نهار مقدرش يدفع مهرها
يا هل ترى الليل الحزين أبو النجوم الدبلانين
ابو الغناوى المجروحين
يقدر ينسيها الصباح أبو شمس بترش الحنين
أبدا... بلدنا للنهار... بتحب موال النهار
لما يعدى فى الدروب
ويغنى قدّام  كل دار
والليل يلّف ورا السواقى  زى ما يلف الزمان
وعلى النغم ...تحلم بلدنا بالسنابل والكيزان
تحلم ببكرة واللى ح يجيبه معاه
تنده عليه فى الظلمة وبتسمع نداه
تصحى له من قبل الأدان
تروح  تقابله فى الغيطان
فى المتاجر فى المصانع
فى المدارس و الساحات
طالعة صحبة صفوف جنود
طالعة له رجال أطفال بنات
كل الدروب واخدة بلدنا للنهار
واحنا بلدنا للنهار بتحب موال النهار
لما يعدى فى الدروب
ويغنى قدام كل دار»

    .. وهو كلام مرسل، ومدفوع الثمن من السلطة التى منحت الأبنودى عزبة فى السويس، وكانت الكلمات لدغدغة العواطف وإثارة المشاعر عبر تقولات مرسلة !!

    كان من أصدق من كتب نزار قبانى فى قصيدته بعنوان: «هوامش على دفتر النكسة» جاء فيها :

«خسرنا الحرب لا غرابه
لأننا ندخلها..
بكل ما يملك الشرقى من مواهب الخطابه
بالعنتريات التى ما قتلت ذبابه
لأننا ندخلها..
بمنطق الطبلة والربابه
***
بالناى والمزمار..
لا يحدث انتصار
***
ما دخل اليهود من حدودنا
وإنما..
تسربوا كالنمل.. من عيوننا»

.. ثم كانت القصيدة الأكثر صراحة للشاعر العراقى مظفر النواب بعنوان: «القدس عروس عروبتكم» جاء فيها :

«القدس عروس عروبتكم
فلماذا أدخلتم كل زنات الليل إلى حجرتها
وسحبتم كل خناجركم
وتنافختم شرفاً
وصرختم فيها أن تسكت صوناً للعرض
فما أشرفكم أولاد القحبة
هل تسكت مغتصبة
أولاد القحبة لست خجولاً
حين أصارحكم بحقيقتكم
أن حظيرة خنزير أطهر من أطهركم
تتحرك دكة غسل الموتى
أما انتم لا تهتز لكم قصبة
الآن أعريكم».

يا بت يا أم زكى :
ــــــــــــــــــــــــــ

     غير أن الوجدان الشعبى المصرى كان الأكثر وضوحاً وشراسة فى إهانة العسكر المهزومين لابسى الزى الكاكى فى معركة منونا فيها بالانتصار الساحق، وصلاة الجمعة فى تل أبيب، وكانت الهزيمة التى قصمت ظهر الوطن .. كانت كلمات الأغنية التى كانت تغنى بعفوية على دقات الطبلة فى القرى والنجوع تقول :

« يا بت يا أم زكي
زكى بيعط
لبسته البدلة الكاكي
قلعته البدلة الكاكي
قعدته على وراكي
ماله بيعيط ؟!
.. أكلته مهلبية
كلها .. وعملها عليه
ماله بيعيط ؟!
يا بت يا أم زكي
زكى بيعط» .


النكتة وعبد الناصر
وهــزيمة يونية 1967:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   النكتة أحد أسلحة المقاومة، وقد استطاع الشعب المصرى بعبقرية متفردة أن يضم الضحك إلى قائمة أسلحة الدمار السياسى الشامل؛ يحاكم من خلالها الحاكم، ويحكم عليه بالموت دون قتل.

     والنكتة السياسية تنتشر فى الأوقات العصيبة، حين تشتد الأزمات وتعبر عن الرأى العام واتجاهاته، وفى كل دولة أجهزة متخصصة فى قياسات الرأى العام من خلال النكات، وهو أسلوب أمنى كان موجوداً أيام عبد الناصر، ومن بعده السادات، الذى كان معروفاً عنه أنه يبدأ يومه بقراءة تقارير الأجهزة عن النكات التى قيلت عنه وكان يسميها (نكات الصباح).
   كانت النكات التى تفتقت عنها قريحة الشعب المصرى بعد النكسة تعكس فلسفة خاصة به، وهو أنه لم ينهزم ولكن الذى انهزم هم من خانوا أمانته وضللوه وخدعوه، فإذا عايرنا مفردات المشهد عند الهزيمة مع مضمون النكات ذات الصلة، لوجدنا تطابقاً يكشف عن عبقرية شعب يصعب خداعه؛ فهو ينفذ ببساطة إلى بواطن الأمور يلخصها فى كلمات مقتضبة ولمحات ذكية.

     كان من أهم مفردات المشهد وقبل هزيمة يونيو بشهر، إسناد الأمر إلى غير أهله، والذى بدا واضحاً فى مساء يوم 4 مايو 1967، عندما استقبل عبد الناصر الـ «فيلد مارشال مونتجمرى»، ومن المفارقات الطريفة أن المشير عبد الحكيم عامر كان بصحبة عبد الناصر فى استقباله، وعندما رأى مونتجمرى رتبة المشير والنياشين المعلقة على صدر عامر، الذى كان يحمل رتبة الصاغ ساعة انقلاب يوليو 1952، أخذه الذهول طويلاً، لكن عبد الناصر قدمه له من جديد قائلاً: أعرفك بـ «فيلد مارشال» عبد الحكيم عامر، فسأله مونتجمرى على الفور: فى أى حرب حصلت على اللقب؟!

     وخاصة أنه من المستقر عليه أن رتبة المشير لا تمنح إلا لقائد عسكرى خاض حربا بفكر جديد، وانتصر فيها بحيث يصبح هذا الفكر فتحاً جديدأ وإضافة حقيقية إلى مجال العلوم العسكرية.

   وســاد صمت طويل وبارد لم تقطعه إلا كلـمات الترحيب بالضيف الإنجليزى والحديث عن انطباعاته حول مصر بعد ٢٥ عاما من انتهاء الحرب العالمية الثانية.

      لم تمض أيام على هذه الواقعة التى جسدت «دراما الواقع» فى مصر الستينيات، حتى دسّ إعلام النظام على الرأى العام بيانات مكذوبة عن استعدادات وهمية لخوض الحرب فى مواجهة إسرائيل، ومع صباح يوم 5 يونيو واصل إعلام النظام بياناته عن انتصارات وهمية ساحقة وقتلى للعدو بالآلاف ودباباته المدمرة وطائراته المحطمة، وأن جيشنا المنتصر سيؤدى صلاة الجمعة فى تل أبيب؛ بينما كان واقع الحال كما نقلته صحافة العالم أن الجيش انهزم هزيمة ساحقة فى معركة لم يدخلها؛ وأنه ينسحب بطريقة عشوائية وبدون خطة مما ضاعف من خسائره !!

     قال التنظيم السياسى والإعلام الرسمى كلمتهما، لكن كان للوعى الشعبى الجمعى كلمة أخرى أعلنها فى صورة نكات، نذكر منها ثلاثا على سبيل المثال:

    ـ النكتة الأولى:  تحكى النكتة أن كلا من عبد الناصر وموشى ديان افتتحا مسمطين متجاورين فى شارع الصحافة، فدخل رجل من أبناء البلد إلى محل موشى ديان يسأله: عندك مخ ؟ فرد بالإيجاب، وعندما سأله: عندك لسان؟!، أجاب: عند اللى جنبى.

   .. اختذل الوعى الشعبى أسباب الهزيمة فى جعجعة حاكمه الفارغة، بينما أعمل العدو العقل، وأحكم التدابير لتحقيق النصر وإلحاق الهزيمة بنا.

     ـ النكتة الثانية : تحكى النكتة أن نفرا من أهل مصر الطيبين كانوا فى طريقهم إلى المسجد لصلاة الفجر، فوجدوا عبد الناصر يغسل دبره ويستحم فى مياه النيل، وعندما سألوه عما يفعل، أجاب: أزيل آثار العدوان.

    .. اختزل الوعى الشعبى هزيمته فى حادثة اعتداء جنسى وهتك عرض حاكمه.

    ـ النكتة الثالثة: تحكى النكتة أن جرس التليفون دق فى منتصف الليل فى بيت عبد الناصر، فنهض فزعاً للرد، فلما رفع السماعة، جاءه من الطرف الآخر من يقول بصوت وقور: «يا ريس لقد وجدت الحل السحرى لإزالة آثار العدوان».

     فقال عبد الناصر متلهفاً: «أنت مين ؟، قابلنى فوراً»، فأجابه المتصل: «أنا اسمى المسحوق رابسو».

    .. هكذا لخص الوعى الشعبى آثار الهزيمة فى حالة اتساخ لطخت حاكمه بالقاذورات، لكنها لم تنفذ إلى روح الشعب أو تمس جسد الوطن!!

   كانت النكات تدمى جراح الرئيس عبد الناصر وتوجعه، وتجعله يكتئب، وكانت تقلقه وتفزعه وتطير النوم من عينه، وتمرغ بكرامته وحل الطرقات؛ وعندما زادت سخرية الناس مما حدث فى 5 يونية 1976، فانطلقوا يؤلفون النكات الحادة ويتداولونها بلا حدود، فأسرع الرئيس عبد الناصر يستنجد بمجلس الأمة المصنوع عبر خطاب مذاع على الهواء، وطالب الشعب رسمياً بالكف عن النكات السياسية، لأنها تؤثر على معنويات الجيش.

    كان الرئيس عبد الناصر يحرص على مراجعة التقرير الأسبوعى من وزارة الإرشاد القومى عن أبرز اتجاهات الرأى العام، ومن بينها النكات المنتشرة بين الناس المتعلقة بالأسعار والتموين.

      لم يكن عبدالناصر يضحك على النكتة بل إنها فى مرات عديدة دفعته دفعاً إلى اتخاذ قرارات بعينها أو إبعاد شخصيات لهم قيمتهم ووزنهم عن دائرته.

    كان فى مصر 59 مركزًا للإعلام الداخلى تابعا لهيئة الاستعلامات، والتى من شأنها جمع النكات ضمن ما يقوله الرأى العام لإرساله للقاهرة وكتابته فى نسخة تقرير سرية، تُرفع لرئيس الهيئة ومنها لرئاسة الجمهورية، ويتولى كتابته شخص واحد هو المسؤول فى حالة حدوث أى تسرب لمعلومات التقرير.

***

    .. هكذا دارت بنا الأيام دورتها،.. وعشنا حتى رأينا الرئيس عبد الناصر على شاشات التلفاز باكياً حزينا .. ذليلاً مقهوراً.. وموضع سخرية البسطاء .. سقط الزعيم من عليائه فى مستنقع الذل والعار.. وسقطت معه من أذهاننا الصور الذهنية المتخيلة والمتوهمة عن بطولته وفروسيته وقدرته على إتيان المستحيل.

    كنا فى مراهنات طفولتنا البريئة، نمنى الفائز منا بأن يصبح «ابناً لجمال عبد الناصر»، وكان يفوز بهذا هذا «الشرف المزعوم» كل من أتى أمراً من الصعاب!! بما يجعله يتيه زهواً على رفاق الطفولة؛ فقد أدخل أشباه الرجال من المعلمين الحفاة «أصحاب الياقات المتسخة» الذين أذل الحرص أعناقهم فى عقولنا أن جمال عبد الناصر هو الرجل الخارق «صانع المعجزات»!!

ضيق أحوال الأسرة:
ــــــــــــــــــــــــــــــــ

    بدت علامات الهزيمة والانكسار على وجه الوطن، ومعها بدأت تظهر أمارات ضيق العيش على أحوال أسرتنا، فانخفضت القيمة الشرائية لجنيهات المعاش الذى نتقاضاه عن والدى، وقل عائد ميراثنا من أرض زراعية بتحديد قيمة إيجار الأراضى الزراعية بسبعة أمثال الضريبة، وقيام الاشتراكيين الجدد بإشاعة العداوة لملاك الأراضى الزراعية، وأن الأرض لمن يزرعها؛ فانعكست تلك التقولات فى بلطجة المستأجرين والمماطلة فى دفع قيمة الإيجار؛ فظهرت أحوال ذلك الضيق فى أسلوب حياتنا ومطعمنا وملبسنا؛ فلم نعد نذوق الطبيخ إلا مرة واحدة فى الأسبوع، وأصبح شراء الفاكهة درباً من دروب الترف التى يمكن الاستغناء عنه فى أغلب الأوقات، ولبسنا الثياب المرتقة، والنعال المقصوفة، واستعضنا عن كسوة الصيف بتحويل الملابس الشتوية إلى صيفية بتقصير أكمامها.

    .. وزادت عزلتنا.. ولم أعد أهتم بشيء .. وصرت منكفئا على ذاتى وعلى كتب الدراسة أجتهد فى التحصيل قدر المستطاع.. وأعد الأيام عداً، وأتعجلها للخلاص من تلك المعاناة!!

     وقد أفدت الكثير من سنوات الضيق وما سببته لنا من معاناة؛ فقد أيقظت فينا إرادة الصبر وثقافة الغنى بالاستغناء وقادتنا إلى نكتشف ذواتنا، ونضع أيدينا على الكنز المخبوء بداخلنا، وهو عزة النفس، والقدرة على الحفاظ على كرامتنا فى «زمن الخوف»؛ فعبرنا سنوات الأزمة وضيق الأحوال برءوس مرفوعة وكرامة مصونة وموفورة.

    كنت موقناً يقيناً لا يتزعزع أن هذه الآلام وتلك المعاناة لن تخلف وراءها فى نفسى وعقلى إلا تجربة تستحق الوقوف أمامها إجلالاً، وكانت كلمات الشاعر الفرنسى الفريد دى مواسيه: «لا شيء يجعلنا عظماء إلا ألم عظيم»، لا تبارح ذاكرتي؛ فكانت وخزات الألم تزيدنى إصراراً .

خالى محمد
وصنم الزعيم :
ـــــــــــــــــــــــ

     كان ناظر مدرستى الإعدادية خالى الأستاذ محمد عبد الله، وبعد الهزيمة وفى بداية العام الدراسى 1967 / 1968 حدث أن زار مدرستنا أحد المفتشين الإداريين، وأبدى ملاحظة بأن تمثال الرئيس جمال عبد الناصر لا يليق أن يظل مكانه الكائن وسط صف من الأشجار التى تحجب شموخ التمثال وعظمته، وأنه يجب أن ينقل إلى وسط الحديقة وسط أحواض الزهور فى مدخل مكتب حضرة الناظر، ولم يكذب خالى محمد الخبر، وجند كل إمكانيات المدرسة للتنفيذ،  وعندما حانت ساعة نقل التمثال إلى الحديقة وقف خالى محمد فى فناء المدرسة مناديا بصوت جهوري:

«يا رجال الرئيس .. هلموا يا رجال الرئيس لحمل تمثال الرئيس.»

     وخرج المدرسون من فصول الدراسة يتسابقون لحمل صنم الزعيم إلى موقعه الجديد .. رأيت خالى يحمل صنم الزعيم وقد اتسخ هندامه .. وسارع خالى والمدرسون يتسابقون للالتقاط الصور التذكارية مع صنم الزعيم فى موقعه الجديد .. داهمتنى حالة من الحزن كنت معها أتحاشى النظر إلى خالى الذى أصاب الاتساخ ثيابه، وكان هو أيضا يعى أحزان طفولتى ويقدر مدى عمق الصدمة التى خلفتها فجيعة سقوط ما علمه لنا من قيم وأخلاقيات فى أول اختبار ابتلى به فى «زمن الخوف»؛ فكان يطيل الصمت وينظر إلى الأفق البعيد ويتحاشى أن تلتقى نظراتنا فى سنوات «قهر الرجال» .

     لم يكتف خالى محمد بالاحتفاء بصنم الزعيم بوضعه فى حديقة الزهور أمام مكتبه، بل كلف عبد اللطيف المنوفى الطالب بكلية الفنون الجميلة بنحت صور جدارية للزعيم من النحت البارز بخامة الجص على أعمدة المدرسة المحيطة بالفناء، وقد فعل عبد اللطيف المنوفى ما طلب منها مقابل مكافأة مجزية من ميزانية النشاط بالمدرسة مضافا مكافأة سخية إليها دفعها خالى محمد من ماله الخاص.

السهم يشير إلى خالي الأستاذ محمد عبد الله في صورة تذكارية مع "صنم الزعيم" بعد نقله إلى حوض زهور أمام غرفة مكتبه وإلى يمينه الأساتذة أحمد عبد المنصف ومحمد بركات وسعيد مطر


    وبقى تمثال عبد الناصر منتصباً بيننا كصنم قديم يبتسم لنا فى ثقة بنصف شفة، وبنصف سخرية وهو يدرك أننا فقدنا إيماننا به!! وكفرنا بادعاءاته، ولم نعد نحمل له فى نفوسنا احتراماً، وأيضا لا نملك القدرة على تحطيمه فى «زمن الخوف».

صرت رجلاً :
ــــــــــــــــــــ

   أخبرنى جسدى فى ساعات منامى أننى صرت رجلاً .. تدفق ماء الرجال من عروقى عبر «وهم الاحتلام» كانت فتاتى فى لحظة «الفانتاسى Fantasy» تلك «شادية» المُهرة الريفية البيضاء !!

    .. استيقظت، وقد أصاب البلل ثيابى، وبدأت حيرة الافتقاد إلى «خبرات الرجال» !!، وأحسست أننى أفتقد أبى ، وأشتاق إليه كثيراً .

خبرات الرجال :
ـــــــــــــــــــــــ

وصرت فى حيرة ملاح تائه فى بحور الظلمات أبحث عن أفضل السبل لاكتساب «خبرات الرجال» .. لم أجد نموذجاً جيداً أو محترما أتلقى عنه..

    كان الفراغ قاتلاً فى بلدتى تلوانة، وكان النهار سمجاً مثل تنطع القرويين، والليالى حبلى بكل أنواع المخاوف والمخاطر والمواجع .. وكان حلم الخلاص من ذلك الواقع المُزرى يبدو رمادياً شائهاً، يلوح تارة فى الأفق ويختفى تارة وراء الغمام أو يغطس فى ثنايا البؤس تارات ..

    واتجهت إلى المكتبة الصغيرة فى «المجلس القروى» أبحث على رفوفها القليلة عن بعض ما يجيب عن تساؤلاتى، ويشرح لى ما غاب عنى !!

    قرأت روايات إحسان عبد القدوس ونجيب محفوظ ومحمود تيمور وعبد الرحمن الشرقاوى ويوسف السباعى ومحمد عبد الحليم عبد الله وأمين يوسف غراب، لكن تلك الروايات بقدر ما أسهمت فى إنعاش أحلام صحوى ويقظتى النهارية بقدر ما أمرضتنى بعشق مضاجعة عرائس الخيال !!، وكانت عونا للشيطان على ضعفى الإنسانى فى أضغاث منامى.

   لم تشبع تلك الروايات نهمى للمعرفة الأخلاقية ـ إن جاز لى استخدام هذا التعبير ـ واكتساب «خبرات الرجال»؛ فانطلقت أقرأ فى مختلف التخصصات وفروع المعرفة لدرجة أن أمين مكتبة مدرسة الباجور الثانوية المشتركة قد تشككك فى قدرتى على قراءة هذا الكم من الكتب المستعارة، وبضجر لا يخلو من ملمح العدوان بادرنى بسؤال :

   ـ أنت بتستعير الكتب دى لمين ؟

   وأجبت بتلقائية :

   ـ لنفسى .

   طلب إلىّ الرجل أن أعود إليه أثناء الفسحة لمناقشتى فى بعضها .

    فى الموعد ذهبت إلى الرجل .. كان الرجل قد استحضر كارت الاستعارة الخاص بى، وبعض الكتب التى قد سبق لى استعارتها، ومنها كتاب «الغربال» لميخائيل نعيمة ، وبادرنى الرجل :

   ـ هل قرأت هذا الكتاب ؟

   قلت :

   ـ نعم .

   قال :

   ـ ما معنى الغربال؟!
    قلت :

    ـ معنى «الغربال» في السياق الذى يقصده المؤلف هو الناقد الذى يفصل بين الصالح والطالح من الإنتاج الفكرى فى عملية يرى المؤلف أنها أقرب إلى عملية الغربلة .

    قال :

   ـ وما رأيك فى القضية التى أثارها الأستاذ عباس محمود العقاد فى تقديمه للكتاب، والتى تمثل مخالفة لرأى الكاتب؟!

    قلت :

   ـ حضرتك تقصد أن المؤلف ميخائيل نعيمه يحسب أن العناية باللفظ فضولاً ويرى أن الكاتب أو الشاعر فى حل من الخطأ مادام الغرض الذى يرمى إليه مفهوما، ويرى الأستاذ عباس محمود العقاد أن فى هذا هدما لقواعد وأصول اللغة.

    قال أمين المكتبة :

   ـ .. وما رأيك أنت ؟!

    قلت :

    ـ لكل صانع أدواته .. وأداة الكاتب هى اللغة؛ فإذا لم يكن الكاتب متمكناً من أداته فقد افتقد القدرة على إجادة صنعة الكتابة، بما يجعله غير مستحق لصفة «الكاتب» .

   سكت أمين المكتبة لحظة، ونظر إلى كارت الاستعارة، وقال:

   ـ هناك تشابه بين عنوان «الغربال»، واسم أحد المؤلفين الذين قرأت لهم؟!

   قلت :

   ـ حضرتك تقصد د. محمد شفيق غربال مؤلف كتاب «تكوين مصر».

   قال أمين المكتبة :

   ـ بالضبط .

   وأضاف :

   ـ ماذا فهمت من الكتاب ؟!

   قلت :

   ـ فهمت أن النواة الأساسية للثقافة المصرية هى «التحدى والاستجابة»،  وأن التفاعل بين مبدأ الاستمرار ومبدأ التغيير هو الذى صنع التاريخ المصرى .

   قال أمين المكتبة :

   ـ  وماذا استفدت فى حياتك من تلك الفكرة ؟!

   قلت :

   ـ تعلمت إقامة علاقة جدلية بين واقعى وما أحلم به وأتمناه لاختيار أفضل المتاح.


    قال أمين المكتبة :

    ـ فتح الله لك، وبارك لك .. عد يا ابنى إلى فصلك .


    استفدت كثيراً من كتاب ديل كارنيجى  بعنوان: «دع القلق وابدأ الحياة»،  كما أفدت كثيراً من كتابه بعنوان : «فن التعامل مع الناس»؛ هذا الكتاب نصيحة ذهبية أعانتنى على مواجهة سخافات البشر وهي:

«بقدر أهميتك يكون النقد الموجه إليه..»

    كان من الكتب الوطنية التى قرأتها آنذاك كتاب بعنوان: «واحترقت القاهرة» لأحمد حسين زعيم مصر الفتاة، وأحد المتهمين بالضلوع فى أحداث الحريق، كان ما كتبه أحمد حسين سردا للأحداث التى بدأت بهزيمة الجيش المصرى فى فلسطين ،1948 وحتى انقلاب 23 يوليو 1952 الذى ألقى إليه بطوق النجاة من حبل المشنقة .

      كان ما جاء بكتاب أحمد حسين خليطاً من الحقائق والاحتمالات والتوهمات والتخيلات ليقدم لنا منتجا يثير العواطف ولا يقدم إجابات عمن حرق القاهرة؟!!

     وهو ما كلفنى كثيراً من البحث للحصول على إجابة السؤال .
  
     كان من الطبيعى أن تنطلق مشاعر الغضب الشعبى لما حدث لجنود الشرطة فى الإسماعيلية يوم الجمعة 25 يناير 1952، وبعيدا عن مشاعر الفخار الوطنى التى جعلت من اليوم عيداً للشرطة، وبمعالجة الأمر فى إطار منهج «السببية التاريخية»؛ فهجمات من أسموا أنفسهم بالفدائيين قد ألحقت خسائر بالقوات البريطانية، وكان لابد من إجراءات مضادة من جانب القوات البريطانية، فكان حريق كفر عبده، وكان حصار مديرية أمن الإسماعيلية، وكانت حماقة فؤاد سراج الدين وزير الداخلية الذى أصدر أوامره بعدم الخضوع للتهديد، ودعاهم إلى المقاومة فى صراع غير متكافئ، قتل فيه أكثر من خمسين مصريا وجرح أكثر من مائة.

   فى صباح يوم 26 يناير 1952 انطلقت مظاهرات الطلبة والعمال وبعض عساكر بلوكات النظام (الأمن المركزي) منددة بما حدث، وكانت المظاهرات التى أطلق عليها اسم «مظاهرات السبت الأسود» متعددة ومتفرقة وذات طابع سلمى، ولا تحركها قيادة واحدة منظمة كانت هناك مجموعة مجهولة الهوية يرتدى أفرادها ملابس ذات لون موحد، قدر عددها فى مختلف الروايات بنحو ثلاثين فردا، انطلقت وسط القاهرة تضرم النار فى الملاهى والبارات والمحال التجارية والشركات المملوكة للأجانب دون تمييز. وأجمعت مختلف الشهادات أن فرقة إضرام النار كانت على مستوى رفيع من التدريب، وعلى درجة عالية من الاستعداد؛ إذ كانت مجهزة بوسائل النقل التى تسهل حركتها وبالمواد الملتهبة (صفائح البنزين، مسحوق مساعد على الاشتعال، كرات القماش، أدوات حديدية لكسر أبواب المحلات)، وهم يضرمون النار بأسلوب متقن لتندلع فى الهدف بصورة يصعب معها إنقاذه، ثم ينتقلون بسرعة وخفة لهدف آخر . كما أنهم لم يتحركوا كفريق واحد، بل كانوا ينقسمون إلى مجموعات صغيرة لكل منها جدول أعمال محدد ومهام معلومة .

     وكان من المنطقى أن تعجز فرق الإطفاء بإمكانياتها المتواضعة عن مواجهة هذا الحريق الهائل.

    .. ولم ينجح أحد فى تسجيل شهادة فؤاد باشا سراج الدين وزير الداخلية آنذاك عن الحادث، رغم محاولات جادة من المؤرخين د. عبد العظيم أنيس ود. رءوف عباس .. ابتلع الرجل لسانه إلى آخر يوم فى حياته، وترجع أهمية شهادة سراج الدين أنه هو الذى صرح لبعض الهواة بممارسة أعمال الكفاح المسلح ضد الإنجليز فى القناة، رغم اقتناعه بعدم جدواها، وهو الذى أصدر الأوامر لجنود الإسماعيلية بخوض تجربة حمقاء بأسلحة خفيفة فى مواجهة عتاد جيش لا قبل لهم به!!

    .. والحقيقة من وجهة نظرى أن فؤاد باشا سراج الدين كان ينفذ سيناريو مرسوما أعده له الأمريكان الذى أصبح أحد رجالهم فى مصر، وأصبح هو يتطلع إليهم ليصبح رئيساً للوزراء حسب ما جاء فى برقية جيفرسون كافرى السفير الأميركى فى القاهرة إلى حكومته فى 21 أكتوبر 1949، ويأمل فى زعامة حزب الوفد بعد أن انتهى الدور التاريخى للنحاس باشا ـ حسب مزاعمه ـ وأنه يجب إقناع النحاس باشا بالاعتزال، والاكتفاء بتوليه الزعامة الشرفية للوفد، وأن فؤاد باشا سراج الدين هو الذى أجرى اتصالات بالسفارة الأميركية، والوفد خارج السلطة فى 3 أبريل 1952 لتمكين الوفد من العودة إلى الحكم عن طريق اتفاقية سرية بين سراج الدين والسفارة الأميركية تقوم الولايات المتحدة بمقتضاها بعقد اتفاقية بين مصر وبريطانيا ترضى الطرفين، ويتولى فؤاد باشا سراج الدين بعد الانتخابات منصب رئيس الوزراء، وفى مقابل ذلك يعقد اتفاقية مع بريطانيا خلال أسبوعين، وخلال أسبوعين تاليين يبدأ مفاوضات حول الدفاع عن الشرق الأوسط تلعب فيها مصر دوراً كاملاً، مع تعهده بالتوصل إلى تسوية سلمية مع إسرائيل،  وقد أفادت برقية جيفرسون كافرى السفير الأميركى فى القاهرة أن الذى نقل رسالة فؤاد باشا سراج الدين ممثل له إلى أحد مسئولى السفارة الأميركية.

     وانطلقت الشائعات تتهم الملك فاروق والإنجليز بحريق القاهرة، ولم يكن للملك مصلحة فى ذلك؛ فهو الذى أجرى اتصالات سرية بالألمان من أجل الحفاظ على سلامة القاهرة، وقد كلف المصور الخاص به رياض أفندى شحاتة بتصوير وقائع الحريق، وقد خلفت لنا الجمعية الملكية للتصوير الفوتوغرافى سجلا هائلا من الوثائق المصورة عن حريق القاهرة .. وأيضا كان الإنجليز لا يريدون تأجيج الغضب الشعبى ضدهم أكثر من ذلك بدليل محاولة تدارك الموقف الذى تورطت فيه قواتهم بالسماح لمن بقى على قيد الحياة من جنود الشرطة بالخروج من مبنى مديرية أمن الإسماعيلية بأسلحتهم وأداء التحية العسكرية لهم؛ لذا انحصر الاتهام فى الأمريكان الذين كانوا يريدون تهيئة المناخ، وخلق الظروف المناسبة لمخططهم فى المنطقة، واستعانوا فى ذلك بالمتعاونين معهم  من تنظيم «الضباط الأحرار»، ولدينا شهادتان مهمتان :

الشهادة الأولى
ــــــــــــــــــــــــــ

    يقول سيد جاد ضابط الحرس الحديدى عن البودرة الحارقة التى استخدمت فى حريق القاهرة :

     «تعرفت على امرأة متزوجة طلبت منى خدمة، وهى أن أساعد زوجها (عبد الحميد بك) لنقل بعض الأشياء من بلبيس، ولكونى ضابطا، ولن يجرؤ أحد على طلب تفتيش عربة بها ضابط جيش»، ويحكى عن مقابلته لخمسة من المالطيين الذين أحضروا هذه الشحنة، وعن دوره فى ضبط العربة بعد أن تسلل بحجة صلاة الفجر وذهابه إلى أقرب قسم شرطة وإبلاغ يوسف رشاد عن الواقعة ويستطرد سيد جاد:

     «ناولنى الرجل (عبد الحميد بك) ألف جنيه وهو يشير إلى الشحنة ويقول:»كلها أشياء مفيدة .. فالبراميل الصغيرة بها «بوية» .. الحشيش مطلوب للجميع .. أما السلاح فللفدائيين» .

    ويقول سيد جاد:

   «اتضح ، بعد ذلك ـ أن البراميل الخشبية الصغيرة كانت تحتوى على مادة تشتعل بمجرد الضغط أو الاحتكاك بينها وبين أى جسم صلب ..  وهى نفس المادة التى استخدمت فيما بعد فى حريق القاهرة!!»

الشهادة الثانية :
ـــــــــــــــــــــــ

    هى شهادة حسن العشماوى فى مذكراته بعنوان: «مذكرات هارب» والتى يتهم فيها صراحة عبد الناصر وتنظيم « الضباط الأحرار» بتدبير حريق القاهرة يقول حسن العشماوى:

    «وبمجرد أن انتشرت النار المشتعلة فى القاهرة وبدأ النهب يدور فى المتاجر والطرقات، اتصل عبد الناصر  بمكتبى تليفونيًا، فقيل له: إنى على سفر فذهب لفوره إلى الصاغ صلاح شادى يطلب منه أن يتسلم عنى بعض الأسلحة والذخائر والقنابل الموجودة فى بيته وبيوت زملائه والمسروقة من الجيش، لأنه يخشى أن تفتش بيوتهم فتضبط فيها تلك الأشياء، وهى كفيلة بأن توقع بهم أشد العقاب. أما بيوت الإخوان فهى فى مأمن من تفتيشها، إذ المعلوم لدى الجميع أن الإخوان كانوا يعاونون فى إطفاء الحرائق وفى استتباب الأمن ومنع الفوضى أن تنتشر فى القاهرة .

    وسارت بضع سيارات ـ منها سيارتى وسيارة عبد الناصر الأوستن السوداءـ تنقل قنابل حارقة ومواد ناسفة وسط شوارع القاهرة المشتعلة، جمعت تلك المواد من بيوت عبد الناصر وزملائه الضباط، وكدست فى جاراج بيتى دون تنظيم أو صيانة أو وقاية من مخاطرها الشديدة، وها هى ذى الآن أمامي.. علىّ أن أتصرف فيها...!!

   لم أسأل نفسى وقتذاك عن سبب وجود تلك المواد فى بيوت عبد الناصر وزملائه، فقد حرصنا منذ بداية تعاوننا فى القتال أن نجنبهم الشبهات، وأن نتسلم أولاً بأول ومن محطة القاهرة أو طريق السويس، وما يصل من ذخيرة لنخرجه فورًا من العاصمة إلى مواقع استعماله.

    لم أسأل نفسى ولم أسأل عبد الناصر سبب وجود تلك الأشياء عندهم، فقد كان كل ما يعنينى أن أنقذ رقابهم فى ذلك الوقت العصيب.

   بدأت أنقل تلك المواد إلى مزرعة يملكها أهلى فى مديرية الشرقية، وأحضر إلى ّعبد الناصر تصميمًا هندسيًا لمخزن ذخيرة.. وحفرنا فى المزرعة وتحت الجراج، وأنشأنا المخزن دون أن يعلم أحد من أهلى أو من سكان المزرعة ما يدور وراء سور الحديقة، وخلف باب الجاراج المغلق لم يعلم أحد بوجود تلك الأشياء إلا من وضعوها فى المخزن وزوجتى التى كانت تصحبنى إلى هناك لتشرف على ما نحتاجه من طعام. لن أنسى تلك الأيام التى كنت أجتاز فيها نقط المرور فى القاهرة والأقاليم وأطفالى يجلسون فوق صناديق يخشى كثير من الرجال الاقتراب منها... وهم مع ذلك لاهون يغنون لأنهم لا يعلمون على أى خطر يجلسون..!! 

   وعندما كنا نرسى تلك المواد فى المخزن تأكدت أن فيها كمية كبيرة من القنابل الحارقة والمواد الناسفة وصندوقين من مادة الـ» ت. ن. ت.» شديدة الاحتراق. وكان عبد الناصر لم يقدم لنا شيئًا من هذه المواد طوال معركة القناة، وعرفت من التحقيق الذى أجرته النيابة عن حريق القاهرة أن مادة الـ «ت. ن. ت.» هى أول ما استعمل فى الإحراق.. وهى مادة لا يستطاع الحصول عليها فى مصر إلا من مخازن الجيش، وقد أثار كل ذلك شكوكى ولكنى لم أرد أجعل الشك سندًا لأحكامى، وحين سألت عبد الناصر عن سبب ضنه علينا بمثل تلك المواد أثناء المعارك كان رده ـ ببساطة ـ إنها لم ترد إلا أخيرًا».

    قال عبد الناصر عن حريق القاهرة إنه: «أول بادرة لثورة اجتماعية على الأوضاع الفاسدة، وحريق القاهرة هو تعبير شعبى على ما كانت ترزح فيه مصر من إقطاع واستبداد رأس المال»؛ فحريق القاهرة من وجهة نظر عبد الناصر «ثورة اجتماعية» رغم أنه اتهم الإخوان المسلمين مرة، واتهم الشيوعيين مرة أخرى فى إحداث حريق القاهرة .. يؤكد  إبراهيم طلعت (عضو الطليعة الوفدية) فى مذكراته أن الضباط الذين استولوا على حكم مصرـ وفى مقدمتهم عبد الناصر ـ هم الذين دبّروا الحريق .

حصـــــاد التجربة
وثقافة «الشرخ»:
ـــــــــــــــــــــــــــ

    استفدت كثيراً من المكتبة وبما نقلته إلى خزائن كتبها من معلومات وخبرات عالية وراقية لرجال سبقوا زمنهم .. وكانت الإشكالية بالنسبة لى أننى تعلمت خبرات رجال سبقوا زمنهم بنصف قرن تقريباً رغم أننى أعيش فى قرية منسية متخلفة عن زمنها  نصف قرن؛ فأصبح الفارق بين خبراتى المكتسبة منهم وبيئتى المعاشة قرن من الزمن، وهو ما جعلنى أصف تلك الحالة بـ «ثقافة الشرخ» !!

    زاد ذلك «الشرخ» من عزلتى كثيراً،  لكن ذلك لم يشغلنى، ولم أهتم به، ولم أكن ألقى بالاً لهؤلاء البشر؛ فقد كنت أعتبر وجودى بينهم وجودا عابرا فى ظروف عابرة لن تستمر طويلاً، ومع ذلك تحاشيت الوقوع فى «مأزق المثقف الكلاسيكى» الذى يمزق أواصر الروابط بينه وبين مجتمعه أو يصطدم بثوابته الذى يمثل الخروج عليها دربا من المروق و«إساءة الأدب».

    كنت ألتزم الصمت، وأعتصم به .. لم أدخل فى مناقشة مع أحدهم .. ولم أقل رأيا فى أمر من أمورهم، وكان الحديث مقصوراً على التحيات والسلامات والمجاملات العابرة.

     لا أنكر أننى تعرضت للكثير من مضايقات بعضهم بحكم ظروف «العيش المشترك» معهم، تلك المضايقات التى حملتها «نطاعات» بعضهم، وكانت تلك المضايقات أشبه بـ»ضيق قائد سيارة مرسيدس فارهة» اضطرته الظروف للسير خلف عربة زبالة يجرها حمار أعرج فى طريق ضيق فلا يستطيع تجاوزها، ولا يملك فرصة التراجع، واختيار الطريق المناسب».. وهذا أفضل وأليق وصف متاح لتوصيف الحال رغم قسوته.

   الأمر الثانى: أننى لم أعد أثق كثيرا فى عمليات «التأريخ الرسمى» التى تمارسها بعض مؤسسات الدولة، وأصبحت أتعاطى بحذر مع منتج «المدرسة الوطنية» فى الكتابة التى تعمد إلى إثارة مشاعر الفخار الوطنى السائد والمتواتر والمتوارث والمزعوم، والتى تأخذ منحى أننا أفضل شعوب الأرض، وأن الطفل المصرى أذكى طفل  فى العالم وأن قادتنا أعظم رجال الدنيا.

   الأمر الثالث: تعلمت ألا أثق فى كل ما أقرأ، ولا أصدق كل ما أسمع؛ فالحروف ليست بريئة.. الحرف قد يكون قديساً عندما يكون كاتبه قديس، وقد يكون داعراً عندما يكون كاتبه داعر، .. وأن بعض الكتب قد ألقت على عيني غشاوة، وأن بعض الكتب رفعت عن عيني الحجب،.. وتعلمت آلا أنخدع بأشخاص كنت أراهم من الخارج بألوانهم الزاهية، وتعلمت آلا أنخدع بما تحقق لبعض البشر من مكانة اجتماعية أو بريق الشهرة أو ذيوع الصيت؛ وأنه ليس كل ما يلمع ذهباً!!

    الأمر الرابع: كانت الخبرات المكتسبة من المكتبة نظرية؛ وأعترف أن بعضها كان مكذوباً وأدخل علىّ غشاً، وأننى عندما وضعت بعضها موضع التنفيذ أخطأت، ولكنى عندما وضعت الخبرات الأمينة والصادقة موضع التنفيذ أصبت، وحصدت الكثير من المكاسب .. وتعلمت من محاولات التعلم بالتجربة والخطأ .

    .. وتحملت مغبة أخطائى، وجنيت حصاد صوابى .

 موت عبد الناصر :
ـــــــــــــــــــــــــــــــ

     عاش الرئيس جمال عبد الناصر طوال حياته يتاجر بالقضية الفلسطينية، ويحتال على شعوب المنطقة بما أسماه (الكفاح المسلح لتحرير فلسطين) ورمى إسرائيل فى البحر؛ فكانت كذبة الأسلحة الفاسدة  التى كانت ورقة دعاية مجانية لتبرير أسوأ هزيمة منيت بها الجيوش العربية، والتى اتخذها ضباط انقلاب 23 يوليو 1952 ذريعة لانقلابهم برعاية المخابرات الأمريكية ولأسباب تتعلق بالمصالح الأمريكية فى المنطقة!!

    ومن مفارقات القدر أن يلقى عبد الناصر حتفه أيضا بسبب القضية الفلسطينية .

    ويرجع أصل الحكاية منذ البداية أنه بعد انقلاب 23 يوليو 1952 أبلغ اللواء محمد نجيب السفير الأمريكى جيمس كافرى أن القضية الفلسطينية لا تعنيهم فى شيء !!

    .. ورغم ذلك كان الرئيس عبد الناصر يعتبر القضية الفلسطينية أهم مقومات بناء شعبيته عبر الترويج لأسطورة «الصراع مع الصهاينة» الذين لم يوجه إليهم طلقة طوال فترة حكمه .. إلى أن سقط عنه القناع بأحداث سبتمبر الأسود 1970 عندما اتفق مع الملك حسين على إبادة الفلسطينيين وتصفية القضية الفلسطينية، على أن يقوم هو بالشجب والإدانة؛ فلما زاد الهجوم على الملك حسين إلى حد التلاسن بين القذافى والملك فيصل أثناء انعقاد مؤتمر القمة العربى (سبتمبر 1970) فى حوار جاء فيه:

    ـ القذافى: «إذا كنا نواجه مجنوناً كحسين يريد أن يقتل شعبه، فلا بد من إرسال من يقبض عليه ويضع الأغلال فى يديه، ويمنعه من فعل ما يفعل، ويُحيله على مستشفى مجانين».

   ـ الملك فيصل: «لا أظن أن من اللائق أن تصف ملكاً عربياً بأنه مجنون يجب أن يوضع فى مستشفى مجانين».

   ـ القذافي: «لكن أسرته كلها مجانين .. والمسألة مسألة سجل».

   الملك فيصل: «حسناً .. ربما كنا كلنا مجانين»  .

    استشعر الملك حسين الإهانة فكشف المستور، ووضع جميع تسجيلات أحاديث الاتفاقات التى دارت بينه وبين عبد الناصر عن إبادة الفلسطينيين وتصفية القضية الفلسطينية أمام القادة العرب، وقرر الرئيس عبد الناصر بدوافع ثقافة الانتقام تصفية الملك، لكن المكلف بالقيام بالعملية  Case Officer سقط من حسابه أن الملك أشول اليد؛ فكان الكأس المسوم من نصيب عبد الناصر!!.

    كان عبد الناصر وهو على فراش الموت يسأل بين آن وأخر عن الخبر الذي ينتظره، ولماذا لم يذاع حتى الآن ؟! كان الخبر الذي ينتظره هو : «موت الملك حسين» .

     قضى عبد الناصر نحبه فى تمام الخامسة وخمس دقائق من مساء يوم 28 سبتمبر 1970، وقد ذكر أمين هويدى مدير المخابرات الأسبق أن الدكتور صلاح هدايت وزير البحث العلمى أخذ صورة وجه عبد الناصر على نوع خاص من «الجبس» حتى يحتفظ بملامحه الحقيقية عنده ولست أدرى هل ما زال يحتفظ بها حتى الآن.. والحقيقة أن هذا التصرف فى التعامل مع الموت يبعث على الريبة .. لكن المحتمل من ورائه هو إمكانية ظهور تمثال لعبد الناصر فى دولة ما قدم لها الكثير !!
    حدثت على أثر وفاة عبد الناصر عدة مفارقات يجب التوقف عندها وهى :

  1 ـ أن البيان الرسمى حدد ساعة الوفاة فى السادسة والربع متأخراً عن الحقيقة ساعة و10 دقائق .

   2 ـ أن الطبيب الشرعى د . مصطفى كمال رفض أن يوقع على أى ورقه قبل أن يقوم بتشريح الجثة، وهو ما رفضه المسئولون بحجة أن الأعصاب مشدودة وأحوال البلد لا تتحمل .

   3 ـ لا أحد يعرف حتى الآن سر عدم استخراج شهادة وفاة لعبد الناصر حتى الآن .

   فيما بعد نشر فى لندن كتاب بعنوان «الألعاب القذرة»  مؤلفه يُدعى «تشامبان» يدعى أن جمال عبد الناصر اغتيل بحقنة أنسولين مخلوطة بسم « الريسين» الذى لا يترك أثر فى الجسم.

    .. وأخذت القضية الفلسطينية تفقد كل يوم ركنا من أركانها، حتى كانت النهاية فى كامب ديفيد !!

جنازة رمزية
فى تلوانــــة :
ـــــــــــــــــــــ

    ومع انطلاق جنازة الرئيس جمال عبد الناصر فى القاهرة انطلقت جنازات شعبية رمزية فى المدن والقرى والنجوع، وجرى تمثيل لجنازة شعبية رمزية فى قريتنا تلوانة خرج فيها تلاميذ المدارس يحملون صور الفقيد، وتبارت نساء القرية فى الصراخ والعويل والندب والولولة، وزرف أشباه الرجال دموع التماسيح!!.

    وارتدت النساء السواد، ولبست بنات مدرستنا البلوزات السوداء، وأجبرنا المعلمين «الحفاة من ذى الياقات المتسخة» على تعليق شارات الحداد السوداء على أكمام قمصان ملابسنا المدرسية.

    عكست الجنازة الشعبية الرمزية فى تلوانة حالة التدنى الأخلاقى والتردى الثقافى والانحطاط الحضارى فى التعامل مع جلال الموت وسمت الحزن بعكس الحال فى القاهرة عندما فاجأ شعب مصر العالم بتحضره التلقائى فى تشييع جنازة الرئيس جمال عبد الناصر من خلال جنازة ضمت الملايين الذين انتظموا على إيقاع اللحن الجنائزى: «الوداع يا جمال يا حبيب الملايين .. الوداع»، وقد قالت الصحف الثلاث الصادرة فى القاهرة آنذاك إن هذا اللحن وليد الصدفة وحزن الجماهير، لكن حقيقة الأمر أنه فى اليوم السابق للجنازة كتب كلمات أغنية «الوداع» وارتجل لها لحناً الأستاذ الدكتور عبد الرحمن عرنوس الأستاذ بمعهد الفنون المسرحية ومدرب فرقة «شباب البحر»، وهى فرقة فنية من أبناء بورسعيد المهاجرين، وقد طافت تلك الفرقة بشوارع القاهرة، وهى تردد الأغنية التى سرعان ما انتشرت فى طول البلاد وعرضها.

    مات عبد الناصر .. وتمنى الكثيرون أن تموت معه أكاذيبه وفتنه وضلالاته وظلمه، لكن كان لكهنة «الكهف الناصرى» رأى آخر؛ فقد أخذوا على عاتقهم استخراجها من قبور العفن ومزابل التاريخ، وحقنها بماء الحياة .. لم يكن الهدف هو شخص الرئيس عبد الناصر لكن كان الهدف دعم «النموذج» الذى يمثله، والذى أصبح «أيقونة Icon» للأنظمة العسكرية الديكتاتورية والقمعية فى دول العالم المتخلف!!

السادات والانحناء
لـ «صـنم ناصر» :
ــــــــــــــــــــــــــــ

مات عبد الناصر، وانتقلت مقاليد السلطة بسلاسة إلى نائبه أنور السادات عبر استفتاء روتينى غابت عنه مشاركة الجماهير بعد أن خدع السادات الدوجما المتحكمة في مفاصل الدولة، وأقنعهم بأن القيادة ستكون جماعية، وأنه لن يصدر قرار بمفرده، وإنما عليهم أن يصدروا القرارات لينفذها هو .
كان على صبري يرى أن فترة السادات مجرد فترة انتقالية لن تطول وأن المناخ بعدها سيكون مهيئاً له بعد فشل السادات في الرئاسة، وسوف يجعل الجيش يتقبله بعد أن كان رافضاً إياه .

    .. وفى يوم 14 أكتوبر 1970 ذهب السادات إلى مجلس الأمة لحلف اليمين الدستورية لرئيس الجمهورية، وقبل أن يدخل إلى القاعة انحنى أمام تمثال عبد الناصر.

    .. ودخل إلى القاعة ليعلن للجميع أنه جاء إليهم على ما أسماه «طريق عبد الناصر» .. أصاب تصرف السادات الجميع بالصدمة وتباينت ردود الأفعال التى وصفته بأنه بدأ أسوأ بداية لحاكم، وبين من ارتأى فى التصرف درباً من دروب الوفاء، وارتأى البعض فى التصرف وثنية لا تجوز شرعاً، بينما ارتأى البعض أنه تصرف طبيعى من «بهلوان سياسى»، وقال قائل إنه: «ابن حنت»، وقال البعض إنه: «حشاش .. يلعب بالبيضة والحجر» .

    أضاف تصرف السادات هماً إلى همومى وأحزانى الشخصية تمثل فى حالة من الندم أوجعتنى؛ فقد استحضر ذهنى صورة خالى ناظر المدرسة الإعدادية بتلوانة، وهو يحمل على صدره صنم عبد الناصر، وقد أصاب الاتساخ هندامه .. وكيف أننى أساءت الظن بالرجل الذى أراد «التقية»؛ ليدفع بها عنا شروراً ؟!!

   .. فهذا رئيس الجمهورية بكل سلطاته وصلاحياته ينحنى لصنم عبد الناصر خوفا ممن تركهم وراءه من زبانية «القطيع النكساوى» الذين أسماهم «مراكز القوى» بعد الإطاحة بهم فى انقلاب سلمى من داخل النظام فى 15 مايو 1971 .. وظلت كلمات الاعتذار لخالى شوكة فى حلقى لم أستطع ابتلاعها .. ولم أنطقها .. ولم أسترح من وخزات آلامها الموجعة.

     وفي أجازة صيف  1976، وبعد حصولي على شهادة ليسانس الآداب عدت إلى تلوانة.. فى ذلك الوقت كان قد صدر كتاب بعنوان «الأسرار الشخصية لجمال عبد الناصر» التى رواها محمود الجيار السكرتير الشخصى، وكتبها ضياء الدين بيبرس، وبينما كنت أقرأه جاء إلى دارنا خالى محمد وعندما شاهد غلاف الكتاب سألنى:

    ـ الجيار بيقول إيه ؟!، وقبل أن أرد أجاب: «هل قال عنه إنه حمار ضيع البلد ؟!» .

    قلت:

     ـ لا، لم يقل .
   
    كان الرئيس السادات قد أعطى الضوء الأخضر لانتقاد سياسات عبد الناصر والهجوم على شخصه والطعن فى ذمته والسماح لبعض ضحايا التعذيب فى سجونه باللجوء إلى القضاء لتحريك دعاوى التعذيب .. وانطلقت الألسنة والأقلام تنبش قبر الزعيم وتنهش لحمه !!

     وأخذت أعقد المقارنة بين معتقد الأمس فى ظل «لعبة الحاكم الفرد» الذى جعل جميع العلاقات والمشاعر والأحاسيس مراقبة، وأحصى على الناس أنفاسها، ورأى اليوم فى ظل «نفس اللعبة» مع تغير طفيف فى قواعدها نتيجة تغير شخص اللاعب الذى أطلق الألسنة من عُقلها فى أجواء من «حرية الثرثرة» و«ديمقراطية الضجيج» دون تغير ملموس فى واقع الحال، ووجدتنى أبحث دقائق حالة تصيب معادن بعض الرجال؛ فتتلوّن الجلود وتتبدل أقنعة الوجوه وتتغير الآراء، تلك الحالة التى يطلق عليها البعض زوراً مسمى «الحكمة».. لكنها أهم تداعيات قهر الرجال فى «زمن الخوف» .


     ***

    كنت قد غادرت تلوانة إلى القاهرة فى منتصف سبتمبر 1972 بعد أن وصلنى خطاب الالتحاق بكلية الآداب ـ جامعة القاهرة .

     .. غادرت تلوانة ، ولست مديناً لأحد بمال أو بفضل؛  .. لذا فأنا أكتب للناس كافة ما أعتقد أنه الحقيقة .

     .. والحمد لله على فضل الله، والحمد لله على نعمه التى تتم بها الصالحات وتتنزل البركات، والحمد لله على رحمته التى بها أوى وأغنى وهدى .. الحمد لله رب العالمين.