الأربعاء، مارس 22، 2017

كتاب حرب المعلومات ، ياسر بكر بصيغة Word

كتاب حرب المعلومات ، ياسر بكر بصيغة Word 


  الكتاب بصيغة pdf على الروابط :



وعلى الرابط :
وعلى الرابط :



المقدمة :

 « ستكون أجوفَ؛ لأننا سنعصرك حتى تصبح
 خـــواء من كـل شـيء، ثم نمــلؤك بذواتنا »

                                  جورج أورويل ـ رواية 1984



    هذا الكتاب كما يُفهم من العنوان الذي يحمله غلافه، والذي يكشف ـ مثل عنوان أي كتاب ـ عن توجهات مؤلفه ومضمون صفحاته، وفحوى محتواه .. هو كتاب يندرج تحت تصنيف ما يُسمى بكتب « القصص الكبيرة Big Stories »  تلك الكتب التي تعني بحدث بعينه، أو ظاهرة بذاتها، وتحاول تتبع جذورها الضاربة في طول التاريخ، وعرض الجغرافيا باعتبارها ظاهرة متدرجة ومتطورة في مسار تاريخي ويمكن رصدها والتنبؤ بتداعياتها المستقبلية، وتصنيف حالاتها وأنواعها، وإدراجها في أنساق معرفية من حيث النشأة، والتكوين، والتنامي والأسباب، والبواعث، والوسائل، والغايات، ومراحل تطّورها، وازدهارها واتساع دائرتها في امتداد أفقي، أو تراكم أطوارها في بناء رأسي.. أو انتكاسها، وتآكلها وانقراضها عبر الأزمان، وباختلاف ظروف المكان، وأحوال البشر، أعني الأوضاع السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمادية، والروحية .

   .. وفي كل الأحوال غالباً.. وعلى مدى التاريخ تقريباً، تؤكد الدراسات أن الحدث أو الظاهرة لا تنمو وتزدهر إلا في ظل بيئة حاضنة، وظروف تاريخية مواتية تحفز على اتجاه داعم لها من التشجيع والمساندة المجتمعية، وفى المقابل ـ أيضاً ـ تسقط وتنحسر عندما يدرك الجميع عدم جدواها؛ فيديرون لها الظهر؛ لتصبح في الذاكرة الإنسانية مجرد محاولة في تاريخ التطور الاجتماعي، أو تجربة خاطئة في دورة الحضارة الإنسانية.

    .. وهذا الكتاب يعرض بين سطوره لقصة «التلاعب بالوعي والإرادات والتحكم في عقول البشر من خلال عمليات التضليل المعقدة والمُخطط لها»، وهى قصة تتخللها علوم التاريخ والسياسة والأديان والاقتصاد والفلسفة والتعليم والإعلام والفن والتكنولوجيا وعلم النفس الاجتماعي، وعلم النفس الجماعي*(1)، وتعتمد على اكتشافات عديدة، وتاريخ طويل من تطور الوسائط*(2)، وتعايشها ومجادلاتها فيما بينها Media debates  واندماجها في شكل الوسائط المتعددة Multi Media عبر التاريخ،* (3 ) .. بداية من البلاغة باعتبارها فن الاتصال الشفهي، ثم الصور وخاصة التماثيل التي اتخذت شكلاً مهماً من أشكال الاتصال والدعاية في العالم القديم باعتبارها وسيلة نقل المعلومات والإقناع .. ومع اختراع الكتابة كان الاتصال بالمخطوطات، وكانت البلاغة المكتوبة، وبدأت وسائط القلم والحبر والرسم، ومع اختراع الطباعة ظهرت البلاغة المطبوعة والكتب والصور المطبوعة، وفي بداية القرن التاسع عشر ظهرت الصحف.. وبدأت سمات ما أطلق عليه بندكت أندرسون لاحقاً اسم: «الجماعات المتخيلة Virtual Communities»*(4) وهي الجماعات التي لا تربط بينها صلات وشائجية سوى أنهم يقرأون ذات النص في أنٍ واحدٍ، أو تجمع بينهم اهتمامات وأفكار ومشاعر واحدة، وتلى ذلك إدماج الوسائط النصية ووسائط البث السمعي، والبصري وصولاً إلى الإنترنت وفضائه الافتراضي أو المُرمز أو المُخلق وهو العالم الذي يبدو بمجرد دخولنا إلى الإنترنت والتفاعل مع معطياته Cyberspace*(5)  .
    .. و« حرب المعلومات» مثل غيرها من الظواهر القديمة قدم الإنسانية التي أُريد لها الاستمرار إلى يومنا هذا، وإن اختلفت التسميات*(6) وتغيرت الغايات وتعددت الأساليب وتنوعت الوسائط والتطبيقات؛ فالمعلومات ليست اختراعاً عصرياً، فهي الاحتياج السادس للإنسان بعد الهواء، والماء، والطعام، والكساء، والمأوى، وهي المورد الرئيس الذي بدونه لا يستطيع الإنسان استغلال أي مورد آخر؛ فمن يمتلك القدرة على تطبيقات المعلومة يمتلك بعض القوة، ومن يتحكم في تدفق المعلومات، يمتلك بعض السلطة التي تمكنه من أن يُحكم السيطرة على بعض مقدرات الآخر.

   .. وقد عني هذا الكتاب بقصة « حرب المعلومات »  على مدى التاريخ المكتوب، .. والتاريخ كما يقول بعض المشتغلين بالتأريخ هو : « نهر الزمان المرتبط بالماضي والدائم التدفق »، بينما يرى آخرون أنه: « الحدوث في نهر الزمن »، وكما يقول العارفون من أهل اليقين المؤمنين برسالات السماء : « التاريخ هو المسار الجبري الذي حدده الله لعباده » .. في كل الأحوال نحن وحاضرنا بكل أحواله وظروفه وملابساته نتاج الماضى كله لا بعضه؛ بينما يرى ميشيل فوكو في نظريته عن «التاريخ المنعكس »  أن الحاضر هو الذي يحدد قيمة الماضي ويصوغ ملامحه.. وليس هناك تعارض بين الطرحين عن أهمية الماضي سوى زاوية ثنائية علاقة الماضي بالحاضر أو الحاضر بالماضي؛ لذا كان الاهتمام بتسليط الضوء على الأحداث الهامة التي تم توظيف المعلومات في إحداث وقائعها ودفع مجرياتها لتشكل محطات مفصلية في حركة التاريخ؛ لأن الحدث هو غالبا محصلة لأسباب والسبب أهم من المحصلة لأنه صانع لها . .


لماذا هذا الكتاب ؟!
ـــــــــــــــــــــــــــــ

    آن الوقت لأن نقف ونعترف في شجاعة وحزم: « بأننا نعيش خارج العصر» .. وأن عصر التلقائية والعشوائية والخرافة والأساطير قد ولّى، وأن النظرة العلمية للأمور، والأسلوب العلمي في التفكير، والتناول لمختلف مناحي الحياة هما الكفيلان بضمان أمن المجتمع ومناعته، واستقراره واستمراره وتقدمه ورفاهيته وقدرته على الدفاع عن ذاته .. بدون ذلك يصبح الحلم بمجرد البقاء في المستقبل أمراً مشكوكاً فيه .

.. ولهذا كان دافعي لإصدار هذا الكتاب ثلاثة أهداف:

     1 ـ محاولة الدفاع عن حقوق الإنسان العربي في المعرفة، والتصدي لحملات التضليل الإعلامي، ومظاهر الغوغائية الثقافية المتفشية التي تستهدفه ليل نهار.. فقد ظل المواطن العربي لقرون طويلة آخر من يعلم!! .. فهو مستهدف من الآخر .. مغلوب على أمره .. مسلوب إرادته .. مستولى على مُقدراته .. مُتلاعب في مصيره؛ فمصادرة الحريات هي القاسم المشترك الذي يوضع على رأس كل قائمة من قوائم آليات التعامل مع الشعوب العربية المسلمة؛ ليفرضوا عليها الجهل والخضوع والخنوع؛ سواء كان الحاكم محتلاً أجنبياً أو من بني جلدتهم مدسوساً عليهم؛ حتى لا تعرف الشعوب ما يجري في الخفاء وبين الدهاليز والكواليس وما يدبر لها من جرائم بليل.

   .. لم يأت وضع تلك القوائم على سبيل المصادفة؛ فقد تمت صناعتها بإتقان، وعن قصد، وباتفاق يفرض على المواطن العربي الجهل بواقعه؛ فلا يعرف أسراره أو أسبابه .. مُحرم عليه اختراق سطحياته، وأن ينفذ إلى أعماقه ليعرف ما يجري هنالك، .. مُحجور عليه بجدار سميك كي لا يرى الخلفيات، وما تحجب وراءها من تحركات وشخصيات وفاعاليات .. كان تضليل المواطن العربي بأساليب متقنة يختفي بعضها وراء ذرائع مُعلنة أهمها:

    ـ المصالح العليا للبلاد .. وكلها مدموغة بخاتم « سري للغاية »، فخزائن الأسرار في بلادنا دائما مغلقة، ومدفونة في قبور يصعب النبش فيها، ولأجل غير مسمى، ولا تفتح أبداً لأسباب أكثرها مزيف وأقلها حقيقي .. منها :

   ـ الحفاظ على الأمن القومي .. وبث المخاوف عن عدو متوهم، بما يستوجب إنفاذ مقولة نيتشه « عيشوا في خطر »  في كتابه بعنوان: «هكذا تكلم زرادشت »، والتي اتخذها ـ لاحقا ـ كل من الفاشي والنازي، ووزير إعلام النازي جوبلز للإيهام بوجود عدو متخيل؛ بما يستوجب حالة من الاستنفار لمحاربته، وما يتبع ذلك من سلوك الأزمة، وما يرسخ في الثقافة من آثار الشعور الدائم بالخطر وانعكاساته في أزمة الأخلاق.

  .. ورغم أن مفهوم الأمن القومي العربي حتى الآن غير محدد المعالم؛ فلم يتبلور المفهوم لكي يصير حقلا علميا داخل علم السياسة تطبق عليه قواعد نظرية المعرفة، بدءا من وضع الفروض، وتحديد مناهج البحث الملائمة، واختيار أدوات التحقق العلمي، وقواعد الإثبات والنفي، وإمكانية الوصول إلى نظرية عامة والوصول إلى قانون يحكم ظاهرة الأمن القومي العربي، وما يتم تداوله هو عبارة عن ترجمات حرفية منقولة من اللغات الإنجليزية (National security) أو الفرنسية (Securete Nationale ) أو الروسية أو العبرية؛ وتلك المصطلحات قد بدأ تداولها مع نهاية الحرب العالمية الثانية، حينما أنشئ مجلس الأمن القومي الأمريكي عام 1947 وتمت صياغتها على أساس توحد القيم الأمريكية مع الغايات الأمريكية في عالم مابعد الحرب، وكذلك الرد السوفييتي على تلك الممارسات في إطار الحرب الباردة أو المفاهيم التوراتية التي صاغها الكيان الغاصب لأرض فلسطين .

   ** « فالأمن القومي »  في دائرة المعارف البريطانية يعني:

                     «حماية الأمة من خطر القهر على يد قوة أجنبية».

   ** والأمن القومي من وجهة نظر هنري كسينجر وزير الخارجية الأمريكي الأسبق يعني:

       « أي تصرفات يسعى المجتمع عن طريقها إلى حفظ حقه في البقاء ».

   . .. ولم نجد تحديداً دقيقاً لمفهوم الأمن القومي العربي، ففي ميثاق جامعة الدول العربية والذي وضع عام 1944 وأنشئت الجامعة على أساسه في مارس عام 1945 نجده قد خلا تماماً من أي إشارة، لذلك لم يأت ذكر لمصطلح « الأمن القومي العربي» « رغم التوسع في استخدامه بشكل مفرط ومُسف، وتداوله عبر مختلف قنوات وسائل الاتصال، بصورة تجعلة يحمل الكثير من المضامين والدلالات المتضاربة والمتناقضة، والتي تحمل في الأصل هموم وتطلعات مستخدمي هذا المصطلح بشكل يغلب عليه التقدير والبعد الذاتي للأمن القومي» .

   بما يجعل المصطلح معقداً وغامضاً وغير مفهوم وغير متفق عليه، رغم أن الله سبحانه وتعالى قد أهدى مفهوم « الأمن »  في القرآن الكريم في قوله - سبحانه وتعالى -: «فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِنْ جُوعٍ وآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ*». فالأمن هو ضد الخوف، والخوف بالمفهوم الحديث يعني التهديد الشامل، سواء منه الاقتصادي أو الاجتماعي أو السياسي، الداخلي منه والخارجي، لكن الفكر السياسي العربي مازال غافلاً عن المفهوم القرآني لمعنى الأمن، غارقاً في سفسطات منقولة عن الآخر، ولم ينتهِ بعد إلى صياغة محددة لمفهوم  «الأمن القومي العربي» تواكب تحولات المناخ الإقليمي والدولي وتوازناته وانعكاسها على تصور وأبعاد هذا الأمن، وإن هذا الموضوع ما زال مطروحاً للتحليل ومفتوحاً للمناقشة رغم كل ما كتب عنه.

    وكلا الأمرين ( المصالح العليا والأمن القومي ) يحظيان بعناية فائقة من النظم القائمة .. ومن العناصر التي تستخدمها تلك الأنظمة المتتابعة للحفاظ اليومي علي نظام السيطرة تلك الأساطير التي لا غنى عنها لتأمين « الخضوع الشعبي » .. والتي أسماها جورج أوريل في روايتيه «العام 1984» *(7)، و « مزرعة الحيوان»: « الأساطير الرسمية» للتلاعب بوعي الشعوب .. والتي رأى أوريل أن وسيلة التلاعب الرئيسية بالوعي يتم من خلال خداع اللغة؛ بابتكار لغة جديدة تتغير فيها معاني الكلمات المعروفة، وتختلف في مفاهيمها عما نعرفه، ويتم وضع المعاجم لتلك اللغة المراوغة، وأطلق عليها هربرت أ . شيللر في كتابه بعنوان: « المتلاعبون بالعقول   The Mind Managers » الأساطير الخمس التي تؤسس لبنية ومضمون عمليات التلاعب بالعقول و « الوعي المعلب » ، والتي أسماها سيرجي مورزا / قرة في كتابه بعنوان: « التلاعب بالوعي »  أساليب تكوين الإنسان الزومبي Zumbi، وأسماها د . فليب تايلور « قصف العقول » في كتابه الذي حمل في نسخته الأصلية اسم : « Munitions of the Mind, War Propaganda form the ancient world to the nuclear age »، وأسماها نعوم تشوميسكي « الأوهام الضرورية »  في مؤلف بعنوان: « الأوهام الضرورية: أساليب التحكم في المجتمعات الديمقراطية Necessary Illusions: Thought Control in Democratic Societies »، وفي مؤلف ثان بمشاركة إدوارد هيرمان بعنوان: « صناعة الإجماع consent manufacturing »، وفي مؤلف ثالث بعنوان: « الإستراتيجيات العشر للتلاعب بالشعوب بواسطة الإعلام 10 Strategies of Manipulation by The media »، والتي أسماها ادوارذ بارايز Edwards Barays بـ « هندسة الموافقة » Engineering Of Consent .

   2 ـ  محاولة فضح أساليب « التلاعب بالعقول »، لدى القارئ العربي بصفة عامة، والمصري بصفة خاصة، وإذكاء إرادة المقاومة لديه عبر بناء عقلية تمكنه من معالجة نقدية للآراء المطروحة، والقضايا المثارة، وتنمية وعيه حتى يمكنه أن يستوعب بإرادته الحرة الأحداث والمفاهيم القديمة، وما يستجد من ظواهر اجتماعية وتعليلها قبل تكيفه معها، ولا تكون الظاهرة مفهومة ـ بالمعنى العلمي لهذه الكلمة ـ إلا إذا توصلنا لمعرفة أسبابها.

   3 ـ  إعداد المتلقي العربي ليستطيع التمييز والفهم والتعامل مع أربعة مسائل هامة :

   أولا: رفض كافة الأساليب غير القانونية وغير المشروعة التي تمارسها السلطة والتي أصبحت مُجرمة بالقوانين الدولية التي جعلتها من الجرائم التي لا تسقط بالتقادم للسيطرة الاجتماعية من قمع وتعذيب وسخرة، باعتبارها ثلاثة أشكال لميكانزم السيطرة علي الجسد عبر فرض القيود على حيز وجوده وتطويعه بالإيلام والإرهاق الجسدي، والإذلال النفسي، والحرمان من أبسط الحقوق والمتطلبات؛ بغرض السيطرة على روحه وعقله للتحكم في سلوكه، وهي الوسائل التي يعتبرها مشيل فوكو تمثل فن إمساك الحياة في الألم؛ وذلك بتقسيم الموت إلى ألف موتة وتحقيق التوصل إلى أشد حالات الجزع قبل أن تتوقف الحياة .

    ثانياً: تنمية القدرة على تمييز المعلومات التي يقطر منها السم المجهز لينفذ إلى عقله، وينبذها بعيداً  إذا ما بدأت عمليات التلاعب بوعيه .

   ثالثاً: فهم مقاصد الطباخ الذى يطبخ له السم، ومساعدته على تخطي القوالب الجاهزة التي أصبحت من مسلمات الفكر السائد والتصدي لفضح الأكاذيب حتى لا تصبح اللعبة أحادية الجانب،  بينما المتلقي الغافل يسير باتجاه الهاوية مغمض العينين .. فالنظم الاجتماعية في سيطرتها على الفرد تعتمد على السيطرة على جسده من ناحية، وتصرفاته وأفعاله من ناحية أخرى، ودائما ما تبدأ السيطرة الاجتماعية بالقمع؛ فإذا ما انتظمت قطاعات كبيرة من الناس في تنظيمات فالبديل الجاهز هو « التلاعب بالوعي»؛ عبر تبنى الأساليب المنظمة والمدروسة التي تعتمد على الجذب ( بدلاً من القسر والإكراه ) للسيطرة الطواعية على تصرفات وأفعال الأفراد عبر الإقناع، وتشكيل العقول للوصول إلى حالة من الهيمنة تسهل فعل التحكم والقيادة التي تعد من أهم آليات ومظاهر السلطة .

    .. وبذا تنتفي الحاجة إلى اتخاذ تدابير اجتماعية بديلة لإرضاء الجماهير، ولـ « التلاعب بالوعي »  حدوده في المجتمعات الديمقراطية حيث تبدو خيوط السيطرة الاجتماعية والهيمنة السياسية دقيقة للغاية وغير مرئية، أما في البلاد التي يمارس فيها الحاكم « لعبة االحاكم لفرد »  فلا مشكلة؛ فهراوات الجنود، والقتل في الشوارع أهم بكثير من « التلاعب بالوعي »، الذي يبدو في نظر الديكتاتور إضاعة للوقت، ونوعاً من الترف لا يستحقه المضطهدون الغارقون في البؤس إلى آذانهم !! .

   رابعاً: هو محاولة الإجابة عن السؤال الذي أرّقني وأقضّ مضجعي وأطار النوم من عيني لسنوات طويلة من عمري، وهو: « لماذا لا يدخل إلى صفحات كتاب التاريخ في وطننا العربي سوى الصنائع والعملاء وخونة الوطن ؟!!»


القمع ، و« التلاعب بالوعي »:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  
 القمع هو كبت الفرد وإخضاعه كلية*(8) وفي معجم المعاني ـ الجامع والوسيط ـ تأتي كلمة « قمَع الشَّخْصَ » بمعنى أبْعدَه عمَّا يُريد، زجره وردَعَهُ ، قَهَره .

   .. ودائما ما يأتي القهر والقمع على رأس أولويات الحكم..، وغالبا لا يعدم الطغاة الوسيلة لتبريره، ودائما ما يأتي التلاعب لاحقا.. يرى ز . فرييرى خبير وسائل الإعلام الجماهيرى أنه:

 « قبل استيقاظ الشعب لا وجود للتلاعب، بل يوجد قمع شامل، ما دام الواقع يقمع المظلومين؛ فلا حاجة إلى التلاعب بهم»  *(9)

   كان من أول الكتب المتخصصة التى صدرت فى سنة 1964 في مجال التلاعب بالوعى هو كتاب عالم الاجتماع الألمانى جبربيرت فرانك «الإنسان المتلاعب به » ، والذى عرّف عملية التلاعب بأنها تأثير نفسي ينفذ سراً يضر بأولئك الأشخاص الذين يوجه إليهم .. وأبسط مثال على ذلك هو الدعاية.

     ويقول شيللر :

    « لتحقيق نجاح عملية التلاعب، يجب أن يظل غير ملحوظ، ونجاح عملية التلاعب مضمون حين يؤمن المتلاعب به بأن كل ما يجرى حوله طبيعى ومحتوم، باختصار يحتاج التلاعب إلى واقع مزيف لا يُلحظ فيه وجوده إنه لا يحرض الإنسان على فعل ما يريده الآخرون، بل يجبره على أن يرغب فى فعل ذلك » * (10)


    .. القمع والقهر أساس الحكم في عرف الطغاة، لا يخجلون من المجاهرة بذلك!!، ولا يعجزون عن إيجاد التبريرات.. فإذا ما برزت الجماهير في إرادة اجتماعية (ولو بصورة فجة) لتغيير مسار العملية التاريخية فالبديل الجاهز هو « التضليل والتلاعب بالوعي» .. أما قبل ذلك؛ فلا وجود لتضليل (بالمعنى الدقيق للكلمة) .. ولا يخجل «المتلاعبون بالوعي» من المفاضلة بين القمع و « التلاعب بالوعى » ؛ فالتلاعب بالوعى ـ من وجهة نظرهم ـ أكثر إنسانية من القمع، ويأتي في مرتبة أخلاقية أعلى من مرتبة القمع.. وحجج الذين يرحبون بالانتقال من القسر إلى التلاعب بسيطة ومفهومة؛ فالسوط مؤلم أما المخدر الروحى فممتع؛ ما دام القوى سيجبر الضعيف على الرضوخ لإرادته فليفعل ذلك بالمخدر وليس بالسوط، إنها صناعة الثقافة الجماهيرية التى تحول الإنسان إلى شخص آلى مبرمج.

       ففى كتابه « سيكولوجية التلاعب » يقول ي. ل . . دوتسينكو :

     « يمكننا أن نتذكر عددا غير قليل من أحداث الحياة التى غدا فيها التلاعب خيراً؛ ما دام يرفع مستوى التعامل من غلبة العنف إلى غلبة التلاعب ـ أى معاملة أكثر إنسانية ـ بالمعنى المعروف»  .

   . . بينما يرى البعض أن التلاعب أسوأ من السوط لأنها تفقد ضحية التلاعب القدرة على الاختيار العقلانى كليا، لأن رغباته مبرمجة من الخارج ويستعيض عن السوط بأداة أشد فاعلية إنها « صناعة التلاعب بالوعي »  التى تشيء الإنسان أي تحوله إلى مجرد شيء .

   .. ويرى باولو فرير أن « التضليل أو التلاعب بالوعي » هو إحدى « أدوات القهر» التي يسعى المستفيدون من خلاله إلى تطويع الجماهير لأهدافها الخاصة .

 نهاية عصر القوة :
ــــــــــــــــــــــــــــــ

    مع الشهور الأولى من بداية الحرب العالمية الثانية ( 1 سبتمبر 1939) بدأ الهمس بين بعض قادة الجيوش الميدانية، وبعض القادة السياسيين وبعض الأكاديميين عما أسماه البعض بـ « أفول عصر القوة»  و « تدني فائدة الحرب»؛ نظراً للتكاليف الباهظة جداً للحروب التقليدية قياساً بالمردود المتوقع حتى في حالات الانتصار، فالحرب التقليدية واسعة النطاق ـ أى الحرب على نحو ما تراها حاليا القوى العسكرية الرئيسية ـ تلفظ بالفعل آخر أنفاسها؛ كرجل أصيب بطلق ناري في رأسه ومازال يحاول السير بضع خطوات، وهو يترنح، ومع الهزيمة المدوية في معركة بيرل هاربر ( 7 ديسمبر 1941 ) بدأ يدخل إلى القاموس العسكري مصطلحات ذات دلالة وصفت حالة أمريكا بأنها « مارد من قش»*(11) .. بمعنى أنه يسهل إشعال النيران فيها فتتحول في لحظات إلى رماد تذروه الرياح، مثلما حدث مع الأسطول الأمريكي الذي تحول في دقائق إلى قطع من الحطام المحترق الغارق في قاع المحيط !!

    .. واستمرت المعاناة، وتفاقمت الخسائر في العتاد وزادت أعداد القتلى، وتفاقم النقص في الإمدادات.. وهي حالة يصعب معها أداء المهام، إلى أن تفتقت العقلية الشريرة عن حسم نتائج الحرب بالسلاح الذري؛ ففي يوم 6 أغسطس ألقيت القنبلة الذرية الأولى على هيروشيما وألقيت في 9 أغسطس القنبلة الذرية الثانية على ناجازكي، واستسلمت اليابان!!
  
     .. لم يكن العلماء القائمون على أمر الأبحاث الذرية يدركون حجم هذا الدمار الهائل الذي خلفته، والذي يعني فناء العالم .. بل إن بعضهم دفع حياته ثمناً لسذاجته العلمية!! وجهله بكثير من الحقائق المتعلقة بتلك الأبحاث!! .. وكانت التجربة الثانية لهذا السلاح على السكان الأصليين لأمريكا من « أمة الشيروكي » ؛ واتضح حجم الكارثة بما لا يدع مجالاً لشك، وبدأ يدخل إلى القاموس العسكري مصطلحات ذات دلالة وصفت السلاح النووي أنه: « مارد مقيد في الأغلال »  لن يطلقه من عقاله إلا مجنون يجازف بحياته قبل أن ينال من حياة خصمه !! .. وبدأت الكثير من الحكومات تستشعر الحماقة لإهدار ثروات شعوبها لامتلاك هذا السلاح الذي لن تجرؤ علي استخدامه!! .. وظهر في القاموس العسكري مصطلح: « الخجل النووي»  .

   ثمة مثال آخر على عدم جدوى الحرب التقليدية، والتي تعتمد على القوات المسلحة الحديثة التي تتسم بطول هياكلها القيادية وببطء إجراءات التحضير للمعركة..  ففي حرب تحرير الكويت لم تستطع الحشود من 23 دولة عالمية وعربية وإسلامية الوصول إلى ميدان القتال والانتشار في مواقعها قبل ستة شهور من إعلان التحالف ( 8 أغسطس ـ 17 يناير ).

    ومن ثم ظهرت مصطلحات ذات دلالة في قاموس المفردات العسكرية الأمريكية مثل مصطلح: « صعوبة نقل القوات »  و « الخدمة الشاقة فى مكان قاص ولمدة طويلة »، و«صعوبات الإمداد والتموين والنقل العسكري»..

   وبعد أحداث 11 سبتمبر 2011 بدأت الولايات المتحدة حربا بالوكالة عما أسمته (الإرهاب) في أفغانستان والعراق ـ .. وأنا لا أميل إلى المجاراة في هذه التسمية وخاصة أن تاريخ الولايات المتحدة قائم منذ البداية على الإرهاب، وهي دولة ذات سجل أسود في مجال حقوق الإنسان، كما أن هذه التسمية ملتبسة ـ منذ تداول المصطلح في القرن 18 ودون التمييز بين الإرهاب وبين النضال في سبيل التحرر والعدالة والقضاء على إرهاب الدول ـ وقد أظهرت تلك الحروب عجز الولايات المتحدة عن حماية مصالحها بل وحماية مواطنيها في مواجهة تهديدات من مستويات متواضعة، تمثلها تنظيمات جهادية محلية مؤسسة على أيديولوجيا، ويُحسن أفرادها استغلال أرض المعركة، ويتميزون بخفة الحركة والقدرة على المراوغة والمناورة ويعتمدون في أدائهم القتالي على الابتكار والإبهار .

   كان الهوان الأمريكي علي يد تلك التنظيمات السبب الرئيس في جعل المخابرات الأمريكية تروج تصوراً وهمياً لحفظ ماء الوجه أسمته « الجيل الرابع من الحروب» .

خطأ مصطلح
 « الجيل الرابع من الحروب »  :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    ليس هناك ما يسمى في واقع الحال بـ « الجيل الرابع من الحروب Fourth Generation Of Warfare »، ولكنه مجرد تصور وضعته المخابرات الأمريكية بالتعاون مع عسكريين أمريكيين لتبرير قصور قدرة هذه المؤسسات على التعامل مع الجماعات الجهادية، التى تعرضت لأهداف أمريكية مع نهاية الثمانينيات ( بعد الانتفاضة الأولى فى فلسطين) وخلال التسعينيات ( أثناء الانتفاضة الفلسطينية الثانية)، .. والفشل في إيجاد تبرير مقبول لهجمات الحادى عشر من سبتمبر ، وعدم القدرة على مواجهة حركة حماس وحزب الله والقاعدة وطالبان، وفشل الأجهزة الأمريكية في حماية أهداف فى الداخل والخارج؛ فبدلا من الاعتراف بفشل أجهزة الاستخبارات فى التوقع بهذه الهجمات، وتغيير قواعد اللعبة وطريقة التعامل، تم الترويج للنظرية الوهمية لحفظ ماء الوجه وتبرير القصور والفشل .

   .. « الجيل الرابع من الحروب » ليست سوى مجرد كذبة، فهي ليست نظرية كما يروج البعض، بل يمكن التأكيد أنه لا تتوافر لها أدلة واقعية أو علمية ترتقي بها إلى مستوى الفرضية !! ..

    وقد ورطت الأجهزة الأمريكية بعض العسكريين والأكاديميين في الترويج للكذبة تحت ضغط إقرار الكونجرس الأمريكي لقانون ـ حاز على إجماع التصويت ـ يلزم الدوائر والمؤسسات البحثية الدولية في الجامعات الأمريكية بإظهار المزيد من الدعم للسياسة الخارجية الأمريكية، وأن رفض الانصياع لذلك القانون يعني من قبل المراكز البحثية وقوعها تحت طائلة حجب المساعدات المالية عن أي جامعة !! مما حدا بالباحثين للخروج من المأزق إلى طرح مثل هذه الأطروحات ـ الجيل الرابع من الحروب ـ كنوع من التلاعب بالوعى بشكل يلقى قبول المتلقي والباحث على حد سواء .* (12)

   .. وقد كتب المفكر العسكري الأمريكي أنطوليو ايشافاريا Antulio Echevarria تقريراً من 30 صفحة في هدم كذبة ـ الجيل الرابع من الحروب ـ بعنوان « حرب الجيل الرابع وأساطير أخرى « fourth-generation war and other myths »  جاء فيها أن الكذبة اعتمدت بالأساس على فهم خاطئ لمخاوف منظر عسكرى ألماني فى القرن التاسع عشر يدعى كارل فون كلاوزوفيتش Carl Von Clausewitz  تحدث عن تخوفه من تطور قوى الأعداء بشكل غير تقليدي يخرج عن سيطرة المواجهة فتتعرض القوى الوطنية للهزيمة، مفترضا أن تحقيق النصر العسكري لا يكون فقط بالصراع المسلح، ولكن أيضا يكون ببناء نظريات لتقييم الاحتمالات المختلفة لاستراتيجيات الخصم، وهو بذلك يدعو لتطوير فكر المواجهة، فتم ترويج الكذبة بواسطة عسكريين وأكاديميين؛ لتصبح نظرية حروب غير تقليدية لإسقاط الخصم، ومن ثم إطلاق مسمى ـ الجيل الرابع من الحروب ـ بدلا من محاولة تفهم مقاصد النص الأصلى لـكارل فون كلاوزوفيتش Carl Von Clausewitz والبناء عليه وخاصة أنه يتحدث عن دعوة للتفكير الإستراتيجي، الذي يخرج عن نطاق المواجهات العسكرية التقليدية.*(13)

    .. لكنني أعتقد ـ وهذا رأي شخصي ـ أن ما جاء في ورقة أنطوليو إيشافاريا جاء في إطار التبرير؛ فجاء العذر مزريا وأقبح من الذنب !!

     فالحروب بالفعل دخلت في طورها الخامس ولكن ليس بالسخف المُضلل الذي يعرضه الأمريكيون؛ فنحن نستطيع أن نتلمس ملامح خمسة أطوار من القتال ممثلة في خمسة أجيال من الحروب ، وبيانها كالآتي:

1 ـ حروب الجيل الأول : وهو نوع من الحروب يقوم على الحشود المتراصة التي تعتمد على استخدام القوة الجسدية والأسلحة البدائية .. ولذا يحلو للبعض أن يطلق عليه ( حرب الجاموس ) لما فيه من تقليد لدفاع قطعان الجاموس عن نفسها في الغابات، ولاعتقاد البعض أن الإنسان تعلم هذا النوع من الحروب من الجاموس؛ حيث يقف قائد القطيع في المقدمة ويقف خلفه على جانبيه مساعدوه من الرديف، ويقف خلفه القطيع في وحدة ونظام مبهر، والجميع ينتظر القرار ببدء الهجوم، بينما يقف في الخلف إناث الجاموس وصغارها .

2 ـ حروب الجيل الثاني : وهو ذلك النوع من الحروب التى اعتمدت على قوة النيران في شكل كرات اللهب التي تطورت لتتخذ شكل مقذوفات البارود وقنابل المتفجرات والقنابل الجرثومية التي استخدمها الأمريكيون ضد السكان الأصليين لأمريكا الحالية .

 3 ـ حروب الجيل الثالث : وهو الحرب الذرية التي بدأت في تطور نوعي مع أواخر الحرب العالمية الثانية بإلقاء قنبلتين على هيروشيما ونجازاكي؛ لتضع لها نهاية بالشكل المأساوي الذي شهدته البشرية .

4 ـ حروب الجيل الرابع : وهو ذلك النوع من الحروب التي لا تخوضها جيوش، ولكن تخوضها تنظيمات جهادية تعتبر نفسها الكيان الرئيسي الصانع لقرار الحرب، وتضع نفسها مكان الدولة مثل حماس وحزب الله وطالبان الذين أوقعوا هزائم ببعض الجيوش .

5 ـ حروب الجيل الخامس : وهي حرب جرائم نظم المعلومات ـ وقـد بدأت بالفـعــل ـ ففي عام 2008 تمكن الروس من شن هجمات إلكترونية على مواقع في أستونيا، ما تسبب في تعطيل المواقع الرسمية والتجارية والصحافية والمالية .. وعاشت أستونيا حالة شلل تام ، فتعطلت محطات المياه والكهرباء والصرف الصحي وأغلقت المصارف وتعطلت الأعمال .

    وفي عام 2010 تعرض البرنامج النووي الإيراني لهجوم إلكتروني، من خلال فيروس « ستاكسنت Stuxnet »  الذي ضرب البرامج المعلوماتية في طهران، وتسبب بعطل في أكثر من 30 ألف حاسوب شمل حواسيب مفاعل « ناتانز » .. وقد أصاب الفيروس ودمّر حوالي 100 جهاز طرد مركزي، ما سبب خللا في برنامج إيران لتخصيب اليورانيوم .

    .. كما نجحت حركة أنانيموس Anonymous (كلمة إنجليزية تعني شخصية غير مميزة؛ مجهول الاسم) في 6 أبريل 2013 من اختراق مواقع في إسرائيل لعدة ساعات .

   .. ومع الساعات الأخيرة من سنة 2016 اتهمت واشنطن موسكو بالوقوف وراء القرصنة المعلوماتية ضد الحزب الديموقراطي، وقامت بترحيل 23 دبلوماسيا روسيا من أراضيها، مؤكدة أنّ الهدف من تلك الهجمة كان «التلاعب» في مسار الانتخابات الأمريكية لصالح المرشح الجمهوري دونالد ترامب.

   .. وأكد تقرير غير سري صادر عن أجهزة الاستخبارات الأمريكية أن روسيا شنت «حملة تأثير» على مسار الانتخابات الأمريكية؛ لترجيح كفة المرشح الجمهوري ترامب أمام منافسته الديمقراطية هيلاري كلينتون وذلك بتوجيهات من القيادة السياسية الروسية.

   وذكر التقرير أن « حملة التأثير» الروسية متعددة الأوجه وأنها تجاوزت اختراق البيانات الخاصة باللجنة الوطنية الديمقراطية التي استهدفت في المقام الأول تقويض الفرص «الرئاسية المتوقعة» لكلينتون، واستعانت في ذلك بحملات قامت بها وسائل إعلام روسية رسمية وشبكات تواصل اجتماعي.

 الحرب النفسية:
وحرب المعلومات
ــــــــــــــــــــــــــــ
    .. وقبل أن نبحر بين ضفتى هذا الكتاب كان علينا أن ندقق ونضبط بعض المفاهيم أو التعريفات الإجرائية التي تقوم على فهم مقومات مانتحدث عنه؛ حتى لا نقع في التباس يخرج بالبحث عن مراميه.. قد يختلف البعض مع تلك التعريفات، ولكن الخلاف حول تلك التعريفات لا طائل من ورائه حيث إنها كلها موجودة في اعترافات بعض « المتلاعبين بالوعي » ، ووثائق بعض الدول التي مارست هذا النوع من التلاعب!!.. وتتلخص تلك المفاهيم في التفرقة بين الحرب النفسية Psychological Warfare وحرب المعلومات Information Warfare؛ فالحرب النفسية هي :

 « نوع من القتال النفسي لا يتجه إلا للعدو ولا يسعى إلا لتحطيم النواحي المعنوية له بجميع الوسائل؛ للقضاء على أية صورة من صور الثقة بالنفس، التي تولد فيه المقاومة أو عدم الإذعان والاستسلام »  *(14)
   
وحرب المعلومات هي:

    « نشاط اتصالي مخطط له لا يحمل عنفاً يوجه نحو العدو ويوجه من السلطات نحو شعوبها ويوجه نحو الشعوب الصديقة .. ويتم تحت غطاء حالة من الرضا يخلو فيها الخطاب من صيغة الأوامر وصفة الاستعلاء ، ولكنه يأتي محملاً بالقيم الزائفة والغرض المخادع والرسائل الكاذبة ذات المغزى عبر « آليات التلاعب » لتقبل الواقع بصورة قد نراها تتعارض مع مصالحنا، وبطرق غير واضحة أو مفهومة وموجهة نحو أمر ما خفيّ على العقل .

    ويبدأ هذا النشاط بخطوات بطيئة وتدريجية عبر عمليات الاعتياد دون صدمة، ولا ألم، ويتدرج هذا الاعتياد؛ ليولد حالة من الاعتياد الخالي من أي أمل في الخلاص أو محاولة تحرر خلاقة .* ( 15)

   .. وحرب المعلومات توجه نحو العدو ونحو الصديق على السواء، .. توجه من السلطات إلى شعوبها، .. وتوجه إلى الشعوب الصديقة أو االحليفة.

    .. حرب المعلومات تُوجه نحو العدو لإقناعه بالتحول عن العداوة التقليدية والصراع المصيري إلى حالة التعايش الطبيعي؛ بانتزاع إرادة المقاومة من العقول، وبالتالي انتزاع الأسلحة من الأيدي، والاستسلام لمرحلة الاسترخاء، والقبول بالأمر الواقع (مثلما حدث في معالجة الصراع العربي ـ الإسرائيلي من إقناع صاحب البيت أن يتعايش مع اللص.. وأن يقبل ما يلقيه إليه اللص من بقايا الطعام !! ).

   .. وتُوجه أيضا من السلطات إلى شعوبها من أجل الحفاظ على السيطرة الاجتماعية؛ لتلقى تلك السلطات قبولاً من الجماهير وتحظى بالتفافها حولها ويقلل من حجم المعارضة لها .


     .. وتُوجه نحو الشعوب الحليفة لخلق حالة من الجاذبية لقيم ورموز وثقافة وسلوك شعبها وأنماطه في الاستهلاك، بما يحقق منافع الدولة التي تمارس هذا النوع من التلاعب ومصالح شركاتها بما يدعم اقتصادها.

    .. وتهدف حرب المعلومات إلى التحكم في الوعي، فتحول الإنسان إلى مجرد شيء، .. أو على حد وصف سيرجى قرة / مورزا مجرد زومبي*(16) Zombie أو على أليق وصف مجرد روبوت!!

   .. ويتفق الجميع على أن الذين يمارسون ذلك النوع من النشاط ليسوا أكثر من فئة من المضللين الذين يطلق عليهم : « سائسو العقول ».

    .. وسنتاول بالتفصيل لاحقاً بعض التعريفات الإجرائية وليست الشاملة التي تعني بمقومات الظاهرة التي أفلتت عفوا من بعض من مارسوا هذا النشاط، أو بعض ممن انتقدوه، أو بعض ممن حاولوا إلقاء الضوء على ممارسته .

حرب المعلومات
وجرائم نظم المعلومات:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

     كان هذا تعريفا مختصرا لـ «حرب المعلومات» ، وهي تختلف تماماً عن « جرائم نظم المعلومات Cyber Crimes » ؛ فجرائم نظم المعلومات تعني:

    « تعني أن تلك الحرب حال وقوعها سيحاول كل من أطراف الصراع إلحاق الضرر بالآخر من خلال إتلاف المعلومات أو السطو عليها وإساءة استخدامها، بما يلحق الضرر بالضحية أو يحقق للمعتدى فوائد لا يستحقها .. بمعنى أن أطراف الصراع سيحاولون تحقيق التفوق في مجال المعلوماتية على الأطراف الأخرى، فسيحاول كل طرف تدمير البنية المعلوماتية التحتية من شبكات ومراكز اتصال وإفساد قواعد بيانات الأطراف الأخرى وإتلاف البيانات المخزنة، ومحاولة ممارسة التجسس الإلكتروني والتنصت على الاتصالات، وسيحاول كل طرف ابتكار وسائل أحدث وأكثر فاعلية لكسر الشفرة التي يستخدمها الطرف الآخر في حماية معلوماته واتصالاته»  *(17)

     .. وتعد  « جرائم نظم المعلومات » من أشد الحروب ضراوة، فيمكن عن طريق الاختراق الإلكتروني لمنظومة سير القطارات إحداث تصادم بين قطارين بما يتسبب في وقوع كارثة، ويمكن أيضا عن طريق اختراق برتوكولات محطات الغاز تفجير الأنابيب بالغلق الإلكتروني لبعض الصمامات عن طريق الخداع المعلوماتي المعاكس لبرامج «التغذية المرتدة Feedback »، ومن الجائز أيضا عن طريق اختراق برتوكولات محطات الصرف الصحي؛ فتغرق المدن في المخلفات، بينما تبدو الماكينات ظاهريا وكأنها تعمل بكامل طاقتها، وتبدو العدادات أيضا، وكأنها في حالة انضباط، وكذلك يمكن إحداث ذلك في محطات المياه، والكهرباء، وقاعدة بيانات البنوك، والطيران .

     ومن جرائم نظم المعلومات التي ترتكبها شركات السلاح الأمريكية وتنطوي على الغش التجاري والانهيار الأخلاقي، هي تقزيم إمكانيات السلاح المُباع لدول العالم الثالث بتزويده بدوائر تعارف تشل فاعليته، وتفقدة القدرة على الحسم في مواجهة الأهداف الأمريكية وركيزتها الأولى إسرائيل؛ بما يعني أن الأمريكيين باعوا الوهم والخردة Junk لحكومات العالم الثالث مقابل استلاب أموالهم ومواردهم والانتقاص من سيادتهم!!

حرب المعلومات
و «الخداع الاستراتيجي » :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    يرى كارل فون كلاوزوفيتش أن  « الخداع الاستراتيجي ٍStrategic Deception»  هو تنفيذ عملية واسعة من الخداع والتضليل المعلوماتي والتحكم في حجم ونوعية المعلومات، والتأثير في تفسير هذه المعلومات لدى العدو، بما يمكن من امتلاك زمام المبادرة وتحقيق المفاجأة، و « الخداع الاستراتيجي » من العناصر الأساسية عند صناعة أي استراتيجية عسكرية .*(18)

   عن « الخداع الاستراتيجي »  يقول سن توز :

     « جميع الأمور المتعلقة بالعدو تعتمد على الخداع؛ فعندما نستطيع الهجوم يجب أن نبدو كما لو كنا عاجزين عنه، وعندما نناور ونتحرك بالقوات يجب أن نبدو خاملين، وعندما نقترب يجب أن نجعل العدو يظن أننا بعيدون، وعندما نكون بعيدين يجب أن نجعل العدو يظن أننا قريبون»*(19)

    .. وأيضا يقول:  « في الحرب ، تدرب على الخداع تحت مظاهر وأشكال خادعة»*(20) والتي تلخصها مقولة الفريق عبد المنعم واصل قائد الجيش الثالث الميداني في حرب أكتوبر 1973: « لا نجاح بدون مفاجأة، لا نجاح بدون خداع »*(21)، والمقصود بالمفاجأة هنا هي المفاجأة بنوعيها: الاستراتيجية والتكتيكية .

      وهو ما لخصه ونستون تشرشل رئيس وزراء بريطانيا في مذكراته بقوله:

     « إن الحقيقة غالية جدا، ولذا يجب أن نحميها بجيوش من الأكاذيب »، .. و « جيوش من الأكاذيب » تعني  « الأهداف المخادعة »  التي توظف لصرف نظر العدو عن الهدف الحقيقي؛ فقد كان من ضمن تلك الأكاذيب ـ على سبيل المثال ـ التي استخدمها الإنجليز لخداع الألمان سنة 1940 عندما هاجم الطيران الألماني المملكة المتحدة فيما أطلق عليه معركة بريطانيا، وقام الجيش البريطاني بإسقاط العديد من الطائرات الألمانية، وكان سر تفوق الإنجليز في تصديهم للغارات الألمانية يكمن في اختراع جهاز الرؤية الليلية، ولكنهم لم يريدوا كشف السر؛ لذلك قاموا بضخ معلومات في وسائل الإعلام مفادها بأن جنود مضادات الطائرات البريطانيين والطيارين كانوا يتناولون كميات كبيرة من الجزر، الأمر الذي منحهم بصراً حاداً، ومن هنا شاعت مقولة :  «الجزر يقوي النظر».

    .. وكان أيضا من ضمن أكاذيب  « الخداع الاستراتيجي »  ما أشاعه الأمريكيون في خمسينات وستينات القرن الماضي عن « أطباق طائرة »  من كواكب أخرى، تتحكم فيها مخلوقات فضائية ، ولم تكن تلك إلا طائرات تجسس أمريكية من نوع U2 التي كان يجري تجربتها في ذلك الوقت.

   ومن أكاذيب  « الخداع الاستراتيجي »  ما أشاعه الأمريكيون أيضا عن أنهم توصلوا إلى طريقة لـ « التحكم في الدماغ عن بُعد » ؛ فقد تمكن العالم الألمانى خوسية ديلجادو فى جامعة أتلانتا في بحث بعنوان: «محفز الدماغ عن بعد»  بغرس إلكترودات فى دماغ أحد القرود وإرسال إشارات إلى الإليكترودات المغروسة بمساعدة مرسل راديوى .. وثبت أنه بالإمكان برمجة السلوك الإنسانى من خلال التأثير الخارجى المباشر فى البنية والعمليات البيولوجية مثلاً من خلال غرس إلكترودات فى الدماغ وتحفيز أو تعطيل هذه المراكز أو تلك من مراكز التحكم فى السلوك، .. وهي أكاذيب تفضحه أبسط المعلومات، فالمخ البشري ليس طبق مهلبية أو طبق سلطة، بحيث يمكن غرس إلكترودات فيه دون أن يسبب ذلك خللا في الوظائف الحيوية، فجلطة دموية صغيرة في حجم رأس الدبوس قد تسبب حالة من الشلل من الصعب علاجها!!، فلا أحد يعرف تكوين العقل البشري وكيفية عمله إلا خالقه سبحانه وتعالى .

     ولم يكن ذلك الإعلان سوى للتغطية على تجارب عمليات « غسيل المخ القذرة »  للتأثير فى سلوك الإنسان عبر التدخل الجراحى الإجرامي الفظ، ممثلاً فى الجراحة الفصية بإزالة بعض المراكز فى القسم الجبهى من الدماغ، وأيضا من خلال الاستخدام الإجرامي للعقاقير الكيمائية، والصدمات الكهربائية وغيرها من الممارسات اللا أخلاقية واللا إنسانية المجرمة دولياً.

     .. ولم يكن السوفييت بعيدين عن لعبة أكاذيب  «الخداع الاستراتيجي»، فقد ادعى السوفييت أن لديهم صواريخ عابرة للقارات تحمل رؤوسا نووية، وفي الوقت الذي كان خروشوف يدق بحذائه منصة الأمم المتحدة في حالة من الهيستيريا ( أكتوبر 1960 ) لم يكن لتلك الصواريخ وجود في الترسانة السوفيتية، ولم يكن الخبراء قد تمكنوا من وضع تصميم مقنع لمحرك الدفع أو التحكم في التوجيه.

   .. وأيضا لا تزال فضيحة  « القاهر»،  و « الظافر »،  و«الناصر »  ماثلة في ذاكرة المصريين !! .
     .. كانت هذه بعض الأمثلة على أساليب الخداع التي لم تتوقف على استخدام الأكاذيب؛ فمع إدخال النظام الإلكتروني إلى منظومة التسليح تم استخدام برمجيات  «الخداع المعلوماتي» لـ « برامج التغذية المرتدة Feedback »  واعتبارها من أهم وسائل الخداع الاستراتيجي؛ وكذلك أيضا توظيف عنصر « الهدف المخادع » ، فمثلاً تم تصنيع جهاز لا يزيد ثمنه على 5 دولارات يصدر إشارات صوتية تحمل « البصمة الحرارية » للغواصة بينما لا توجد في الواقع غواصة .. ولكن مع الوقت تبين أنه يحمل في جعبته مخاطر جمة؛ فربما أدت شريحة إلكترونية Sensor في لعبة طائرة مضيئة من ألعاب الأطفال إلى إطلاق صاروخ مضاد للطائرات فوق شواطئ أحد المنتجعات .

صعـوبات البحث :
ــــــــــــــــــــــــــــ

    وقد واجهت صعوبات كثيرة في رحلة البحث لكن أهم المصاعب التي واجهتني هي :

    الصعوبة الأولى:

    عندما بدأت في الكتابة عن  « حرب المعلومات»  كانت المشكلة هي نقص المعلومات؛ فهذا النوع من الأنشطة « معرفة مغلقة »، بمعنى أنه يستحيل العثور على الكتب التدريسية والأبحاث العلمية الجاهزة حول مذاهبها، فالذين يمارسون هذا النوع من الأنشطة ينكرون وجودهم وتأثيرهم، ولا يفصحون عن طبيعة نشاطهم ولا أساليبهم ولا وسائلهم، ولا وسائطهم ولا تكنولوجياتهم .. ولا يفشون أسرارهم أبداً ولا يسمحون للغرباء بدخول مختبرات إبداعهم، وحتى مذكراتهم التي يتباهون فيها بمنجزاتهم التي تهدف إلى إثارة الغبار، وإطلاق سحب الدخان فتزيد الغامض غموضاً أكثر من إلقاء الضوء وتحذير الأجيال القادمة، ولا يفصحون عن بنية عملية التلاعب نفسها وتقنياتها وأساليبها .. ولا يكفون عن تطوير أساليبهم، وتحديثها بل وجعلها دموية في بعض الأحيان ؛ لأنهم يدركون جيداً أن المعرفة بالأساليب من أهم وسائل المقاومة .. وكاد اليأس يتملكني !!.. وكدت أعتذر عن الكتاب .

    .. لكن لفت نظرى أثناء مشاهدتي لمحاكمة الرئيس العراقي صدام حسين (يرحمه الله ) عبر التلفاز أن السيدة الكردية التي استمعت المحكمة لشهادتها عن القصف الكيمائي لمنطقة حلبجة بالأسلحة الكيماوية في سنة 1988 كانت ترتشف الماء بكثرة من قاروة بلاستيكية بين الفينة والأخرى وكل كلمة وكلمة .

    .. وشد انتباهي أيضا أن المذيعين في بعض الفضائيات يضعون أمامهم أكواب الماء ويحتسون الرشفات مع فواصل العبارات وهو سلوك يتنافي مع أدبيات الإعلام التليفزيوني، الذي يعتمد علي تسليط عينيّ المذيع أعلى نقطة في الكادر التليفزيوني على أعين المشاهدين بغرض إحداث التأثير المطلوب، وهو ما يحدو ببعض القنوات إلى استخدام الملقن Teleprompter واسمه المتداول « أوتو ـ كيو Q ـAuto »  وهو عبارة عن شاشة إلكترونية شفافة تركب فوق عدسة الكاميرا يكتب عليها النص المفترض أن يقرأه المذيع !!

    .. استوقفتني الملاحظتان .. كانت السيدة بالتأكيد تكذب!! .. والمذيعون أيضا يكذبون !! استعاد ذهني وقائع جلسة تحكيم بدوي .. استخدم القاضي العرفي فيها « البشعة »  وهى قطعة من الحديد المُحمى بالنار !! .. وكان صلاح نصر مدير المخابرات الأسبق (يرحمه الله) قد كتب عن فكرة « البشعة »  وأنها الأساس العلمى لاختراع وتطوير جهاز كشف الكذب، من خلال التأثيرات الناتجة عن عمليات اختلاق الكذب على الوظائف العضوية للجسد في كتابه بعنوان: « الحرب النفسية الكلمة والمعتقد» ـ جزءان ـ راجعت الكتاب وفوجئت بسيل من المعلومات التي مررت عليها من قبل مروراً عابراً .. أفادتني كثيراً.*(22)

    كان ذلك رائعاً، لكن الأكثر جمالاً من ذلك نصيحة ذهبية قدمها إلىّ أمين هويدى مدير المخابرات الأسبق ( يرحمه الله ) في كتابه « الفرص الضائعة» ، كانت النصيحة هي أن مصادر المعلومات نوعان:

    ـ المصادر المعلنة للمعلومات ونسبتها 80 % تقريباً من جملة المعلومات.
    ـ المصادر المغطاة للمعلومات ونسبتها 20 % تقريباً من جملة المعلومات.
    .. وأن المعلومات من مصادرها المعلنة بها أكثر من 80% من المعلومات الهامة المفيدة، التي يمكن الاستفادة منها لو أحسن فحصها وربطها مع بعضها البعض * (23)

   .. وقد حكى صلاح نصر قصة الصحفي الألماني برثولد جاكوب الذي ضرب مثالاً رائعاً لفاعلية البحث وتحليل المعلومات عبر المصادر المعلنة، والتي اشتهرت في جميع أنحاء العالم في مارس 1935 عندما نشر كتاباً عن الجيش الألماني يحتوي علي كثير من المعلومات السرية، وثار هتلر وبدت القضية في أول الأمر أنها سوف تكشف عن فضيحة جاسوسية سوف تهز الجيش الألماني، وتم اختطاف جاكوب من سويسرا بواسطة عملاء البوليس السري الألماني، ونقله إلى برلين حيث بدأ التحقيق معه عن كيفية حصوله على المعلومات وأجاب الصحفي: « أنه حصل عليها من تقارير نشرت في الصحافة الألمانية، وإعلانات في صفحة الوفيات، وأخبار في صفحة المجتمع »، وهكذا انتهى الاستجواب؛ فلم يكن الرجل جاسوسا بل كان بطل قصة نجاح ساحق حققه رجل مدني في مجال المعلومات، وكانت كل أدواته مقصاً وزجاجة صمغ وملف بطاقات وقدرة علي ترتيب المعلومات والربط بينها وعقلية قادرة على الاستنباط والاستنتاج.*(24)

     .. وأكد تيم واينر المعلومة بذكر معلومة مشابهة عبر روايته عن التحقيق مع أحد الرجال الألمان كان بحوذته كراسة تحوى معلومات اعتبرها الأمريكان سرية .. أكد الرجل أنه لم يفعل أكثر من قص ولصق وترتيب المعلومات المعلنة ووضع كل معلومة في مكانها!!

    وقد أكد الرئيس جيمي كارتر في مذكراته أن: « 95 % من المعلومات السرية تصل إلى العالم عن طريق الصحف » .. وقد رأي البعض أن كارتر مبالغ في هذا الرقم، ولكن خبراء التجسس يعتقدون أنه لم يبالغ كثيراً.(25)

     .. وقد أفدت كثيراً من اطلاعي على صفحات من مذكرات كبير المتلاعبين نابليون بونابرت حملت عنوان: « فن التحكم في البشر »، كما أفدت من كتاب هتلر بعنوان: «كفاحي»، ومذكرات الداهية جوبلز ومذكرات وليبر كراين « حبال من رمل »  ومذكرات كيم روزفلت « الانقلاب المضاد »، ومايلز كوبلند « لعبة الأمم »، وكتابات بعض المتلاعبين بالوعي مثل: باول لينباجر وهارولد لازويل، ووالتر ليبمان، ونعوم تشوميسكي، وفرنسيس فوكوياما، وانطوليو ياشافريا، ومارتن كرامر، وصموائيل هتنجتون، وجون بروكنز، وجين شارب!!.. والتي أخذت عنها بحذر فمؤلفوها لا يزيدون على كونهم مجموعة من المتلاعبين العابثين بشرف العلم!!؛ فعندما يتحدث صموائيل هتنجتون عن: « صدام الحضارات »  يتحدث عن الصدام مع الحضارة العربية الإسلامية والحضارة الهندو ـ صينية، ويردد أحقاد برنارد لويس في ضرورة إفناء العرب، وعندما يتحدث فرنسيس فوكوياما عن: «نهاية التاريخ» فإنه يعني يعني انتصار « الليبرالية الديمقراطية » بما يعني تغوّل « الأمركة »!!

     .. كما أفدت كثيراً مما كتبه وليم شايرر في كتابه بعنوان: « قيام وسقوط الرايخ الثالث .. نهاية ديكتاتور»  عن عمليات التلاعب بالوعي والتي بدأت بحرق الكثير من كتب المفكرين الألمان، ففي ليلة العاشر من مايو 1933 وفي منتصف الليل انتهي استعراض مشاعل قام به الآلاف من الطلاب في ساحة تقع مقابل جامعة برلين، وقذفت المشاعل إلى أكوام من الكتب كدست هناك وتم إحراق 20 ألف كتاب تقريبا، ثم إحكام السيطرة على الفنون، وهو ما يعبر عنه شايرر بعبارته: « وألبس د.جوبلز الثقافة الألمانية قماط الجنون»  ، وتم تغيير مناهج التعليم على عجل وتغيير نظم المدارس وتصفية بعضها بوصفها معهداً للبهلوانات العقلية، وفرض الرقابة على الصحف والإذاعة ..* (26) ويروي شايرر تجربته الخاصة مع عمليات التلاعب بالوعي فيقول :

     « العجيب بل المفزع أحيانا أن أجدني ـ رغم فرصي الكثيرة في معرفة الحقائق ورغم عدم الثقة المتأصل فيما يستمد من مصادر نازية، فإن الاعتياد (على غذاء مستمر )*(27) على مر السنين ( كرور السنين)*(28) من التزييف والتشويه والتزوير يخلف والحق يقال انطباعاً معيناً في عقل المرء كثيراً ما يضلله، لا أحد يستطيع أن يفهم كم من الصعب أن يتخلص المرء من الآثار المرعبة لدعاية نظام ذات طبيعة استمرارية وحساب دقيق، إلا إذا عاش عدة سنين في بلاد يسيطر عليها حكم مطلق توتاليتاري . كثيراً ما وجدتني في منزل ألماني أو دائرة أو في حديث عابر مع غريب صادفته في مطعم أو مقهى ـ أواجه ُ بأغرب التأكيدات والتحليلات من أناس يدل مظهرهم على الثقافة والذكاء، واضح أنهم يرددون ببغائياً قطعة من الهذر سمعوها من الراديو أو قرأوها في الصحف، ويرى المرء نفسه أحيانا يقول ما في نفسه مصححاً وفي هذه المناسبات يجد في انتظاره نظرة استغراب وعدم تصديق أو صمتاً عميقاً كأنما نطق بشتيمة أو كفر بالواحد القهار، فلا يلبث أن يدرك عبث محاولته في إيجاد صلة مع ذهن أصبح ملتوياً، باتت حقائق الحياة عنده كما صورها له هتلر وجوبلز بازدرائهما الحقيقة وعدم الاكتراث بها»*(29)

    وقد شجعني سرد شايرر لتجربته الخاصة على كتابة تجربتي الشخصية.

    .. وأفدت كثيراً مما كتبه الأستاذ الدكتور حامد ربيع ( يرحمه الله) عما عرف في الأدبيات الفرنسية في الستينيات من القرن الماضى تحت مسمى Intoxication ( التسمم السياسي) عبر غرس قيم زائفة وخادعة .

     .. وأفدت كثيراً مما كتبه الأستاذ الدكتور محمد عبد القادر حاتم ( يرحمه الله ) عن إعداده لخطة الخداع الاستراتيجي في حرب أكتوبر 1973 وكيف أفاد من المصادر المعلنة للمعلومات من التصريحات والتعليقات المنشورة في الصحف، وكذلك الكتب الإسرائيلية التاريخية والعسكرية والتقارير والمعلومات الواردة عن المواقف والأنشطة التي يشارك فيها المسئولون الإسرائيليون سواء داخل إسرائيل أو خارجها ، بما مكّن من جمع كم كبير من المعلومات الهامة بهذا الصدد*(30)

   .. ولا يفوتني أن أنوه إلى إفادتي الكبيرة من متابعة عمل « ماكينات غسيل الأخبار»، وما كتبه البعض من تقارير حول بعض أنشطتها ودورها في نقل الأخبار المكذوبة والمعلومات المغلوطة .

    .. وقد كنت يقظاً وحذراً وواعياً لما قد يلقيه بعض المشتغلين بـ « نشاطات تجار الورق»  من الأفاقين والمزورين والنصابين الذين يحاولون الكسب غير المشروع عن طريق محاولة إكساب ما يتردد من المعلومات معلنة سمت الوثائق بما توافر لديهم من مهارات الحاسوب وبرمجيات معالجة الصور.

   .. لذا وجب التنويه بأن هذا البحث في « حرب المعلومات »  سيكون مقصورا على استخدام المعلومات فقط فى التلاعب بوعى الإنسان وسلوكه باستخدام الوسائل المعلنة والقانونية فقط ..

الصعوبة الثانية:
ــــــــــــــــــــــــــ

     وهي أن العقل العربي قد ابتعد منذ عقود عن معالجة القضايا التفكيرية والعقلية والعلمية، مما أضفى بظلاله السلبية على اللغة العربية التي فقدت المفردات المناسبة لبعض ما يتم تداوله من المصطلحات الأجنبية في الاستعمال الشائع؛ بسبب ضعف حركة التنظير اللغوي وإعداد المعاجم والاتجاه نحو إعداد اللغة للترجمة الآلية؛ ولذا أصبح من الصعب إيجاد المصطلح الملائم للغة العربية من جهة، والقارئ العربي من جهة أخرى، وقد انقطعت محاولات التنظير اللغوي بعد محاولات جادة في نهاية القرن 19 قام بها أحمد فارس الشدياق والعلماء المصريون بترجمة 86 مرجعاً في الطب، والتي انتهت بقرار اللورد كرومر في سنة 1903 بتغيير لغة الدراسة في مدرسة الطب من العربية إلى الإنجليزية وتخفيض أعداد المقبولين بها، ومنذ ذلك الحين لم نشهد سوى بعض مبادرات مغربية في مجال التنظير اللغوي وتونسية في مجال المعجمية وسورية في مجال التعريب وبعض محاولات من مهندسي تكنولوجيا المعلومات لصك مصطلحات عربية في مقابل نظيرتها اللاتينية مثل الفضاء المرمزCyberspace والرقمنة  Digitalization والواقع الخائلي Virtual Reality لكاد المشهد اللغوي لدينا يخلو من أي جديد، وقد أكدت تلك المحاولات الجادة ـ بما لا يدع مجالاً لشك ـ على حيوية اللغة العربية ومرونتها في الاشتقاق وخصوبتها وقدرتها على التوليد اللغوي؛ إذا ما تعهدتها عقلية جادة ذات طبيعة علمية متخصصة وخلصت نوايا الإنجاز.

    .. وقد جعلتني هذه الصعوبة أبحث في المحاولات المزعومة لتجديد اللغة العربية لعلي أجد عليها هدى؛ مستعينا بما أتاحته لي من دراية دراستي لـ « فقة اللغات الأوربية Philology » *(31) في كلية الآداب جامعة القاهرة؛ فقد وقفت على محاولة رفاعة الطهطاوي بإدخال بعض من العامية في الفصحى تحت مسمى « ضبط العامية واستخدامها في الكتابة»!!، ومحاولة قاسم أمين باستبدال الفصحى بالعامية، وتسكين أواخر الكلمات عوضا عن الإعراب، واستبدال حروف الكتابة العربية بالحروف اللاتينية، بزعم عدم القدرة على تطويع الحرف العربي بما يتناسب مع منظومة الطباعة، وهو ما كذبته الأحداث، فاليوم نشهد مئات الأبناط والفونتات، التي تستخدم جماليات الخط العربي وانسيابه وتناسقه في منظومة الطباعة .

   .. وقد تيقنت أن تلك الأفكار التي قدمت إلينا في أثواب علمية في ظاهرها، بينما باطنها يتسع للكثير من الأهداف المغرضة، التي لا تمت للعلم بصلة وغير المبرأة من عبث الأصابع القذرة للاستعمار والاستشراق والتبشير لإحكام السيطرة على المستعمرات وتجنيد الجواسيس والاتصال بالعوام من ناحية، ومن ناحية أخرى هدم اللغة العربية، وقطع علاقة العرب بماضيهم والقرآن الكريم وسنة النبي الكريم، وتفتيت وحدتهم اللغوية، ولم تكن مزاعم تجديد اللغة العربية سوى إعادة إنتاج لما خلفته معاهد الدراسات الشرقية في أوربا ( مدرسة نابولي للدرسات الشرقية ـ 1737، ومدرسة القناصل في فيينا ـ 1754، ومدرسة باريس للغات الشرقية الحية ـ 1759 وغيرها من المدارس في المجر وروسيا وانجلترا)، والتي تمت الاستعانة فيها ببعض العرب من الشوام والمصريين، وأنتجت كتابا بعنوان: « أحسن النخب في معرفة لسان العرب »  تأليف محمد عياد الطنطاوي ـ طبعة ليبزج 1848، وكتاب آخر بعنوان: « الرسالة التامة في كلام العامة والمناهج في أحوال الكلام الدارج »  تأليف مخائيل الصباغ ـ طبع في استرازبورج 1886.

    وكانت تلك الكتب النواة لما كتبه الألماني د. ولهلم سبيتا مدير دار الكتب بالقاهرة في كتاب بعنوان: « قواعد العربية العامية في مصر » الذى ظهر عام 1880، وجهود وليم ويلكوكس مهندس الري الإنجليزي، وكتاب بعنوان: «اللهجة العربية الحديثة في مصر» لكارل فولرس مدير دار الكتب أيضا بالقاهرة ـ سنة 1890، وكتاب بعنوان: « العربية المحكية في مصر» لسلدن مور القاضي الإنجليزي ـ 1901 وكتاب بعنوان: « المقتضب في عربية مصر»  من تأليف أ . باول قاض بالمحاكم الأهلية وزميله د. سي . فلوت أستاذ اللغات الشرقية في جامعتي كمبردج وكلكتا ـ 1906 *( 32)

    نثر هؤلاء بذرة النبتة الخبيثة فى تربة الوطن وراح الوكلاء عنهم comprador ممن ابتليت بهم الأمة ممن يطلق عليهم « عملاء الصفوة » بترديد تلك المزاعم دون أن تتوقف لبرهة للتساؤل: لماذا لا يطبقون ادعاءاتهم على لغات بلادهم؛ فالفصحى والعامية موجودتان في كل اللغات الأوربية، ومع ذلك لم نشهد محاولات لإحلال العامية في مكان الفصحى؟!!، ولماذا لم تلق الدعوة إلى لغة الاسبرنتو*( 33) أى تجاوب من المواطن الأوربي !!

     وتتابعت المحاولات التي تنطوي على شبهات.. ففي سنة 1913 كتب أحمد لطفي السيد عدة مقالات في مجلة « الموسوعات»  بعنوان: « مشخصات الأمة » نادى فيها بإصلاح الحروف العربية؛ كي يقرأ القارئون اللغة قراءة صحيحة من غير أن يتعلموا النحو والصرف.*(34 )، وهى محاولة لا تنطوي على أي فهم لطبيعة اللغة العربية وقواعدها وأساليبها وسياقاتها اللغوية وأدواتها التعبيرية.

    وفي سنة 1943 قدم عبد العزيز باشا فهمي في كتابه بعنوان : «الحروف اللاتينية لكتابة العربية « مشروعاً ساذجا » ادعى أنه محاولة لإصلاح الحروف العربية باستبدالها بالحروف اللاتينية كما حدث في تركيا  *(35) تلك المؤامرة على حروف اللغة التركية التي قطعت العلاقة بين المواطن التركي وتاريخه والقرآن واقتلاع الدين بجعل الأذان وتلاوة الصلوات في المساجد باللغة التركية بعد ترجمة القرآن إلى التركية .. والتي قادها مجموعة السان سيمون الأتراك، وكانت رأس حربتهم السيدة لطيفة التي تم دسها على أتاتورك بطريقة مفضوحة؛ فملكته ووجعلته لعبتها ولعبتهم بعد أن قضت سنوات في دراسة متقنة للمخطط في أقبية السربون، فلم يكن يُعرف عن أتاتورك سابقة اهتمام باللغة؛ فالمرأة إحدى أهم وسائل تجنيد العملاء، وتطويعهم لما يُوكل إليهم من مهام والرقابة على أدائهم؛ وهو ما يفسر زواج الكثير من العناصر « الناقلة للعدوى »  من أجنبيات؛ فهولاء النسوة مكلفات بالعمل لصالح مخابرات بلادهن .

    ففي صيف سنة 1928 أعلن أتاتورك عن « البدعة » الجديدة بكتابة التركية بالحرف اللاتيني، وشرع يطوف بأنحاء البلاد حاملاً سبورة وطباشير ليشرح طريقته الجديدة، وجلس الناس في المقاهي ومع كل منهم لوح ارتوازي يعلم بعضهم بعضا، بعد أن حدد أتاتورك يوماً يصبح فيه أي متخلف عن إتقان الكتابة الجديدة عرضة لعقوبات قاسية منها الطرد من الوظيفة والتجريد من الجنسية بل والنفي من البلاد أو الاعتقال في السجون.*(36)


وتبع أحمد أمين نهج عبد العزيز باشا فهمي بكتابة مقالات في مجلة الثقافة، وإلقاء محاضرة بمجمع اللغة العربية، دعا فيها لذات الدعوة التي تنطوي على شبهة بعد أن وقع في حبائل المستشرقين الذين نقل عنهم، ونال على أيديهم المكانة الوظيفية بغير استحقاق والثروة والحضور الدائم في محافل الاستشراق، وهو ما يطلق عليه: « الغواية بالمصلحة »، وتتلخص دعوة أحمد أمين في :

      « أن نبحث أن تكون لنا لغة شعبية ننقيها من « حرافيش »  الكلمات ونلتزم في أواخرها الوقف من غير إعراب، وتكون هي لغة المخاطبات ولغة الكتابة للجمهور ولا تكون اللغة الفصحي إلا لغة المثقفين ثقافة عالية من طلبة الجامعة وأشباههم » *( 37)

     وفي مارس 1945 خرج علينا سلامة موسى بكتاب بعنوان: « البلاغة العصرية واللغة العربية»، وبطريقة وثبات الضفدعة Leapfrogging راح ينتقل مما زعم أنه مسلمات إلى ما توهمه نتائج دون فهم أو روية أو إدراك أنه غير مؤهل للبحث، فكل مؤهلاته الشهادة الابتدائية من إحدى المدارس التابعة لإحدى الجمعيات المسيحية، وقدرة على المجاهرة بالسوء بالدعوة إلى الاندماج في الغرب وقطع العلاقة بالشرق، والزواج من الأوربيات لتحسين النسل، ودعوة ابنه إلى ممارسة الفجور* ( 38) وفي ذات الإطار ادعى أن تأخرنا اللغوي هو سبب من أعظم الأسباب لتأخرنا الاجتماعي، وأطلق ما أسماه بـ « السيادة اللغوية »، وأنها كانت عنصر الحسم في انتصار الإنسان الأوربي المهاجر إلى أمريكا على السكان الأصليين متخطياً السجل الإجرامي للإنسان الأوربي في القتل والإبادات الجماعية .. ووصم اللغة العربية بـ «  اللغة الخرساء »، وأنها ليست لغة « جوية »  أي أنها لا تنقل لنا جو الحديث وشبهها بلغة الكهان، وكرر دعوات من سبقوه . ( 39)

    والحقيقة أنه يمكن تفهم دوافع شخص مثل سلامة موسى يعاني حالة من عدم القدرة على التكيف مع المجتمع الذي يعيش فيه باعترافه في مقدمة كتابه بعنوان: « تربية سلامة موسى » فيقول :

     « إني منعزل عن المجتمع الذي أعيش فيه لا أنساق معه في عقائده وعواطفه ورؤياه، وعندئذ تكون هذه الترجمة التبرير لموقفي من هذا المجتمع، وهو موقف الاحتجاج والمعارضة ، فأنا أكتب لأسوي حسابي مع التاريخ »* (40)

     .. وفي السياق ذاته خرج علينا د . لويس عوض في يناير 1981 بكتابه الصادر عن الهيئة العامة المصرية للكتاب بعنوان: « فقه اللغة العربية » الذي تمت مصادرته بحكم قضائي لمحكمة جنوب القاهرة في سبتمبر من نفس العام .. ولم يستطع د. لويس عوض أن يقيم دليلاً علمياً على ما أورده مكتفيا بكلام مرسل منقطع الصلة بكل ما هو علمي .. خاصة أنه أقحم نفسه في مسألة شديدة الحساسية عندما ذكر في ـ ص 304 ـ من الكتاب أن لفظ « الصمد »   يدل على التثليث!!.. لكون كلمة « الصمد » مأخوذة من « خمتو» المصرية القديمة التي تعني الرقم 3، وزاد من صعوبة موقف الرجل أنه تصدى بالبحث للغتين ( العربية والهيروغليفية ) لا يدري عن دقائقهما الكثير مما يؤهله لإقامة علاقة البحث!!؛ وهو ما دفع بالبعض للترويج أن د. لويس. عوض لم يكتب من كتاب « فقه اللغة العربية »  إلا مقدمته، وأن الكتاب من تأليف القس جورج عطية قنواتي ومجموعة باحثين من الكاتدرائية.

    ولم تكن دوافع د. لويس عوض بعيدة عن دوافع سلامة موسى، وتنحصر تلك الدوافع في عدم القدرة على التكيف مع المجتمع، وإن كان الرجل يغلف ممارساته بغطاء من « ادعاء الأكاديمية »  ومن الأسباب التي أوردها د. لويس عوض في مذكراته بعنوان «سنوات التكوين»  سلبيات النشأة الأولى، والتي قال عنها إن أباه كان سكيراً ومقامراً، وأنه كان دائم الإساءة إلى أمه ليستولي على مصاغها ليلعب القمار، وأن أمه قليلة الحيلة، وأن أخاه يكرهه لأنه يعتقد أنه ورث عداوته، ومع ذلك فهو الذي سيرثه لكونه بدون عقب، وأن اثنين من إخوته ناقصان في قواهما العقلية منهما أخت بلهاء « عبيطة » لم ترقها الحياة مع زوجته الفرنسية التي تعشق الخمر وقطط الشوارع؛ لذا أودع شقيقته ملجأ رعاية المسنين في إحدى الكنائس*(41).

     كلمات د. لويس عوض تفضح حالة التفسخ الاجتماعي والأسري الذي ترك بصماته على حياته؛ فضلا عن متاعبه الوظيفية في الجامعة، والتي لم يقدر على البوح بها لكونه حاصلا على الدكتوراه من جامعة برنستون أكبر مراكز التبشير في العالم*(42) وهو ما صبغ روح العلم لديه بما هو نفعي حمل في طياته عوامل جعلته محكوما بمنطق الصراع.

    هكذا أصبحت تُرهات النيل من اللغة أو اغتيالها مستمرة ومستترة بالغرض والهوى تحت ما يسمى بمزاعم التحديث من غير المختصين ومن الموتورين ..

    لا أُنكر أننا نعاني مما يطلق عليه « الفجوة الرقمية Digital Divide »*(43) في مجال المعرفة، وهي الفجوة بين الدول القادرة على النفاذ إلى مصادر المعلومات واستخدام تطبيقاتها في إنتاج المعرفة واستغلالها في تحقيق مصادر قوة شعوبها، وبين الدول المستهلكة لها، وهو ما يهدد بوجود فجوة حادة تفصل بين اللغة العربية ولغات العالم، ولن يجد الخطاب الثقافي العربي في المستقبل وسيلة للوصول للآخر ويهدد انتقال أمتنا العربية إلى « مجتمع المعرفة »  لوجود ثلاث فجوات تمثل ثلاثة عوائق أمام المهتمين هي : « فجوة العقل ـ فجوة الفكر والعلم والتكنولوجيا »  و «فجوة اللغة »  و « فجوة التعلم»  .. و تزادد الفجوة اللغوية مع اتساع المعلوماتية كثيفة اللغة مثل التطبيقات التعليمية Edu- Ware والتطبيقات الثقافية Culture - Ware*(44)، .. لكن ليس هذا مبرراً أن نترك الأمر للعبث ومحاولات الهدم؛ فاللغة العربية أعظم لغة في الوجود لاتساقها ومنطقها وانسيابها.

 الصعوبة الثالثة:

     وهي أن جمع المادة العلمية استغرق سنوات طويلة؛ بما أنتج معلومات وفيرة خلفت حالة من « الاختناق Overkill »  أو « التخمة المعلوماتية Jamming »  عند الصياغة وتوجيه المعلومات في نسقها وسياقها، وقد تغلبت على هذه الصعوبة بما توافر لديّ من مهارات إعداد «البروجيه»، وتصميم الماكيت، وقدرات التعامل مع الحاسوب؛ كما أن طول فترة البحث وما استتبعه من تقادم بعض مواد الكتاب؛ بما استلزم ضرورة التحديث الدائم لها بما حملني جهودا فوق جهد .. والحمد لله الموفق والمستعان وها هو الكتاب بين يديك بإذن الله وتوفيقه.

منهج البحث :
ــــــــــــــــــــــ

    وقد انتهجت عدة مناهج تبعاً لما يقتضيه كل قسم من أقسام هذا الكتاب بتنوع موضوعاته التي تنضوي بصلاتها الوشائجية تحت عنوان واحد؛ فانتهجت أحيانا منهج: « البنية السردية» وأحيانا أخرى منهج « تتبع مسارات عدم الاتساق في السرد»، وثالثة : « المنهج التحليلي »، ورابعة : « المنهج الجدلي » ، وخامسة : « المنهج الاسترادي »، وسادسة:  « منهج الملاحظة بالمشاركة »، وفي الجزء المتعلق برواية تجربتي الذاتية انتهجت منهج: « التأريخ من وجهة نظر المؤلف » بمعنى التأريخ بدون وثائق .

محاور البحث :
ــــــــــــــــــــــــ

• المحور الأول : مقدمة تم التعريف فيها بفحوى الكتاب، وضبط المفاهيم، واستعراض مناهج البحث، والصعوبات التي واجهت الباحث.
• المحور الثاني : نهاية عصر القوة .
• المحور الثالث : حرب المعلومات .. التعريف .
• المحور الرابع : حـــــرب المعـــــلومات.. الوسائط والتطبيقات .
• المحور الخامس : القمع والتلاعب بالوعي .
• المحور السادس : أساطير التلاعب بوعي الشعوب .
• المحور السابع : المذاهب الهدامة في الإسلام والنصرانية.
• الفصل الثامن : ثقافة الكولونياليزم، ومأزق الذوبان في الثقافة الوطنية للشعوب التي ابتليت بـ « محنة الاستعمار » .
• المحور التاسع : صناعة الملوك والرؤساء.

    ***

    . . وأخيراً .. أعتذر عن تلك المقدمة الطويلة ؛ لكنها ضرورة لابد منها .. والله الموفق والمستعان .
ياسر بكر

الأسكندرية ـ في يناير 2017

   الفصل الأول :
ــــــــــــــــــــــ

نهاية عصر القوة

مع الشهور الأولى من بداية الحرب العالمية الثانية ( 1 سبتمبر 1939) بدأ الهمس بين بعض قادة الجيوش الميدانية، وبعض القادة السياسيين وبعض الأكاديميين عما أسماه البعض بـ « أفول عصر القو ة » و « تدني فائدة الحرب » ؛ نظراً للتكاليف الباهظة جداً للحروب التقليدية قياساً بالمردود المتوقع حتى في حالات الانتصار، فالحرب التقليدية واسعة النطاق ـ أى الحرب على نحو ما تراها حاليا القوى العسكرية الرئيسية ـ تلفظ بالفعل آخر أنفاسها، كرجل أصيب بطلق ناري في رأسه ومازال يحاول السير وهو يترنح بضع خطوات، ومع الهزيمة المدوية في معركة بيرل هاربر ( 7 ديسمبر 1941 ) بدأ يتسرب إلى العقل الجمعي الأمريكي أن يوم بيرل هاربر هو « يوم العار»، ودخل إلى القاموس العسكري مصطلحات ذات دلالة وصفت حالة التسليح في الحروب التقليدية بأنها « مارد من قش »*(1) .. بمعنى أنه يسهل إشعال النيران فيها، فتتحول في لحظات إلى رماد تذروه الرياح، مثلما حدث مع الأسطول الأمريكي، الذي تحول في دقائق إلى قطع من الحطام المحترق الغارق في قاع المحيط !!

   .. واستمرت المعاناة، وتفاقمت الخسائر في العتاد وأعداد القتلى، وزاد النقص في الإمدادات .. وهي حالة يصعب معها أداء المهام، وهى الحالة التي لخصها نابليون في عبارته : « الجيوش تسير على بطونها » ، بمعنى أن الجيوش لا يمكن أن تواصل زحفها بدون تأمين احتياجاتها من الغذاء .

    .. والتي ارتأى رومل أنها كانت من أسباب الهزيمة في الحرب العالمية الثانية .. يقول رومل في مجال تبرير الإخفاق في المهام :

    « .. وكانت التعيينات رديئة لدرجة أن الجندي الإيطالي كان يطلب من زميله الألماني أن يشاركه طعامه »*(2)


    يؤكد ما قال به نابليون ورومل سن توز في كتابه: « فن الحرب » :

   « الروح المعنوية للجندي تكون في أقصى درجاتها في الصباح بشرط حصوله على إفطار مقبول »*(3)

  .. وظللت أحوال الجيوش في الحرب العالمية الثانية في التدهور إلى أن تفتقت العقلية الشريرة عن حسم نتائج الحرب بالسلاح الذري .. يقول تشرشل في مذكراته :

    « وفى السابع عشر من يوليو 1945 وصلت أنباء هزت العالم بأسره، فقد قام ستمسون ( وزير الحرب الأمريكي ) بعد ظهر ذلك اليوم بزيارة مسكني وبسط أمامي ورقة كتب عليها « ولد الطفل بصورة مرضية »، وتبينت من حديثه أن شيئاً بارزاً قد وقع، واستمر يقول : « إن هذه الجملة تعني أن التجربة التى أجريت في صحراء المكسيك قد نجحت، وأن القنبلة الذرية أصبحت أمراً واقعا ً » .. وعلى الرغم من أننا كنا نتابع هذا البحث مما يصل إلينا من أنباء متفرقة، إلا أنني لم أعرف من قبل على الأقل بموعد التجربة الحاسمة، كما أنه لم يكن بوسع أى عالم مسئول أن يتكهن بما قد يقع عندما تجرى تجربة أول تفجير ذري، هل هي عديمة الجدوى أو أنها مبيدة قاتلة؟

    لقد عرفنا أنه تمت « ولادة الأطفال »  بشكل مرضي، ولكن ليس في وسع أى إنسان حتى الآن تقدير النتائج العسكرية الفورية لهذا الاكتشاف كما لم يقم أي إنسان بتقدير أي شيء عنها »*(4)

     وفي يوم 6 أغسطس ألقيت القنبلة الذرية الأولى على هيروشيما، والتي أطلق عليها الاسم الحركي « الولد الصغير »، وألقيت في 9 أغسطس القنبلة الذرية الثانية على ناجازكي والتي أطلق عليها الاسم الحركي « الرجل السمين »، واستسلمت اليابان !!

    .. لم يكن العلماء القائمون على أمر الأبحاث الذرية يدركون حجم هذا الدمار الهائل الذي خلفته، والذي يعني فناء العالم .. بل إن بعضهم دفع حياته ثمناً لسذاجته العلمية!! وجهله بكثير من الحقائق المتعلقة بتلك الأبحاث!!.. وكانت التجربة الثانية لهذا السلاح على السكان الأصليين لأمريكا من « أمة الشيروكي »؛ واتضح حجم الكارثة بما لا يدع مجالاً لشك، بدأ يدخل إلى القــاموس العســكري مصطلحــات ذات دلالة وصفت السلاح النووي أنه : « مارد مقيد في الأغلال »  لن يطلقه من عقاله إلا مجنون يجازف بحياته قبل أن ينال من حياة خصمه !! .. وبدأت الكثير من الحكومات تستشعر الحماقة لإهدار ثروات شعوبها لامتلاك هذا السلاح الذي لن تجرؤ على استخدامه !!.. وظهر في القاموس العسكري مصطلح: « الخجل النووي » ، ولم يعد لدى الكثير من الدول رغبة في الاستزادة منه بعد أن أدركت أن بوسع كل منها أن يدمر الآخر، ولكن لا أحد منها يستطيع توفير الحماية لنفسه؛ لأن انتهاك المحظور يشكل للآخرين رخصة لاستخدام نفس السلاح، وهو ما وصفه تشرشل بـ « ارتداد الأحجار» بما يعني فناء العالم.

الدمار الذري
و « السذاجة العلمية » :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   في عام 1951 أشرفت إدارة الدفاع المدني الفيدرالية الأمريكية على إنتاج فيلم يعلم الأطفال كيفية الاستجابة حال وقوع هجوم نووي بعنوان: « اخفض رأسك، واختبئ » كانت شخصية الفيلم الرئيسية شخصية كرتونية تسمى « السلحفاة بيرت » كانت السلحفاة يقظة جدا،ً وتعلم ما يجب فعله : أن « تخفض رأسها وتختبئ » ما إن ينبعث صوت صفارة الإنذار أو الضوء الساطع المشير لوقوع هجوم نووي، كانت تخفي جسدها على الفور داخل ترسها، وبدا الأمر بسيطاً وأحب الأطفال تلك السلحفاة .. وفي عام 2004 أدرجت مكتبة الكونجرس هذا الفيلم ضمن « سجل الأفلام الوطنية »  رغم أنه مشوب بـ « السذاجة العلمية » ويفتقد القيمة الثقافية والتاريخية إضافة لافتقاده القيمة الجمالية .
    فقد كانت الحقائق العلمية المعروفة في ذلك الوقت عن الدمار الذري لا تتسم بدرجة كبيرة من البشاعة ؛ حيث كان تلاميذ المدارس يتدربون على أن يهرعوا عند سماع صفارة الإنذار إلى خارج الفصول، ويتوجهوا إلى الأدوار السفلية، أو ينبطحوا أسفل مكاتبهم، واضعين أيديهم فوق رؤوسهم ومغمضين أعينهم .

    .. وكذلك طلب من أصحاب المنازل حفر ملاجئ في حدائق منازلهم وتزويدها بقدر من الزاد يكفي لبضعة أيام أو أسابيع حتى تنتهي المرحلة الخطرة للإشعاعات!!

الاتجار بمخاوف البشر :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   .. ولم تكذب الشركات الأمريكية الخبر لتحقيق أكبر قدر من الربح، فقد بدأت شركات المقاولات في نشر الإعلانات لبناء ملاجئ فخمة، وكان بعض هذه الإعلانات مصحوبا بصور لماكيتات تبين هذه الملاجئ، وكأنها غرفة معيشة أمريكية قد بنيت تحت الأرض وجهزت للوقاية من الإشعاع!!

    ولم تكن شركات الملابس والقبعات والنظارات بعيدة عن تلك الوليمة، فانتشرت الإعلانات الموجهة إلى من تفاجئهم الغارة وهم بعيدون عن منازلهم تنصحهم بأن يرتدوا ملابس ذات ألوان هادئة، وبالطبع تم ذكر ماركات بعينها.. وأيضا نصحت الإعلانات بارتداء قبعات عريضة ونظارات شمسية من ماركات محددة، فقد كانت بيوت الأزياء وراء تلك الدعاية، ونصحت الدعاية الأفراد أن يتوجهوا إلى أقرب ملجأ فور وقوع الغارة!!

الدمار الذري
في روايات المغلوبين :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    كانت هذه رؤية المنتصرين للدمار الذري .. لكن لا يمكن استكمال للصورة إلا بسماع شهادة المغلوبين الذين أطلقوا عليه اسم « بيكادون »  وبيكادون كلمة يابانية من مقطعين وتعني كلمة بيكا « الضوء اللامع »  وكلمة دون تعني « الصوت المرعب »، ومن أصدق الشهادات هي شهادة دكتور متشهيكو هاتشيا مدير مستشفى المواصلات بهيروشيما، وهو مستشفى صغير يتكون من 125 سريرا وعدد العاملين فيه 25 بين طبيب وممرضة وموظف، وهو مستشفى مختص بعلاج موظفي البريد والتليفون والبرق، وترجع مصداقية شهادة دكتور متشهيكو هاتشيا أنه دوَّنها على مدى 56 يوماً ( 6 أغسطس ـ 30 سبتمبر 1945 ) ولم يهدف إلى نشرها في إطار الدعاية لأحد، ولا إدانة أحد، ولكن في إطار متابعة مرضاه، ورصد طبي لأعراض « مرض الإشعاع » التي كانت مجهولة له ولمساعديه في ذلك الحين، والتي صنفها حسب مسافات القرب أو البعد عن مركز الإشعاع، وكان القاسم المشترك بينها بدرجات متفاوتة من حالة شخص لآخر هي :

    « الحروق بدرجات مختلفة، الجلود المسلوخة، وتورم الوجه، والإعياء، والقئ، والبثور، والإسهال الدموي، وسقوط الشعر، وتقرحات الفم، والبثور على الجلد، وفقدان البعض للبصر، وتمثلت نتائج الفحص الإكلينيكي في تناقص كرات الدم البيضاء، وأكد الفحص الباثولوجي وجود تغيرات في مكونات الدم وخاصة نخاع العظام ».

   على هامش شهادة دكتور متشهيكو هاتشيا وصف مظاهر الدمار في المدينة وسقوط الأبنية وانتشار الحرائق وانتشار العظام المحترقة ورائحة شواء اللحم البشري .. وقد احترقت عربات الترام والتوت أساسات الكباري المعدنية، ويصف دكتور متشهيكو هاتشيا حالته عند وقوع البيكا ويلخصها :

« أنه كان في منزله يرتدي فانلة وبنطلونا قصيرا، وفجأة شاهد ضوءا لامعا ثم تكرر نفس المنظر، ولم يشعر بعد ذلك بشيء فلربما أغمى عليه ليفيق بعد وقت ليجد نفسه عارياً تماما، بعد أن احترقت الثياب من فوق جسده، وأنه أخد يتمتم من شدة الألم : « لقد شوي جسدي »، وأن جنبه الأيمن قد أصبح مثخنا بالجراح ينزف دما، وثمة شظية كبيرة تبرز من جرح مهتك في فخذه، وأحس شيئا دافئا في فمه، أما خدوده فقد تمزقت، وعندما تحسس وجهه بحذر اكتشف أن شفته السفلى قد شجت شجاً واسعاً، أما المنزل فقد تهدمت بعض حوائطه، وسقطت بعض نوافذه، واختفت ظلال الحديقة، وتحول الجو الذي كان منذ قليل صحوا مشمسا إلى مظلم معتم، وملأ الغبار السماء، وأصبحت الحرارة تفوق القدرة على الاحتمال »*(5)

تطور القنبلة الذرية :
ــــــــــــــــــــــــــــــــ

   وبعد تطور القنبلة الذرية لتصبح نووية عبر الاستفادة الناشئة عن ( انشطار الذرات ) واتحادها ( الاندماج النووى )، مما ضاعف قدرتها التفجيرية؛ وجعل الفارق بين القنبلتين شاسعاً؛ فالقنبلة الذرية القائمة على عنصر اليورانيوم التي دمرت هيروشيما كانت طاقتها ناتجة عن انقسام ( انشطار) الذرات، وبلغت قوتها التفجيرية 20 ألف طن من مادة تي . إن . تي . أما القنبلة النووية الحرارية ـ الهيدروجينية ـ التي اُختبرت بواسطة الولايات المتحدة في أكتوبر 1952 وكانت ناتجة عن اتحاد ( اندماج ) الذرات، وقد بلغت قوتها التفجيرية نحو 7 ميجا طن؛ أي ما يعادل 7 ملايين طن من مادة تي . إن . تي . إلى جانب غبار ذري مشع قاتل من أشعة جاما . *( 6 )


    وأصبح يقيناً أن نشوب حرب نووية شاملة يكفي لتدمير المراكز الصناعية في العالم في أقل من 60 دقيقة قابلة لأن تقصر عن تلك المدة في المستقبل *( 7 )

 
« لعبة الدجاجة »  :
ــــــــــــــــــــــــــــــــ

    ورغم أن القنبلة النووية أصبحت واقعا إلا أنه ما من أحد استطاع التوصل حتى اليوم إلى تفكير مقنع يوضح كيف يمكن أن تندلع حرب نووية دون أن تسفر عن دمار العالم ؟!

   يقول روبرت ستوانج ماكنمارا الذي تولى منصب وزير الدفاع (1960 ) في عهد كيندي واستبقاه جونسون في منصبه بعد اغتيال كيندي لمدة 5 سنوات ثم استقال لأسباب لم يعلنها :

   « لا توجد ورقة واحدة في العالم تبين كيف يتسنى لأحد أن يبادر باستخدام الرؤوس النووية، مع تحقيق أي فائدة لنفسه، الأمر الذي جعل الرؤوس النووية عقيمة الفائدة من الناحية العسكرية » .

   ومن العجيب أن هناك لعبة في مركز ألعاب الحرب السرية يتدرب عليها المخططون يطلق عليها Chicken بمعنى « الدجاجة »، وهو تعبير أمريكي دارج يوصف به الجبناء، وتتعلق تلك اللعبة بالحرب النووية الشاملة، وفي هذه اللعبة تتسابق سيارتان في اتجاهين متقابلين، والمتسابق الذي ينحرف عن الطريق ليجنب العالم ويلات الفناء هو « الجبان » هو الـ Chicken ، وإذا لم ينحرف أحد الطرفين عن الطريق لتفادي الصدام بالآخر تنتهي اللعبة بخسارة الطرفين .

   لقد لخصت الدجاجة حقيقة « العبث النووي » وإهدار موارد الشعوب في امتلاك « وهم القوة » .* ( 8 )
من المجنون؟!
ــــــــــــــــــــــــ

   وقد تجنبت القوتان العظميان شن حرب عالمية ثالثة؛ رغم إذلال الجيش الأحمر لدول أوربا الشرقية، وقمعه لها، وعملية أمركة أوربا الغربية بواسطة مشروع مارشال؛ ففي الصراع النووي لا يحتمل أن يخرج أحد الأطراف فائزاً، وتعبر الحروف الأولى التي سميت بها نظرية: « الدمار المؤكد المتبادل ـ Mutual Assured Destruction » أي MAD أي من المجنون الذي يبدأ الحماقة ؟!.* (9)

أعراض فيتنام :
ـــــــــــــــــــــــــ

   ومع السقوط الأمريكي في مستنقع فيتنام الذي استنزف الاقتصاد الأمريكي بمبالغ فاقت الموارد التي خصصها لها ليندون جونسون بكل المقاييس؛ وقدرت تكاليف الحرب في ذلك الحين بما يتراوح ما بين 150 و175 بليون دولار، وقاتل هناك أكثر مليون جندي أمريكي ـ بحد أقصى 550 ألف جندي في وقت واحد ـ قتل منهم 50 ألف قتيل ـ حسب الإحصاء الأمريكي ـ واستخدمت الولايات المتحدة أحدث التكنولوجيات في عــالم الســلاح بدءا بالقــاذفــات العمــلاقـة من طـــراز ب 52 إلى «  شمـامـة البشـر People Sniffers»،  وأجهزة التنصت بالتحكم عن بُعد، وأقمار الاتصالات والقنابل المضيئة لإنارة أماكن الإنزال، وتمت تجربة كل الأسلحة التي تحتويها الترسانة الأمريكية، وأرسلت « الأفضل والألمع » من عقولها إلى الغابات واسترشدت بنصائحهم لتحقيق النصر، حتى أصبح من العسير أن يفكر أحد فيما كان يمكن أن تفعله الولايات المتحدة لتحقيق النصر، وكان ذلك بلا طائل ولم يتحقق النصر، وتوالت الهزائم القاسية .
    وانتهت المغامرة بإقلاع آخر هليوكبتر من سطح السفارة الأمريكية في سايجون، وانتهت معها محاولة دولة غنية وقوية حاولت أن تسحق بأقدامها مجتمعا فقيرا ضعيفا ينتمي إلى العالم الثالث؛ فباءت بهزيمة وفضيحة !!

   وبعد أن انتهت حرب فيتنام بدأ يدخل إلى القاموس العسكري الأمريكي مصطلحا ذا دلالة وهو: « أعراض فيتنام »، وأعراض فيتنام تعني حالة مرضية للجنود العائدين من الحرب هناك لأسباب بعضها عضوي من الصعب علاجه، وآخر نفسي يتمثل في حالة من المخاوف المرضية التي تظهر أعراضها في ردود فعل الهلع وفورات الغضب المتفجرة، وفي تشوش الاستجابة العاطفية لخطاب الرموز في موقع السلطة، وفقدان الثقة في الإعلام الأمريكي، والسياسة الأمريكية، والقادة العسكريين الذين كذبوا عليهم !!، والانسحاب من المجتمع وعدم القدرة على الاندماج فيه، أو التكيف معه.

    تقول باربرا ويتمر:

    « شعر الكثير من محاربي فيتنام أنهم تغيروا، ولم يعد بإمكانهم أن يتوافقوا مع المجتمع الذي غادروه عند الذهاب إلى الحرب . لقد أدى كفاحهم من أجل معرفة معنى تجربة الحرب إلى حساسية أكبر تجاه مسائل العدالة، والاستقامة، والمساواة، والإنصاف، الخداع، والزيف، والكذب، واستخدام القوة، ومبادئ الأخلاق، كما ولّدت حقائق الحرب من أوضاع الحياة والموت، والارتباط الوثيق مع رفاق السلاح، وممارسة اتخاذ القرار المهم، والكفاح اليومي للبقاء، ولّدت لديهم أسئلة فلسفية ونفسية من الصعب على عائلاتهم وأصدقائهم في الوطن فهمها . فالكفاح لصياغة معنى أو الخوف من إلصاق الصفات بهم؛ إذا ما الآخرون لم يدركوا فظائع حرب العصابات؛ أدى إلى عزلة نفسية لدى المحاربين . لقد خافوا ألا يفهمهم أحد، وألا يفهم أحد ما الحرب، وبهذا تناقضت حاجة التواصل مع إخوانهم من الناس مع الحاجة لحماية أنفسهم من الوهن العاطفي » *(10 )
   الذي لم يستطع الأمريكيون أن يفهموه هو أن النصر الفيتنامي كان يكمن في مقومات ثقافة الشعب الفيتامي، التي ترتكز على التقشف الشديد والزهد البالغ مع الانضباط الصارم، وممارسة رياضات التحكم الذهني في الجسد، مع تحمل ما لا يطاق من الآلام البدنية والثقة المطلقة في النفس، والرغبة والابتعاد عن بقية الجماعة البشرية التي احترفت الإساءة للآخر تحت إلحاح مصالح ضيقة، وأن الدعاية الفيتنامية كانت عملاً تربويا سياسياً من الدرجة الأولى .

    وقد امتدت « أعراض فيتنام »  لتلقي بظلالها على قطاعات كبيرة من المجتمع الأمريكي، بعد أن اكتشف الكثيرون « العار العسكري »  الذي سقطت فيه الولايات المتحدة، وأن ذرائع تلك الحرب قامت على كذبة مفادها اعتداء زواق بحرية فيتامية على سفن أمريكية في المياه الدولية ( مثلما الحال في غزو العراق بثلاث أكاذيب عن: 1 ـ امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل، 2 ـ وجود صلة بين العراق وأحداث 11 سبتمبر، 3 ـ وجود علاقة بين العراق وتنظيم القاعدة )؛ وانخرط الكثير من الجنود والشباب في حركات السلام، بعد أن وقف الكثيرون منهم على حقائق فضيحة خليج الخنازير، وعار برنامج العنقاء Phoenix Program في فيتنام القائم على التعذيب الجماعي، والاغتصاب الجماعي، والقتل الجماعي!!، .. تلك التصرفات المشينة التي نجح الإعلام الأمريكي ـ لاحقاً ـ في تسويقها، وترويجها، وجعلها تلقى قبولاً في تغير نوعي للأفكار باعتبارها ضرورة من أجل بقاء أمريكا؛ فلم يتحرك لدى الأمريكيين أدني شعور بالذنب تجاه الانتهاكات الأمريكية في سجن أبو غريب في العراق؛ فقد عدها أكثر من 60% من الأمريكيين إجراء طبيعياً ومناسبا ضد « الأشرار »  ، و « أعداء الحضارة » !! .

   .. وتعمقت « أعراض فيتنام »  في العقل الأمريكى مع اندلاع الثورة الإيرانية واحتجاز الطلبة الإيرانيين لـ 52 من أعضاء السفارة الأمريكية في طهران لمدة 444 يوماً، وفشل الحل العسكري بفشل العملية « توباز» الذي كان آخر مسمار في نعش فترة رئاسة كارتر.

هزيمة الجيش الأحمر:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   ثمة مثال آخر على عدم جدوى الحرب التقليدية، والتي تعتمد على القوات المسلحة الحديثة، التي تتسم بطول هياكلها القيادية وببطء إجراءات التحضير للمعركة .. فعندما وقع الغزو السوفييتي لأفغانستان في 1979 وقف الغرب مشدوهاً لما ظهر من قوة الجيش الأحمر، أما داخل أفغانستان فقد كان الوضع مختلفاً تماماً؛ فقد كانت المقاومة مكونة من مجموعة من المجاهدين الأفغان وانضمت إليهم عناصر جهادية من مصر والسعودية وباكستان، وكانت تلك المجموعات من غير المدربين تدريباً راقيا، ولا يستطيعون تنظيم التعاون بينهم، ولم يتعلموا أن ينتظموا في إطار قوة تزيد على كتيبة، ومع ذلك فقد استطاعت إلحاق الهزائم بالجيش الأحمر تحت غطاء من الدعم المالي السعودي والتسليح الأمريكي، وبعد مرور تسع سنوات من الممارسات الوحشية عاد الجيش الأحمر يجر ذيول الهزيمة بعد أن قتل ثلاثين ألفا من جنوده ـ حسب البيان السوفييتي ـ وعبرت قواته الحدود في طابور عرض احتفالاً بالنصر وسط سخرية المجاهدين، الذين لم يكلفوا أنفسهم عناء إطلاق النار عليهم من منطلق أن : « الضرب في الميت حرام »  .

الجيش الإسرائيلي
في « المستنقع اللبناني » :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   .. وثمة مثال ثالث، يعد من أبرز الحالات في هذا السياق، ففي عام 1982 قامت ست فرق إسرائيلية تعززها ألف دبابة بغزو لبنان، وسرعان ما وصلوا إلى بيروت بعد ستة أيام، ودفعوا القوات السورية إلى التقهقر وكبدوا القوات الجوية السورية خسائر فادحة، ورغم تلك الانتصارات فقد بدأ تدريجيا يتضح للإسرائيليين أن دباباتهم وطائراتهم ومدافعهم وصواريخهم والطائرات التي تطير بدون طيار ـ بما في ذلك أحدث النماذج التي لم يستخدمها أحد قبلهم ـ غير مجدية في مواجهة ذلك النوع من المقاومة التي تواجههم، وعلى مدى ثلاث سنوات ارتكبت القوات الإسرائيلية أبشع المجازر في تاريخ البشرية، ظل الإسرائيليون يتخبطون في « المستنقع اللبناني »؛ لينتهي بهم الحال إلى الانسحاب في طابور عرض احتفالاً بالنصر المزعوم مثلما فعل السوفييت .

انتفاضة الحجارة :
ـــــــــــــــــــــــــــــ

   ثمة مثال رابع أيضا عما تعانيه الجيوش التقليدية بكل عتادها، فقد استطاع أطفال الانتفاضة إنهاك الجيش الإسرائيلي، ولم يكن سلاحهم سوى قطع الحجارة .

حرب « تحرير الكويت » :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    .. ورغم أن الأمريكيين هم الذين خططوا لاستيلاء صدام حسين على الكويت، وأوجدوا له الذريعة من خلال معلومات مزيفة وأخبار مكذوبة حملتها إليه السفيرة أبريل جلاسبي عن اختلاس الكويت لكميات من النفط العراقي، وإعطائها الضوء الأخضر لعمليته الخائبة؛ ففي حرب تحرير الكويت لم تستطع الحشود من 23 دولة عالمية وعربية وإسلامية الوصول إلى ميدان القتال والانتشار في مواقعها قبل ما يزيد على الخمسة شهور من إعلان التحالف ( 8 أغسطس ـ 17 يناير ).

   ومن ثم ظهرت مصطلحات ذات دلالة في قاموس المفردات العسكرية الأمريكية مثل مصطلح : « صعوبة نقل القوات »،  و « الخدمة الشاقة فى مكان قاصٍ ولمدة طويلة »، و«صعوبات الإمداد والتموين والنقل العسكري ».

   .. وكانت مشكلة التموين تعد كابوساً يومياً في حد ذاتها ؛ فالأسطول الأمريكي فى المنطقة ( الخليج العربي ـ البحر الأحمر ـ شرق المتوسط ) والذي يضم أربع حاملات طائرات وحوالي 55 سفينة مختلفة من الطرادات والمدمرات والفرقاطات، وكذلك البارجة الثقيلة «ويسكونسون» حمولة 58 ألف طن، بالإضافة إلى سفن الدول الغربية المشتركة في القوات متعددة الجنسيات، فضلا عن القوات البرية التي قد تصل إلى أكثر من 315 ألف جندي بما فيها القوات الأمريكية 235 ألف جندي أمريكي؛.فحاملة الطائرات تستهلك يومياً 53 ألف لتر من الوقود، ويتضاعف هذا الرقم عدة مرات في حالة العمليات العسكرية أو القيام بدوريات منتظمة، وكذلك تزويد 70 طائرة مقاتلة قاذفة من فوق سطح الحاملة، كما أن طاقم الحاملة يحتاج 16 ألف وجبة غذائية كل 24 ساعة، بالإضافة إلى الإمداد بالذخيرة والقنابل المختلفة وقطع الغيار المتعددة، والمياه والوقود والوجبات الساخنة والمحفوظة للقوات الأمريكية والدولية في أماكن انتشارها .* ( 11 )

   وضاعف من صعوبة عمليات الإمداد والتموين أن العمليات الحربية المحتملة من المتوقع أن تندلع على طول الحدود السعودية مع العراق والكويت بطول 1115 كم منها 700 كم على الحدود السعودية العراقية، 190 كم على الحدود بين البلدين عند مربع المنطقة المحايدة غرب الكويت 225 كم على الحدود السعودية الكويتية، فضلا عن ساحل الكويت المطل على الخليج ويمتد لمسافة 290 كم.* ( 12 )


الحرب الخائلية :
ـــــــــــــــــــــــــــ

    .. وقد أنتجت حرب تحرير الكويت ما يسمى بـ « الحرب الخائلية »، تلك الحرب المنقولة من خلال الطواقم السينمائية الهوليودية، التي تم ربطها بأرتال الدبابات لتبث واقعاً متخيلاً عبر شبكة C.N.N. لا علاقة له بما يجري في ميدان القتال من قتل وحشي وتدمير لكل شيء، وهو ما أطلق عليه جوزيف ناي اسم « تسليح المراسلين » .


 الحرب بالوكالة:
ــــــــــــــــــــــــــ
   
    وبعد أحداث 11 سبتمبر 2011 الهوليودية* (13)  بدأت الولايات المتحدة حربا بالوكالة عما أسمته ( الإرهاب )* (14) في أفغانستان والعراق ـ .. وأنا لا أميل إلى المجاراة في هذه التسمية وخاصة أن تاريخ الولايات المتحدة قائم منذ البداية على الإرهاب، كما أن هذه التسمية ملتبسة ـ منذ تداول مصطلح « الإرهاب » في القرن الـ 18 ودون التمييز بين الإرهاب وبين النضال في سبيل التحرر والعدالة والقضاء على إرهاب الدول ـ ، وقد استعانت الولايات المتحدة بعدد هائل من المبشرين والجواسيس والعملاء في مراكز الأبحاث المسماة : « دبابات الفكر Think Tanks » التي يقوم عليها مجموعة من «سماسرة الفكر» من المبشرين والمستشرقين والمشارقة، بهدف الإعداد الجيد للحرب ـ والذي توقف بعد الاحتلال ـ وهو ما يفسر الاضطراب في صفوف رجال الولايات المتحدة وحلفائها بعد السقوط في المستنقع الجديد !!؛ وقد أظهرت تلك الحروب عجز الولايات المتحدة عن حماية مصالحها بل وحماية مواطنيها في مواجهة تهديدات من مستويات متواضعة تمثلها تنظيمات جهادية محلية مؤسسة على أيديولوجيا، ويُحسن أفرادها استغلال أرض المعركة، ويتميزون بخفة الحركة والقدرة على المراوغة والمناورة، ويعتمدون في أدائهم القتالي على الابتكار والإبهار .
   تعريف الإرهاب في قانون الجيش الامريكى بأنه: « الاستخدام المحسوب للعنف أو التهديد باستخدام العنف لتحقيق أهداف سياسية أو دينية أو أيديولوجية في الأساس من خلال التخويف وإدخال الذعر والإجبار »  .. وهو تعريف لصيق بممارسات السلطات الحاكمة، لكن الأمريكيين في سبيل ليّ عنق المفاهيم لخدمة أغراضهم يطلقونه على حركات تنشد التحرر الوطني وتطلب العدالة الاجتماعية وتتصدى لإرهاب الدول ؛ فقد أصبح الإرهاب من وجهة نظرهم : « تصدي الضعفاء لبطش الأقوياء !! » .

   كان الهوان الأمريكي على يد تلك التنظيمات السبب الرئيس في جعل المخابرات الأمريكية تروج تصوراً وهمياً لحفظ ماء الوجه أسمته « الجيل الرابع من الحروب ».

    فابتكار المذاهب العسكرية لدى الأمريكيين يمثل بالنسبة لهم حرفة وهواية؛ ولذلك ظهر عدد ضخم من المذاهب التي وصلت حد التعارض طرحها عدد هائل من الذين يمثلون مصالح مختلفة حتى إنه ليصعب تناولها بمأخذ الجد .


نفقات حرب العراق :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

   إن وقفة لبرهة من الوقت أمام تكلفة الحرب على العراق، تجيب لنا عن كثير من التساؤلات!!، وتفضح لنا من هم أعداء الحضارة ؟!! .. ومن هم الأشرار؟!!؛ فقد أنفقت الولايات المتحدة الأمريكية أكثر من 87 مليار دولار على الحرب في العراق لتدميره وتفكيك دولته وقتل 2 مليون عراقي، بينما تقدر الأمم المتحدة أنه بأقل من نصف هذا المبلغ (40 مليار دولار ) يكفي تأمين الماء النظيف والتغذية الكافية والخدمات الصحية والتعليم الأساسي لكل إنسان على وجه الأرض .*(15)

 هل تنتهي الحرب من العالم ؟:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    .. ويبقى السؤال: هل تنتهي الحرب من العالم ؟! والإجابة : أن الحرب التقليدية واسعة النطاق ـ أي الحرب كما تراها حاليا القوى العسكرية الرئيسية ـ تلفظ بالفعل آخر أنفاسها، لكن ليس بسبب « فقدان الرغبة في القتال »، ولكن لارتفاع تكلفة الحرب وتدني فائدتها؛ لذا فهي تنسحب تدريجيا من بؤرة الأحداث لتحل محلها « الحروب المحدودة بالوكالة عن الدولة المركزية »، والحرب المحدودة عادة تقوم بها عادة بعض الدول الهامشية Peripheral أو بعض الكيانات المتنازعة في بعض الدول الإقليمية، بإيعاز ودعم من بعض الدول المركزية Central بما يهدف إلى تحقيق المصالح للدول المركزية في الصراع القائم، وأيضا تستطيع أي دولة إقليمية أن تبدأ القتال في الوقت والمكان وبالطريقة التي تحددها، ولكن بعد الطلقة الأولى تصبح الدول الإقليمية عاجزة عن وقت ومكان وطريقة إيقاف القتال؛ فالدولة المركزية هي التي تدير الأزمات، وفي هذا الإطار تكمن بروتوكولات نقل السلاح والتكنولوجيا.

     .. فالحرب لن تنتهي من العالم لعدة أسباب:

   1 ـ أن صناعة وتجارة السلاح تشكل جزءا مهما من عصب اقتصاد الدول المنتجة للسلاح؛ ففي تقرير للأمم المتحدة أن مصانع السلاح أنتجت سلاحاً بما قيمته 146 مليار دولار سنة 1980 بزيادة 25 مليار دولار عن عام 1977؛ وفى يناير 2014، أصدر معهد استوكهولم الدولى لبحوث السلام تقريرا عن أكبر شركات السلاح فى العالم، وفقا لمبيعاتها خلال عام 2012، وشملت القائمة أكبر مائة شركة، بلغت مبيعاتها جميعًا 395 مليار دولار.

    2 ـ أن هناك 50 مليون شخص في العالم يعملون في تجارة الحرب منهم نصف مليون عالم ومهندس*(16)
   3 ـ ولا بد لتلك الصناعة ومنتجاتها من ميادين لتجربتها، وبالطبع تظل شعوب العالم الثالث هي الخيار الأمثل؛ ليكونوا فئران التجارب لأسلحة الفناء عبر إثارة النزعات الإقليمية والاختلافات الطائفية والنعرات العرقية!!

استخدام خـــداع اللغة
لتغليف نوايا العدوان :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   .. ويذهب البعض إلى القول إن « الاستراتيجية » « تراجـعت ليحـل محـلها مـا يسمى بـ « إدارة الأزمة »  التي تعتمد على وسيلتين هما : الردع المُصدق، والدبلوماسية الخلاقة، لكن هذا لا يعدو سوى كونه نوعاً من استخدام « خـــداع اللغة » لتغليف نوايا العدوان بمظهر مخادع من التأنق اللغوي !!

    ويعرف أولستر بوخان Alastair Buchanالأزمة بأنها:

    « تحدٍّ متعمد، ورد فعل منفرد يأمل كل طرف أن يحول مجرى التاريخ إلى جانبه، ومدة الأزمة تشمل الفترة بين بداية تشكيل التحدي، وتجسيد موضوع الخلاف، والتصميم على مواجهة التحدي ورد فعل الطرف الآخر إزاء ذلك وإعلانه عن نواياه » .* (17)

     .. والنجاح في إدارة أي أزمة هو مهارة اللاعبين لتجنب وقوع القتال، فالقواعد التي تحدد اللعبة في النظام المعاصر تبني على أساس « كلام كلام ، قتال قتال، Talk Talk « Fight Fight؛  فالكلام لايمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية وكذلك القتال بمعنى أن لغة الحوار لها لهجات مختلفة، فالكلمة لهجة والطلقة لهجة أيضا، ولكن لا وزن للكلمة التي لا تساندها القوة؛ فالنظام العالمى لا يحل الأزمات بل يديرها وإدارة الأزمة يعني أن يأكل الجميع من التورتة الموجودة على المائدة .
    ولكل أزمة أيضا نقطة الذروة Peak وعندها إما أن تستمر في التصاعد، مما يؤدي إلى القتال أو تخسر تدريجيا، وتبذل الجهود لتطويقها للوصول إلى حل ، مع الأخذ في الاعتبار أمرين هامين:

   1 ـ أن امتلاك القوة شيء والمهارة في استخدامها شيء آخر .

  2 ـ المهم في إدارة الحرب أن تكون في قدرتك على إطلاق الطلقة الأخيرة أكبر من قدرتك على إطلاق الطلقة الأولى .


تطور صناعة الحرب :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   لكن الحرب ذاتها من حيث هي حرب .. هي قدر البشر في ظل العلاقات الإنسانية المزعزعة الصلات، والنوازع العدوانية المحكومة بالصراع، قد تأخذ مناحي مختلفة أو أشكالا متعددة، ولكن يظل عمادها الرئيس هو القتل؛ فقد تدخل بعض أشكال الحروب إلى عصر جديد مرتبط بالمنافسة الاقتصادية بين « التكتلات التجارية » الكبرى، والتي توجد حـاليا في أوربا وأمريكا الشمالية والشـرق الأقصى؛ فتأخذ أحيانا شـكل « القـتل الاقتصــادي » أو « حـرب المياه »  أو « حـرب الإبادة الفيروسية وتعقير النسـاء »  أو « حرب جرائم نظم المعلومات »  أو « حرب المعلومات ».

القتل الاقتصادي:
ـــــــــــــــــــــــــــ

     القتل الاقتصادي : « هو نشاط إجرامي يمارسه رجال السياسة لبناء امبراطورية عالمية، تسيطر عليها منظومة الشركات الأمريكية الكبرى، ويستخدم المنظمات المالية الدولية لخلق ظروف تؤدي إلى خضوع الدول النامية لهيمنة النخبة الأمريكية التي تدير الحكومة والشركات والبنوك ».

     ينحصر دور الخبير ( القرصان الاقتصادي Economic Hit ) أو بمعنى أدق (اللص) في القيام بإعداد الدراسات التي بناء عليها توافق المنظمات المالية على تقديم قروض مالية للدول النامية المستهدفة بغرض تطوير البنية الأساسية بشرط قيام الشركات الأمريكية بتنفيذ تلك المشروعات، وفي حقيقة الأمر فإن هذه الأموال لا تغادر أمريكا وبهذه الطريقة تتحول الأموال من حسابات بنوك إلى حسابات شركات، ورغم أن الأموال تعود بشكل فوري إلى أعضاء في الكربوراتية فإنه يبقى على الدولة المتلقية سداد أصل القرض والفوائد!!

     مقياس نجاح (القرصان الاقتصادي) يتناسب طرديا مع حجم القرض بحيث يجبر المدين على التعثر، وعندئذ يفرض الدائن شروطه التي تتنوع مابين الموافقة على تصويت ما في الأمم المتحدة أو السيطرة على موارد معينة في البلد المدين، أو قبول تواجد عسكري فيه وتبقى الدول النامية بعد ذلك مدينة بالأموال .

    وقد قامت العديد من مراكز الدراسات التي أهانت شرف العلم بتحديد نماذج التنبؤ التي يستعين بها « القرصان الاقتصادي » لدراسة تأثير استثمار مليارات الدولارات على النمو لسنوات قادمة، ولتقويم المشروعات المقترحة وإكساب الأرقام الجافة الطابع المخادع؛ فنمو الناتج القومي ـ على سبيل المثال ـ قد يكون نتيجة استفادة أقلية من المواطنين على حساب الأغلبية بحيث يزداد الثري ثراء، ويزداد الفقير فقراً، ورغم ذلك فإنه من الناحية الإحصائية البحتة يعتبر تقدما اقتصاديا .

    الجانب غير المرئي في عملية « القتل الاقتصادي »، وهو تكوين مجموعة من العائلات الثرية ذات نفوذ اقتصادي وسياسي داخل الدولة المدينة تشكل امتدادا للنخبة الأمريكية، من خلال اعتناق نفس الأفكار ومبادئ وأهداف النخبة الأمريكية .. بحيث ترتبط سعادة ورفاهية الأثرياء الجدد بالتبعية الطويلة المدى للولايات المتحدة، رغم أن عبء الديون سيحرم الفقراء من الخدمات الاجتماعية لعقود طويلة قادمة .

.. وكان نتيجة لعمليات « القتل الاقتصادي » أن بلغت مديونية العالم الثالث 2,5 تريليون دولار، وأن المبالغ التي تسدد لخدمة الدين بلغت 375 مليار دولار في 2004، وهو رقم يفوق ما تنفقه كل دول العالم الثالث على الصحة والتعليم، ويمثل 20 ضعفاً لما تقدمه الدول المتقدمة من مساعدات خارجية .*( 18)

   .. ومن أهم الأساليب التي يوظفها « القرصان الاقتصادي » خداع اللغة ولعبة الدولار؛ فمثلاً يقوم « القرصان الاقتصادي » الذي غالباً ما يحمل لقب بروفسير على تطويع اللغة لتغليف استراتيجيتهم في النهب الاقتصادي بجرعات منتظمة من البلاغة والتلاعب بألفاظ براقة مثل: (الحكم الرشيد ـ تحرير التجارة ـ حقوق المستهلك)، وتتمثل لعبة الدولار في الارتفاع الزائف له في مواجهة العملات الأخرى، بعد تراجع الولايات المتحدة الأمريكية عن تغطية الدولار بغطاء ذهبي في أغسطس 1971 ليصبح الدولار أغلى قطعة ورق في العالم، ولتقوم امبراطورية الاحتيال هذه على كذبة يتم الترويج لها وهى أن: « الدولار هو العملة القياسية الدولية » .. بحث لا تصبح السياسة الاقتصادية لأي دولة جيدة إلا من منظور الشركات الأمريكية الكبرى، وأما الدول الضحية التي تقتنع بهذه المفاهيم فهي مطالبة بخصخصة الصحة، والتعليم، والإسكان والضمان الاجتماعي والمرافق ( خدمات المياه، والكهرباء أي تبيعها للشركات الكبرى) وهي مضطرة بعد ذلك إلى إلغاء الدعم، وجميع القيود التجارية التي تحمي الأعمال الوطنية، بينما عليها القبول باستمرار أمريكا وشركائها في تقديم الدعم لقطاعات أعمالها وفرض القيود لحمايتها .

   مما أدى إلى انهيار مجتمع التضامن الاجتماعي، وقيام المجتمع المنقسم على ذاته إلى أقلية تملك وتزداد غنى وأغلبية سكانية مهمشة تتسع قاعدتها على مر الزمن، ويلقى بها بعيداً عن مجالات الإنتاج والدخل والتوظف ويحكم عليها بالبطالة المستديمة.. ولم يعد لدولة الرفاه وجود ( دولة الستينات )، وانكمش دور الدولة في الإنتاج والتوظيف أو الخدمات.. وأصبح دورها مقصوراً على حماية السوق واتباع سياسة نقدية صارمة لعرض النقود بما يتناسب مع أساس التداول، وانتهى زمن المصالحة التاريخية بين العمل ورأس المال .. ولم يعد المواطنون « عيال الدولة » .
   وقد أسهم في نجاح عملية الخصخصة  Privatization فساد قوة العمل، وعدم قدرتها على تلبية حاجات تكنولوجيا العصر وحصولها على مكاسب وأرباح في ظل تدني طاقة العمل وانخفاض الإنتاج، بما أعطى مبرراً منطقيا لتسريح الآلاف من العمال وبيع المئات من الشركات والمصانع، وما ترتب على ذلك من انهيار الطبقة المتوسطة وتزايد معدلات الفقر والشعور بالاغتراب Alienation وتزايد الدعوات لدعم « سلطة الأقلية Minority Power »، فالأقلية هي التي تبدع وتطور وتنتج، بينما القاعدة العريضة خارج دائرة العمل والكسب والتوظف والإنتاج؛ لتصب الأرباح في النهاية في حافظة ثلاث فئات:

     القائمون بوظائف الإدارة العليا، وحملة الأسهم، وعمال المعرفة ( الإعلاميين والمشتغلين بالإعلانات والعلاقات العامة ) الذين بلغ دعمهم لليبرالية الطائشة حد المناداة بأن حقوق الملكية لها الأولوية على كافة الحقوق بما فيها الحق في الحياة !!* (19)

الإبادة الفيروسية
وتعقــير النســـاء:
ـــــــــــــــــــــــــــ

    منذ 4 قرون كانت أول جريمة تطهير عرقي على وجه الأرض؛ فقد قام مستعمرو أمريكا بإبادة 112 مليون إنسان يمثلون 400 أمة وشعب هم سكان قارة بأكملها؛ ليتم استبدال شعب بشعب وثقافة بثقافة عبر إفناء السكان الأصليين*(20) باستهدافهم بحرب جرثومية استخدمت فيها جراثيم الجدري والتيفوئيد والخناق والحصبة، واستطاعوا أن يقتلوا 950 إنسانا من كل ألف وتركوا جثثهم نتنة فوق الأرض دون أن تجد من يدفنها من خلال 93 وباء شاملاً منها: 41 جدري، 4 طاعون ، 17 حصبة ، 10 انفلونزا، 25 سل ودفتيريا وتيفوس وكوليرا .
    كان الأوربيون يعرفون هذا السلاح الجرثومي، وكانوا في حروبهم يستخدمون المجانيق في قذف جثث الموتى بالطاعون أو جيف الحيوانات الموبوءة إلى داخل المدن التي يحاصرونها، وكانوا يعرفون من تجاربهم السابقة أن سياسة العمل بالسخرة والتجويع الإجباري من أهم وسائل الإبادة، وكانوا إذا أطعموا ضحاياهم فإن الطعام يحمل لهم السم في صورة الطحين الفاسد واللحم المنتن.. إضافة إلى معاناة الترحيل القسري الجماعي وتقويض معنويات الضحايا ودورها في شحذ أنياب الأوبئة التي تزيدها فتكاً*(21) .

   لم يتبق من سكان أمريكا الأصليين في سنة 1900 سوى ربع مليون إنسان الشيروكيCherokee  والشوكتو Chocctow،  والشيكاسو Chickasow، والكريكCreek،  السيمينول Seminole، وتوسكاروا Toscaroa بعدما حذفت من القوائم 180 شعباً من السكان الأصليين .. قامت الولايات المتحدة الأمريكية بقتلهم على مدى تاريخها تارة بالأوبئة وتارة بالنفايات المشعة مثلما حدث مع من تبقى من النافاهو !!.

     ومع أوائل سنة 1970 بدأ الهلع الأمريكي لتزايد عدد السكان الأصليين ليصل إلى مليون إنسان، تم تجريدهم من إنسانيتهم وثقافتهم وتاريخهم؛ ليقدموا في الإعلام الأمريكي المزور على أنهم من المتوحشين شاربي الدماء سالخي فروات رؤوس البشر؛ فقام الأمريكون بعمليات إجرامية تم الكشف عنها في يوليو 1974 لتعقير 42% من نساء السكان الأصليين .
  
    وفي إطار مسلسل الإبادة تم استخدام السكان الأصليين كحقول تجارب بدلا من الفئران عندما أجرت شركة نورث سلوب تجارب طعم التهاب الكبد الذي منعت منظمة الصحة العالمية استخدامه لتسببه في الإيدز. *(22)

   ولم تكن مصر وشعبها بعيدة عن تلك الأساليب الأمريكية القذرة؛ فتعرضت نساء مصر لبرامج التعقير الطوعي برعاية حكام محليين وأدوات ثقافية ودينية جاهلة أو عميلة وبمشاركة أطباء وصيادلة معدومي الضمير من المسلمين، أو ممن ينتمون لديانات أخرى ذات مصلحة في تقليل الزيادة الديموجرافية للقوى البشرية في مصر تحت ما يسمى بـ « برامج تحــديد النسل »  و « برامج تنظيم الأسرة »، وما قامت به تلك المنظومة من ممارسات إجرامية في الإجهاض الإجرامي والتعقير الطوعي مستغلة جهل الفقراء وحاجة المعوزين، واستهداف الشعب بالأطعمة السامة المُهندسة وراثيا والمبيدات المسرطنة وكافة أشكال الملوثات للتربة والمياه، وانتهاء بمحاولة استخدام صحراء مصر الشرقية في دفن النفايات الذرية للنمسا في السبعينيات من القرت الماضي، وسط حالة من التدليس الإعلامي قادتها «مجلة أكتوبر » بادعاء ساقط وسفيه أن هذه النفايات ستسمح لنا بالدخول إلى عصر الذرة، وحاولت المطبوعة الترسيخ في ذهن القارئ أننا نستطيع أن نستخدم هذه النفايات لصالحنا، مع أن القارئ للاتفاقية يجد أن الجانب النمساوي حرم السلطات المصرية من القدرة على أي تعامل لصالحها مع تلك النفايات، وجعلت له الحق في استردادها في أى وقت، وأن هذه الاتفاقية تجعل من مصر مستودعا لما نسميه « الزبالة الذرية »*(23) لولا ثورة الرأي العام النمساوي وتبني المعارضة رفض موضوع دفن النفايات في خارج الأراضى الأوربية وخاصة مصر لأسباب تتعلق بأمن إسرائيل؛ وذلك لأن الصحراء الشرقية قريبة من الحدود الإسرائيلية وبطرح الأمر على الرأي العام النمساوي .. وجاءت نتيجة الاستفتاء برفض المشروع برمته وكان الفارق في التصويت 2%.

  قتل المصريين هدف أمريكي صهيوني قديم، وما يقوم بها المركز المشبوه « نمرو3» الكائن بحي العباسية بالقاهرة، والنمرو اختصار لعبارةNaval Medical Research Unit ، وتعني « وحدة البحوث الطبية للبحرية» ولهذا المركز دوره المشبوه في انتشار العقم والضعف الجنسي والتخلف العقلي وانتشار الإعاقات الجسدية عبر دوره المشبوه في التدخل بالتلاعب السلبي لتشويه الجينات الطبيعية والمناعية، من خلال ما تقدمه لنا الولايات المتحدة وإسرائيل من أدوية أو بذور، أو أعلاف حيوانية، ومن خلال تدخله في كل الأبحاث في مجالات الزراعة، الثروة الحيوانية، المياه، والأغذية، واستخدام المصريين كفئران تجارب في أبحاث الإيدز، والحمى القلاعية، اختبار أدوية أنفلونزا الطيور (التاموفلو ) وأمراض فيروسات الكبد ( انترفيرون، سيلنيوم سولفيد).

   وابتليت مصر بوباء المخدرات الذي غيب شبابها عن قضايا الوطن الحقيقية، ولم تكن أصابع C.I.A. والموساد بعيدة عن تلك الكارثة* (24)، ويعد فيلم « حرب الأفيون » من الوثائق العالمية الخطيرة عن دور الدول الاستعمارية في استخدام المخدرات في هدم الشعوب .

   وعلى ذات النهج في إبادة الشعوب؛ قامت السلطات الإسرائيلية بوضع مواد كيمائية في الحليب والماء في مدارس البنات الفلسطينيات في الأرض المحتلة لكي يصبن بالعقم*(25)
 
حرب المياه :
ــــــــــــــــــــ

    يتفق معظم الخبراء، والمحللين الاستراتيجيين على أن الحروب القادمة هي حروب تنشأ للسيطرة على مصادر المياه في العالم اللأهمية السياسية والاقتصادية للمياه البالغة في مجال الطاقة والهندسة، وقد بدأت بالفعل حرب المياه، وكانت نذرها الأولى تحويل إسرائيل لمجرى نهر الأردن على مرحلتين فيما بين عامي 1958 ـ 1968 حيث أعلنت إسرائيل التحويل الكامل للنهر في ظل العجز العربي بعد كارثة يونيو 1967، واكتفى البعض بالشكوى لمنظمات دولية متواطئة، واكتفى البعض بالشجب والإدانة؛ ليصبح الأمر الواقع سيد الموقف، ولتحصل إسرائيل على 66% من إيرادات النهر وبقية الدول المشتركة معها (الأردن ـ سوريا ـ لبنان ـ فلسطين ) على نسبة الـ 34 %!!

   كان من المفترض طبقاً لاتفاقية رودس التي برعاية الأمم المتحدة عام 1949 أن يصبح نهر الأردن نهرا مشتركا بين كل من لبنان وسوريا والأردن وفلسطين / إسرائيل، لكن عدم اعتراف العرب بإسرائيل دفعها لتنفيذ مخططاتها من جانب واحد وبدعم مالي وفني أمريكي؛ حيث تم تجفيف بحيرة الحولة وتحويل مياه نهر الأردن لتروي جزءا من سهول بيسان وكميات كبيرة أخرى وصلت إلى النقب لإعماره وتوطين المهاجرين اليهود.

   .. وأدت مشروعات المياه الإسرائيلية إلى قطع المياه العذبة عن مجرى نهر الأردن السفلي إلى الجنوب من بحيرة طبريا وتحويله إلى مصرف للمياه المالحة التي حولتها إسرائيل عن بحيرة طبريا، كما قامت باستغلال جزء كبير من مياه نهر اليرموك وتخزينها في بحيرة طبريا ورفع حصتها من نهر اليرموك إلى 25 مليار م 3 .* (26)

    .. واتبعت تركيا خطى إسرائيل بإنجاز القسم الأكبر من منشآت الـكاب GAP مما أدى إلى انخفاض تدفق مياه نهر الفرات من 18 مليار م3سنويا إلى 9 مليارات م3 سنويا، بينما حاجة العراق الفعلية تقدر بـ 13 مليار م3 سنويا، مما أدى إلى الإضرار بخطط التنمية الزراعية، وخاصة في تعاقب موجات الجفاف التي اجتاحت المنطقة في السنوات الأخيرة.

    .. واستمرت تركيا مستغلة الظروف التي يمر بها العراق في إقامة منشآتها المائية على نهر دجلة ( يقدر عددها بـ 8 منشآت )، وهذه السدود ستعمل على تخفيض كمية المياه المتدفقة تجاه العراق إلى حدود 50%، ولم تضيع إيران الفرصة للحصول على نصيبها من الفريسة، فقامت بتشييد سدود مماثلة على روافد دجلة التي تجري من أراضيها، مما قلل من إجمالي إيراد النهر بنسبة 60 ـ 70% من المياه الواردة من الأراضي الإيرانية تجاه الأراضي العراقية، وتسبب هذا الوضع الخطير بأبلغ الأضرار بالزراعة والسكان في العراق، ويهدد بكارثة بيئية خاصة أن تركيا منذ بدأت في مشروع الكاب المتضمن إقامة 21 سدا و 19 محطة كهرومائية لاستصلاح 1.9 مليون هكتار؛ فقد تسببت نوعية المياه المتصرفة إلى كل من سوريا والعراق في إلحاق أضرار بالبلدين ، غير أن الضرر الأكبر العراق قد وقع على العراق باعتباره دولة المصب، ويرى الخبراء العراقيون أن المنشآت التركية أثرت سلباً على 1.3 مليون هكتار من الأراضي الزراعية ( أي 40% من الأراضي الصالحة للزراعة ) وأجبر العراق على إغلاق 4 مجمعات لتوليد الطاقة الكهرومائية تنتج 40% من الطاقة الكهربائية.

    .. وبالطبع لم تكن مصر ونيلها غائبين عن المخطط الشيطاني؛ .. ففي مارس 1974 نشرت مجلة « أوت » مقالاً بعنوان: « مياه السلام »  للمهندس اليشع كلي مدير التخطيط طويل المدى في شركة تاحال، وهي شركة مساهمة إسرائيلية تمتلك الحكومة الإسرائيلية 52 % من أسهمها، ويمتلك الباقي مناصفة الوكالة اليهودية والصندوق القومي اليهودي، كتب اليشع كلي: «لحل مشكلة المياه التي ستضطر إسرائيل لمواجهتها لبضع سنوات قادمة، رأى اليشع أن الحل في إحضار مياه من نهر النيل إلى النقب الشمالي»، وفي إبريل 1974 ومع أول زيارة لمندوب صندوق النقد الدولي لمصر لعرض حزمة من «الاغتيال الاقتصادي» لمصر، كانت هناك زيارة أخرى متزامنة مع الزيارة المصرية لدولة أثيوبيا لعرض حزمة من الإجراءات عصبها «بيع المياه» لدول حوض النيل وإسرائيل.

   .. وخلال الاندفاع نحو الخصخصة كان كثير من الشركات الضخمة قد وضعت نصب أعينها السيطرة على الشركات الصغيرة، ووضعت خطتها بـ « خصخصة المياه » في أفريقيا وأمريكا اللاتينية والمنطقة العربية .

   .. تم بعث سيناريو إعدام نيل مصر بإحياء خطط قديمة، بدأت مع هزيمة أوربا في حروب الإفرنج، التي دعى إليها الراهب أوربان الثاني في أواخر القرن العاشر الميلادي، والتي أصبحت تعرف في التاريخ الأوربي منذ القرن السابع عشر بـ « الحروب الصليبية» .. ولم يكن لتلك التسمية وجود قبل ذلك التاريخ، ولم تتداول تلك التسمية إلا بعدما أصدر توماس فوللر كتابه «تاريخ الحرب المقدسة» في إطار تزييف التاريخ وإضفاء صفة المسيحية والصليب زوراً على هجرة شعوبية، حملت طابع حروب بربرية همجية لإكسابها طابعاً دينياً والابتعاد بها عن «الإرهاب »  الذين يرمون به غيرهم زوراً .. ساعتها فقط وتحت هول صدمة الهزيمة تفتقت العقلية الشريرة ـ التي أبدعت محاكم التفتيش ـ عن محاولة تركيع مصر؛ فأوعز « البوكرك « قائد الأسطول البرتغالي إلى الملكة هيلانة « ملكة الحبشة » بتحويل مجرى النيل وتعطيش مصر، فوافقت، وأرسل إلى ملك البرتغال ليبعث له عمالاً مهرة في قطع الصخور لإنجاز المهمة ولم يتم المخطط لصعوبات تقنية!!*(27)


   .. وتم إحياء السيناريو من جديد في زيارة تيودور هرتزل لمصر في 25 مارس عام 1903، تلك الزيارة التي عرض فيها على الخائن بطرس نيروز غالي توصيل مياه النيل إلى سيناء؛ لتصبح وطناً بديلا للفلسطينيين عن أرضهم .. وجاء رفض الفكرة من قبل اللورد كرومر لأسباب تتعلق باستقرار الوجود الإنجليزي في مصر .

     .. إلى أن تم حقن المشروع بالحياة في عهد الرئيس أنور السادات، كان السادات بعد حدوث الثغرة ووقوع الجيش الثالث الميداني في الحصار لا يستطيع أن يعصي أمراً للأمريكيين الذين قايضوا على فك حصار الجيش الثالث الميداني بتحقيق المطالب الإسرائيلية،*( 28) أو تجويع الجيش وإجباره على الاستسلام، والانسحاب بدون سلاح في سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ الحروب .. وتحققت أولى خطوات الحلم الإسرائيلي في السيطرة على مياه النيل وتحويلها لصالح إسرائيل؛ بإعلان الرئيس السادات في يوم الثلاثاء 27 نوفمبر 1979 أثناء إعطاء إشارة البدء في حفر ترعة السلام فيما بين فارسكور والتينة عند الكيلو 25 طريق الإسماعيلية ـ بورسعيد، وطلب من المختصين عمل الدراسات لتوصيل مياه نهر النيل إلى مدينة القدس؛ لتكون مساهمة من الشعب المصري لجعل مياه النيل في متناول المترددين على المسجد الأقصى ومسجد الصخرة وكنيسة القيامة وحائط المبكى .
وقال : « باسم مصـر وأزهـرها العظيم وباسم دفاعــها عن الإسـلام تصبح ميـاه النيل هي « آبار زمزم »  لكل المؤمنين بالأديان السماوية .. وكما كان مجمع الأديان في سيناء بالوادي المقدس طوى رمزا لتقارب القلوب في وجهتها الواحدة إلى الله سبحانه وتعالى، كذلك ستكون هذه المياه دليلاً جديداً على أننا دعاة سلام وحياة وخير »*(29)

   .. كان السادات لا يتحرى الصدق في تصريحاته، وكان التلاعب الساداتي بـ « وعي الجماهير » يغلف الكارثة بطابع ديني .. رغم أن الدين لا يعني التفريط في الحقوق الوطنية، وقد شاركت أجهزة الإعلام في خداع الجماهير بالانحياز الدائم لما يقوله بغرض إضفاء الشرعية الشعبية عليه، لكن بيجن في رده على خطاب السادات بتاريخ 4 أغسطس 1980 قد فضح أكاذيب السادات؛ حيث أوضح أنه لم يتم الاتفاق على توصيل المياه إلى القدس، وإنما تم الاتفاق على توصيل المياه إلى النقب .* (30)

   .. كان إعلان السادات عن كارثة توصيل مياه النيل لإسرائيل، وما سبقه من إعلان السادات في يوم الاثنين 23 يوليو 1979 عن إنشاء مجمع للأديان فوق جبل موسى، يضم خمسة أبراج، ثلاثة منها يعلوها الهلال والصليب، والرابع تعلوه نجمة داود، أما الخامس فيضم الهلال والصليب ونجمة داود معاً*(31) وما اتبعه من أوامر لطبع الكتب المدرسية المشتركة بين الإسلام والنصرانية؛ مما يكشف عن ماسونيته، فالماسونية دعوه مشبوهة للتآخي الإنساني وتنحية الأديان تحت شعار زائف ينادي بـ « أبوة الله، وأخوة البشر»، وقد أشارت دائرة المعارف الماسونية إلى أن المحفل الماسوني السوري في اجتماعه بتاريخ 21 فبراير 1958 قد اعتمد أنور السادات أستاذا أعظم شرفيا في المحفل الماسوني الأكبر.*(32)

    .. رأى بعض المحللين أن تصرفات السادات محاولة لتقديم البدائل للصهاينة بمد مياه النيل إلى صحراء النقب؛ لتكون عوضاً عن تخليهم عن الضفة الغربية وقطاع غزة، وأن مجمع الأديان بديل عن القدس التي تتمسك بها إسرائيل عاصمة موحدة !! *(33)

   وفي الوقت الذي أعلن فيه الرئيس السادات توصيل مياه النيل إلى إسرائيل؛ لتكون ماء زمزم الجديدة لجميع الأديان ـ على حد قوله ـ .. وأمعن في حرمان أهلنا في سيناء من قطرة ماء تسقي عطشهم وتروي أرضهم؛ فقد قام المهندس حسب الله الكفراوي وزير التعمير آنذاك بشق ترعة السلام فى أرض سهل الطينة تلك الأرض المتجددة الملوحة.!!

   خراب مصر هدف توراتي؛ كما ورد في سفر يوئيل الإصحاح 3 آية 19: « مصر تصير خراباً » ، ولن تكون مصر خراباً إلا بجفاف النهر؛ حيث يقول سفر إشعياء الإصحاح 11 الآية 15 : « ويبيد الرب لسان بحر مصر» .. الذي هو النيل !! وجاء في نفس السفر في الإصحاح 19 الآية 5 : « ويجف النهر وييبس وتنتن الأنهار وتضعف وتجف سواقي مصر»؛ وفي نفس السفر وذات الإصحاح في الآية 2 جاء: « ويذوب قلب مصر داخلها، وأهيج مصريين على مصريين، فيحاربون كل واحد أخاه وكل واحد صاحبه » ..

    حالة السخط الشعبي على مشاريع السادات وسياسته التي انتهت باغتياله وأدت إلى تعثر إقامة تللك المشاريع، ولم يكن أمام الصهاينة سوى العبث بنيل مصر عبر إغراءات تقدم لدول المنبع، فقد شاركت إسرائيل في إقامة 25 سداً من السدود التي نفذتها إثيوبيا على أراضيها خلال الفترة من أول نوفمبر 1989م وحتى منتصف فبراير 1990 والتي يبلغ عددها 37 سداً على النيل الأزرق وحده الذي يأتي من خمسة أسباع مياه النيل.

    وقد سعت إسرائيل بكل ما أوتيت من وسائل للسيطرة على منابع النيل؛ وكانت تنتظر قيام دولة جنوب السودان؛ لتباشر شراء مياه النيل منها؛ لتصل إسرائيل عن طريق مصر بعد دفع رسوم المرور المقررة لذلك ( 4,5 سنتات ـ 58 قرشاً ـ عن كل متر مكعب)*(34)، وقد لعب البنك الدولي دورًا مشبوهاً في تنفيذ هذا المخطط؛ حيث سعى إلى تسهيل المخطط لتوصيل المياه إلى إسرائيل وبصورة قانونية، ولما حالت مصر دون تحقيق هذا الأمر لجأت إسرائيل إلى ورقة ضغط أخرى هي سد النهضة الإثيوبي لخنق مصر.

.. واليوم إسرائيل تسعى لإلغاء اتفاقيات المياه الحالية عن طريق دعم دول المنبع لتوقيع اتفاقيات جديدة مشتركة بينهم تتجاهل دول المصب، وتعيد تقسيم حصص المياه بتعديل اتفاقية الإطار التعاوني لصالح دول المنبع، وقد نجحت إسرائيل حتى الآن ـ جزئياً ـ في مساعيها حين قامت إثيوبيا وتنزانيا وأوغندا ورواندا في مايو 2010 بالتوقيع على اتفاقية في عنتيبي، ولحقت بهم كينيا ثم بوروندي في 2011 بعد انفصال دولة جنوب السودان، وفي أول إبريل 2011 بدأت أثيوبيا في إنشاء « سد النهضة » .
    وفي 23 مارس 2015 وقع الرئيس عبد الفتاح السيسي والرئيس السوداني عمر البشير ورئيس وزراء إثيوبيا هايلى ماريام خلال اجتماعهم بالخرطوم وثيقة إعــلان المبادئ لـ « سد النهضة » الإثيوبي. . ولم تتضح لنا وسط أجواء التعتيم الاطلاع ـ حتى الآن ـ على ملامح بنود وثيقة المبادئ*( 35) .

   خطورة المشروع معناه نقل مياه النيل إلى النقب الشمالي الغربي؛ لتتصل هذه القنوات الجديدة بالقنوات القديمة المنبثقة من نهر الأردن وتتصل مياة النيل بمياه نهر الأردن، وتمتد شبكة الأنهار إلى الجنوب لتعمير النقب بشرياً وزراعياً وصناعياً وذريا!!

    واقترنت الأفعال المشبوهة بلغة مراوغة، حاول البعض فيها توظيف « خداع اللغة » للترويج الإعلامي لمعانٍ زائفة ولإسقاط تعابير منقطعة الصلة بالقانون، ولا تتفق مع الطبيعة الجغرافية للأنهار، ولا المعايير الدولية للتعامل بشأنها كطرح مصطلح (الأنهار العابرة للحدود)، بدلاً من (الأنهار الدولية) و (الاستخدام الأمثل والتوزيع المنصف والمعقول) بدلاً من (توزيع الحصص) ومصطلح (المياه المتصرفة) بدلاً عن (المياه المتدفقة).

جرائم نظم المعلومات:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    .. و « جرائم نظم المعلومات »  كما سبق أن أوضحنا في مقدمة هذا الكتاب هى أحد أشكال الحرب الباردة، التى لا تشعل نارا ولا تثير دخانا، ومع ذلك تحقق أبلغ الأضرار بالخصم من خلال اختراق أوعية معلوماته الإلكترونية والسطو عليها ومعالجتها واستخدامها في إلحاق الضرر به من الناحية العسكرية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية والثقافية .

    وقد دخلت إلى لغة تكنولوجيا المعلومات مصطلحات جديدة مثل « الجهاد الإلكتروني E- Jihad »  و « الهجوم الانتحاري الالكتروني E- Suicide Attack » ويقصد به أن يقوم فرد بعمل تدميري في شبكة الإنترنت دون أن يخفي نفسه .

     وتنقسم « جرائم نظم المعلومات » إلى سبعة أقسام:

    حرب القيادة والسيطرة، الحرب الاستخبارية، الحرب الإلكترونية، حرب العمليات النفسية، حرب قراصنة المعلومات، حرب المعلومات الاقتصادية، حرب المعلومات الافتراضية.

      وهناك أسلحة متنوعة تُستخدم لتنفيذ هذه الحرب مثل: (فيروسات الحاسوب Virses)، (الديدان Worms) ، ( أحصنة طروادة Trojan horses) ، ( القنابل الذكيةlogic bombs)،( الأبواب الخلفية Backdoors)، ( الرقائق Chipping) ، (الماكينات والميكروبات فائقة الصغر Nano Machine and Miecrobes)، (الاختناق المروري الإلكتروني Jamming )، (مدافع High Energy Radio Freqency والتى يطلق عليها ( Herf ) ، ( وقنابل  Elctro Magntic Pulse التي يطلق عليها (Emp ) .

    وهنا يجب أن ننوه بأن العرب سيكونون الأكثر تضرراً حال نشوب تلك الأنواع من الحروب؛ لكونهم ارتضوا أن يكونوا مجرد إضافات كمية إلى العبث، وقبلوا أن يكونوا عالة على تكنولوجيا وادي السيلكون مكتفين بدور المستخدمين Users يستوردون الصناديق السوداء(أجهزة الكمبيوتر) وحزم البرامج دون أن يكلفوا أنفسهم مشقة فحصها أو التعرف على رموزها وشفراتها، في الوقت التي تتعاون فيه الموساد مع وكالة المخابرات الأمريكية في «تفخيخ» معدات تكنولوجيا المعلومات التي يتم تصديرها للمنطقة العربية تطبيقاً لمبدأ « التجسس من المنبع»*(36)

    .. ورغم حجم الخطر القائم لم تستطع المليارات العربية إقامة مسبك إلكتروني لتصنيع شرائح السيلكون، رغم أن الدول المنتجة لها تستورد منا الرمال المستخدمة في إنتاجه بالملاليم؛ لتعيدها إلينا مُصنعة بالملايين أو حتى مجرد الدخول إلى عالم البرمجة .

حرب المعلومات:
ـــــــــــــــــــــــــــ

    عندما تفشل الضغوط الدبلوماسية، وأساليب «القتل الاقتصادي»، وتصل خيارات القوة العسكرية إلى طريق مسدود، تبدأ الدول المارقة*(37) في حملة تشهير دولية بالشعوب التي ترفض الانسحاق تحت أقدامها، ونعتها زوراً بـ « الدول حاملة لوباء الإرهاب الشرير» و«محور الشر» و «خصوم الحضارة الفاسدون» و «الحاقدون على القيم الأمريكية والرخاء الأمريكي»  و « الخطر الأخضر»  و« الإسلاموفوبيا » .

    .. ومحاولة زعزعة عقائدها والطعن في مقدساتها وخلخلة ركائزها الدينية والوطنية والقومية، وبلبلة أفكار جماهيرها، وبث برامج تزييف التاريخ سواء بإنكار بعض الشخصيات التاريخية أو إسناد الأدوار لشخصيات وهمية، وتغيير حدود الأماكن وتحريف الوقائع وتضليل الوعي وحرف المشاعر .. تلك البرامج التي تختار لها العناصر البشرية الناقلة للعدوى بعناية فائقة .. وهو ما نطلق عليه: «حرب المعلومات»، وسنتاولها بالتفصيل في الفصل القادم .


الفصل الثاني:
ــــــــــــــــــــــ


حرب المعـلومات .. التعريف


   .. لكي نصل إلى تعريف إجرائي لمقومات ما اصطلح على تسميتها بـ  « حرب المعلومات »؛ فإننا لابد من التصدي بالتعريف لمفهوم لفظ: «الحرب »، ومفـهــوم لفظ : «المعلومات »؛ ليتثنى لنا الوصول إلى تعريف مصطلح « حرب المعلومات » .

تعريف*(1) « الحرب »  :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

   الحرب في اللغة اسم مشتق من الفعل حَرَبَ، ويعني الطعن بالحربة، ويعني سلب ما يملكه الآخر.

   .. والحرب كما عرفها كارل فون كلاوزوفيتش*(2) :

    « هي التبادل المنظم للعنف بين فريقين بقصد كسر أحدهما لإرادة الآخر، وفرض إرادة ووجود الطرف المنتصر على الطرف المنهزم »  .

     .. وقد تم تعديل ذلك المفهوم مع الإبقاء على جوهره؛ ليتم تغيير لفظ «الحرب» إلى لفظي « النزاع المسلح »، ويصبح مفهوم النزاع المسلح هو:

    « نشاط مستمر من العلاقات السياسية بوسائل مختلفة لـ « تليين » إرادة الآخر، وليس القضاء عليه وتحقيق الردع « Deterrence » .

   والردع هو: « استخدام وسائل القتال لمنع القتال، أو هو فن عدم القتال، أو فن إدارة الأزمة »*(3).

    ويرى د. فيليب تايلور:

    أن تعريف الحرب هو: « تغليب إرادة جماعة أو مجتمع ما ـ ووجودهما ـ على إرادة ووجود جماعة أخرى أو مجتمع آخر » *(4) .

المعلومات في اللغة:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

    المعلوم في اللغة اسم مفعول من فعل « عَلِمَ inform »، وتدور مشتقات هذا الفعل حول ما يتصل بالعقل، ووظائفه في الإدراك والعلم والمعرفة، وانعكاس تلك العمليات على السلوك إيجاباً من حيث الإدراك الواعي والقدرة على التمييز والمفاضلة وتحديد الوسائل لجلب منفعة أو درء ضرر، أو سلباً من حيث القيام بفعل سلبي مؤذٍ لهدم الذات أو تدمير الغير أو إهدار الموارد أو الإضرار بالبيئة .

    وفعل العلم يناقض الجهل .

   .. ومن الظلم أن نربط المعلومات بعصر دون غيره، ومن الخطأ أيضاً أن نتوسع في إطلاق التســميات بلا ضــوابط تنطبق على صفــات المُسمى وتصنيفـــاته؛ فنســمي زمننا « عصر المعلومات » أو عصر « الانفجار المعرفي » وكأننا أمام حالة من الانبثاق والعشوائية دون سابق مقدمات، أو « الثورة المعلوماتية » وكأننا أمام حدث يحمل في طياته عنصر المباغتة والمفاجأة، وانتهاء بأوسع المقولات وأكثرها شُبهة والتي تسمى العصر بـ « زمن العولمة »؛ فبعض هذه التسميات تحمل سمات « الثقافة الشعبية »، كما تحمل تسمية «زمن العولمة» سمات التآمر، وتنطوي على طابع مقطوع الصلة بالتفكير العلمي؛ فلم يستطع أحد الذين أطلقوا تلك التسميات أن يقدم طرحاً علمياً يفضي إلى إجابة عن التساؤلات :

    متى بدأ عصر المعلومات هذا ؟..، ومتى ينتهي ؟، .. وما سمة العصر الذي يليه ؟

   .. وإذا كان هذا عصر المعلومات؛ فلماذا تقدم من تقدم في سابق العصور؟ وتخلف من تخلف ؟

تعريف المعلومات :
ــــــــــــــــــــــــــــــ

    عرًّف بعض العلماء المعلومات بأنها: « حالة ذهنية » .

   .. وهو تعريف لم يلق قبولاً؛ لكون الإنسان لم يتوصل حتى الآن إلى كيفية عمل العقل البشري؛ وهو ما حدا بفريق آخر من العلماء إلى تعريف المعلومات على أنها :

    « ليست حالة ذهنية، بل هي نتاج حالة ذهنية ما يمكن صياغتها والتعبير عنها وتخزينها في أوعية يمكن تداولها عبر مسارات محددة (الانتقال الموجه )، أو بثها على المشاع لمن يرغب في استقبالها »

    وهو ما أسماه برترام بروكس الجوانب الثلاثة للمعلومات :

ـ البعد اللغوي لأن اللغة هي وسيلة التعبير عما في الذهن من معلومات.

ـ البعد الوثائقي حيث يتم تسجيل ناتج التعبير في أوعية قابلة للتداول.

ـ البعد التنظيمي والذي يشمل جهود الموثقين في إنشاء الهياكل لحفظ واسترجاع المعلومة وسبل الإفادة منها وتحويلها إلى معرفة، ودراسة الأبعاد النفسية والاجتماعية المؤثرة في استثمار المعلومات وتوليدها وإنتاج المزيد منها؛ لكون الظاهرة لا تزدهر وتستمر إلا بدعم وتشجيع مجتمعي .

   .. وارتأى فريق ثالث أن كلا التعريفين السابقين يُدخلان كلا الفريقين في إشكالية أكبر حجماً وأكثر حدة مما بدآ منه .

    كانت حجة الفريق الثالث أن كلا التعريفين يدخلان علماء المعلومات في دائرة التعريفات، وتلتف هذه التعريفات الدائرية حول نفسها، تستبدل غامضاً بآخر ربما يكون أكثر غموضاً؛ لأن طبيعة ـ سبحان الله ـ العلاقة بين المعلومات والكيفية التي يعمل بها المخ البشري أمران مازالا خارج نطاق السيطرة العلمية حتى الآن؛ فلا داعي للتوسع في إطلاق المسميات بلا ضوابط.

    بينما ارتأى فريق رابع من علماء المعلومات أنه لا يمكن الوصول إلى تعريف للمعلومات دون فهم أطوار ودرجات الطيف المعلوماتي المتصل، والمكون من رباعية عناصرها المتداخلة هي :

  البيانات Data، المعلومات Information، المعرفة Knowledge، الذكاء Intelligence *( 5 )

البيانات Data:
ـــــــــــــــــــــــــ

    البيانات هي المادة الأولية والمعطيات الخام ـ البكر ـ التي تُستخلص منها المعلومات؛ فالبيانات هي بنود بطاقة الهوية، ومادة استيفاء النماذج، وقراءة أجهزة القياس، والإشارات التي تنبعث من أجهزة الإرسال، وتلتقطها أجهزة الاستقبال، البيانات هو ما ندركه بحواسنا مباشرة، هي حركة العين، وإيماءة الرأس، وتغيير ملامح الوجه، وإشارات اليد، الخ ........
   فالبيانات هي ركيزة المعلومات.

المعلومات Information :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    البيانات تصبح معلومات عندما يضيف إليها واضعها معنى وبشكل معادلة:

المعلومات = البيانات + المعنى*(6)


    المعلومات هي ناتج معالجة البيانات ـ تحليلاً أو تركيباً ـ لاستخلاص ما تتضمنه هذه البيانات، أو تشير إليه من مؤشرات وعلاقات وتعالقات ومقارنات وكليات وموازنات ومعادلات، من خلال إخضاعها للعمليات الحسابية والطرق الإحصائية والرياضية والمنطقية؛ فهي ليست أرقاما أو حروفا أو نصوصاً فقط، بل تشمل أيضا الأصوات والأشكال، وكل ما يمكن أن يعبر عنه بالرمز بمعناه الواسع، والصور والأصوات، ولغة الكلام ولغة الشكل ولغة الحركة .

   وفي توصيف آخر للمعلومات بأنها تلك التي تؤدي إلى تغيير سلوك وفكر الأفراد واتخاذ القــرارات، وهــو ما لخصـــه الفيلسوف جــريجوري بيتسـون عــالم الأنثربولــوجـي :  ( المعلومات هي أي اختلاف يؤدي إلى اختلاف  Any Difference Which makes A Difference )

   فالمعلومات هي وسيلة أو وسيط اكتساب المعرفة ضمن عدة وسائل أخرى كالحدس     والتخمين والممارسة الفعلية والحكم بالسليقة، وتقاس جودة المعلومات بدقتها واتساق عناصرها واكتمالها وضوحها وخلوها من اللبس ومظاهر التشويش، ومدى قابليتها للتطبيق .

     وأهم ما يميز المعلومات هي خاصية التميع والسيولة، فيمكن صياغتها في صورة قوائم وأشكال بيانية ورسوم متحركة أو صور أو أصوات ناطقة.

   وفي علوم المعلومات تم إرساء مايسمى بـ « نظرية الحالة » : وتعني نظرية الحالة السماح لنا أن نميز بين المعلومات وتميزها وتمثيلاتها الآلية التي تتحول بها هذه التمثيلات إلى رموز أو معادلات .

    أحد الأخطاء الشائعة هو الخلط بين المعلومات وتمثيلاتها، فمثلاً نتحدث عن المكتبات كأنها « مخازن للمعلومات »، وهذا ليس صحيحا على وجه الدقة، فما تجده في المكتبات هي الكتب، ولا تحتوي على معلومات بل على صفحات، وهذه الصفحات تحتوي على علامات مختلفة لا معلومات، فكيف إذن نشأت المعلومات وظهرت في الصورة؟ إنها تنشأ حين ترمز وتمثل بعلامات على الصفحات؛ وكونها مرمزة وممثلة لا يعني أنها «محتواة» في هذا التمثيل والترميز؛ فالفارق بين المعلومات والتمثيلات هو مفتاح معالجة المعلومات.

    .. وقد وردت كلمتا ( العلم والعلماء ) في القرآن الكريم 782 مرة في مقامات مختلفة، جاءت كلها في سياق المدح، ولم تذكر مرة واحدة في سياق الذم على سبيل المثال: ( الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ )، ( الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ )، (  أُولُو الْعِلْمِ  )، ( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)، ( يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ دَرَجَاتٍ )، وفي الآية الكريمة: ( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ )، جرى السؤال على لسان النبي صلى الله عليه وسلم بالأمر الإلهي : « قل »؛ ليبيّن قيمة العلم، وفضل رجل العلم على الجاهل .

   وقد حرص الإسلام مع النزول في أول سورة « اقرأ »  على صياغة ملامح المجتمع الجديد، بما يعطي الانطباع أننا أمام خلق مجتمع وسيلته القراءة وبغيته العلم بغرض إنتاج المعرفة .

   وجاءت الآية الكريمة : « هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ » ، لتوجه النقد الصارم للفكر الذي يسوّغ لنفسه المناقشة فيما لا علم له به، دون تحري جمع المعلومات حول موضوع المناقشة، ولتضع الفكر الإسلامي في طريق العلم وتزوده بأحسن المناهج لاكتسابه .

   وهو ما يقطع بالسبق القرآني للعلماء في عصرنا، الذين تصدوا لتحديد « مــاهية المعلومات »، و « سمات التفكير العلمي »، والتي خلصت إلى كونه تراكمياً ومنظماً ومتجرداً وشمولياً ومحايداً ولا يخضع لهوى .

المعرفة Knowledge:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    المعرفة هي حصيلة المزيج الخفي من المعلومات، والخبرة والمدركات الحسية والمخزون المعرفي والقدرة على الحكم ترسيخا لمفاهيم قديمة أو إدراكاً لمفاهيم جديدة .

    وفي تعريف آخر للمعرفة: « هي الإدراك الواعي للعالم من حولنا » .

   يرى برترام بروكس أكثر المهتمين بظاهرة المعلومات وسبر أغوارها والعلاقة بين المعرفة والمعلومات أن :

   « المعرفة هي حصيلة مفردات المعلومات التي تجمعت وتكاملت فيما بينها لتشكل بنية متماسكة منظمة، أي أن المعرفة هي رصيد المعلومات المنظمة المتراكم، أما المعلومات فهي ما يغير البنية المعرفية للمتلقي ».*(7)

    ويحدد دافنبورت وبروساك المعرفة فيما يلي :

    « المعرفة هي سائل خليط من تجارب محددة وقيم سياقية وبصيرة نافذة، تزود بأساس يقوم ويجسد تجارب ومعلومات جديدة، المعرفة تنشأ وتطبق في عقول العارفين وفي المنظمات غالباً ما تطمر هذه المعرفة في الوثائق والمخاذن وليس فحسب، بل تطمر في نظم البرامج الفرعية والمعالجات والمزاولة والمعايير» .
    
     وبشكل معادلة:

    المعرفة = المعلومات المختزنة + القدرة على استعمال المعلومات *(8)

    .. وقد وردت كلمة (عرف) في القرآن الكريم 29 مرة في مقامات مختلفة، جاء بعضها في مقام ذم أهل الكتاب الذين أنكروا ما جاء في القرآن وسبق ذكره إليه في كتبهم، على سبيل المثال قوله سبحانه وتعالى :

    ( فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ )، وهذا يقطع بأن المعرفة قد يشوبها فساد هوى النفس وميل القلب أو شهوة الأطماع وغُنم المصالح.

   وفي مقام آخر تبدو عظمة السبق القرآني للعلماء من حيث تصنيف اللغـة من حيث كونها :

   ـ إحدى وسائل الحكم لاكتساب المعرفة بعد معالجة المعلومات عبر رصيد الخبرة والمخزون المعرفي، ومن حيث كونها لفظية ( منطوقة Verbal ) باعتبار أن الكلام أحد أشكال التفكير عبر وسيط اللغة، في قوله سبحانه وتعالى: (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ)، أي ما يبدو من الكلام بما يدل على المقاصد .. أي أن اللفظ دال على عقل اللافظ .

   ـ أو من حيث كونها غير لفظية Nonverbal ( لغة الشكل ولغة الحركة ) باعتبارها أحد مصادر المعرفة في قوله سبحانه وتعالى:( وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ)، وقوله سبحانه وتعالى: (يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ)، وقوله سبحانه وتعالى: (تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً)، وقوله سبحانه وتعالى: (وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ).

    ويقسم المختصون المعرفة إلى أنواع ثلاثة :

   1 ـ معرفة دارجة ساذجة Naive : وهي تلك التي يصفها أورد ساروب بـ « البدائية الهمجية غير المكتملة وغير الناضجة والتي تعد خليطا من الآراء والمعتقدات والأفكار المنحازة والأيديولوجيات »، وهي تلك المعرفة التي تبدو بوضوح في مفردات السلوك اليومي والطقوس الاجتماعية اليومية أو في المناسبات ذات الطابع الاحتفالي، وهي أيضا ما يندرج تحتها من معارف العامة عن تفسير الظواهر الطبيعية من كسوف الشمس وخسوف القمر وفيضان النيل والكوارث والأوبئة، وممارسات العلاج بالأحجبة وحفلات الزار وبركات القبور وإخراج الخفافيش من الأماكن المظلمة بالطبل البلدي، وجلب الخير بتعليق سنابل القمح على أبواب المنازل وتعليق المصاحف ورسم الصلبان، ودرء الخطر بتعليق الحيوانات المُحنطة على الجدران .

    .. وقد يمتد تأثير هذه المعرفة الساذجة إلى عقول المثقفين ويبدو جلياً في سلوكهم؛ فيفيض بعضهم في الحديث عن الكرامات، ويصر بعضهم على نقش الوشم، ويعتقد بعضهم في الخرزات الملونة وقدرتها على منع الحسد، وثقة بعضهم فيما تحمله طوالع التنجيم التي تنشرها الصحف !!

   2 ـ معرفة سردية Narrative : وهي ذلك النوع من المعرفة الذي يعتمد بينية سردية تقوم على عنصر السرد عبر وسيلة اللغة في إعادة بناء الوقائع والتذكير بها، ونقلها وتوصيلها إلى من لم يشهدها كتلك المتضمنة في الأحاديث والذكريات التاريخية والخطاب الفلسفي والروائي والخطاب الإعلامي .

   3 ـ معرفة استقرائية Inductive : وهي ذلك النوع من المعرفة القائم على التفحص والملاحظة والدرس بعناية من خلال مناهج منضبطة لربط الظواهر بأسبابها وصياغتها في قانون أو نظرية بغية الوصول إلى التحكم فيها بمعرفة أسبابها .

الذكاء Intelligence:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    الذكاء Intelligence هو الطاقة الذهنية التي نطبقها على معرفتنا السابقة وشواهدنا لتوليد الأفكار واكتشاف العلاقات، وبرهنة النظريات واستخلاص البنى الحاكمة التي تنطوي عليها الظواهر التي تبدو على السطح متباينة ومتنافرة .

   بينما ارتأى فريق من علماء المعلومات إضافة درجة خامسة إلى درجات الطيف المعلوماتي المتصل وهي درجة الحكمة أو الفطنة Wisdom، وهذا الاتجاه يسود في أوساط المنادين بفكرة ما يسمى بـ ( World  WISE )، ولفكرة « التجمع الموسوعي العالمي للمعلومات  Information Synthesis and Encyclopedia »، ولهذه الفكرة جذورها في أفكار المحاميين البلجيكيين ( لافونتين وبول أوتليه ) اللذين أسسا المعهد الدولي للوراقة في نهاية القرن التاسع عشر، والذي تحول إلى المعهد الدولي للتوثيق في بداية القرن العشرين.

الحكمة أو الفطنة Wisdom:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

     يرى مانفرد كوشان أن هناك مستوى خامسا يتجاوز الذكاء ( الفهم أو الإحاطة ) وهو الحكمة أو الفطنة Wisdom حيث لا تقتصر الحكمة على تهيئة الشخص للفهم والإحاطة والقدرة على توجيه الأسئلة عما لا يعلم، بل والسؤال عما يجب أن يعلم لاكتساب القدرة على التصرف .. التصرف السليم بالقدر المناسب في الوقت المناسب وفي المكان المناسب؛ فالحكمة تعني الرشد في معالجة المعرفة والقدرة على اختبارها وتوليد المعلومات الصحيحة من معلومات غير صحيحة أو مغلوطة، عبر تتبع مسارات عدم الاتساق وتعويض النقص في المعلومات غير المكتملة بتخليصها من التشوش أو الالتباس، وذروة الحكمة هي الاستخدام الرشيد للمعرفة.
***

   بينما يرى بعض علماء المعلومات أن هناك أربعة اتجاهات في تصوير العلاقة بين المفاهيم الأساسية المرتبطة بالجانب المعرفي للمعلومات :

1 ـ الاتجاه الأول: يختزل المعالجة بالتركيز على درجتين فقط وهما المعلومات والمعرفة

2 ـ الاتجاه الثاني: ينظر إلى البيانات أو المعطيات باعتبارها الأساس الذي تستند إليه المعلومات، وإلى المعلومات باعتبارها الأساس الذي تستند إليه المعرفة.

3 ـ الاتجاه الثالث: يضيف مستويين آخرين هما الفهم أو الإحاطة، والحكمة أو الفطنة.

4 ـ الاتجاه الرابع: يتجنب مغبة الدخول في متاهات التفاصيل الدقيقة والتعريفات غير المحددة وغير المستقرة، قانعا باعتبار البيانات والمعلومات والمعرفة والذكاء والحكمة أطوارا في الطيف المعلوماتي المتصل، والاختلاف بينها اختلاف في الدرجة ليس إلا، وفي ظل هذا المفهوم تدمج هذه المصطلحـــات اختصـــاراً في مصطلح جامع شامل هو « المعلومات »  .

حرب المعلومات:
ــــــــــــــــــــــــــــ

    وحرب المعلومات هي :

   « حرب المعلومات » في تعريف سيرجي قرة / مورزا في كتابه بعنوان: « المتلاعبون بالعقول » :

    « هي نشاط اتصالي مخطط له لا يحمل عنفاً، يوجه نحو العدو، ويوجه من السلطات نحو شعوبها، ويوجه نحو الشعوب الصديقة .. ويتم تحت غطاء حالة من الرضاء يخلو فيها الخطاب من صيغة الأوامر وصفة الاستعلاء، ولكنه يأتي محملاً بالقيم الزائفة والغرض المُخادع والرسائل الكاذبة ذات المغزى عبر «آليات التلاعب»؛ لتقبل الواقع بصورة قد نراها تتعارض مع مصالحنا، وبطرق غير واضحة أو مفهومة وموجهة نحو أمر ما خفيّ على العقل »  .

   .. ويرى سيرجي قرة أنه : دائما ما تبدأ عملية تضليل الإنسان بـ « التلاعب » بعقله بخطوات بطيئة وتدريجية عبر عمليات الاعتياد دون صدمة ولا ألم، ويتدرج هذا الاعتياد؛ ليولد حالة من الاعتياد الخالي من أي أمل في الخلاص أو محاولة تحرر خلاقة .. فالضفدعة الملاقاة في الماء المغلي تقفز .. وإن كانت مجروحة تحت إحساس الشعور بالصدمة أو الألم؛ بينما الضفدعة الملاقاة في الماء الدافئ؛ فتسبح في القدر مستمتعة بخدر الدفء وهى غافلة عن ملاحظة أن القدر فوق النار، وأن حرارة الماء ستشد .. وتظل مستمتعة هكذا إلى أن تسلق!!* (9)


    .. وحرب المعلومات توجه نحو العدو ونحو الصديق على السواء .. توجه من السلطات إلى شعوبها .. وتوجه إلى الشعوب الصديقة أو االحليفة.

   .. حرب المعلومات توجه نحو العدو لإقناعه بالتحول عن العداوة التقليدية والصراع المصيري إلى حالة التعايش الطبيعي؛ بانتزاع إرادة المقاومة من العقول، وبالتالي انتزاع الأسلحة من الأيدي، والاستسلام لمرحلة الاسترخاء والقبول بالأمر الواقع ( مثلما حدث في معالجة الصراع العربي ـ الإسرائيلي من إقناع صاحب البيت أن يتعايش مع اللص.. وأن يقبل ما يلقيه إليه اللص من بقايا الطعام !! ).

   .. وتوجه أيضا من السلطات إلى شعوبها من أجل الحفاظ على السيطرة الاجتماعية؛ لتلقى تلك السلطات قبولاً من الجماهير، وتحظى بالتفافها حولها، ويقلل من حجم المعارضة لها .
   .. وتوجه نحو الشعوب الحليفة لخلق حالة من الجاذبية لقيم ورموز وثقافة وسلوك شعبها وأنماطه في الاستهلاك، بما يحقق منافع الدولة التي تمارس هذا النوع من التلاعب ومصالح شركاتها بما يدعم اقتصادها.

   .. وتهدف حرب المعلومات إلى التحكم في الوعي، فتحول الإنسان إلى مجرد شيء، .. أو على حد وصف سيرجي قرة / مورزا مجرد زومبي Zombie (10) أو على أليق وصف مجرد روبوت!!

     ويرى هربرت . أ . شيللر أن « حرب المعلومات» :

   « هي نشاط اتصالي مخطط له بوضع أسس عملية تداول المعلومات والصور بعد معالجتها وتنقيحها وإحكام السيطرة عليها.. تلك الصور والمعلومات التي تحدد معتقداتنا ومواقفنا، بل وتحدد سلوكنا في النهاية؛ لإنتاج أفكار وتوجهات مموّهة أو مضللة لا تتطابق مع حقائق الوجود الاجتماعي .. بغرض استحداث معنى زائف، وإلى إنتاج وعي لا يستطيع أن يستوعب بإرادته الشروط الفعلية للحياة القائمة، أو أن يرفضها سواء على المستوى الشخصي أو الاجتماعي . » *(11)

    ويرى شيللر أن التضليل الإعلامي وإنتاج الوعي المعلب وصناعة المعرفة في الولايات المتحدة الأميركية وكيفية التحكم بالرأي العام، تتم عن طريق خمس أساطير جرى ترويجها بعناية وذكاء، حتى باتت تلك الأساطير تشكل الإطار التضليلي الذي يوهم العقول بادعاء الحقيقة، وتتمثل هذه الأساطير التي تسيطر على الساحة الإعلامية بوصفها حقائق.

   ويرى باول لينباجر خبير الدعاية السوداء، الذي ظهرت بصمات أصابعه واضحة في حادث الاعتداء على « عبد الناصر في المنشية »  لخلق صورة ذهنية زائفة لثبات البكباشي جمال عبد الناصر :

   « نشاط دعائي يخاطب التفاصيل الدقيقة والرقيقة من الفكر، التي يحفظ بها الناس تنظيمهم وتوجيههم الشخصي في عالم مزعزع الصلات بين الناس .. ويستخدم لغة: قد تتخذ لنفسها صوت وقع أقدام الجنود .. وقد تتخذ صوت هددة الأم الحانية لطفلها .. وقد تتخذ لغة المدرس البارع ملقناً تلاميذه تعاليم، أو محذراً من إهمال في واجب مدرسي.. وقد تتخذ لغة الحبيب الودود .. وقد تتخذ لغة صغار الطير .. .. وقد تتخذ لغة عسكري الدرك منبهاً من مغبة الوقوع في مخالفة القانون، وقد تتخذ لغة الممثل .. وقد تتخذ لغة البلطجي .. وقد تتخذ لغة الصحفي .. وقد تتخذ لغة الواعظ علي المنبر يرجو للمستمعين خيريّ الدنيا والآخــرة مبشـراً تارة ومنفـراً تارة أخرى .. وقد تتخذ لغـة الطبيب يبث الأمل في مريضـه »*(12)

   .. وأن تستعمل هذه اللغات على التوالي، والعزف على تنويعات بصورة متتابعة ومتناغمة، بما يحقق حالة من « التوقف العقلي » لا يستطيع معها المتلقي سوى تنفيذ ما يطلب منه.

    ويرى نعوم تشوميسكي أن « حرب المعلومات » :

   « نشاط اتصالي مخطط له، ويهدف إلى دفع الناس من التحول بسهولة من موقف لآخر دون الشعور بأن شيئا ما قد حدث »*(13)

     ـ  ففي 8 يناير 1918 أعلن الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون الذي انتخب عام 1916 وكان ذلك في منتصف الحرب العالمية الأولى عن خطة من 14 بنداً ترمي إلى إيصال الدول المتحاربة إلى ما أطلق عليه « سلام بدون منتصر» .. وقد أشعرت ضمانات ويلسون الدول المهزومة بالعزاء، وتشجعت البلاد الواقعة تحت الحكم العثماني في الاتجاه نحو أمريكا طلباً للمساعدة في تقرير المصير والحكم الذاتي .. وكان حلفاء أمريكا يتلهفون لاقتسام هذه البلاد الواقعة تحت حكم الدولة العثمانية التي أنهكتها الحرب، وقد حددت بريطانيا وفرنسا مطالبهم في اتفاقية «سايكس ـ بيكو» .

    كان المواطنون الأوربيون مسالمين، ولا يرون سبباً للانخراط في حرب أوربية بالأساس .. وكان على إدارة ويلسون مسئوليات تجاه الحرب؛ من ثم كان عليها فعل شيء ما حيال هذا الأمر، فقامت بإنشاء لجنة للدعاية الحكومية أطلق عليها (لجنة كريل)، وقد نجحت هذه اللجنة خلال سته أشهر في تحويل المواطنين المسالمين إلى مواطنين تتملكهم الهستيريا والتعطش للحرب والرغبة في تدمير كل ما هو ألماني وخوض حرب ولإنقاذ العالم!!، وذلك بإخافتهم وإثارة مشاعر قومية متطرفة عبر العديد من الوسائل التي كانت على قدر كبير من الفبركة والتزييف للمذابح التي ارتكبها الألمان مثل موضوع الأطفال البلجيكيين ذوي الأذرع الممزقة، وكانت معظم هذه القصص من اختراع وزارة الدعاية البريطانية التي كانت مهمتها آنذاك كما وصفتها تقاريرهم السرية « توجيه فكر معظم العالم »، وكان هذا هو الدرس الذي تعلمه هتلر وكثيرون غيره ويتم اتباعه إلى اليوم، أن الدعاية التي تتم بإشراف الدولة حينما تدعمها الطبقات المتعلمة وحين لا يسمح بأي انحراف عن الهدف بإمكانها أن تحدث أثراً كبيرا.

    وكان هذا الأمر بمثابة إنجاز هائل، وقد قاد بدوره إنجازا آخر؛ ذلك بعد أن وضعت الحرب أوزارها تم توظيف ذلك التكتيك لإثارة هستيريا الرعب ضد الشيوعية ـ كما كان يطلق عليه ـ وقد نجحت إلى حد كبير في تدمير الاتحادات العمالية والقضاء على بعض المشكلات الكبيرة مثل حرية الصحافة وحرية الفكر السياسي، وكان هناك تأييد قوي من وسائل الإعلام وكذلك من قبل مؤسسات رجال الأعمال، وبعد سقوط الاتحاد السوفييتي مازال نفس التكتيك يستخــدم ضد العالم الإسلامي تحت مسمى « الخطر الأخضر »، أو «الإسلاموفوبيا »  .

    والحقيقة أن الإسلام ليس طرفاً في الخصومة مع الآخر من معتنقي الديانات الأخري أو اللا دينيين؛ ولكن الآخــر لا يستطيع العيش بغير عدو يجاهر بعداوته ويواجــهه بسياســات « الاحتواء الدولية »، وبالخطط العسكرية الكفيلة بردعه، فسياسة الولايات المتحدة الأمريكية منذ نشأتها هي « حرب دائمة من أجل سلام دائم »؛ لذا فالاقتصاد الأمريكي قائم على صناعة السلاح التي تعد أهم مصادر الدخل في الاقتصاد الأمريكي .

    ويرى تشكوميسكي أن هناك 10 استراتيجيات للتلاعب بوعي الشعــوب حددها بما يلي :

   ـ استراتيجية الإلهاء .
   ـ استراتيجية اصطناع المشاكل وتقديم الحلول .
   ـ استراتيجية التدرج .
   ـ استراتيجية المؤجل .
   ـ استراتيجية مخاطبة الشعب كأطفال صغار .
ـ استراتيجية استثارة العاطفة بدل الفكر .
ـ استراتيجية إبقاء الشعب في حالة جهل وحماقة .
ـ استراتيجية تشجيع الشعب على استحسان الرداءة .
ـ استراتيجية تعظيم الإحساس بالذنب لدى المواطن.
ـ استراتيجية معرفة الأفراد أكثر مما يعرفون أنفسهم .

    لكن تحديد تشوميسكي لزمن بدء تلك النشاطات الاتصالية المنظمة قد جانبه التوفيق، فهو قديم قدم الإنسانية، وقد جاء ذكره في صفحات من مذكرات نابليون بونابرت تحت ما يسمى: « فن التحكم في البشر »، والتي لخصها في مقولته :

   « حين مثلت ككاثوليكي استطعت أن أنهي الحرب الفانديانية، وحين مثلت كمسلم ثبت أقدامي في مصر، وحين مثلت كأولترامونتانت (يسوعي) استملت إلى جانبي الآباء الإيطاليين، ولو كنت أحتاج إلى حكم الشعب اليهودي لأعدت بناء هيكل سليمان ».

   ويرى د. حامد ربيع أن حرب المعلومات مرادف لمصطلح « التسمم السياسي  Intoxication » وهو من المصطلحات التي ظهرت في الأدبيات الفرنسية في أواخر الستينيات، وهو يدور حول :

   « زراعة أفكار معينة من خلال الخديعة والكذب بحيث يؤدي إلى تصور للموقف يختلف عن حقيقته، مما يترتب عليه عند اكتشاف ذلك نوع من الصدمة النفسية تؤدي إلى شلل نفسي، ومن ثم عدم القدرة على المواجهة، وهذا المعنى يكون التسمم السياسي مقدمة لمعركة أو لاحقاً لهذه المعركة، يقدم بحيث يسمح بتحقيق النصر العضوي بأقل تكلفة ولاحقا بحيث يكمل الانتصار بالقضاء المطلق على الخصم بوصفه وجوداً ذاتياً يناضل في سبيل التمسك ببقائه الحضاري » *(14)


ويتفق ميشيل فوكو مع د . حامد ربيع أن حرب المعلومات هي أهم الوسائل لهدم ما أسماه بـ « رسم الذات Self Stylization»، ورسم الذات تعني:

« كممارسة إنسانية عقلانية للحياة والحرية، وتجري تلك الممارسات بـ « تكنولوجيا الذات Self Technology »  التي تسمح للأفراد بأن يؤثروا من خلال وسائلهم الخاصة، أو بمساعدة آخرين في عمليات محددة على أجسادهم وأفكارهم وسلوكهم وطريقتهم في الوجود، من أجل تحويل أنفسهم لتحقيق حالة محددة من السعادة والطهر والحكمة والكمال، أو اللا أخلاقية أي تحقيق حالة ما أو هدف ما ».

   وهي ما يطلق عليه الكاتب الأمريكي إسرائيل زنجويل: « بوتقة الصهر».

وحرب المعلومات تماثل فكرة الهيمنة عند أنطونيو جرامشي:

    «نظام تسيطر فيه طريقة معينة للحياة والتفكير، وليس فيه إلا مفهوم وحيد للحقيقة، ينتشر في المجتمع بكل مظاهره المؤسسية والخاصة، ويصوغ بروحيته الأذواق والأخلاق والعادات والمبادئ الدينية والسياسية وكل العلاقات الاجتماعية وخصوصاً في ملامحها الثقافية والأخلاقية، فإن الهيمنة هي السيطرة التي يتم التوصل إليها بالموافقة أكثر من القوة من قبل طبقة أو فئة على بقية المجتمع» . (15)
   ويرى د. نصر حامد أبوزيد الذي يبدو متأثرا إلى حد كبير بتجربته الشخصية أنه: «النسق الخطابي الذي فرضته آليات القهر السياسي والاجتماعي بوصفه « الحقيقة المطلقة »  الذي يعد الاقتراب منه بالنقد أو التحليل كفراً وإلحاداً وهرطقة »* (16) .

   بينما يرى والتر ليبمان عميد الصحفيين الأمريكيين أثناء الحرب العالمية الأولى: «أن الثورة في فن الديمقراطية، وأنه يمكن تطويعه لخدمة ما وصفه بـ « تصنيع الإجماع»، بمعنى يجعل الرأي العام يوافق على أمور لا يرغبها بالأساس عن طريق وسائل دعائية .. وأن الحديث عن المصالح العامة ـ من وجهة نظره ـ كفيل تماما بخداع الرأي العام»*(17)

    ويرى ليبمان أن هناك وظيفتين في النظم الديمقراطية :

    الوظيفة الأولى : منوط بها الطبقة المتخصصة الرجال المسئولون يقومون بالتفكير وفهم التخطيط للمصالح العامة .

 والوظيفة الثانية : منوط بها القطيع الضال ( الجماهير من غير النخبة )، ووفق ذلك التحليل ـ من وجهة نظر ليبمان ـ فإن وظيفة هذا القطيع تتمثل في كونهم مشاهدين وليسوا مشاركين في الفعل، فمن وقت لآخر يسمح لهذا القطيع بتأييد أحد أفراد الطبقة المتخصصة، وهذا ما يطلق عليه الديمقراطية وأداتها (الانتخابات).

   بمعنى أن مفهوم الديمقراطية صار نفسه مفهوما شكلياً خاليا من أي مضمون، ويستخدم فقط كشعار أيديولوجي لا يؤخذ على محمل الجد من قبل المحترفين، يقول هارولد لاسويل الذي يعد من أشهر المتــلاعبين بالوعي وتزييف الإرادات في « موسوعة العلوم الاجتماعية » :

    « ليس علينا أن نتنازل للدوجما عن الديمقراطية التي يمكن للناس وفقا لها أن يحكموا على مصالحهم الخاصة ».

   وهو ما تم تطبيقه بالفعل عبر الإرهاب الأسود الذي مارسته حفنة من جنرالات الجيش الجزائري لصالح شركات النفط وبعض الدول الاستعمارية بعد وصول الإسلاميين للحكم في الجزائر؛ لاستئصال الفرق الإسلامية من الحياة السياسية، وهو ما كشف عنه ضابط القوات الخاصة في الجيش الجزائري حبيب سويدية في كتابه بعنوان: « الحرب القذرة»*(18)، وما حدث بعد فوز حماس بالسلطة في مناطق الحكم الذاتي الفلسطيني، والإخوان المسلمين في مصر 2012 .

     وتتفق وجهة نظر هارولد لاسويل مطابقة لمبدأ لينين القائل إن :

   « طلائع المفكرين الثوريين لابد أن تستولي على السلطة عن طريق توظيف ثورات شعبية، كإحدى الوسائل التي من شأنها أن تدفع بهم إلى سدة الحكم، ثم دفع الجماهير الغبية باتجاه مستقبل غير قادرين أو مؤهلين لفهمه أو وضع تصور له؛ لشدة غبائهم وعدم أهليتهم لفعل ذلك » .

    وهو ما عبر عن جوزيف ناي في أطروحته بعنوان « القوة الناعمة Soft Power » بقوله :

   « إننا لا نكتفي بتحطــيم أعدائنا فقط،.. بل نجعلهم يفعلون بأنفسهم ما نريد بما يخدم مصالحنا ».

    وقد اقتبس جوزيف ناي مصطلح ( القوة الناعمة Soft Power ) من ثنائية الصلب والناعم في مكونات الحواسب، فأجهزة الكومبيوتر تتألف من روافد الشق المادي الصلبة ( تكنولوجيا عتاد الحاسوب Hardware ) وروافد الشق الذهني الناعمة ( نظم برامج المعلومات Software)، وقد أخذت تلك المسميات في الانتشار مع بداية التسعينيات من القرن الماضي على أثر انتشار الكومبيوتر والإنترنت.

    عرَّف ناي القوة الناعمة بأنها :

   « القدرة على الحصول على ما تريد عن طريق الجاذبية بدلاً عن الإرغام، وهي القدرة على التأثير في سلوك الآخرين للحصول على النتائج وتحقيق الأهداف بدون الاضطرار إلى الاستعمال المفرط للعوامل والوسائل العسكرية والصلبة؛ لأن القوة لا تصلح إلا في السياق الذي تعمل فيه، فالدبابة لا تصلح للمستنقعات، والصاروخ لا يصلح لجذب الآخرين نحونا » .

   .. ويتفق الجميع على أن الذين يمارسون ذلك النوع من النشاط ليسوا أكثر من فئة من المضللين الذين يطلق عليهم: « سائسو العقول ».

***

   وهنا نعرض لتجربتين من تجارب التلاعب بالوعي في القرن 19 وكيف كانت الدول الاستعمارية التقليدية تتلاعب بوعي الشعوب، قبل أن يبدأ الأمريكيون برنامج « التلاعب بالوعي » بأعمال لجنة «كريل» الذي تميز بالالتواء وشدة التعقيد، هذا البرنامج الذي ليس له مثيل في التاريخ بأبعاده ونفقاته ومدته ونتائجه، وقد اُنجزت أثناء الإعداد له وتنفيذه كمية هائلة من الاكتشـافات، وتراكمت معلومات مهمة عن الإنسان والمجتمع والإعلام واللغة والاقتصاد والبيئة، وأجري الكثير من الاختبارات على الكثير من الشعوب بغرض الأمركة؛ أي تشكيل الآخر على صورة الأمريكي.

   الأولى : تجربة نابليون في مصر، والتي تم توظيف الخطاب الديني المُخادع من قبل الغازي، واستخدام بعض الرموز المتأسلمة ( بعض مشايخ الأزهر من ذوي الغرض والهوى) في توجيه نوعية غير صحية من الخطاب الجماهيري من فوق منابر الوعظ أو عبر الفتاوي المُضللة أو الملصقات الممهورة بتوقيعاتهم، والتي تلصق على الجدران وفي الأسواق وعلى أبواب الحوانيت.

   والثانية : تجربة محمد علي باشا « العنكبوت العجوز » ، والتي تم توظيف غائية الصورة من خلال تيمة الضوء والظلام والظلال والعيون الناعسة والنظرات الثاقبة .
    ليس معنى قدم هاتين الطريقتين أنهما لا تستخدمان الآن، فمازالتا فاعلتين مع اختلاف الوسائل وتنوع الوسائط .

نابليون في مصر:
ـــــــــــــــــــــــــــــ

    قبل أن تنزل قوات نابليون الأسكندرية في 2 يوليو 1798، كان قد أعد ثلاثة منشورات، وهو على ظهر البارجة « أوريان » :

 المنشور الأول :
ــــــــــــــــــــــــــ
    وهو تلقين لجنوده عن دورهم في مصر وكيفية مراءاة المصريين وجاء فيه :

    « اعلموا أن الشعب المصري الذي سنعيش معه يدين بدين الإسلام، وأول قواعدهم « أن لا إله إلا الله، وأن محمد عبده رسوله»، فلا تعارضوهم في معتقدهم، وعاملوهم كما عاملنا اليهود والإيطاليين، واحترموا مشياخهم وعلماءهم، كما احترمنا الرهبان والقساوسة .

   وليكن في نفوسكم من التسامح للتقاليد التي يقضي بها الشرع، والمساجد مثلما كان لكم من التسامح مع الكنائس والصوامع والبيع ومع المتدينين بدين عيسى وموسى، ولقد كانت الجيوش الرومانية قبلكم تحمي الأديان وترعاها، وستجدون في هذه الديار عادات تخالف العادات في أوربا، فلا بد أن تألفوها وتعتادوها، واعلموا أن الناس الذين ستكونون بينهم يعاملون النساء على غير مألفونا، وقد أجمعت الأمم على أن من يعتدي على حرمة المرأة، إنما هو حيوان وبهيم .

    وأما النهب والسلب، فلا يغني إلا فئة قليلة من الأفراد، ولكنه يحط من قدرنا، وينقص من شرفنا، ويبغض فينا قلوب الناس الذين من مصلحتنا أن نكون معهم على صفاء ووداد » .

المنشور الثاني:
ــــــــــــــــــــــــــ

    وهو نداء إلى الشعب المصري يشرح فيه أسباب الحملة الظاهرية، وترجم هذا المنشور جماعة من نصارى الشوام، والمستشرقين ( الجواسيس ) إلى اللغة العربية، وطبع منه 4000 نسخة، ثم طبع منه 4000 نسخة أخرى عند نزوله في الأسكندرية جاء فيه:

    « بسم الله الرحمن الرحيم، لا اله الا الله لا ولد له، ولا شريك له في ملكه ( هذه المقدمة لم ترد في النص الفرنسي الموجود في مكاتبات نابليون في خزائن وزارة الحربية الفرنسية تحت رقم 2723، ولكن يبدو أن المترجمين قد أضافوها إلى النص العربي وعرضوها على نابليون فاستحسنها وأقرها )، من طرف الفرنساوية المبني على أساس الحرية والتسوية ( وردت في النص الفرنسي من بونابرت عضو الانستيتو ناسيونال، والقائد العام ). السر عسكر الكبير أمير الجيوش الفرنساوية ـ بونابرته ــ يعرف أهالي مصر جميعهم، أن من زمن مديد الصناجق الذين يتسلطون في البلاد المصرية، يتعاملون بالذل والاحتقار في حق الملة الفرنساوية، ويظلمون تجارها بأنواع الإيذاء والتعدي، فحضر الآن ساعة عقوبتهم، واحسرتاه، من مدة عصور طويلة هذه الزمرة المماليك المجلوبين من بلاد الأبازة والجراكسة يفسدون في الإقليم الحسن الأحسن، الذي لا يوجد في كرة الأرض كلها، فأما رب العالمين القادر على كل شيء، فإنه قد قضى على انقضاء دولتهم، يا أيها المصريون: قد قيل لكم إنني ما زلت بهذا الطرف إلا بقصد إزالة دينكـــــــم، فذلك كذب صريح فلا تصدقوه، وقولوا للمفترين إنني ما قدمت إليكم إلا لأخلص حقكم من يد الظالمين، وإنني أكثر من المماليك أعبد الله سبحانه وتعالى، وأحترم نبيه والقرآن العظيم (وردت في النص الفرنسي: وأنني أكثر من المماليك احتراماً لله ولنبيه وللقرآن )، وقولوا أيضا لهم إن جميع الناس متساوون عند الله، وأن الشيء الذي يفرقهم هو العقل والفضائل والعلوم فقط، وبين المماليك والعقل والفضائل تضارب، فماذا يميزهم عن غيرهم حتى يستوجبوا أن يتملكوا مصر وحدهم، ويختصوا بكل شيء حسن فيها من الجواري الحسان، والخيل العتاق، والمساكن المفرحة فإن كانت الأرض المصرية التزاما للمماليك؛ فليرونا الحجة التي كتبها الله لهم، ولكن رب العالمين رؤوف وعادل وحليم، ولكن بعونه تعالى من الآن فصاعدا لا ييأس أحد من أهالي مصر عن الدخول في المناصب السياسية، وعن اكتساب المراتب العالية، فالعلماء والفضلاء والعقلاء بينهم سيديرون الأمور، وبذلك يصلح حال الأمة كلها، وسابقا كان في الأراضي المصرية المدن العظيمة، والخلجان الواسعة، والمتجر المتكاثر، وما أزال ذلك كله إلا الظلم والطمع من المماليك أيها المشايخ والقضاة، والأئمة والجربجية، وأعيان البلد، قولوا لأئمتكم إن الفرنساوية هم أيضا مسلمون مخلصون (وردت في النص الفرنسي: الفرنساوية أصدقاء للمسلمين الحقيقيين)، وإثبات ذلك أنهم قد نزلوا في رومية الكبرى، وخربوا فيها كرسي البابا الذي كان دائما يحث النصارى على محاربة الإسلام ثم قصدوا جزيرة مالطا*(19) وطردوا منها ـ الكوالليرية ( فرسان المعبد)*(20) ـ الذين كانوا يزعمون أن الله تعالى يطلب منهم مقاتلة المسلمين، ومع ذلك الفرنساوية في كل وقت من الأوقات صاروا محبين مخلصين لحضرة السلطان العثماني، وأعداء أعدائه، أدام الله ملكه، ومع ذلك فإن المماليك قد امتنعوا عن طاعة السلطان غير ممتثلين لأمره، فما أطاعوا أصلا إلا لطمع أنفسهم، طوبى ثم طوبى لأهالي مصر الذين يتفقون معنا بلا تأخير، فيصلح حالهم وتعلى مراتبهم، طوبى أيضا للذين يقعدون في مساكنهم غير مائلين لأحد من الفريقين المتحاربين؛ فإذا عرفونا أكثر تسارعوا إلينا بكل قلب، لكن الويل ثم الويل للذين يعتمدون على المماليك في محاربتنا، فلا يجدون بعد ذلك طريقا إلى الخلاص ولا يبقى منهم أثر» .

    المنشورالثالث :
   ـــــــــــــــــــــــــــ

   وهو موجه إلى أبي بكر باشا الحاكم التركي لولاية مصر، وفيه يؤكد له أن فرنسا استأذنت السلطان العثماني في تأديب المماليك وقد وافق .


    لعب نابليون في خطابه بثلاث ورقات، الأولى : ورقة الإسلام، والثانية: ورقة الاحترام للسلطة الدينية والزمنية للسلطان العثماني، والورقة الثالثة: تخليص المصريين من ظلم المماليك وبعث القومية المصرية.. والحقيقة أن المزاعم الثلاثة تنطوي على الخداع؛ إلا أن البعض يرى في الزعم الثالث نصف الحقيقة وهو إحياء القومية المصرية كهدف ماسوني للدفع بمصر إلى صدارة العالم وتفسير كل شيء تفسيراً فرعونيا بهدف القضاء على الأديان، وأنسنتها بردها إلى الإنسان وإحلال الأساطير محلها * (21)، ولم تخرج الحملة من مصر قبل تأسيس ثلاثة محافل ماسونية في ثلاث من المدن الكبرى ( القاهرة ـ الأسكندرية ـ طنطا) .

   يصف الجبرتي في كتابه بعنوان: « مظهر التقديس بذهاب دولة الفرنسيس» مكتوب بونابرت في نسخته العربية بأنه خليط من الكلمات المفككة والعبارات الملعبكة .. وهذا صحيح إلى حد كبير؛ فقد بدأ الخطاب بعبارة « بسم الله الرحمن الرحيم » و « لا إله الا الله لا ولد له، ولا شريك له في ملكه »، فيها هدم لعقيدة التلثيث في المسيحية التي يعتنقها نابليون، لكنه في الوقت ذاته لا يقر بنبوة نبي الإسلام، وإن أشار إلى احترامه والاحترام شيء والإيمان والتصديق شيء آخر !!.

  الأمر الثاني : أنه أقر باحترام القرآن الكريم، وهو إقرار كذبته أفعاله بدخول الخيول صحن الأزهر ونهب خزائن الكتب وإهانة المصحف على النحو الذي ذكره الجبرتي :

   « ولكن هؤلاء قد استخدموا أوراق المصاحف؛ ليتنظفوا بعد التغوط ومن ثم يرمونها، وهي ملطخة، وهم لا يستخدمون المراحيض، ولا يستنجون بالماء البتة بل إنهم يستخدمون الأوراق إن وجدوها.»

   الأمر الثالث : كان خطاب نابليون في الطبعة العربية موجهاً إلى الشعب المصري باسم الجمهورية الفرنسية وليس باسمه هو كما جاء في نسخته الفرنسية !!


خداع نابليون للمشايخ :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    وبعد أن استقر المقام لنابليون بدار الألفي بك ناحية الأزبكية، اجتمع بالمشايخ وثبتهم في أماكنهم، وأعطاهم من الامتيازات ما لم يحلموا به طوال حياتهم، وطلب منهم كتابة مكتوب يحث العامة على الطاعة وقد فعلوا، وجاء في المنشور :

    « نصيحة من كافة علماء الإسلام بمصر المحروسة : نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، ونبرأ إلى الله من الساعين في الأرض بالفساد، ونعرف أهل إقليم الأسكندرية أنه حصل بعض فتنة وذلك بمدينة مصر من بعض الجعيدية وأشرار الناس تحركوا بالشر بين الرعايا والفرنسيين بسبب يتصل بقتل جملة من المسلمين ونهب بعض البيوت، ولكن حصلت ألطاف الله الخفية، وسكنت الفتنة بسرعة وانخمدت الشرور بتشفاعتنا عند صاري عسكر أمير الجيوش بونابرته، وقد قبل شفاعتنا ومنع عسكره من حرق البلد ونهبها، بأنه رجل كامل العقل وعنده شفقة ورحمة بالمسلمين ومحبة للفقراء والمساكين، ولولاه لهلك أهل مصر أجمعين، فأنتم لا تحركوا الفتن لتكونوا في أوطانكم مطمئنين، ولا تطيعوا أمر المفسدين ولا تسمعوا كلام المنافقين، ولا تكونوا مع الخاسرين سفهاء العقول الذين لا يقدرون العواقب، فإن الله يؤتي ملكه من يشاء ويحكم ما يريد، والذين حركوا الفتنة قتلوا عن آخرهم، وأراح الله منهم العباد والبلاد، قد نصحنا لكم؛ لتسلموا من الوقوع في البلية، وأن تهتموا لمهمات معاشكم وطاعتكم الدينية والدين النصيحة والسلام ختام ».

   وقد وقَّع عليه الشيوخ :

   مصطفى الصاوي، محمد المهدي، سليمان الفيومي، عبدالله الشرقاوي، خليل البكري، محمد أبا جبرة، محمد الأمير، محمد الدواخلي، يوسف الشبراخيتي، مصطفى الدمنهوري، أحمد العريشي، موسى السرسي .

   يقول نابليون عن هؤلاء المشايخ الذين قبلوا العمالة وخيانة بني وطنهم في الوثيقة رقم 4188 في 19 يونيو 1799 من وثائق جيش الشرق :

   « الشيوخ: البكري، والشرقاوي، والسادات، والمهدي، والصاوي ألزموا أنفسهم بأفضل سلوك كنت أريده، بشَّروا باسمنا كل يوم في المساجد، وكان لتعاليمهم أعظم تأثير على الأقاليم، أغلبهم كانوا من سلالة الخلفاء الأوائل، ويتمتعون باحترام الشعب .» .* (22)

ثمن الخيانة معطف :
ــــــــــــــــــــــــــــــــ

    في الوثيقة رقم 4362 في 16 أغسطس 1799 من وثائق جيش الشرق :

   « أراد القائد العام أن يبرهن على رضائه عن الشيخ الغرياني حاكم الإسكندرية والشيخ المسيري رئيس ديوان الإسكندرية؛ فألبس كلا منهما معطفاً عظيم القيمة » *( 23)

العلم الفرنسي
على رءوس المشايخ :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   بدأ نابليون ممارسة السلطة بجعل أعضاء الديوان «لابسين من عنده»، و « الإلباس» يعني قرار تقليد السلطة الذي يسمى في العرف الدستوري الأوربي Investiture وصورته في العربية عندما أرسي نابليون مبدأ انتخاب رئيس السلطة القضائية، وانتخب الشيخ أحمد العريشي، ألبسه نابليون فروة مثمنة وسار به المشايخ إلى المحكمة الكبيرة في بين القصرين.

   كان نابليون يرى أن تلبيس الزعماء المصريين تأكيداً لوضعه بوصفه السلطة العليا في البلاد، يقول الجبرتي :

  « فلما دخل المشايخ على بونابرته، نهض من المجلس ورجع وبيده طيلسانات ملونة بثلاثة ألوان كل ثلاثة طيلسان عروض ( أبيض وأحمر وكحلي )، ووضع واحدا على كتف الشيخ الشرقاوي فرمى به إلى الأرض، واستعفى وتغير لونه وقال: « بونابرته إن لم يكن ذلك فلازم من وضعكم الجوكارد*(24) على صدوركم »، قالوا: « إن قدرنا يضيع عند إخواننا المسلمين، وقالوا أمهلونا حتى نتروى في ذلك واتفقوا على اثني عشر يوما » .

   بعدها أفتى الشيخ السادات الذي أهدى إليه نابليون خاتما من الماس أن: « ذلك لا يخل بالدين » ، وظهرت العمامة الأزهرية بألوان الطيلسان الثلاثة ( أبيض وأحمر وكحلي ) .. ومازالت على ذلك الحال حتى الآن .


شيوخ الأزهر
والتلاعب بوعي الجماهير:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    لم يكن المستشرق المحارب بونابرت وحده هو المتلاعب بوعي المصريين  فقد شاركه شيوخ الأزهر في اللعبة، وهم واعون بأبعادها؛ ولذا لا يمكن بأي حال من الأحوال اعتبارهم ضحايا لعملية التلاعب بالوعي بل يمكن اعتبارهم «الجانب المقزز» فيها!!؛ ففي الوقت الذي قام فيه كبار شيوخ الأزهر بتشكيل الديوان الذي تولى مسئولية الحكم الصوري بعد استبدال العمامة الأزهرية بعمامة حملت ألوان العلم الفرنسي وتعليق الجوكارد في عروة الفراجيات، وتلقي العطايا من بونابرت .. ورغم محاولات هؤلاء الشيوخ لتأنيب وتحذير المتمردين؛ فإنها لم تأت بنتيجة واستمرت المقاومة، وظلت خطب الجمعة في كثير من المساجد تدعو إلى محاربة الغازي، واجتمع نابليون بالشيوخ العشرة المقربين إليه (السابق ذكرهم وتوقيعاتهم على الوثيقة )، وقال لهم :

    « من الضروري أن نضع نهاية لهذا الشغب، يجب أن أحصل على فتوى من الجامع الأزهر تلزم الناس بأن يقسموا يمين الولاء » .

   وبهت الشيوخ واصفرت وجوههم، وعكست ملامحهم الحزن والرعب الذي في قلوبهم خوفا من العامة، وتحدث كبيرهم الشيخ الشرقاوي مخاطباً بونابرت :

   « أنت تريد أن تنال حماية الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وهو يحبك، أنت تريد أن تحشد المسلمين العرب تحت أعلامك، أنت تريد أن تحمي أمجاد الأمة العربية، وأنت لست وثنياً، كن مسلماً 100 ألف مصري، وأيضا 100 ألف عربي سوف يأتون من شبه الجزيرة العربية من مكة والمدينة؛ ليصطفوا حولك تحت قيادتك، وتنظمهم بوسائلك، سوف يغزون الشرق، وسوف تعيد أنت بناء وطن الرسول صلى الله عليه وسلم بكل عظمته ».

.. وذهل بونابرت وأجابهم :

   « توجد صعوبتان عظميان تعارضان تحولي أنا وجيشى إلى الإسلام، الأولى هي: الختان، والثانية: هي النبيذ .. جنودي تعودوا على النبيذ منذ طفولتهم، لن أستطيع أبداً أن أقنعهم بالتخلي عنه » .

   إلي هنا والأمر لا يخرج عن دور الشيوخ في الدعوة إلى الإسلام، أو القيام بمناورة سياسية لمقتضى الحال في مواجهة غازٍ مُتغلب بالشوكة، لكن ما حدث بعد ذلك هو «الجانب المقزز» لسببين:

السبب الأول : التلاعب بوعي الجماهير لتحقيق مصالحهم الشخصية، ومصلحة بونابرت .

السبب الثاني : امتهان الشريعة وابتذال العلم الشرعي .

    حيث اقترح الشيخ المهدي (يقال إن الشيخ المهدي من أصول يهودية، وتولى منصب شيخ الأزهر في عهد محمد عليّ ) أن يقوم شيوخ الأزهر الستون بدراسة عن هذا الموضوع، وفي الوقت ذاته قام الشيوخ بتسريب شائعة انتشرت عبر المساجد وساهم في ترويجها الوعاظ ومقيمو الشعائر وفحواها :
   
    ( أن الشيوخ منهمكون في تدريس مبادئ الشريعة لبونابرت، وكبار الجنرالات، وأن بونابرت يحفظ القرآن عن ظهر قلب، وأن الشيخين العظيمين السادات والبكري يعتبرانه مسلماً، وقال البعض إنه أسمى نفسه «عليّ بونابرت»، وقال آخرون إنه أسمى نفسه : «محمد بونابرت »، وأنه ينتوي الحج هذا العام، وأنه وعد أن يبني جامعاً كبيراً، وأن شيوخ الأزهر يدرسون إصدار فتوى تسهل إسلام جيش بونابرت بأكمله ).

    وقد أفادت تلك الشائعات الفرنسيين؛ فلم يعد ينطبق عليهم ما جاء في آيات الجهاد في القرآن الكريم، وأحاديث النبي محمد صلى الله عليه وسلم .. أبطل شيوخ الأزهر فريضة الجهاد، وأسقطوا حد السيف دفاعاً عن الوطن!!

سلاح الفُتيا:
ــــــــــــــــــــ

   .. ولكون « الفتيا الدينية » أخطر وسائل غسيل الأدمغة، وأكثرها حسماً في « التحكم في العقول »، وقد ثلت فاعليتها في العملية أجاكس في طهران 1953من خلال فتاوى الآيات والملالي، وأثرها في تغيير السلوك امتثالاً لأمر الله، وتقرباً إليه لكونها تقوم على سند من الشريعة؛ واجتمع شيوخ الفتيا ووضعوا الفتوى ووقعوا عليها وقالوا فيها: إن الختان هو طهارة وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشرعه بل أوصى به فقط؛ ولهذا يستطيع الإنسان أن يكون مسلماً بدون ختان، أما بالنسبة للموضوع الثاني، قالت الفتوى إن الإنسان يستطيع أن يشرب النبيذ ويظل مسلماً ولكنه في هذه الحالة يكون مذنبا .

    أبدى بونابرت سروره من الجزء الأول من الفتوى، وأبدى أسفه على الجزء الثاني منها، وقال: « كيف يستطيع أن يقنع جنوده باعتناق دين يجدون فيه أنفسهم مغضوبا عليهم، وفي وضع عصيان للأوامر الإلهية ؟! »

    وبعد مناقشات أفتى الشيخ المهدي بأن تقتصر الفتوى على نصفها الأول، ويؤجل الجزء الثاني إلى نقاش لاحق، وقامت المساجد في خطبة الجمعة بشرح الفتوى، وتحدث الوعاظ بقوة وفي وقت واحد لصالح الجيش الفرنسي !!

   الجزء الثاني كان موضوع مناقشات انتهت إلى أن شيوخ الإفتاء قاموا بوضع فتوى قالوا فيها :

    « إن من يتحول إلى الإسلام حديثاً يمكنهم شرب النبيذ مع بقائهم مسلمين، شريطة أن يكفروا عن هذا الإثم بالأعمال الصالحة وأعمال الإحسان » .

   .. وخرج نابليون ومن بعده جيشه مدحوراً، وبقيت أعمال الشيوخ عارا معلقا فوق رؤوسهم التي قبلت أن يعتليها العلم الفرنسي في صورة عمامة مازالت باقية إلى يومنا هذا .

ثورة القاهرة الأولى :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

    خدع بونابرت شيوخ الأزهر، ومنحهم الكثير من العطايا، واستعملهم في تحقيق مآربه، وقام الشيوخ بدورهم في « لعبة الخداع »  مشاركين ومنخرطين في أداء أدوارهم فيها، لكن العامة لم ينخدعوا، فقد قصمت الضرائب ظهورهم ونهب العسكر بيوتهم وحوانيتهم، وهدموا أبواب الحارات التي تشعرهم بالأمان، وبعض المساجد؛ فجاء الرد سريعا فى « 2 أكتوبر 1798 » عندما اندلعت ثورة القاهرة الأولى .

   روى نابليون في تقريره لحكومة الديكتوار أن المشايخ من أعضاء الديوان وعلماء الأزهر قصدوا الجهات التي تترس فيها الثائرون ونصحوهم بالكف عن القتال بينما يذهبون إلى كبير الفرنساوية، ويمهدون أسباب الصلح ، فلم يستمعوا لهم وسبوهم وهددوهم بالقتل إن تعرضوا لهم .

   لم يكن للأزهر أي دور في ثورات القاهرة ومايذكر عن دور الأزهر في الحركات الوطنية هو من قبيل تجاوزات المدرسة في الكتابة والتأريخ التي تجنح دائما إلى الادعاء في إطار الترويج للفخار الوطني المزعوم والموروث؛ فالأزهر نشأ في كنف الحاكم ولم يزل قائما في ظله .. يلقى رعايته، ويبذل في مقابلها دعماً للحاكم في سوس الرعية وتبرير تجاوزاته ومفاسده؛  .. فلم يثبت أن شيوخ الأزهر ثاروا أو حرضوا على الثورة إلا من أجل الجاماكية ( الرواتب ) أو الجراية ( مقررات الخبز التي تصرف للطلبة والشيوخ ) .
   حكى الجبرتي على صفحات كتابه بعنوان : « عجائب الآثار في التراجم والأخبار» وقائع الثورة ضد الفرنسيين، يقول الجبرتي : «  فتجمع الكثير من الغوغاء من غير رئيس يسوسهم ولا قائد يقودهم، وأصبحوا يوم الأحد متحزبين وعلى الجهاد عازمين، وأبرزوا ما كانوا أخفوه من السلاح وآلات الحرب والكفاح، وحضر السيد بدر وصحبته حشرات الحسينية وزعر الحارات البرانية، ولهم صياح عظيم وهول جسيم، وذهبت تلك الجموع إلى بيت القاضي؛ ليخرج معهم إلى بونابرت لمطالبته بإلغاء الضرائب الجديدة إلا أنه خاف عاقبة الثورة، فرجمه الثائرون بالحجارة والطوب، ولم يتمكن من الهرب من أيدي تلك الحشود » .

     وأثناء الليل نصب الفرنسيون مدافعهم على جبل المقطم قرب القلعة .

   وفي اليوم التالي استمر الثوار في الهجوم على كتائب الفرنسيين، وقد بدأ نابليون خطته في خنق الثورة بنشر جنوده حول ضواحي القاهرة لمنع أهلها من الانضمام إلى صفوف الثوار، ثم أرسل في طلب مقابلة المشايخ، فلم يجبه أحد، وعندها وبداية من عصر اليوم الثاني أمر نابليون بقصف القاهرة بالمدافع المنصوبة بالقلعة، وخاصة الأزهر مركز الثورة والأماكن المحيطة به.» .

   وخيَّم الحزن على القاهرة، وهُزم الرجال أمام جبروت القوة التي لم يعدّوها؛ فابتكروا أساليب المقاومة الأخرى؛ فرشقوه بالنكات البذيئة، وسلقوه بألسنتهم، وإمعاناً في السخرية منه أبدعوا شخصية «على كاكا»*(25)، وصنعوا منها دُمى من الحلوى، وطافوا بها في الموالد والحارات؛ فأخرجوه من المحروسة مهانا بالنكتة التي أصابته في رجولته، فأفقدته هيبته وأضاعت احترامه، وجعلته وجنوده مسخرة الرجال، والتي يقول عنها الجبرتي :

   «  فلما بلغته الأضاحيك ـ النكات ـ أمر جماعة من أتباع الشرطة بشق الأسواق والحمامات والمقاهي، ونبهوا على الناس بترك الفضول والكلام واللفظ في حق الفرنسيين، وقالوا لهم: من كان يؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر فلينته ويترك الكلام في ذلك، فإن ذلك مما يهيج العداوة »، ويضيف الجبرتي : « وربما قبض على البعض وعاقبوهم بالضرب والتغريم »، .. ويؤكد الجبرتي: « أن الأضاحيك لم تتوقف ولم تنته »؛ فالسخرية هي سلاح المصريين القاتل دون إسالة دماء، ولهم معها تجربة وتاريخ؛ وهي إعلامهم البديل Alternative Media .

   ولم يكن المصريون وحدهم هم الذين فضحوا كذب نابليون، فالعلماء والقادة وكبار الضباط الذين صحبوه في حملته كانوا يعلمون مدى كذبه، وكانوا يسخرون منه وهو عاكف يدبج صيغ المنشور، قبل أن يدفع به إلى المطبعة العسكرية؛ لتطبعه بالعربية والتركية والفرنسية، وتحفظ السجلات الفرنسية رسالة القائد البحري ( جوبير ) إلى وزير بحرية فرنسا والتي يقول فيها :

    « لعلكم أيها الباريسيون تضحكون حين تقرأون هذا المنشور الإسلامي الذي وضعه قائدنا الأعلى .. ولكنه لم يعبأ بكل سخريتنا من المنشور».

   بل إن نابليون نفسه قد اعترف في آخر أيامه بأن المنشور كان قطعة من الدجل، لكنه دجل من أعلى طراز، وعندما كان يجتر ذكرياته وهو سجين في سانت هيلانة، اعترف لأحد خلصائه بما فعل، وبرر سلوكه بأن : « على الإنسان أن يصطنع الدجل في هذه الدنيا؛ لأنه السبيل الوحيد إلى النجاح ».

« الدعاية المضادة »
ضــــد الفـرنســيين :

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

  بدأت الدولة العثمانية بتحريض من إنجلترا في مقاومة الفرنسيين بإيغار صدور المصريين عليهم، فأرسلت عدة منشورات صادر الفرنساوية بعضها وأحرقوه، ويبدو من صيغة المنشورات أنها كتبت بأقلام أوربية وبإرشاد الإنجليز وبتعليماتهم، جاء فيها من عبارات الطعن وتسفيه أحلامهم والاستهزاء بمعتقداتهم والطعن على مبادئ الثورة الفرنسية المنشورات البريطانية المضادة، وجاء في أحد هذه المنشورات :

   « بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على النبي محمد خاتم المرسلين وعلى آله وأصحابه والتابعين إلى يوم الدين، أن الفرنساويين أباد الله ملكهم ونكس أعلامهم، قوم كفار ملاعين، لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، ولا يعتقدون في رسالة محمد ويسخرون من جميع الأديان وينكرون البعث والنشور، وما كتب لعباده تعالى من الثواب والعقاب في الدار الآخرة، ويعتقدون أن المصادفة العمياء هي التي أوجدت هذا الكون وهي المتسلطة في الحياة والموت، وأن الإنسان متى وضع في التراب انحل جسمه ولا يعود إلى حياة ثانية يعاقب فيها، أو يثاب على عمله في الحياة الدنيا، ولهذا هدموا كنائسهم وخربوا معابدهم وكسروا صلبانهم وطردوا قساوستهم ورهبانهم، وعندهم أن كتب الأنبياء والمرسلين ليست إلا أكاذيب وخرافات ملفقة، وأن القرآن والتوراة والإنجيل ليست إلا أساطير الأولين، ويعتقدون أن الأنبياء كموسى وعيسى ومحمد ليسوا إلا أفراداً امتازوا عن غيرهم قليلاً ما، بمعنى أن الله سبحانه وتعالى لم يبعثهم برسالة، ولم يختصهم بنبوة، ولا يعتقد فيهم سوى الأغبياء والمفتونين، ومن رأيهم أن الناس قد خلقوا سواء، ولهذا يجب أن يكونوا متساوين في الحرية، يعتقد الواحد منهم ما يشاء فيما يشاء .

   وعلى أساس هذه المعتقدات الفاسدة وضعوا لهم نظاماً جديداً وشرائع شيطانية بها، هدموا أساس المعتقدات الدينية وأحلوا ما حرم الله، وفتحوا للشهوات البشرية أبواب الفساد، فصاروا أمة همجية بعيدة عن الإنسانية لا تعرف غير الدعارة والشرور .

   ومن مبادئ أولئك القوم الضالين إيقاع النفرة وغرس بذور الخلاف بين الملوك والأمم، وخلق الأسباب للمشاكل والقلاقل بين العباد، ويوهمون الناس بأنهم أنصار الحرية ويفهمونهم أنهم إخوان، وأنهم يعتقدون مثل ما يعتقدون، ويدخلون في صدور عباد الله أوهاما باطلة، ومطامع سافلة، وبذلك سقطوا في بحر لا ساحل له من الفايح والقبائح، ولم تعد لهم ضمائر رادعة ولا نفوس زاجرة، فالحيلة عندهم مهارة والكذب فصاحة ونباهة، ولقد ذبحوا وقتلوا وأهلكوا من قومهم من لا يدين بدينهم .

   ولقد اهتزت جوانب أوربا لهذه الطغمة الشريرة التي انتشرت كالذئاب الجائعة، تهاجم الأمم المطمئنة لهدم قواعد الحكومات وإبادة الأديان واختطاف النساء والأطفال، فسالت الدماء أنهارا، وفازوا في إخضاع الأمم التي رضخت لشرهم وخنعت لأمرهم!

   فما أنتم فاعلون يا حماة الإسلام وأنصار الدين الحنيف؟ يا من تؤمنون برسالة محمد بن عبد الله ! إن أؤلئك القوم الضالين قد ساء فألهم فظنوا المسلمين كأولئك الكفار المنافقين الذين صدقوهم واتبعوا مبادئهم الفاسدة، وغاب عنهم أن الإسلام محفور على صفحات قلوبنا، وأنه يجري مجرى الدم في عروقنا، فهل يمكن أن نترك ديننا الطاهر الحنيف، بعد أن أنار الله سبحانه وتعالى قلوبنا بنوره، وهدانا إلى الصراط المستقيم ؟ كلا ثم كلا! إن الله سبحانه وتعالى لا يرضى لعباده المؤمنين أن يزعزع إيمانهم، وقد قال سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: « إن ينصركم الله فلا غالب لكم » .

   فكونوا يا عباد الله على حذر منهم ولا تقعوا في أشراكهم وحبائلهم ولا ترهبنكم كثرتهم ولا تدهشنكم هيئتهم، فالأسد لا يرهب الثعالب مهما كثر عددها، والنسر لا يخاف البغاث مهما استنسر، وستصلكم الجيوش الجرارة على الصافنات من الجياد لتقضي على عدو الله وعدوكم، وتقذف به في الناروبئس القرار، فلا تيأسوا من روح الله فإنه تعالى حارسكم ومؤيدكم وناصركم، فبعونه تعالى وحول رسوله الكريم ستمحق جيوشنا أولئك الكفرة الضالين، والساعة آتية لا ريب فيها، نصـر الله جيوش الموحــدين وأعــز سلطــان المسلمين » .

   هكذا لعب السلطان العثماني أيضا بورقة الدين بإشاعة أنه «سلطان الإسلام» ونفى عن نفسه الاتهام أنه حاكم أجنبي دخيل ومستعمر .. وفي ظل النظرة المقدسة إليه من قبل البسطاء والجهلاء والمنتفعين جعل من الدين ستاراً يخفي وراءه أغراضاً استعمارية والدين منها براء !!

   لم تكن حيلة كل من بونابرت والسلطان العثماني للعب بورقة الدين هي المرة الأولى، التي حاول البعض بها إدخال الغش على المصريين بداية من الفرعون الإله أو ابن الإله أو الحاكم بأمر الإله ( ملوك الحق الإلهي)؛ فعندما جاء المعز لدين الله الفاطمي*(26) لأول مرة إلى القاهرة عاصمة مُلكه، فاجتمع نفر من أهلها وذهبوا إليه يسألونه عن نسبه وحسبه؛ فامتشق سيفه قائلا: « هذا نسبي »، ونثر الذهب على رءوسهم قائلاً: « هذا حسبي »؛ بينما راح دعاته في الأسواق والجوامع يغزلون له ضفيرة من نسب إلى فاطمة الزهراء بنت سيدنا رسول الله، فلما صعد المنبر في أول جمعة وجد قطعة من رق كُتب عليه :


إنا سمعـنا نســـبا منكــراً *** يُتلى على المنبر في الجامـع
إن كنت فيما تدعى صادقاً *** فاذكر لنا أباً بعد الأب الرابع
وإن تــرد تحقيق مــا قلته *** فانسب لنــا نفسك كالطـــائع
أو فدع الأنساب مستورة *** وادخل بنا في النسـب الرابع
فإن أنساب بني هـــــاشم *** يقصر عنها طمع الطـــــامع

   وذهب المعز بسيفه وذهبه.. وجاء العزيز بالله فادعى حلول نور الله في الأئمة، وأن الأئمة خلقوا من نور الله، وأنهم يعلمون الغيب؛ فسخر منه المصريون، فلما صعد المنبر في يوم الجمعة وجد رقعة كُتب عليها :

بالظــــــلم والجـور قد رضينا *** وليس بالكفر والحماقة
إن كنت قد أُعطيت علم غيب *** فقـل لنا كاتب البطـــاقة

   ولم يجد العزيز بالله بداً من أن يأمر مناديه أن يطوف بالطرقات مُكذبا أمر ما ردده البعض من ادعاء معرفته بالغيب.

   .. وذهب العزيز بالله، وجاء الحاكم بأمر الله فادعى اللاهوت بمعنى حلول الله فيه، وجاء بالشعراء يطرون في صفاته الإلهية، فقال فيه ابن هانئ :

ما شئت أنت لا ما شاءت الأقدار *** فاحكم فأنت الواحد القهار

   وانطلق المصريون ينصبون له الحيل للسخرية منه، ويؤلفون عنه الأضاحيك؛ فأسرف في القتل، وقطع الألسنة حتى أصابه الجنون، واضطرت أخته غير الشقيقة من أم نصرانية لقتله .. وتولى غلمان الدولة العبيدية الحكم من بعده، غير أنه لم تعد هناك مقومات دولة، فسقطت بخطبة جمعة دعا فيها وعاظ المنابر للخليفة العباسي !!

***

   مازال التلاعب بورقة الدين أحد أهم أشكال « التلاعب بالوعي» ، لعب بها الملك فاروق بادعاء نسب إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وهو أمر يدعو إلى الدهشة والعجب.. فاروق ابن نازلي حفيدة الجنرال سيفي الفرنساوي «سليمان الفرنساوي » وفؤاد حفيد محمد علي الألباني سبط النبي محمد .. كيف ؟! هذا هو السؤال!!، ومازال استخدام النص الديني كساحة للعراك بين أصحاب المذاهب الفكرية والسياسية، فأنصار المذهب الاشتراكي يستنبطون من النص القرآني ما يدعم حججهم، وأنصار الرأسمالية يستنبطون منه ما يخدم توجهاتهم، ويثبت خطأ خصومهم !! .. وفي زمن الصراع مع الصهيونية تم تسخير النص الديني لإذكاء الصراع، وبناء العقيدة القتالية للجنود، وبانتهاء الصراع تم استخدام النص الديني في الدعوة إلى السلام وقبول الهوان وتغيير العقيدة القتالية للجنود، وفي مرحلة التعددية الحزبية والمنافسة السياسية رفعت بعض الفرق شعارات: « الإسلام هو الحل»، و « بما لا يخالف شرع الله» و « القرآن دستورنا، والنبي قدوتنا، والجهاد غايتنا، والاستشهاد في سبيل الله أسمى أمانينا» .

   وفي المقابل رفعت بعض التنظيمات القبطية شعاراً مماثلاً يقول: « الإنجيل دستورنا، والقبطية لغتنا، والمسيح قائدنا، والاستشهاد من أجل الصليب أسمى أمانينا » .


أسطورة « العنكبوت العجوز » :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

.. لما بلغ خبر كتاب « الأمير »  محمد علي باشا والي مصــر، طلب إلى القس روفــائيل « أنطون زخومة راهبة »*(27) أن يترجمه له، وأن يقرأ عليه في كل يوم فصلاً، فلما كان الفصل الثالث، أشاح محمد على بوجهه عن عامله، وأشار بيده مكتفياً قائلا ً :

    « ليس فيه ما نحتاج إلى تعلمه !! » .. فقد كان محمد علي ماهراً في أمور الحكم، حاذقاً في مكائده، يجيد لغة الوعد والوعيد أي لغة الثعلب والأسد على حد التعبير الميكيافيللي .

أسطورة « رجل الأقدار» :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   على خلفية غامضة جاء الجندي الألباني المتواضع والعطِل من الثقافة محمد علي إلى حكم مصر، غير أن هناك ثلاث وقائع تدور أحداثها حوله، تكشف لنا طبيعة الجانب الخفي في حياة الرجل، وحقيقة الدور الذي أُسند إليه وعُهد إليه القيام به بدعم من قوى خفية؛ فمشروع محمد علي لم يكن سوى امتداد للمشروع الفرنسي الماسوني الذي انتهى بفشل الحملة الفرنسية على مصر، ولم يكن محمد علي سوى أحد رجال الماسون، بينما يرى إدوار دريو في كتابه بعنوان: « محمد علي ونابليون .. مراسلات قناصل فرنساً في مصر» أن محمد علي استهدى ـ فقط ـ بالمشروع النابليوني في مصر واتخذه دليلا للعمل*(28).

الواقعة الأولى :
ــــــــــــــــــــــــ

   الرواية تقول : إنه عندما صدرت الأوامر العلية العثمانية لمحمد علي بالتحرك بكتيبته إلى مصر لطرد الفرنسيين منها، تحركت قواته بينما تأخر هو عنها يومين لحدث طارئ ادعاه، وفي أثناء سيره للحاق بها وعند بلاد الشام خرجت عليه عصابة من قطاع الطرق كادت تفتك بها لولاً أن تصادف مرور ماتيو ديليسبس قنصل فرنسا في الإسكندرية، الذي كان في طريقه لاستلام عمله في بلاد الشام، ولا ندري إن كان هذا الحادث عفوياً أم مدبراً!!؛ فقد كان ماتيو ديليسبس هو أحد رجال الماسون، وكان سمساراً للمرابين اليهود في تسهيل منح القروض مقابل عمولات يتقاضاها !!

   كان هذا الحادث سبباً في توطد العلاقة بين ماتيو ديليسبس والضابط الألباني الصغير الذي لمع اسمه بعد عدة سنوات، وعندما مات ماتيو ديليسبس شمل محمد علي الحاكم الجديد لمصر ابنه الشاب « فردينالد ديليسبس»  بالعطف، وجعله المُربي الخاص لابنه سعيد الذي وافق ـ عندما جلس على أريكة الحكم ـ على منحه امتياز حفر قناة السويس بشروط مجحفة لمصر .

الواقعة الثانية :
ـــــــــــــــــــــــــ

    ولد محمد علي سنة 1769 ومات والداه في سنة 1773 وعمره 4 سنوات، فكفله عمه طوسون، إلا أن هذا العم قتل بأمر من الباب العالي بعد فترة وجيزة، فأصبح الغلام يتيماً قاصراً . ولم يجد من ينظر إليه سوى صديق لوالده يدعى جرجي براوسطة، فشفق عليه وعني بتربيته مع أولاده .

   ومما يحكى عنه في أيام صبوته أنه كان يتردد على رجل فرنسي مقيم في قولة اسمه ليون، وكان من كبار التجار فشفق عليه وأحب مساعدته، لما توسم فيه من الفطنة والنباهة، فكان يقدم له كثيراً من حاجياته ويسعفه بكل ما في وسعه حتى ألفه محمد علي كثيراً، وهذا سبب وثوقه في الأمة الفرنساوية واستخدامه أفراداً منهم في مصلحة البلاد. * (29)

الواقعة الثالثة :
ـــــــــــــــــــــــــ
   ورد لمحمد علي مرسوم سلطاني بولاية جدة فتظاهر بالموافقة، وفي نفسه ألا يخرج من مصر، فقامت العساكر وطالبوه بالعلوفة* (30) فاستجاب لمطلبهم وسار إلى منزله في الأزبكية، وهو ينثر الذهب على الناس فازادوا حباً له ولخورشيد باشا كرهاً .

   يقول جورجي زيدان ـ مؤرخ الماسونية ـ : « وبعد ثلاثة أيام لا ندري ما دار في أثنائها بينه وبين علماء البلاد ومشايخها*(31) سار المشايخ والعلماء جميعا إلى محمد علي في منزله ينادون بصوت واحد لا نقبل خورشيد باشا والياً علينا »، فقال ومن تريدون، قالوا:  « لا نريد أحدا سواك »*(32)، فامتنع أولاً، وجعل يرغبهم في خورشيد باشا ويحملهم على الإذعان والسكينة وهم لا يزيدون إلا إصراراً على طلبهم، فوافقهم فأحضروا له الكرك والقفطان وألبسوه إياهما!!، وبعثوا بذلك للباب العالي .

محمد علي والإخراج
المسـرحي للســلطة :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

   كان محمد علي بارعاً في إتقان تلك المشاهد التي تتعلق بالإخراج المسرحي للسلطة، والمشاهد الاستعراضية لها .. وكان حاذقاً في تحضير المشاهد وكيفية إنتاجها، وكيف يتم استهلاكها أى الفرجة عليها والتأثير على مشاهديه ؟!

   كان محمد علي كثيراً ما يستقبل زواره الأوربيين، وهو يعلم مسبقاً أن عددا كبيرا منهم سوف يسجل انطباعاته عن مصر وعن حاكمها في كتب ومقالات ستقرأ في أنحاء أوربا (تلك الكتابات التي تحولت ـ فيما بعد ـ إلى مصادر أساسية للمؤرخين ) .

   ففي ديسمبر 1826 أي بعد انقضاء أكثر من عشرين عاماً على ارتقاء أريكة الحكم في مصر زاره أحد النبلاء البريطانيين، ويدعى لورد ليندساي في قصره في القلعة، وبعودته إلى بلاده نشر كتاباً سجل فيه انطباعه عن رحلته المثيرة شكلت فيه زيارة محمد علي في قصره فصلاً مهماً وشيقاً جاء فيه :

   « لقد زرنا العنكبوت العجوز في عرينه أي القلعة .. وبعد أن سرنا في ممر واسع مصقول بالرخام صاعد لأعلى، وبعد أن اجتزنا صالة فخمة كانت مكتظة بالحشم وجدنا أنفسنا في صالة الاستقبال، وهي قاعة عظيمة ضخمة ولكنها كانت خالية من أي أثاث، اللهم إلا من ديوان عريض أو أريكة امتدت حول ثلاثة جوانب من القاعة، في ركن منها جلس سمو محمد علي القرفصاء، وكانت هناك ستة شمعدانات في وسط القاعة، ولكن ضوءها كان خافتاً » .

   يعتبر هذا الوصف الذي أورده اللورد ليندساي وصفاً نمطياً فسوف نجده مكررا في الكثير من كتب الرحالة الجانب عن محمد علي في قصوره التي استقبلهم فيها، خصوصاً البريطانيين منهم؛ فتيمات Themes النور والظلمة والنظرات الثاقبة الخلابة، كانت عناصر أساسية في بناء تلك الروايات عن محمد علي الباشا الأسطوري الغامض .

   بالإضافة إلى تيمة الضوء والظلال، شكلت عينا الباشا ونظراته موضوعاً أساسياً آخر استفاض الرحالة في الحديث عنه، فمستر رامساي صديق لورد ليندساي وصف نظرات الباشا بالشكل الآتي :

   « لم يكن الباشا يوجه حديثه إلى أي من رعاياه تحديداً، ولكني لاحظت نظراته الحادة اللئيمة تسيطر على كل الحاضرين، ولم يكن الضوء قويا بشكل يمكنني من الملاحظة .

   ولكني أوافق الرحالة السابقين وصفهم لنظرات عينيه الثاقبة، أما بخصوص ملامحه؛ فمن المستحيل الكلام عنها أو تشكيل أي صورة عن ملامح وجهه » .

   بعد ذلك بسنوات زار د. وايلد والد الكاتب أوسكارد وايلد محمد علي، وفي إطار الحديث عن نظرات الباشا يقول :

   « وبالرغم أننا لم نره إلا لبرهة قصيرة فإن التفاتته نحوي لم تمر دون أن تجعلنا نشعر بقوة تلك النظرة، التي قلما شاهدت في حياتي نظرة تماثلها في البريق والنفاذ » .

   لكن الرحالة جيمس سان جون*(33) الذي استطاع أن يتحاشى أسر نظرات الباشا، وأن يعي جيداً محاولات الباشا له للتأثير عليه، وأن يفلت من محاولاته للتلاعب بوعيه، له رأي آخر وهو أقرب إلى حقيقة محمد علي :

   « محمد علي رجل ذو هيئة متوسطة .. ملامحه عادية إن لم تكن فظة ولكن يلمع فيها الذكاء، وتشع عيناه بذلك البريق الذي يجعلني لن أندهش إذا سمعت أحدهم يصفه بحسن الهمة، وهو لا يختلف كثيراً في لباسه عن غيره من السادة الأتراك، على أن تصرفاته وأخلاقه تقترب كثيراً من الجلال الذي يحيط بالملوك، ولكن لا يمكن فصل ذلك الوقار عن الاستحواذ على السلطة ؛ فالرجل الذي باستطاعته أن يأمر وينهي وبغض النظر عن هيئته وسحنته وملامحه، سوف يبدو دائما وكأنه صاحب جلال ووقار، مثله في ذلك مثل العقرب، صغير في حجم الحلزون، ولكننا ننظر إليه بخوف ورهبة؛ لأنه من المفترض أن لدغته تحمل الموت » * (34).

    كان هذا الوصف لحالة الرجل أقرب إلى الحقيقة، وهو مطابق للوصف الذي أورده نوبار في مذكراته، لكن الجديد الذي أضافه نوبار كان عن لحظات محمد علي الأخيرة، بعد أن أصابه خرف الشيخوخة « الزهايمر»، وفقد القدرة على التلاعب بوعي الآخرين والتأثير فيهم بغير الحقيقة، يقول نوبار:

   « كان كلما أفاق للحظات من غفلته الذهنية المستمرة يطوف شوارع القاهرة في حراسة مماليكه وسط جموع الناس، التي كانت تنظر إليه باحترام، ويرون فيه أحد المجاذيب (ويعني الشخص الملهم من عند الله)» .

   .. ويروي نوبار أنه عندما أخبر بوفاة ابنه إبراهيم باشا رد قائلا :

   « كنت أعرف لقد حبسني.. كان قاسيا معي كما كان مع الجميع.. لقد عاقبه الله وأماته، لكني أجد نفسي لكوني أباه من الواجب أن أترحم عليه وأدعو الله له»، وعاش محمد علي بعد هذه الكلمات لعدة أشهر تطارده دون هوادة فكرة أنه ما زال محبوسا ».

    تلك طبيعة الطغاة الذين يستخفون بالشعوب، ولا يدركون الحقيقة إلا بعد أن يزول عنهم سلطانهم، فيصبحون موضعاً لشفقة لا يستحقونها حتى يموتوا كمداً !!

   يرجع البعض إصابة محمد علي بالخرف إلى أنه أصيب بالدوسنتاريا، وحاول الأطباء علاجه بنترات الفضة التي تسببت في فقده للذاكرة، بينما يرى آخرون أنه عندما غضب من ولده إبراهيم*(35) اعتكف في قصر محرم بك، وللتسرية عنه أحضرت له ابنته نازلي جارية صغيرة تؤنسه، مما دفعه إلى تعاطي بعض المقويات التي أثرت سلباً على ذاكرته.

محمد علي
لم يكن نابغة :
ــــــــــــــــــــــ

   والحقيقة أن محمد علي لم يكن نابغة، فقد كان جنديا متواضعاً وعطلاً من الثقافة أمياً يجهل القراءة والكتابة حتى آخر يوم في حياته، ولم يكن مشروعه في مصر سوى استنساخ حرفي للمشروع الفرنسي ـ الماسوني الذي بدأه نابليون بحملته عليها .

البعثات إلى أوربا:
ـــــــــــــــــــــــــــــ

   لم تكن فكرة البعثات المصرية إلى أوربا من بنات أفكار محمد على، إنما كانت فكرة بونابرت الذي كان منتبهاً لأهمية الثقافة في تغيير السلوك، في الوثائق الفرنسية لـ «جيش الشرق » وثيقة تقول :

   « إن نابليون بعد أن غادر مصر أرسل إلى خليفته كليبر يطلب منه انتقاء 500 شخص من الصفوة الاجتماعية في مصر وإرسالهم إلى باريس للبقاء فترة، يتعرفون خلالها على الحياة الثقافية في فرنسا، يعودون بعدها محملين بهذه الثقافة، ويعملون على نشرها فكراً وسلوكاً، فيتم الاستيعاب والتوحد، وتزول مشاعر الغربة والاغتراب »*(36) .

التجنيد الإجباري :
ــــــــــــــــــــــــــــ

   تحاول الدراسات المزورة أن تنسب إلى محمد علي فكرة إنشاء جيش قائم على التجنيد الإجباري؛ فهذه الفكرة أيضا لم تكن من بنات أفكار محمد علي، إنما كانت فكرة بونابرت؛ فالوثائق الفرنسية الخاصة بـ «جيش الشرق» توجد وثيقة مضمونها « مذكرة عن الإدارة المحلية » تقول:

   « الدولة ـ مصر ـ يجب أن تتعود تدريجياً على فكرة التجنيد الإجباري للجيش والأسطول، لما له من أهمية خاصة وهو أن نجمع بضعة آلاف من السود من سنار ودارفور، ونضمهم إلى القوات الفرنسية بنسبة 20 رجلاً لكل فوج بسبب تعودهم على الصحراء، وحرارة خط الاستواء، سوف يصبحون بعد ثلاثة أو أربعة أعوام من التدريب والتجارب جنودا صالحين ومخلصين .

   ويجب علينا أن نتكيف مع أساليب الشرق، ونترك القبعة والبنطلونات الضيقة، ونعطي ملابس قواتنا شيئاً من النمط الشرقي؛ بمثل هذه الملابس تبدو قواتنا لأهل البلاد وكأنها جيش وطني، ونحافظ بهذا على عادات الدولة » .* (37)

   ولم تكن مشاريع الري ممثلة في قناطر القاهرة ( القناطر الخيرية ) وشبكة الترع إلا من أفكار السان سيمون، وهم حفنة من الماسون الفرنسيين من خريجي مدرسة البوليتيكنيك، الذين أخذوا على عاتقهم تنفيذ الأفكار العملية للماسونية مستعينين برجالهم في شتى الأماكن، وكان من رجالهم في مصر رفاعة الطهطاوي وعلي مبارك.

   أما ما يروجه المضللون عن إنشاء محمد علي للترسانة البحرية فهو محض تضليل؛ فقد أنشأ مراد باشا تلك الترسانة في بولاق، ولم يكن لمحمد علي سوى فضل التوسع فيها ونقلها إلى الإسكندرية.. أما ما يروجه المضللون عن أن محمد علي هو الذي أدخل زراعة القطن في مصر فهو محض هراء، فقد دخلت زراعة القطن إلى مصر قبل الحملة الفرنسية بعقود، وقبل أن يأتي محمد علي إلى مصر!!* (38)


***

    .. التجربة أثبتت أن محمد علي لم يكن ذلك الرجل الذي تم الترويج له بمعرفة أولاده وأحفاده مستعينين ببعض المرتزقة الأوربيين المتخصصين في تزوير التاريخ والتضليل ونشر الأكاذيب التي مازالت سائدة لدى قطاع كبير من الناس حتى الآن !!.. وقد انتهى الرجل إلى مصير متواضع يستحقه، وهو أن يطلب في استجداء أن يترك له حكم الدولة التي زعم أنه بناها، وأن يبقي حكم مصر وراثياً في أسرته، وقد أُجيب إلى ذلك في اتفاقية لندن 1840 .

الخديو إسماعيل
واستغلال « عاهته » :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    ولم يقتصر الأمر على لعبة النظرات الثاقبة لمن يستطيعها؛ فأدخل صناع « الصورة الذهنية » ألاعيبهم؛ ليجعلوا لأصحاب العاهات من لعبتها نصيباً، يقول إلياس الأيوبي عن نظرات الخديو إسماعيل الذي كان يعاني بعض متاعب الرمد في عينيه :

   « وكان إذا حادث إنسانا، كسر على عينه اليمنى، وشخص إلى محدثه باليسرى، شخوصاً مزعجاً، لشدة تألقها: كأنه يريد أن يجتلي أعماق أفكاره، بالنور الساطع المنبعث عنها ».

وبلغه مرة، أن أحد القناصل العامة، قال، بعد مثوله بين يديه ومحادثته وانصرافه: « إنه إنما ينظر بعين ويسمع بالأخرى »، فقال: «وإني لأفكر بالاثنتين معاً »* (39 )


جمال عبد النـاصـــر
ولعبة « النظرات »:
ـــــــــــــــــــــــــــــــ

   أجاد البكباشي جمال عبد الناصر لعبة استغلال «النظرات الحادة» والتحديق المُركز في عيون المتعاملين معه، وقد وصف بعضهم نظراته بالنظرات المرعبة التي لا يمكن مواجهتها، وأشاع المقربون منه تلك الأكذوبة في أوساط المتعاملين .

   .. قد يكون البكباشي جمال عبد الناصر، وقبل أن يصبح رئيساً قد تدرب على ممارسة هذا النوع من السلوك، بما ترسخ في عقله وعقيدته من إيمان بالخوارق Paranormal وبعض الغيبيات التي أولاها اهتماما مثل عمليات تحضير الأرواح، التي قرب إليه بعض المشتغلين بها مثل الدكتور رءوف عبيد أستاذ القانون بجامعة عين شمس الذي أهمل القانون وسار في طريق الخرافة !!

   كما كان الرئيس جمال عبد الناصر مولعاً بالتنجيم وقراءة الطالع، فقرب إليه بعض مدعي العلم والدراية بتلك الأمور من أمثال الشيخ محمد رضوان والشيخ محمد أحمد السمان أحد المشايخ السودانيين، والبابا كيرلس الذي استن له قانون « القرعة الهيكلية» ليصل به إلى كرسي الباباوية .

   .. والحقيقة أنه لم تكن وراء نظرات الرئيس جمال عبد الناصر سوى شخصية هشة تخفي حالة من الضعف، وليس أدل على هذا الضعف من ادعاء الشجاعة في أوقات ما قبل الأزمات وبعد انتهائها .. أما في ساعات الأزمة فهو مجرد شخص مهزوز، وهو ما يؤكده لنا موقفان أثناء العدوان الثلاثي على البلاد في سنة 1956 :

    الموقف الأول : بعد الإنذار الإنجليزي الفرنسي طلب عبد الحكيم عامر وصلاح سالم من عبد الناصر تسليم نفسه إلى السفارة البريطانية لتجنيب مصر الخراب، وسرعان ما أشار عبد الناصر عليهم ـ أعضاء مجلس مجلس الوزراء ـ بإعداد جرعة من أقراص سيانيد البوتاسيوم لكل عضو من أعضاء مجلس الوزراء للانتحار؛ إذا وقعت الهزيمة ولم يقتلهم البريطانيون بدلاً من الوقوع في الأسر !!* (40)

   .. ومنذ ذلك اليوم قد أصبح روتيناً أن تعد الأجهزة جرعتين من السم تسلم إحداها لرئيس الجمهورية والأخرى لوزير الحربية .

   الموقف الثاني : أنه في اللحظة التي كانت السفن الحربية الأنجلو فرنسية تبحر في اتجاه بورسعيد قادمة من قاعدتها في مالطة كان الرئيس عبد الناصر في حالة من التوتر العصبي؛ حتى أنه كان يخاف أن ينام وحده أثناء الأزمة في مقر القيادة، وطلب من عبد اللطيف البغدادي ـ حسب شهادة البغدادي ـ أن يشاركه غرفة نومه !!.. إلا أنه لما بدأت مغامرة على الرأي العام العالمي تؤتي ثمارها استعاد رباطة جأشه؛ فأعلن في خطاب تحد أذيع على الشعب ويطالب بالانسحاب.* (41)

   .. هكذا كانت حقيقة الرجــل ذي النظرة المرعبة والصوت العالي الذي أجاد « لعبة الخداع »!!

***

   .. وهكذا كما يُحاط الإنسان في بيئته الطبيعية بحقول فيزيائية Atmosphere تكفل له أسباب الحياة واستمرار النوع، فإنه يتم حصار «المتلاعب بهم» بحقول عقلية مصنوعة يطلق عليها Noosphere أو المجال العقلي المبنى اصطناعياً، بحيث يمكننا القول إن الإنسان يعيش في عالم الثقافة المبني اصطناعيا دون عنف أو إكراه، وحيث يكون التضليل الإعلامي هو الأداة الرئيسية للهيمنة الاجتماعية؛ حيث تصبح محطات الإذاعة وشبكات التليفزيون والصحف والمجلات وصناعة السينما ودور النشر ومواقع الإنترنت وخطب المنابر وعظات الكنائس جاهزة تماما للاضطلاع بدور فعال وحاسم في العملية التضليلية.

   .. ولتحقيق تلاعب ناجح، فهذا يتوقف على قدرة القائمين بعملية التلاعب على إنكار وجودهم وإخفاء تأثيرهم .. وإخفاء الأساليب التي يمارسون من خلالها سيطرة توجيهية، في ظل رعاية تبدو في ظاهرها معتدلة أو طبيعية، ويبدو فيها « المتلاعبون أو سائسو العقول» والقائمون على قوى السيطرة الاجتماعية وكأنهم لا يفعلون شيئاً !!، عبر عمليات:

   ـ اختيار العناصر الناقلة للعدوى، من الشخصيات التي تفتقد التكيف مع مجتمعاتها، أو التي تملك أسباب الضغينة لها، وإعدادهم وتدريبهم والنفخ فيهم وتكبيرهم والترويج الزائف عنهم، ومنحهم الفرص للظهور في المحافل والمؤتمرات، والتواجد الإعلامي الدائم في شتى المناسبات، والدعم الدائم لهم بالجوائز الدولية، والألقاب العلمية أو التشريفية !!

   ـ ( غسيل المخ )، والإساءة إلى القيم الحقيقية التي تم بلورتها على مدى التاريخ، وزرع ( ذاكرة جديدة )، تحل فيها القيم الزائفة محل القيم الأصيلة .

   ـ تزوير التاريخ، وإقناع « المتلاعب بهم » به .

   ـ إثارة الفتن وخلق النماذج الذهنية والدينية والطائفية والعرقية المتناحرة، وزعزعة الاستقرار، وإفشال الدول والحكومات .

***

    وهو ما ستناوله بالتفصيل عند الحديث عن : « حرب المعلومـــات، الوسـائط .. والتطبيقات »، و « أساطير التلاعب بوعي الشعوب » .
 

الفصل الثالث:
ــــــــــــــــــــــ

حــــرب المـعــــلومـــات
الوسائط .. والتطبيقات !!
 





     تهدف « حرب المعلومات » إلى بث اليأس والإحباط في قلوب الجماهير، وانقلاب الناس على نظمها الشرعية، وقادتها الشرعيين، والتشكيك بقضاياها ورموزها ومقدساتها، وزرع فكرة المستقبل القاتم، وعدم الجدوى من مواصلة الطريق، وأن هذا الطريق خاطئ ومدمر وانتحاري، ولا عقلاني، وغيرها من الحملات الإعلامية والعناوين الزائفة والقيم الخادعة والاتهامات الباطلة والشائعات المتواصلة والمبرمجة الطويلة المدى، والتي تجعل الإنسان أشبه بـ « الزمبي » على حد وصف سيرجي قرة أو بـ «الصرصور » المقلوب على ظهره يحرك أطرافه، لكنه لا يستطيع النهوض أو السير على حد تعبير كافكا في روايته بعنوانة : «المسخ» التي كان بطلها إنساناً تحول إلى « صرصور »، وتعتمد «حرب المعلومات» في هذا على آليتين هامتين هما « التلاعب بالوعي »، و « افتضاض الضمير».

مفهوم « التلاعب بالوعي »:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

     «التلاعب» كلمة تحمل معنى سلبيا؛ فهو يعني التأثير علينا بشكل لا يرضينا، بحيث نبدو أمام أنفسنا مخدوعين أو مضللين أو مغفلين أو مضحكوك علينا أو مغرر بنا؛ بما يجعلنا  نتخذ قرارات ضد مصالحنا ونجد أنفسنا معها خاسرين أو حمقى .

    كلمة تلاعب manipulation كلمة لاتينية هي manipulus  وتتكون من مقطعين هما (manus أي اليد، قبضة، حفنة و ple وتعنى ملء ) وتعنى الكلمة في المعاجم الأوربية التعامل الحاذق مع أدوات التحكم بالآليات التقنية التي تعد امتداداً لليد (العتلات ـ القبضايات)، وتسمى أدوات التلاعب  manipulator  أو من عمل المواد النشطة إشعاعيا ..  وأدوات التلاعب التي تقلد اليد البشرية .

    ومن هنا نشأ المعنى المجازي لهذه الكلمة؛ فـ «التلاعب» هو:

   « التعامل الحاذق مع الناس كما مع الأشياء والأهداف بنوايا ومقاصد محددة تختلف تماما مع المُعلن، وعلى هذا النحو فإن مصطلح التلاعب تدل على مهارة اليد في التعامل مع الأشياء التي تؤدي إلى التحكم بسلوك البشر، ويرمز لهذا التحكم فقط بالتحكم المترافق بالمهارة، وأن يكون له صفة التخفي »*(1)

    وتشكلت استعارة «التلاعب» تدريجياً حيثُ يرى علماء النفس أن المرحلة المهمة فيها كانت الدلالة على ألعاب الحواة؛ حيثُ يقوم الحاوي بحركة يديه بتشتيت الانتباه، في الوقت الذي يدعو فيه بالكلمات إلى التركيز أو ما يطلق عليه « وهم الإدراك »* (2)
يفسر معجم أكسفورد كلمة التلاعب بأنها :

   « فعل التأثير في الناس أو التحكم بهم بمهارة واستهانة مبطنة خصوصاً، كتحكم أو معالجة مخفيين » . 

    بينما يعرف معجم علم الاجتماع المعاصر الصادر في نيويورك سنة 1969 التلاعب بأنه:

   « نوع من استخدام السلطة، الذي يؤثر من يتمتع بها في سلوك الآخرين، من غير أن يكشف عن طابع السلوك الذي ينتظره منهم » .

في البداية .. يجب أن نتفهم حقيقتين:

    أولهما : أن « التلاعب بالوعي» في مجمله ما هو إلا عملية تأثير متبادل، فلا يصير الإنسان ضحية «التلاعب» إلا إذا كان منخرطا فيه بصفته مساهماً في تأليفه ومشاركاً به، ولا يتحقق التلاعب إلا إذا أعاد الإنسان بناء وجهات نظره وآرائه ومزاجه وأهدافه تحت تأثير الإشارات الحاصل عليها، وبدأ يتصرف وفق برنامج التلاعب به .. أما إذا ساوره الشك وعاند ودافع عن برنامجه الروحي فإنه لا يغدو ضحية !!

   ثانيهما : أنه دائما ما تبدأ عملية تضليل الإنسان بـ « التلاعب بالعقل » بخطوات بطيئة وتدريجية عبر عمليات الاعتياد دون صدمة، ولا ألم، ويتدرج هذا الشعور ليولد حالة من الاعتياد الخالي من أي أمل في محاولات التحرر الخلاقة؛ وهو ما يصفه العالم الروسي سيرجي قرة ـ مورزا في كتابه بعنوان: « التلاعب بالوعي » بحالة الضفدعة المرمية في الماء الدافئ، فتسبح في القدر مستمتعة بخدر الدفء وهي غافلة عن ملاحظة أن القدر فوق النار، غير مدركة أن حرارة الماء ستشتد .. وتظل مستمتعة هكذا إلى أن تسلق !!، لأنها فقدت عامل الصدمة.. بعكس ضفدعة أخرى ألقيت بالماء المغلي؛ فتقفز وإن كانت مجروحة  تحت شعور بالصدمة أو الألم.*(3)

    ويرى سيرجي قرة ـ مورزا أن مهمتنا الآن أن نقفز، ونساعد أولئك المستمتعين بـ «خدر الوعي»، .. وإفهامهم أن التلاعب ليس عنفا؛ إنه «لعبة الشيطان» القائمة في جوهرها على ثنائية الإغراء والإغواء، وكلاهما يتم تحت غطاء حالة من الرضاء تقبل الواقع  بصورة نراه فجأة في هيئة مشوهة تتعارض مع مصالحنا بطرق غير واضحة أو مفهومة وموجهة نحو أمر ما خفي على العقل*(4)

   الجانب المقزز في الأمر أن التلاعب بالوعي كله ما هو إلا عملية تأثير متبادل، فلا يصير الإنسان ضحية التلاعب إذا كان منخرطا فيه بصفته مساهماً في تأليفه ومشاركاً به، ولا يتحقق التلاعب إلا إذا أعاد الإنسان بناء وجهات نظرة وآرائه ومزاجه وأهدافه تحت تأثير الإشارات الحاصل عليها، وبدأ يتصرف وفق البرنامج الذي تمت ممارسته عليه، أما إذا ساوره الشك وعاند ودافع عن برنامجه الروحي فإنه لا يغدو ضحية للتلاعب .. وفي كثير من الأحوال تبدأ عملية التلاعب بما يسمى هدم الدفاعات النفسية وأهمها تحقيق عملية «افتضاض الضمير  Conscience Defloration »، والتي يطلق عليها بعض المتلاعبين « تجهيزات العقل وتزويده بمنظومة الرموز التي تحقق عملية تلاعب ناجح».

مفهوم «افتضاض الضمير»:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   عملية «افتضاض الضمير Conscience Defloration »، والتي يمكن تلخيصها في أن كل فراغ فكرى لا تشغله أفكارنا يغرى بالتمدد لأفكار منافية لنا ومعادية، وفى أغلب الأحيان فإن القائمين على عمليات «حرب المعلومات»  لا ينتظرون الفراغ الفكري لاحتلاله بل يصنعونه من خلال إضعاف العلاقة باللغة، وقطع العلاقة بالتاريخ، وبخس الهُوية، والإساءة للدين (الأتاتوركية مثالاً )، وأيضا من خلال التأويلات الخاطئة عبر ما يسمى بفلسفة التأويل Hermeneutics وبما يعطي للموئل سلطة على النص تفوق سلطة مؤلفه !!

     .. وهذه القاعدة يعرفها جيدا المتخصصون في الصراع الفكري وإدارة حروب المعلومات من خلال ما يُسمى بـ « استئناس العقول » .

     وفي كثير من الأحيان يلجأ المتلاعبون لشغل الفراغ ـ مؤقتا ـ بأفكار غيرهم يستخرجونها من قبور التاريخ، وينفخون في جذوتها، أو يحقنونها بالحياة، بما يفصم وحدة الصف المعنوي في الوطن مثل الحديث عن هُوية مصر الفرعونية، ومحاولة دفعها إلى الصدارة عبر كتابات مشبوهة ومن خلال محاولة إيجاد تفسر فرعوني لكل نواحي الحياة (الماسونية مثالاً)، بما ينطوي على طعن في الحضارة العربية التي تمثل أهم وأعمق رقائق الحضارات في مصر .. وكذلك إيجاد أسباب الشقاق والفتنة بين المسلمين والمسيحيين .. وبين السنة والشيعة في العالم الإسلامي .. وبين العرب والأكراد، وبين العرب والأمازيج !! 

   وهذه القاعدة أيضا يعرفها جيدا المتخصصون في الصراع الفكري وإدارة حروب المعلومات من خلال ما يُسمى بـ « خلق النماذج الذهنية المتناحرة ».
قدم جورج أوريل في روايتيه التنبؤية بعنوان: «العام 1984»، و « مزرعة الحيوان» وصفاً خياليا للمجتمع الشمولي كانت وسيلة التلاعب  الرئيسية هي اللغة؛ بابتكار لغة جديدة تتغير فيها معاني الكلمات المعروفة، كان أكثر المتشائمين يرون في خيال أوريل نوعاً من الجحيم أطلقوا عليه مُسمى: «الجحيم الأوريلى»، لكن الأحداث كانت أصدق إنباء من رؤى المتشائمين والمتفائلين!!

حرب المعلومات .. التطبيقات:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   عادة ما تستخدم في عمليتي « التلاعب بالوعي» و «افتضاض الضمير» عدة تطبيقات متواترة أولها عملية «هدم الدفاعات النفسية» وتليها عملية « العدوى النفسية »  لتنتهي بعملية « صناعة الإجماع » ، أو بمعنى أدق عملية « زراعة ذاكرة كاذبة» تكون غايتها إشاعة السلبية، وترسيخ مفهوم أنه : «  ليس في الإمكان تحقيق أفضل مما هو كائن» .

أولا: هدم الدفاعات النفسية :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   يبدأ المتلاعبون بالعقول في المقام الأول بتحطيم حالة «الدفاع النفسي» وتحضير الإنسان المستهدف بالتلاعب بتدمير منظومة القيم التي يعرف بها، ويعرّف بها، وأهمها هدم التصورات والأفكار وخلق تصورات ورغبات وأهداف جديدة وبنائها، وهذه البناءات «الخدمية» مؤقتة ومهمتها هي إحداث الخلط في الأفكار، وجعلها غير منطقية وخالية من الروابط، بما يسقط الإنسان تلقائيا في دوامة الشك في الحقائق الحياتية الراسخة، ويفقد القدرة على مقاومة التلاعب، ويلي عملية «هدم الدفاعات النفسية» عملية « العدوى النفسية»، و « افتضاض الضمير» .

ثانيا: «العدوى النفسية » :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    وبعد نجاح عملية «هدم الدفاعات النفسية» تبدأ مراحل عملية «العدوى النفسية»؛ فمنذ نهاية القرن قبل الماضي راح عدد من العلماء الأوربيون من أمثال جوستاف لوبون يركزون على عملية الإيحاء في السلوك الاجتماعي، بناء على فرضية «غريزة الرضوخ» أو «غريزة الخنوع »  لدى الإنسان، وكما أن للإيحاء جوانب إيجابية فإن له جوانب سلبية، وتستهدف « حرب المعلومات » الجوانب السلبية فقط لعملية الإيحاء، والتي تهدف لجعل الإيحاء أداة فعالة في يد العقل الباطن يلفظ بها بكل الوسائل عوامل الدفع الإيجابي في حياة الإنسان، ويتمسك بها بكل أسباب الهدم والتعاسة،  وقد أصدر الفسيولوجي النفسي الروسي ف . م . بيختيروف عام 1903 كتابه بعنوان: « الإيحاء ودوره في الحياة الاجتماعية» وصف فيه ظاهرة الإيحاء الجماهيري تحت تأثير « العدوى النفسية »؛ أي عند نقل المعلومة بمساعدة شتى المنظومات الرمزية. كان الإيحاء لديّ مرتبطا مباشرة بالتلاعب بالوعي بل إنه يمثل عملية اقتحام للوعي !!

    والقدرة على الإيحاء ليست مقصورة على الأشخاص فحسب، بل يمكن أن تصدر عن الظروف والأماكن والأصوات والروائح والمناظر والأعمال الفنية على اختلاف أنواعها، وخاصة الموسيقية والتشكيلية، فكل هذه تملك تأثيرات إيحائية على من يدخل في دائرة نطاقها، وخاصة إذا استدعت إلى ذاكرته الواعية تجربة أو موقف شخصيا مر به وترك أثره في عقله الباطن .

   وقد روى لي أحد الأصدقاء الذين كانوا يعتنقون فكر الشيوعية، أنه بعد استنفاد كافة أساليب التعذيب الوحشي .. تم التأثير على إرادتهم في معتقل الواحات بإثارة الحنين إلى الأهل والمحبوبات عبر إذاعة أغانٍ بعينها عن الشوق والحنين، التي كان يبثها مسجل غرفة المأمور عبر مكبر الصوت، ومداعبة الذكريات  عبر مراسلات تم إملاؤها على ذويهم من قبل متخصصين في الأجهزة الأمنية، وعرض صور المقربين إليهم مع تمنياتهم بالخروج من المعتقل ولمّ شملهم مع من يحبون إذا قاموا بتنفيذ التعليمات وكتابة الاعترافات المطلوبة .. وقد أسفرت تلك الممارسات عن حل الحزب الشيوعي.

ثالثاً: « صناعة الإجماع » :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

     صناعة الإجماع أو هندسة الموافقة Engineering of Consent بمعنى جعل الرأي العام يوافق على أمور لا يرغبها بالأساس عن طريق وسائل دعائية ترفع شعارات المصالح العامة؛ فالشعارات التي تتحدث عن الصالح العام كفيلة دائما بالترويج لرؤى زائفة تستطيع خداع الرأي العام لخلق الحالة التي يطلق عليها « صناعة الإذعان  manufacturing of submission».

   وقد استخدم البعض تعبير «هندسة السلوك» للدلالة على إمكانية إحداث تغييرات عميقة وواسعة في السلوك البشري ومنهم ب. ف. سكينر عالم النفس الذي قال: إنها علم لتطوير الأساليب الفنية لخلق نماذج بشرية مختلفة، لكن ليون كاس فيلسوف الأخلاق وصف افتراض بعض العلماء القدرة على الإنسان بالغرور المتناهي، وكان دليله على ذلك هو أن هؤلاء العلماء ليست لديهم المعرفة الكافية بتكوين المخ البشري، ولا كيفية عمل وظائفه، وخاصة أنه من المتعذر تماماً عملية التصوير أنسجة المخ بأشعة إكس، وكذلك يتعذر التعرف على ما يدور داخله المخ من نشاط من خلال الأقطاب الكهربائية التي تزرع بفروة الرأس، وأن أي تعديل  جراحي في المخ لا يمكن الرجوع فيه أو إعادته إلى وضعه الأول .


تعتمد « صناعة الإجماع » على ثلاثة أساليب :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    1ـ أسلوب التكرار والملاحقة .

    يقول جوبلز رائد عمليات الدعاية السوداء والتلاعب بالوعي :

   « إن سر الدعاية المؤثرة، والفعالة لا يكمن في بيانات تتناول آلاف الأشياء المتشعبة والمتنوعة، وإنما في التركيز على بضع حقائق فقط وتوجيه آذان الناس وعيونهم إليها بإلحاح وتكرار» .

   2ـ الإثارة العاطفية .

   أسلوب الإثارة العاطفية والتهييج الانفعالي من خلال ملاحقة الجماهير  بالمعلومات والآراء وأشباه المعلومات، التي تضرب على الأوتار الحساسة والمشدودة داخلها والقابلة للتجاوب اللحظي، ولا مانع من استخدام الكذب والتضليل والخداع وغير ذلك من الوسائل التي تضمن غسيل المخ الجماهيري، واحتكار توجيه الجماهير مع عدم السماح بوصول أية آراء مخالفة أو دعاية مضادة .

   3ـ أسلوب تحويل انتباه الجمهور .

    تعتبر من أهم وسائل «صناعة الإجماع»  القيام بعمليات غسيل المخ الجماعي لتحويل انتباه الجماهير، عندما يتعذر الوقوف والتصدي أمام تيار جارف صنعه الرأي العام نتيجة ظروف وملابسات وتفاعلات لم يكن في الإمكان القضاء عليها في مهدها، عندئذ يمكن تفجير قضية مفتعلة يصعب الاختلاف حولها؛ لتحويل الانتباه ويشترط أن تكون ساخنة حتى يمكنها أن تحتل مساحات زمنية كبيرة من البث على موجات الأثير المرئي والسمعي، ومساحات مكانية لافتة إلى صفحات الصحف والمجلات، بشرط ألا تبدو تلك  القضية مفتعلة أو مصطنعة أو ملفقة .

   في شهر نوفمبر 2016 اختارت قواميس أكسفورد مصطلح « ما وراء الحقيقة  post truth »  ليكون مصطلح العام، نظرا لذيوعه وانعكاسه على أحداث السنة حتى أصبح من أهم السمات العامة لها، وعرفته تلك القواميس باعتباره يشير إلى الحالة التي يتضاءل خلالها تأثير الحقائق على صياغة الرأي العام، في حين تهيمن عليه العاطفة والمعتقدات الشخصية. الأمر الذي يصنع وعيا كاذبا لدى الجماهير لا صلة له بالواقع. بمعنى أن المصطلح يعبر عن الحالة التي تطلق فيها الأكاذيب المتتابعة، على نحو يُحدث بنية متراكمة في عقول الجماهير، تحولها إلى مسلمات قابلة للطرح فيما بينهم.

رابعا  ً: «زرع الذاكرة الكاذبة»  :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    قام فريق من الباحثين البريطانيين والكنديين بإجراء دراسة علمية حول « زرع الذاكرة الكاذبة»، وقد أظهرت نتائج الدراسة أن كثيرا من الناس يتذكرون أحداثا لم تقع قط، ومع ذلك فإنهم يبدون على ثقة من وقوعها من جراء عمليات الإلحاح والتكرار على مسامعهم بصياغات مختلفة في أوقات مختلفة أو خلط الآراء بالأخبار، وهو ما يؤدى إلى تكوين ذاكرة مزيفة . الأمر الذي يؤثر على سلوك الناس ومواقفهم الاجتماعية والسياسية. وهو ما دعا الباحثين إلى التشكيك في دقة وصحة أقوال الشهود في استنادهم إلى الذاكرة أثناء التحقيقات الجنائية، وداخل قاعات المحاكم.

    نشر الباحثون نتائج دراستهم التي أشرفت عليها البروفيسورة كمبرلى وايد بجامعة واريك البريطانية في مجلة «ميمورى» لأبحاث الذاكرة، وخلصت الدراسة إلى :

   « أن الأشخاص الذين تقدم لهم معلومات متخيلة عن أحداث في بداية أعمارهم، ويقومون مرارا وتكرارا بتخيل أن تلك الأحداث وقعت لهم، يتعرض نصفهم إلى التصديق بوجودها فعلا. وظهر أن نصف أفراد العينة المكونة من 400 فرد أجريت عليهم أبحاث «عملية زرع الذاكرة»، من الذين عرضت عليهم معلومات كاذبة عن حياتهم، اعتبروها جزءا حقيقيا من تاريخهم. وقال 30 % منهم إنهم: «يتذكرونها،  وتحدثوا بالتفصيل عن جوانبها»، بينما قال 23 % من أفراد العينة إنهم: « يعتبرون تلك الأحداث جزءا من تاريخهم» .

«حرب المعلومات» .. الوسائط :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    أهم الوسائط في عمليات «حرب المعلومات» تأثير الكلمة.. واستخدام عوامل الظلال والأضواء والليل والإظلام وغيرها من العناصر المنومة، التي تساعد على التأثير على الإرادة الإنسانية وتعميق القدرة على الإقناع مثل التليفزيون والإنترنت .

   كتب هتلر في كتابه بعنوان: « كفاحي» عن الكلمة:

   « القوة التي أدت إلى حركة التيارات التاريخية الكبرى في المجال السياسي هو السطوة السحرية للكلمة المنطوقة وحدها. يخضع الجمهور الأكبر من الناس لسطوة الكلمة دائما».*(6)

تأثير الكلمة :
ــــــــــــــــــــ

    كتب هتلر ذلك بصفته متلاعباً ممارساً، ولكن الفيلسوف الروسي س. موسكوفتشي يؤكد على الأمر ذاته تقريباً في كتابه بعنوان: «علم الجماهير» يؤكد أنه:

   « المدهش وغير المفهوم في الكثير من النواحي هو سطوة الكلمات الكلية على سيكولوجيا الحشود . هذه السطوة التي لا تتولد مما يقال بل من «سحرها»، ومن الإنسان الذي ينطقها ومن الجو التي تولد فيه. ينبغي عدم التعامل معها كأقسام من الكلام، بل كأشكال مولودة، كبذور ذكريات، وتقريبا كمخلوقات حية ».* (7)

الشعارات :
ــــــــــــــــــ

   وقد ثبت فشل النظريات المطولة والشروح المفصلة في قيادة الجماهير أو خلق البُني المتجانسة للحشود وتوجيهها في الاتجاه المطلوب؛ فالحشود لا تطلب المنطق العقلي في التخاطب معها، لكنها في الأغلب تريد ما يتفق مع عواطفها في الموقف الذي تعيشه في لحظتها الحاضرة، لذا كانت الشعارات ذات الكلمات الموجزة التي تحمل طابع الأهازيج التي يرددها القادة الميدانيون للجموع على الأرض هي الخطاب الأمثل في «صناعة الإجماع» مثل شعار الثورة الفرنسية التي حقق لها ما لم يحققه منظروها بنظرياته والذي تلخص في ثلاث كلمات: (الحرية ـ الإخاء ـ المساواة)، وشعار انقلاب 23 يوليو 1952: (الاتحاد والنظام والعمل)، وشعار ثورة 25 يناير 2011: ( عيش . حرية . عدالة اجتماعية).

تأثير الليل على الإرادة الإنسانية
وتعميق القــــدرة على الإقــناع :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    تأثير الظلال والأضواء والإظلام وتأثير النظرات الحادة والثاقبة لعبة قديمة ومعروفة، وتعد أحد أقدم أشكال التلاعب بالوعي، التي أوردها سن توز بعضا منها في مجال الخداع، وعنها يقول هتلر:

   « أذكر أننا دعونا إلى اجتماع شعبي في ميونخ، وكان الاجتماع في العاشرة من صباح الأحد، وكان الإقبال عظيماً، وكان موضوع خطابي : « اضطهاد الألمان في المناطق المحتلة »، وبالرغم من أن الإقبال كان شديداً، فقد ظل المستمعون محتفظين بوقارهم فلا تحركت أيد بالتصفيق، ولا بطلب الاستيضاح، أو حتى الاعتراض، وأحزنني أن يقابل خطابي بهذه اللا مبالاة، فكررت الاجتماعات النهارية، ولكن النتيجة كانت فيها مخيبة للآمال .

   وأخيراَ غيرنا الموعد وألقيت خطابا في أول اجتماع ليلي، ففعلت كلماتي في نفوس المستمعين فعل النار في الهشيم وطالعت في وجوههم أني سحرت منهم الألباب، وقد حيرني هذا الانقلاب المفاجئ ، فالجمهور لم يتغير وكذلك الخطيب وموضوع الخطاب، ولكن ما لبثت أن تذكرت ما قاله لي أحد الأصدقاء إنه شاهد مسرحية مرتين؛ إحداها بالنهار والأخرى بالليل، وأن انطباعه في كل مرة كان مختلفاً، وأعرب عن اعتقاده أن المشهد التمثيلي في الليل يترك أثراً في النفس أعمق من الأثر الذي يتركه بالنهار » .

وهنا تذكرت قول أستاذي ألبرخت :

« إن قوى الإرادة عند الإنسان تقاوم بالنهار كل محاولة تحاول إخضاعها لإرادة أخرى، فإذا استهدفتها المحاولة نفسها ليلاً فلا تلبث أن تخضع للسيطرة، ذلك أن قوة الإرادة تضعف في آخر النهار، وإننا نلاحظ  أن الكنيسة الكاثوليكية تصطنع الظلال في المعابد؛ لتسبغ عليها جوا من الجلال والرهبة، هذا الجو يجعل المؤمنين في حالة نفسية يسهل على الواعظ أن يتلاعب بقلوبهم وعواطفهم »* (8)

   .. ولهذا السبب يكمن السر وراء الضوء الخافت في عيادات الطب النفسي.

تأثير التليفزيون:
ـــــــــــــــــــــــــــ
   وقد أكد هربرت كروجمان Herbert Krugman ما قاله هتلر فضلاً عن التأثير المنوم للتليفزيون، ففي عام 1970 قرر هربرت كروجمان اكتشاف ماذا يحصل من الناحية الفسيولوجية في دماغ شخص يشاهد التلفاز، وجد أنه خلال 30 ثانية تحولت موجات الدماغ «بيتا» المهيمنة التي تشير إلى اليقظة والانتباه الواعي إلى الموجات «ألفا» التي تشير إلى نقص تلقي الانتباه وعدم تركيزه، وهذه حالة من الخيال والحلم النهاري تقع تحت ما يسمى بـ «عتبة الوعي» .

   وأشار مزيد من البحث إلى أن النصف الأيسر من  كرة الدماغ الذي يعالج المعلومات بشكل منطقي وتحليلي، ينقطع عن الاستماع عندما يشاهد الشخص التلفاز، يسمح هذا الانقطاع للنصف الأيمن من الدماغ الذي يعالج المعلومات عاطفيا ودون نقد أن يعمل دون عائق.*(9)؛ فالمنتج التليفزيوني في سمته الغالبة «سلعة مخدرة» ويتزايد هذا التأثير المخدر مع قيام القائمين على البث التليفزيوني بإذاعة مواد ممصوصة الحيوية تصيب المشاهد بالملل والهمد الجسماني مما يساعد على النوم !!

    .. وقد دخلت «حرب المعلومات» إلى كل البيوت تقريبا وبمعدل 24 ساعة في 24 ساعة أي كل ساعات اليوم بليله ونهاره تقريبا من خلال شاشات التلفزيون والإنترنت والهواتف الخلوية، في ظل عولمة إعلامية وثقافية ومعلوماتية فورية ومفتوحة ومتفاعلة ومترابطة بشكل لا سابق له، ولا يحتاج هذا الأمر إلى كثرة استدلال، يكفي أن نشير إلى إحصائية علمية تكشف إن الجمهور يتعرض لوسائل الإعلام بمعدل 3: 4 ساعات يوميا، أي ما    يوازي 1000 ساعة سنوياً، مقابل 800 ساعة يقضيها التلاميذ والطلاب في المدارس أو الجامعات في الفصل الدراسي الواحد، وهناك إحصائيات تقول إن المتلقي العربي يتعرض لست ساعات يومياً أي بما  تكون حصيلته 1500 ساعة سنوياً من مختلف أنواع الوسائل الإعلامية.

ألعاب الفيديو Playstation :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    وكما استخدمت منتجات وولت ديزني في السابق في تشكيل عقول الأطفال حول العالم من خلال الكارتون الساحر والمثير والمبهج، يتم الآن استخدام الرقائق الإلكترونية من ألعاب الفيديو Playstation في صياغة وعى الأطفال؛ حيثُ يتم تمرير رسائل وزراعة أنماط تفكير وتصاميم ثقافية غربية ورؤية غربية للعالم وتمرير مصطلحات وتعابير، ويتم فيها استدراج الأطفال إلى أنواع من المغامرة والمقاهرة والعنف!!


تأثير الإنترنت:
ــــــــــــــــــــــــ
    
    وتأثير الإنترنت وهو الفضاء المُرمز يشبه تماما تأثير التليفزيون على العقل، والفضاء المُرمز هو ذلك الفضاء الذي يتخلق عندما يدخل الإنسان إلى الإنترنت أو الحاسب، ويتحلل من واقعه المادي ويتفاعل مع الواقع المتخيل أو المتوهم الذي تتيحه الشبكة أو الحاسب .

   وقد أسهمت شبكات الإنترنت والمواقع الأميركية المنتشرة في الفضاء الإلكتروني وصفحات facebook التي بدأت في سنة 2002 كمنصات إطلاق للشباب والنساء والرجال كل حسب رغباته ومعقولاته.. وفي سنة 2006 دخل موقع Twitter ومواقع استقبال وعرض الفيديو يوتيوب You Tube وحازت على الإقبال الجماهيري،  وتعتبر مواقع التواصل الاجتماعي facebook وtwitter الأكثر استقطابا لمستخدمي الإنترنت، وبحسب بعض الإحصاءات فإنها تحوز على نسبة ثلثي المتصفحين، كما أنها أثبتت فعاليتها في الحشد والتعبئة بما يفوق وسائل الإعلام التقليدية، خاصة في وقت الأزمات والطوارئ، فهي شبكات متمردة تستيقظ فجأة بزخم وقدرة عالية وسريعة على الحشد، وتستطيع تنظيم احتجاجات واضطرابات، ويتم توجيهها من قبل أجهزة استخبارات بهدف الحصول على معلومات وتوجيه الجماهير لتحقيق أهداف القائمين على تلك الأجهزة وتحقيق مصالح الشركات المتعددة الجنسيات التي تديرها حكومات أجهزة استخبارات ..  ولكن تلك المواقع في نهاية المطاف شبكات ذات روابط سطحية، ولا تصنع جماعات سياسية وفكرية منظمة ومتماسكة على المدى البعيد، ما لم يقابلها تنظيم فعال على الأرض..

   وقد قطعت الفضائيات والإنترنت وأجهزة الاتصال المحمولة (الهاتف الخلوي الذي أصبح يزود بكاميرا للتصوير وخدمات بريد ورسائل نصية Sms وخط إنترنت وشاشة تلفزيونية) أشواطا في قدرتها على اختراق كافة الأنسجة الإنسانية والاجتماعية، بما يفوق التصور والتحمل البشري، بحيث امتدت وتسللت وسائل الإعلام والاتصال إلى داخل البيوت والمقاهي، وداهمت العقول والحواس بغير استئذان، وغزت النفوس والأحلام والمنامات، وأصبحت بمتناول الأطفال والمراهقين والشباب؛ فالتقنيات الإعلامية الموظفة حالياً معقدة وماكرة لدرجة لا تصدق، فهي قادرة على هدم الكثير من الدفاعات والموانع الطبيعية للإنسان، ما لم يكن الإنسان واعياً ومدربا على شحذ إمكانيات وقدرات الدفاع النفسي لديه .

وسائط المالتيميديا :
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
   ويرى روبرت وينر مراسل شبكة C.N.N.  في بغداد أثناء حرب تحرير الكويت :

   « أن العمل في مجال الأخبار التليفزيونية المصورة هو بطبيعته مغامرة جماعية، ويمكنك أن تحظى بأفضل رجل في العالم من حيثُ كونه مراسلاً وكاتبا في آن واحد، ولكن تقريره سيؤول إلى السقوط ما لم تتوافر له الصورة المناسبة، قد تكون لديك أفضل الصور وأجودها، لكنها بدون صوت فاعل ومؤثر ستعاني من نقاط ضعف، وربما تكون الكلمات جيدة والصور مناسبة، ويكون الصوت مؤثرا إلا أن أسلوب تحرير الخبر هو الذي يحدد في النهاية  نجاح أو فشل التقرير الإخباري، إن كل شيء يؤثر على الخبر، وما لم يكن المخرج متيقظاً ومتحسباً للأمور فلن يستطيع بث ذلك الخبر ».*(10)

   كلام روبرت وينر صحيح تماما من الوجهة النظرية، لكن لو أنزلنا هذا الكلام على ممارساته العملية لما وجدنا له أثراً في الواقع، فالتغطية الإخبارية المصورة لحرب تحرير الكويت في تغطية  C.N.N. تمت تغطيتها من قبل طواقم تليفزيونية تم تدريبها في هوليوود، وتم ربطها بأرتال الدبابات، وخضوعها لرقابة الإعلام العسكري التابع لأجهزة استخبارات، وما نقلته تلك الطواقم إلى المشاهدين في البيوت كان عبارة عن مشاهد تم تصويرها بعيداً عن ميدان القتال، ولم يكن له علاقة بحقيقة الأحداث التي تجري فيه.

   .. وقد أسهمت تلك التغطية في أنها أفقدت الحرب طابعها كـ «تجربة إنسانية مؤلمة» وحولتها إلى «تجربة إليكترونية» يتم نقلها عبر التأثيرات المختلفة لوسائط المالتيميديا، وهو ما يباعد بينها وبين الحقيقة ويجعلها واقعاً متخيلاً أو متوهما !!

   .. ولم تكنC.N.N.  تستطيع القيام بمثل هذا الدور الخادع لولا دعم ورعاية أجهزة استخبارات قدمت لها العديد من المعلومات والتقارير عبر الشفرة، وساندتها بمختلف أنواع التكنولوجيات ومنها كاميرات متناهية الصغر، وهواتف صغيرة للاتصال بالأقمار الصناعية Inmarsat مع إمكانية نقل الوسائط المتعددة !!

   .. ولم تقدم C.N.N. تغطية واحدة حقيقية، بل قدمت وجهة نظر حكومات التحالف عبر صياغات تم إعدادها بعيداً عن مسرح الأحداث، مثل صورة الطائر البحري الملطخ بالأوساخ، والذي تم تسويقها على أنها نتاج تفجير صدام حسين لآبار البترول، مما تسبب في تدمير الحياة البحرية وموت الأسماك والطيور البحرية، والتي تم تصويرها في مستنقعات ألاسكا،  وصورة الأسرى العراقيين التي لم تكن في الحقيقة سوى صورة تمثيلية نفذها أفراد من العمالة الأجنبية في دولة مجاورة للعراق!! وبالغ وينر في وصف نفسه بالشجاعة وازدراء العراقيين ونعتهم بالجبن، ولم يخجل من وصفهم بـ «العدو العراقي» وهو على أرضهم !!
وهو ما أطلق عليه جوزيف س . ناي «تسليح المراسلين» فالمراسلون المزروعون داخل الوحدات العسكرية حدوا من قدرة الإعلام العراقي على خلق غضب دولي لما فعله الأمريكيون من قتل المدنيين عمداً.

التسمم السياسي : Intoxication :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   التسمم السياسي وهو أحد مسميات «حرب المعلومات» .. وهو من المصطلحات التي ظهرت في الأدبيات الفرنسية في أواخر الستينيات، والتي تدور حول أساليب «التلاعب بالوعي»، بزراعة أفكار معينة من خلال الخديعة والكذب؛ بحيث يؤدى إلى تصور للموقف يختلف عن حقيقته، مما يترتب عليه عند اكتشاف تلك الخديعة نوع من الصدمة النفسية تؤدى إلى شلل نفسي ومن ثم عدم القدرة على المواجهة، وهذا المعنى يكون التسمم السياسي مقدمة لمعركة أو لاحقاً لهذه المعركة .. فهو يقدم لمعركة بحيث يسمح بتحقيق النصر العضوي بأقل تكلفة، ويلحق بمعركة بحيث يكمل الانتصار بالقضاء المطلق على الخصم بوصفه وجوداً ذاتياً يناضل في سبيل التمسك ببقائه الحضاري، وينطلق التسمم السياسي في أربعة مفاهيم :

   1 ـ إمكانية خلق التحلل في نظام القيم الجماعية بطريق غير مباشر.
   2 ـ تطويع الإرادة القومية من الداخل من خلال التعامل النفسي المباشر .
   3 ـ التدرج في عملية التوجيه السياسي من مستوى زرع القيم إلى مستوى تضخيم القيم المزروعة.
  4 ـ جعل مفهوم تفتيت الوحدة الوطنية أساساً مطلقاً بوصفه مقدمة لتخطي الصراع العضوي في مواجهة الغزو التقليدي.
    بما يعني : « غرس قيم دخيلة في نظام القيم السائدة في المجتمع السياسي ثم تضخيم هذه القيم، بما يعنى ذلك إضعافا لتلك القيم العليا التاريخية وإحالتها إلى مستوى القيم الفرعية التابعة أو الثانوية ».*(11)
   وتأتي عمليات التسمم على مراحل متصاعدة:

   أولاً: مرحلة التعامل مع أدوات نقل العدوى الفكرية، ثم تأتى عملية التخريب وقتل القيادات واختلاق الخيانات وإشاعة الفضائح بهدف خلق عدم الثقة في الذات القومية.

   ثانيا ً: تطويع العناصر المختارة والمثقفة التي تمثل عناصر المقاومة في الجسد السياسي والمفاصل المتحكمة في هذا الجسد، بهدف إضعافها عبر مسالك وأدوات عدة منها الدعوة العقائدية، والحرب الأيديولوجية، وحرب المعلومات، وتطويع الطابع القومي.

   المرحلة الأخيرة: مرحلة الإغراق الجماهيري، بمعنى الصراع المباشر على مستوى الجماهير، إذ تبرز أداة الدعاية في التعامل مع الجماهير، وفى هذه الحالة يوسع نطاق القيم التي تزرعها الجهة القائمة بعملية التسمم، وتبدأ القيم القومية في الانحسار .*(12)


صور وأشكال التسمم السياسي:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
   
    وتتخذ عملية التسمم السياسي عدة صور وأشكال منها:

1 ـ التطبيع :
ـــــــــــــــــــــ

   بمعنى إيهام الطرف الآخر بالتحول عن العداوة التقليدية، والصراع المصيري إلى حالة التعايش الطبيعي؛ بانتزاع إرادة المقاومة من العقول وبالتالي انتزاع الأسلحة من الأيدي، والاستسلام لمرحلة الاسترخاء وقبول الأمر الواقع . .

2 ـ التطويع:
ـــــــــــــــــــــ

   ويكون في الأغلب منحصراً في الشخصيات التي تعمل في مجال الفكر والثقافة، هو تغير مسار الإرادة من طريقها الطبيعي والأصيل إلى طريق آخر، إذ يروضها القائم بعملية التسمم، فتبدو داعية لمفاهيم ومدركات أجنبية، وفي ذات الوقت تتولى أداة دعاية القائم بعملية التسمم بتضخيم دور تلك الشخصيات، وإكسابها الشرعية في التسلل إلى باقي الجسد .

3 ـ الاغتراب :
ـــــــــــــــــــــــ

   أي جعل الفرد مغترباً عن مجتمعه والثقافة التي يعيشها، ودفعه إلى اتخاذ موقف غير ودي منها، وتبعا لذلك فالتسمم يعمل على خلق حالة من الصراع بين الذات الفردية ومحيطها الاجتماعي والثقافي .

4 ـ التفجير:
ـــــــــــــــــــ

    وهو صورة من صور فك الأواصر بين عناصر الجسد وبعثرتها، بحيث يبدو كل عنصر عاجزاً عن أداء  وظائفه الطبيعية بشكل كامل، وإزاء هذا النقص يأتي دور القائم بعملية التسمم في الظهور بدور المحسن الذي يقدم خدماته للجسد المريض بجرعات محسوبة .

5 ـ الاحتواء:
ــــــــــــــــــــــ

   إذ يأخذ الجسد السياسي بعد تمزيق أوصاله إلى التبعية الشاملة للأجنبي أي باستيعابه كلياً .

    وخطوات التسمم السياسي تتفق في مجملها مع ما أطلق عليه جوزيف ناي «القوة الناعمة Soft Power» وهو المصطلح الذي أطلقه في كتابه بعنوان: « ملزمون بالقيادة»  الصادر في سنة 1990، وإعادة في كتابه بعنوان: « مفارقة القوة الأميركية » الصادر في سنة 2001 وختمه بنظرية متكاملة في كتابه الشهير « القوة الناعمة Soft Power ومن وقتها دخل المصطلح بقوة إلى قاموس العلاقات الدولية والجامعات ومراكز البحث.
ولعل المنصب الذي كان يشغله جوزيف س. ناي في رئاسة مجلس المخابرات الوطني الأميركي، وفي منصب مساعد وزير الدفاع الأميركي في عهد الرئيس بيل كلينتون، وفي صفته كعميد لكلية العلوم الحكومية في جامعة هارفارد، هو ما أعطى هذه المقولة أهمية خاصة، فالكاتب من قلب المؤسسات السياسية والأكاديمية والأمنية الأميركية، وإلا لما كان تم الالتفات إليها بهذا الشكل، لان هذه الأفكار كانت موجودة سابقا على شكل أبحاث ومقالات في مراكز البحث والجامعات الأميركية والغربية ...

 « القوة الناعمة » :
ـــــــــــــــــــــــــــــــ

    عرف ناي القوة الناعمة بأنها : « القدرة على الحصول على ما تريد عن طريق الجاذبية بدلاً عن الإرغام أو دفع أموال؛ فعندما تتمكن من جعل الآخرين يعجبون بمُثُلك، ويريدون ما تريد فإنك لن تضطر إلى الإنفاق كثيراً على العصي والجزرات ( أي عوامل الإرغام والإغراء) لتحريكهم في اتجاهك، فالإغراء أكثر فاعلية من الإرغام على الدوام وبعبارة أدق فإن القوة الناعمة هي القدرة على التأثير في سلوك الآخرين للحصول على النتائج التي يتوخاها المرء، وتستطيع أن تجتذبهم وتقنعهم بأن يريدوا ما تريد» * (13)

   كما تحدث جوزيف س. ناي عن مصادر قوة أميركا الناعمة وقوة الآخرين الناعمة (أي أعداء أميركا أو منافسيها على الحلبة الدولية)، وعن البراعة في استخدام القوة الناعمة، وأخيرا القوة الناعمة وسياسة أميركا الخارجية، وقد أغفل الكاتب عن قصد ذكر التطبيقات السرية للقوة الناعمة في حالات الحرب والمواجهات العسكرية، لأن هذه المخططات ستبقى طي الكتمان في أروقة البنتاجون والمخابرات المركزية الأميركية ما دامت في صلب المواجهة الدائرة وقوى المقاومة والممانعة في العالم.. وبالرغم من محاولته إخفاء هذه المخططات، لكنها أفلتت منه في ثنايا بعض النصوص والعبارات في طيات الكتاب .

موارد « القوة الناعمة » :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    حدد جوزيف ناي هذه الموارد بثلاثة روافد:

   1ـ القيم والمؤسسات الأميركية.

   2 ـ جاذبية الرموز الثقافية والتجارية والإعلامية والعلمية الأميركية.

   3 ـ صورة أميركا وشرعية سياساتها الخارجية وتعاملاتها وسلوكياتها الدولية.

    كما حدد ناي عناصر القوى الناعمة بأنها :

   1 ـ مصانع هوليود وكل الإنتاج الإعلامي والسينمائي الأميركي، رغم أن «بوليوود» الهندية تنتج أفلاما أكثر منها في كل عام.

   2 ـ الطلاب والباحثون الأجانب الوافدون للدراسة في الجامعات والمؤسسات التعليمية، فمن بين 1.6 مليون طالب مسجلين في جامعات خارج بلدانهم ، 28% منهم موجودون في الولايات المتحدة، وأكثر من 86 ألف باحث أجنبي كانوا منتمين في مؤسسات تعليمية أميركية في عام 2002؛ فهم سيشكلون جيوشاً يحملون معهم آلاف النوايا الطيبة والودائع الحسنة عندما يعودون إلى بلدانهم وأوطانهم، ويتقلدون المراكز والمواقع العليا، وسيصبحون سفراء غير رسميين لخدمة أميركا.

   3 ـ المهاجرون ورجال الأعمال الأجانب العاملون في السوق الأميركي وقطاع الأعمال؛ حيثُ تجتذب الولايات المتحدة ما يقرب من ستة أضعاف المهاجرين الأجانب أكثر من ألمانيا التي تليها في ذلك .
   4 ـ برامج التبادل الثقافي الدولي والمؤتمرات الدولية التي ترعاها وتشارك في تنظيمها أميركا.

   5 ـ الشركات الاقتصادية العابرة للقارات، والرموز، والعلامات التجارية مثل كوكا كولا وماكدونالدز وغيرها.

   وبالإجمال ترتكز القوة الناعمة على كل المؤثرات الإعلامية والثقافية والتجارية والعلاقات العامة، وكل مورد لا يدخل ضمن القدرات العسكرية المصنفة ضمن القوة الصلبة؛ فمعركة الحرب الناعمة تبدأ أولا مع الرأي العام تمهيدا للانقضاض على النظام المستهدف .

    وتتركز الأدوار الهامة التي تقوم بها الحرب الناعمة، في استهدف ثلاث غايات :

   1ـ استمالة جزء من هذا الجمهور نحو المشروع الأميركي في السيطرة والهيمنة، وتوجيه الفئات المستقطبة للانقلاب على المشروع القومي لبلادهم والارتداد على شعاراته وأفكاره السابقة.

   2 ـ بلبلة الأفكار وتشويش النفوس لتعطيل وتجميد نشاطات وطاقات جزء من جمهورنا من خلال الدعوة لنظريات ومواقف الحياد.

   3 ـ إحداث حالة من التردد المفضي إلى اللامبالاة والتقاعس عن نصرة الحق.

   ويخطط القائمون على « الحرب الناعمة »  لتحقيق تلك الغايات عبر الوسائل التالية:

   • كسب الشرعية لصالح القوة العظمى، أو القطب الأوحد (أمريكا)، ونزع الشرعية عن المؤسسات الدولية .
    • بث اليأس والإحباط والشكوك حيال الرموز والمعتقدات والمستقبل.

   • زيادة حدة الانقسامات والصراعات وأخذ العدو لدور المنقذ والمُخلص .

   • تهيئة الأرضية للتحرك الاستخباراتي .

***

   .. وهذه الوسائط والتطبيقات لا تنفي وجود بعض الممارسات الإجرامية التي يجرى استخدامها للتأثير على المخ البشري، وتنطوي كلها على إهانة شرف العلم، والإساءة إلى حقوق الإنسان، وهذه الوسائل لا تدخل في دائرة «حرب المعلومات»، ولكنها تندرج تحت مسمى «الجريمة المنظمة» التي يرتكبها أفراد يتمتعون بقدرات علمية عالية، يتم توظيفها في أغراض إجرامية أو مسمى «الجريمة المارقة» التي ترتكبها « عصابات دولية »  ودول وأجهزة استخبارات ولا تخضع للمساءلة القانونية، وإذا خضعت فالأسباب لا علاقة لها بالقانون أو كرامة الإنسان، ولكن لأسباب مرتبطة بتحقيق هدف سياسي، ومن تلك الوسائل :

   العقاقير المؤثرة في المخ، وبالتالي في حالة المزاج والسلوك البشري ومن بينها: المنشط والمهدئ، والمثير للبهجة أو الاكتئاب، ما يجعل الإنسان أكثر تهذيباً أو شجاعة أو إقداماً وتحديا للمخاطر، أو ما يطلق لسان صاحبه من عقاله فيتدفق بالحديث في سلاسة وطلاقة دون تلعثم، ومن تلك العقاقير عقار «الأتروفين» العقار المؤثر على تخفيض الروح العدوانية، والذي اقترح بعض المهتمين بالشأن العام في بعض البلدان وضع جرعات منها في مياه الشرب لضمان هدوء الجماهير وامتثالها لقادتها وزيادة شعورها بالقناعة .

   كما أنه توجد العديد من العقاقير التي تزيد من عدوانية الناس عن طريق إضافتها لمياه الشرب أو ملح الطعام، أو حتى نشرها في الهواء لضمان سهولة تحريكهم صوب الهدف المنشود، كما نجح الأمريكان في اكتشاف عقار « إل . سي . دي .» والذي يتحلل في المياه، ويمكن بإذابة رطل منه في مستودع للمياه بمدينة كبيرة إصابة الملايين بمختلف الأعراض النفسية والعصبية .

    .. وفي الستينيات من القرن الماضي ادعت إدارة الحرب الكيماوية في الجيش الأميركي إنتاج عقار يعرف باسم « بي. زد.» لاستخدامه في الحروب،  وقد ادعى الأمريكان أن من أبرز صفات هذا العقار أن مفعوله مؤثر في تشتيت فكر العدو وانحرافه عن هدفه أو ما يسمى بلغة المخابرات « بالعجز المطلوب »،  وقد أثبتت حرب فيتنام كذب الادعاء الأميركي.

   وقد أثبت المختصون أنه يمكن وضع «الفلوريدات» في مياه الشرب كوسيلة خطيرة لتوزيع المهدئات أو مثبطات الهمم، وذلك لاحتواء الثورات أو الاضطرابات أو حتى مجرد عمليات الاحتجاج.

   .. وهكذا أصبح من الممكن أن تسلب إرادة الإنسان منه دون أن يدري، وبالتالي يتحول إلى مجرد أداة طيّعة في يد من سلبها.*(14)







الفصل الرابع :
ـــــــــــــــــــــــ

القمع والتلاعب بالوعي





 
 القمع هو كبت الفرد وإخضاعه كلية*(1) وفي معجم المعاني ـ الجامع والوسيط ـ تأتي كلمة «قمَع الشَّخْصَ» بمعنى أبْعدَه عمَّا يُريد، زجره وردَعَهُ، قَهَره .

   .. ودائما ما يأتي القهر والقمع على رأس آليات الحكم.. وغالبا لا يعدم الطغاة الوسيلة لتبريره، ودائما ما يأتي التلاعب لاحقا.. يرى ز . فرييري خبير وسائل الإعلام الجماهيري أنه :

   « قبل استيقاظ الشعب لا وجود للتلاعب، بل يوجد قمع شامل، ما دام الواقع يقمع المظلومين؛ فلا حاجة إلى التلاعب بهم » *(2)

   كان من أول الكتب المتخصصة التي صدرت في سنة 1964 في مجال التلاعب بالوعي هو كتاب عالم الاجتماع الألماني جبربيرت فرانك «الإنسان المتلاعب به »، والذي عرّف عملية التلاعب بأنها تأثير نفسي ينفذ سراً يضر بأولئك الأشخاص الذين يوجه إليهم .. وأبسط مثال على ذلك هو الدعاية، والتلاعب ينزع إلى أمرين:

   أولاً: فالتلاعب نوع من التأثير الروحي والنفسي ( وليس عنفاً جسدياً أو تهديداً بالعنف)، وهدف فعل المتلاعب هو الروح والبنية النفسية للشخصية الإنسانية .

   ثانيا: التلاعب هو تأثير مخفي، لا ينبغي أن تكون حقيقة وقوعه ملحوظة من قبل المستهدف بالتلاعب .

    يقول شيللر:

   « لتحقيق نجاح عملية التلاعب، يجب أن يظل غير ملحوظ، ونجاح عملية التلاعب مضمون، حين يؤمن المتلاعب به بأن كل ما يجري حوله طبيعي ومحتوم، باختصار يحتاج التلاعب إلى واقع مزيف لا يُلحظ فيه وجوده أنه لا يحرض الإنسان على فعل ما يريده الآخرون، بل يجبره على أن يرغب في فعل ذلك »* (3)

   .. القمع والقهر أساس الحكم في عرف الطغاة، لا يخجلون من المجاهرة بذلك!! ولا يعجزون عن إيجاد التبريرات.. فإذا ما برزت الجماهير في إرادة اجتماعية ( ولو بصورة فجة ) لتغيير مسار العملية التاريخية، فالبديل الجاهز هو « التضليل والتلاعب بالوعي».. أما قبل ذلك؛ فلا وجود لتضليل ( بالمعنى الدقيق للكلمة ) .. إذا لا ضرورة لتضليل المضطهدين؛ عندما يكونون غارقين لآذانهم في بؤس الواقع !!

   .. ولا يخجل «المتلاعبون بالوعي» من المفاضلة بين القمع والتلاعب بالوعي؛ فالتلاعب بالوعي ـ من وجهة نظرهم ـ أكثر إنسانية من القمع، ويأتي في مرتبة أخلاقية أعلى من مرتبة القمع .. وحجج الذين يرحبون بالانتقال من القسر إلى التلاعب بسيطة، ومفهومة فالسوط مؤلم أما المخدر الروحي فممتع؛ ما دام القوي سيجبر الضعيف على الرضوخ لإرادته؛ فليفعل ذلك بالمخدر وليس بالسوط، إنها صناعة الثقافة الجماهيرية التي تحول الإنسان إلى شخص إلى مبرمج .
 
   ففي كتابه « سيكولوجية التلاعب»   يقول ي . ل . . دوتسينكو:

   « يمكننا أن نتذكر عددا غير قليل من أحداث الحياة التي غدا فيها التلاعب خيراً؛ ما دام يرفع مستوى التعامل من غلبة العنف إلى غلبة التلاعب ـ أي معاملة أكثر إنسانية ـ بالمعنى المعروف » .

   .. بينما يرى البعض أن التلاعب أسوأ من السوط؛ لأنها تفقد ضحية التلاعب القدرة على الاختيار العقلاني كليا، لأن رغباته مبرمجة من الخارج ويستعيض عن السوط بأداة أشد فاعلية إنها « صناعة التلاعب بالوعي » التي تشيء الإنسان أي تحوله إلى مجرد شيء .

   . ويرى باولو فرير أن « التضليل أو التلاعب بالوعي »، هو إحدى « أدوات القهر» التي يسعى المستفيدون من خلاله إلى تطويع الجماهير لأهدافها الخاصة عبر أحاديث الزعماء، أو وعاظ المنابر أو عظات الكنائس أو خطباء السلاطين أو مدرسي المدارس أو باحثي الجامعات أو الكتب أو الصحف أو الدراما عبر العرض المسرحي، أو شريط سينما، أو بث إذاعي أو تليفزيوني!! والتي تفتقد إلى المعلومة، ويغلب عليها طابع الأسطورة التي تستخدم لتفسير وتبرير الواقع، وتضفي عليه واقعاً خلاباً .. ويضمن للمضللين التأييد الشعبي لنظام اجتماعي لا يحقق مصالحهم على المدى البعيد.

     .. وكلما ازداد عدد مصادر الاتصال، ازداد بطبيعة الحال رصيد التوجيهات والمثيرات الإعلامية، إلا أن النتيجة واحدة في النهاية؛ فالأفكار، والأبحاث، والتوجيهات، والمعلومات العامة، والأخبار والمادة الترفيهية يجري انتقاؤها من إطار مرجعي واحد، قد يختلف الأسلوب والتعبير المجازي، لكن الجوهر واحد، فالسلطة بشتى أشكالها ـ السياسية والعسكرية والمالية والعلمية ـ تحدد نوع المعرفة التي تناسبها وتسعى إلى إنتاجها ـ ودون أن تكشف عن وجوها ـ .. يستوي في ذلك شيخ المسجد ومهرج السيرك، فكلاهما محكوم برؤية « حراس السلطة » *(4) على حد تعبير دافيد إدواردز أو المرشحات من داخل النظام ( الفلاتر ) التي يطلق عليهم « حراس البوابات »؛ فغدا المواطن العربي أسير ما يسربونه إليه بمقدار من خلال ثقوب صغيرة يتسرب من خلالها ضوء باهت لا يهتك حجب الظلام، ولا تتيح له الرؤية الواضحة !!

   . وإذا أخذنا حالة الشعب المصري مثالاً؛ نجد أن الشعب المصري قد عانى الكثير منذ فجر التاريخ من كابوس القمع، التي تعد السخرة أحد أهم أشكاله؛ فبعيداً عن الفخر الوطني السائد والمتوارث في الكتابات الأكاديمية (غير المدققة عن عمد .. لأن معظمها مأخوذ عن نظرة الآخر لنا من خلال التقسيم الأوربي لمراحل التاريخ وكتابات الاستشراق والمرجعيات النصية Textual التي وردت في كتابات الرحالة والصحفيين الأوربيين)، أو المناهج المدرسية المزيفة، أو الكتابات الصحفية الموجهة، أو الأعمال الدرامية أو الأغاني نجد أن أصابع القهر قد تركت بصماتها الظاهرة على جلد الشعب والمستبطنة في أخاديد عقله الجمعي، ولأن الذين خاضوا تجربة السخرة من العناصر الأمية؛ فلم يصل إلينا نص مكتوب عنها وكل ما بحوزتنا عنها بعض الأهازيج التي تصور انتزاع الفلاحين من قراهم ومن بين أهليهم مثل :

يا عزيز عيني، وأنا بدي أروح بلدي
بلدي يا بلدي والسلطة خدت ولدي

.. وأغاني الغربة القسرية والحنين إلى الأهل :

غريب يا ولداه عن أهلي وخلاني
غريب يا ولداه كان حبي غزال هاني
راح ليه حبيبي، وليه يا رب خلاني
دا الظالم اللي صبح بحري، وأنا جبلي
كم شاب شملول رماني البين من جبلي
أيوب لما ابتلى واحد، وأنا التاني
  
   .. وصارت العدودة ( نوعا من الغناء البكائي في رثاء الأموات) تقال في الحزن على الفلاحين المُرحلين للسخرة أو التجنيد في الجيش والأسطول أو الذاهبين إلى حروب ليس لهم فيها ناقة ولا جمل وفي بلاد لا يعرفونها !!

   .. ومع ذلك لا يخجل « المتلاعبون بالوعي » من إلباس السخرة ثوب البهاء باعتبارهــا « صانعة الحضارة »  و « يد التاريخ » .. فمثلاً يتحدث « المتلاعبون بالوعي » كثيراً عن شموخ الأهرامات وعظمة الفراعين؛ لكنهم لا يأتون ذكراً لمقابر العبيد « بناة الأهرامات»، والتي تقع على بعد 500 متر من الأهرامات في سراديب حفرت في الأرض لعدة كيلومترات؛ لتكون مقابر للبؤساء الذين شيدوا الأهرامات على مدى مائة وثلاثين عاماً، حملوا خلالها ثمانمائة مليون صخرة تزن الواحدة منها طنين ـ تقريباً ـ جاءوا بها من أسوان إلى حيث الجيزة الآن (980 كيلومترا ) ليشيدوا تسعة أهرامات، ستة صغيرة وثلاثة كبيرة؛ لتصبح فيما بعد صروحاً تذكارية للفراعين؛ حيث لم يثبت حتى الآن أن الأهرامات استعملت كمقابر حسبما شاع في عهود مضت !!.

   شيد خوفو الهرم الأكبر ليخلد ذكراه .. لكن من أتوا بعده لعنوه ولعنوا ذكراه ونهشوا عرضه ـ كما جاء في وصف هيردوت ـ وكانت أصداء أعماله البائسة تتردد إلى الوقت الذي زار هيردوت فيه مصر سنة 450 ق م تقريباً*(5)، يقول هيرودوت :

    « إن خوفو كان فرعونا في غاية الخبث والشر، وقد أضاع كل ثروته.. الأمر الذي دفعه إلى إرسال ابنته إلى أحد بيوت البغاء، ومعها أوامر بتدبير مبلغ معين له، وفعلت البنت ما أمرها به، ولكن أملا في أن تُذكر بشيء آخر كانت تطلب من كل رجل ضاجعها حجرا على سبيل الهدية، وبهذه الأحجار قامت ببناء واحد من الأهرامات الضخمة التي لا تزال قائمة على هضبة الجيزة بالقرب من نهر النيل » *(6)

   .. بالتأكيد أن الحكاية التي رواها هيردوت لم تكن حقيقية، ولكنها تلخص وجهة نظر المصريين في بناء الأهرامات مثلما لخص أحفادهم رأيهم في أحداث كثيرة من خلال محكيات تحمل إسقاطات ذات مدلولات ورموز جنسية، أهمها على سبيل المثال اختزالهم لهزيمة 5 يونيو 1967 في نكتة اعتبرت أن الهزيمة لم تلحق بالشعب؛ لكونها مجرد اعتداء جنسي على القادة الذين أذلوه وخدعوه!!

   كانت الأهرامات من وجهة نظر المصري القديم نتاج « عُهر السلطة ».. وبقيت إلى الآن شاهداً على « قهر الخاضعين » !!
   لكن باحثين محدثين ينسفون نظرية بناء الأهرام بنقل الأحجار من أسوان؛ هديا بالآية في القرآن الكريم:

« وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إلى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ» ـ القصص 38

   .. ويخلص الباحثون أن عمليات التحليل لعينة من حجارة الأهرامات أثبتت أن الحجارة مصنوعة من الطين الكلسي، الذي تم تعريضه لدرجات حرارة عالية، وهو ما كشف عنه القرآن من كونها وسيلة بناء الصروح آنذاك، كما أثبت العلماء بالفحص التقني أن بعض حجارة الأهرامات بها فراغات ناتجة عن فقاعات الهواء، بما يؤكد صحة النظرية !!

    هكذا هدم العلماء الفكرة السائدة عن بناء الأهرامات، كما هدم المؤرخــون أسطــورة أن : « هيردوت أبو التاريخ »؛ فالتأريخ قائم منذ وجود الإنسان، وقبل أن يولد هيردوت، واستمر التأريخ بعد موته؛ لكنها أكاذيب الأوربيين الذين يدعون لأنفسهم فضلاً من ادعائهم وصلاً بالحضارة اليونانية التي لم يعرفوا عنها شيئاً ـ باعتراف المؤرخين الغربيين ـ سوى عن طريق الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس .*(7)

    .. وفي العصر الحديث .. في عهد محمد علي وبعيداً عن دعاوى الفخر الوطني السائد والمتوارث بمحمد علي وعهده وجيشه و«إصلاحاته».. والتي لم يأت ذكر للوجه الآخر من العملة: المهانة والعنف والاستغلال الذي وقع ضحيته الفلاح المصري، وهو ينتزع من أهله وقريته التي كان يقاسي فيها بالفعل من أهوال إدارة الباشا وضرائبه؛ ليصبح «نفر» في تلك الآلة الجهنمية المسماة «جيش الباشا» .. ليعيش حياة يومية بشعة في المعسكرات تحت قهر الممارسات السلطوية؛ ليحقق لسيده الانتصارات التي تحقق أطماعه في الحصول علي حكم وراثي لنفسه ولأبنائه من بعده.. كان جيش الباشا ربع مليون نفر مقسمة على الجيش ـ 130 ألف نفر ـ والأسطول ـ 120 ألف نفرـ في الوقت الذي كان عدد سكان مصر 2,5 مليون نسمة .

    .. مارس الفلاحون المصريون كل أشكال المقاومة ضد جبروت الباشا. انتفضوا ضد ممارسات السخرة ممثلة في قوافل التجنيد وحرقوا مقراته وضربوا الموظفين وقتلوا بعضهم، لكن مماليك الباشا سحقتهم؛ فلجأوا إلى التسحب والفرار من قراهم .. ومع أواخر عام 1830 كانت الممارسات قد بلغت مبلغ حد العثور على قرى مهجورة بأكملها !! وبلغ اليأس بالفلاحين حد تشويه أجسادهم حتى يصبحوا غير لائقين طبياً للخدمة العسكرية بأساليب مختلفة منها بتر السبابة وخلع الأسنان الأمامية ووضع سم الفئران في العين لإحداث حالة من العمى التي يؤمل أن يكون مؤقتاً .. وبلغ الأمر ببعضهم إلى وشم أيدهم بالصلبان لإقناع قافلة التجنيد بأنهم خارج «الترتيب» .*(8) كانت الأمهات يساعدن أبناءهن على تشويه أجسادهم، مما حدا بمحمد علي إلى شنق بعضهن على مداخل قراهن؛ ليكن عبرة لغيرهن، وإصداره الأوامر للعطارين بالامتناع عن بيع سم الفئران، ووصل الأمر إلى معاقبة من شوهوا أجسادهم إلى تكليفهم بأعمال أكثر مشقة في الترسانة البحرية بأبي قير بالإسكندرية « الليمان »، وهي كلمة تركية تعني مرفأ أو ميناء ولكن المصريين اعتبروها مرادفة لكلمة « السجن » نظراً لارتباطها بأداء العقوبة، ومازال هذا الاستعمال شائعاً حتى اليوم .

   .. وتشكلت بين المصريين طريقة جديدة للمقاومة تعكس اليأس المطلق الذي بلغوه.. لقد رفضوا ببساطة أن يتزوجوا وينجبوا، حتى لا يلقى أبناؤهم مصائرهم !! وفي سنة 1828 لم يجد محمد علي بداً من إرسال أوامر للمشايخ بالحض على الزواج جاء فيها: «أن رفاهية البلاد تعتمد على زيادة سكانها .» .. كانت مصر في نظر الباشا مزرعة إنتاج العبيد !!

.. ولأن تاريخ مصر يفتقد إلى الدراسات الجادة التي تتناول الواقع الاجتماعي.. فوثائق السلطة ـ محافظ الجهادية ـ قد سجلت هروب 60 ألف نفر من الجيش و20 ألف نفر من الأسطول أي أن واحدا من كل ثلاثة أفراد قد هرب من سخرة الجيش.

    .. كما أكدت وثائق السلطة عبر مكاتبات الجهادية أن الجنود كانوا يتغذون تغذية سيئة؛ فالجراية عفنة وسيئة الخبيز، واللحم ـ إن وجد ـ فاسداً، وكان الجنود لا يتلقون أجورهم بانتظام، ولا يحصلون على ملابس مناسبة، فضلاً عن ذلك حرمانهم من الدفن بطريقة مشرفة عند موتهم، بل كانت تصادر متعلقاتهم الشخصية باعتبارها أموالا أميرية، كما أثبتت بعض الشكاوى ـ في محافظ الجهادية ـ والتي لم يبت فيها عدم صرف معاش شهري للأنفار السقط (العاجزون عن الكسب بسب الإصابة أو المرض أثناء السخرة في جيش الباشا )، مما أقنع الفلاحين أن الباشا قد خانهم وغدر بهم!!

    .. كما أكدت وثائق السلطة عبر مكاتبات الجهادية أن الأوبئة جاءت لتعصف بالجنود وأفراد السخرة، وكان من أخطرها التيفود والتيفوس والجدري والكوليرا والحمى والجرب والسيلان والزهري والسل .

   .. ولم تفلح محاولات محمد علي في الاستعانة بالوعاظ والفقهاء؛ ليقنعوا الفلاحين بأن الخدمة العسكرية ليست كالسخرة*(9) .. ولعب هؤلاء بـ « ورقة الطائفية » من خلال تذكير الفلاحين بأن الفرنسيين استطاعوا بسهولة حين كانوا في مصر أن يجمعوا من الأقباط فرقة في جيشهم بسبب تلهفهم على خدمة عقيدتهم.. فإذا كان هذا حال الأقباط فلا شك أن حال المسلمين سيكون أفضل، فقلوبهم تمتلئ بالتقوى والحماس للدفاع عن الدين، وأن الخدمة في الجيش واجب ديني .. لكن تلك الدعوات لم تلق إلا آذانا صماء، ولم تستطع تلك الدعوات التلاعب بهم، فالحروب هي « حروب الباشا »، لا « حروب مصر »، وأن الباشا كوّن « جيشاً أسرياً» وليس « جيشاً قوميا »؛ واللغة المستخدمة في الجيش لغة غير وطنية، وأولاد البلد في ذيل القائمة؛ فمحمد علي قد أصر على ألا تتجاوز ترقيات أبناء العرب ( أي المصريين) درجة البلوكباشي « قائد 25 جنديا »ً ، وهي درجة الأومباشي « العريف » حاليا .

   وفي فترة لاحقة في إطار اجتذاب المصريين سُمح للمصريين بالترقي حتى رتبة اليوزباشي « نقيب »،  ولم يرقَ منهم سوى عدد قليل، أما بالنسبة لرتبتي الملازم ثان والملازم أول فكان يجب أن يكون نصفهم من الترك ونصفهم من أبناء العرب ( أي المصريين)، وكان إبراهيم باشا عند الترقية لهاتين الرتبتين يستعلم عن هؤلاء الذين يمكن أن يرقوا إليهما؛ نظراً لأن وجود أكثر من 4 ملازمين من أبناء العرب ( أي المصريين) في الأورطة (الكتيبة) الواحدة مخالف للقواعد، كان إعجاب محمد علي بنابليون هو ما دفعه للاستعانة بالكولونيل سيفي Ceve ـ والتي ينطقها المصريون سيف ـ في بناء الجيش، وهو رجل من أذكى رجال السان سيمون*(10) .. ورغم تظاهره باعتناق الإسلام وتسمية نفسه سليمان باشا الفرنساوي؛ لم يكن يسمح بترقية أبناء العرب ( أي المصريين) إلى رتب الضباط وإرسالهم في بعثات الدراسة في أوربا إلا لم بعد أن يتأكد من اعتناقه ذلك الفكر الذي كان تطبيقاً عمليا لأفكار الماسون .. وتلك كارثة أخرى من كوارث محمدعلي، وخاصة أنه لم يكن بمنأى عن اعتناق هذا الفكر وكذلك أبناؤه من بعده!!* (11)

    .. وخاصة أن الحملة الفرنسية قد هيأت تربة خصبة لذلك الفكر؛ فقد كان الجيش الفرنسي مكوناً من ضباط وجنود وعلماء، كان معظمهم أعضاء في جماعات ماسونية فرنسية وإيطالية وألمانية، وكانوا بعد نجاح الماسونية في إشعال الثورة الفرنسية في حماس شديد لنشر أفكارهم خارج فرنسا، وكان هؤلاء عشاقا لتاريخ مصر وخاصة ما قدمته للبشرية في مجال علاقة الإنسان بالكون والطبيعة بشكل عام، وكانت فكرة الماسونية المصرية بدأت تجتذب في أوربا كتاباً وفلاسفة كباراً .. وبدأت تتكون دوائر وحلقات وجمعيات تحمل أسماء: وادي النيل، ممفيس، مصراييم * (12)، وخرج الجيش الفرنسي من مصر وقد شهدت الإسكندرية ميلاد أول محفل ماسوني بها عام 1800، ومع بداية القرن 19 انتشرت هذه المحافل في كل مصر خاصة القاهرة والإسكندرية طنطا والمنصورة، وكانت أفكار الماسونيين تتركز حول تحضير وادي النيل وإعادته إلى صدارة العالم حضارياً وفكرياً، ثم تأصيل كل أفكار البشرية وتفسيرها تفسيراً فرعونيا، بهدف القضاء على الإسلام .

     وقد أسهم في ترويج فكر السان سيمون شخصيات مصرية من أمثال رفاعة الطهطاوي وعلي مبارك،*(13)  كما قام على نشر هذا الفكر من غير المصريين جمال الدين الأفغاني.. وبعد القبض على جمال الدين الأفغاني وطرده من البلاد في 24 أغسطس 1879 انضم الماسون من أتباعه إلى العرابيين ابتداء من محمد عبده إلى سعد زغلول، ولكن هذا لا يمنع حدوث اتصالات بين العرابيين والماسونيين من أنصار حليم، وفي كلتا الحالتين انتهت المرحلة كلها بغزو الإنجليز .*(14) .. وتذكر بعض المصادر الأخرى أنه كان من بين الماسون في المحفل الذي يترأسه الأفغاني والذين انضموا إلى العرابيين محمود سامي البارودي وعبد الله النديم * (15)، ولا تستبعد بعض المصادر أن أحمد عرابي كان من الماسون ـ غير أنها لا تقدم على ذلك دليلاً ـ سوى كلام مرسل منسوب إلى الجنرال ولسي جاء في نصه :

     « أني استسهلت الصعاب وسخرت من الأهوال في كل البلاد؛ لأنني حيث توجهت كنت ألقى إخواناً لي من الماسون يرحبون بي ويساعدونني على ما أريد، ولست أرتاب في أن نجاحي كان لأنني أستاذ في الماسونية ».

    وبعد الاحتلال الإنجليزي لمصر.. يروي الخديو عباس حلمي الثاني في مذكراته أنه علم أن: « كبار الضباط كانوا يعينون بنوع خاص من بين أولئك الذين كان من المعروف عنهم أنهم ينتسبون إلى لوج الماسونية الإنجليزي »* (16)

    كان نتيجة إسراف محمد علي في السخرة ( في الجيش والأسطول وحفر الترع وإنشاء القناطر ) أن غاب الرجال عن قراهم وتنقلوا من معسكر إلى معسكر، ومن مدينة إلى أخرى، وتركوا آلاف النساء وحيدات دون سند من رعاية زوج أو أب أو أخ تحت وطأة الجوع ورغبات الأنثى إلى اللجوء إلى العوالم « العاهرات » ؛ فانتشرت الدعارة في مصر بشكل غير مسبوق، وانتشر الزهري « مرض الفسق » واللواط والجرب بين أنفار جيش الباشا، وانتشرت ظاهرة « الخولات »  *(17) في المجتمع المصري!!

   وهو ما يعيد إلى الأذهان الأسطورة الفرعونية موضوع إحدى الجداريات في معبد الرمسيوم بالدير البحري، والتي تصور رجلا مبتور الذراع ذا عضو ذكري طويل يقطر منه المني في كأس تحمله امرأة راكعة أمامه وتروي الجدارية أن الإله «أمون رع»*(18) خشي أن يباد المصريون في الحرب فحل في جسد هذا الرجل العاجز، والذي تخلف عن الخروج مع الجيش وضاجع نسوة المدينة اللائي انتشين بعطر الإله ومائه ينساب في أجسادهن .. هذه الأسطورة وغيرها مثل أسطورة الولادة المقدسة لحتشبسوت تضفيان تبريراً منطقياً يلقى قبولاً من الجنود العائدين من الحرب لما يحدث في مجتمعاتهم من عهر في غيابهم !!

    .. ولأن معظم الجنود في جيش الباشا كانوا أميين فلم يتركوا لنا سجلات مكتوبة عن رؤيتهم للجيش، ودورهم فيه .

     وليس بين أيدينا سوى رصد ذاتي لتجربة واحدة بقلم صاحبها على مبارك المطلوب للترتيب في الجيش، الذي أصبح علىّ باشا مبارك :

    « يروي مبارك كيف تم استدارجه لكونه مطلوبا للعسكرية إلى مقر بوليس أبو كبير، وكيف أحضروا غلا من الحديد وضعوه في رقبته، لكنه تمكن من الهرب برشوة السجان».*(19)

     .. وعن الإشادة بالنهضة العلمية في عهد محمد عليّ وخلفاؤه فإننا أمام حالة من تجسيد الوهم يروي وقائعها على مبارك التلميذ في مدرسة القصر العيني والذي صار ـ في وقت لاحق ـ علىّ باشا مبارك، يقول مبارك في مذكراته :

     « دخلت مدرسة قصر العيني، وأنا في سن المراهقة ، وصرت في فرقة برعي أفندي، فوجدت المدرسة على خلاف ما كنت أظن ، والتربية والتعليم غير معتنى بها؛ إذا كان كل اعتنائهم بتعليم المشي العسكري، فكان ذلك في وقت الصبح والظهر وبعد الأكل وفي أماكن النوم ، وكان جميع المشرفين على التلاميذ يؤذونهم بالضرب وأنواع السباب والإهانة من غير حساب ولا حرج ، مع كثرة الأغراض والإعراض عن الاعتناء بشؤونهم مما يختص بالمأكولات وخلافها، وكانت مفروشاتهم حصر الحلفاء وأحرمة الصوف الغليظ من شغل بولاق وطعامهم من الطبيخ الردئ.

    وكان لتغير الهواء المعتاد أن اعترتني الأمراض وطفح الجرب على جسمي ، فأدخلوني المستشفى ، فتراكمت عليّ الأمراض حتى أيسوا من حياتي .

    فعزمت على ترك المدرسة لما رأيته من الشدائد وعدم التعليم وما لحقني من الجوع في المستشفى حتى كنت أمص العظم الذي يلقيه الأكلون، لكن فكرت في عاقبة الهرب»*(20).

    كان الكرباج هو قانون الباشا؛ فقد كان له الحضور الطاغي في كل قوانينه، ففي قانون الفلاحة كانت العقوبة بالكرباج في 26 مادة من 55 بينما كانت في قانون الجهادية في 4 مواد من 98 مادة وهي المواد المتعلقة بالهروب واللواط .

    .. وانتهى مشروع محمد علي إلى طريق مسدود، ولعن المصريون أفعال محمد علي وأيامه السوداء .. لكن الكتابات التاريخية المدفوعة الثمن والمحلاة بالسكر لم تلعنه بل لقبه المرتزقة في كتب التاريخ بـ « ساكن الجنان »، أو بالتركية « جنات مكان محمد علي باشا »،  ومعناها: « مثواه الجنة محمد علي باشا »، وبعد ذلك أضيف إليه لقب « مؤسس مصر الحديثة »، وهي صورة زائفة صنعها محمد علي بنفسه من خلال لقاءاته بالرحالة والصحفيين الأوربيين، وقد أسهم أولاده وأحفاده في تعضيد تلك الكذبة، فقد استقدم فؤاد الأول ابن اسماعيل في الفترة من (1902 ـ 1905 ) الكثير من المؤرخين الأوربيين لكتابة تاريخ أسرته، وقد أسهم هؤلاء في تعضيد مكانة محمد علي، وأصبحت كتاباتهم هي المصدر الوحيد المتاح لمن أتى بعد ذلك!! .. وهي لعبة معروفة وتجيدها أجهزة بعينها، فقد عاصرنا ما أنفقه الرئيس جمال عبد الناصر على المرتزقة اللبنانيين لترسيخ أسطورته والمبالغ التي ضخت في الإعلام الغربي عبر مكاتب هيئة الاستعلامات والسفارات لترويج صورة ذهنية مزيفة للزعيم !! وكانت هذه الأموال المقتطعة من قوت الشعب كفيلة بأن تحول مصر إلى جنة الله في أرضه .

    فإذا كان هذا حال السخرة في « عهد الباشا»، فما بالنا بالسخرة وقد أُضيفت إليها في عهد أبنائه ألوان أخرى تمثلت في إنشاء السكك الحديدية بموافقة عباس حلمي الأول، وحفر قناة السويس الذي انطوى على إجحاف مفضوح بحقوق مصر بموافقة من « محمد سعيد باشا» الذي وافق على أن يتحمل الشعب المصري وحده عبء حفر القناة، وأن يكون عدد العمال المصريين في الشركة 80 % من مجموع العمال .. وكانت هذه الموافقة هي الأساس لنظام السخرة في حفر القناة الذي وضعه ديلسبس في لائحة استصدرها من سعيد باشا وسميت «لائحة استخدام العمال المصريين في أشغال قناة السويس»، وهي اللائحة التي تسببت في إكراه حوالي ربع مليون مصري ـ بصفة مبدئية ـ كأكبر حشد آدمي في تاريخ مصر على العمل في حفر القناة، بالنظر إلى أن تعداد سكان مصر وقتها كان 4.5 مليون نسمة، وذلك في العام 1862.

    كان إجمالي عدد عمال السخرة في مشروع قناة السويس على مدى العشر سنوات مليون فلاح مصري، وعدد الذين قتلوا بالعمل الشاق والترك والإهمال من العمال أثناء الحفر أكثر من ١٢٠ ألف فلاح مصري!!

    .. وللأسف لا توجد دراسة واحدة جادة عن قصة قناة السويس وأثرها على بنية المجتمع المصري، وأثر المشروع الضخم على هؤلاء الفلاحين التعساء الذين جلبوا من شتى أرجاء مصر لحفر القناة .. من أين جلبوا ؟! أين أقاموا أثناء الحفر؟! ماهي المعدلات الحقيقية للوفيات والإصابة بالأمراض التي استشرت فيهم ؟! كيف كانوا يدبرون مأكلهم ومشربهم والعناية بأجسادهم ؟!.. وكيف تم نقل الفلاحين من قراهم إلى موقع العمل في القناة ؟! .. وكيف التعامل معهم بعد انتهاء العمل في المشروع ؟!

    وثائق السلطة تؤكد أن اللائحة التي وضعها فرديناند ديلسبس حددت أجور العمال ووسائل الطعام وإعداد ماء الشرب ومواعيد دفع الأجور، بمبلغ يتراوح بين قرشين ونصف القرش وثلاثة قروش في اليوم للعامل الذي يزيد سنة على 12 سنة، أما العامل الذي يقل عن 12 سنة، فيتقاضى قرشا واحدا، كما التزمت الشركة بتقديم الخبز المقدد «الجراية» إلى العمال بقيمة قرش واحد، على أن يتم تقديمهم للعمال كل يومين أو ثلاثة.

     لكن هذه الوثائق أيضا ـ البرقيات ورسائل قصر عابدين ـ تؤكد عجز الشركة عن تحقيق التزاماتها وموت الآلاف من فلاحي السخرة عطشاً وجوعاً، رغم أن طعام الفلاح المصري لم يزد عن خبز الذرة ( البتاو ) والمش والبصل والملوحة، ولم يكن ملبسه سوى قميص من قماش البفتة ( البفتة كلمة إيطالية مصرية تعني القماش المصنوع من القطن السيء النسيج ) والدمور ( قماش من أردأ أنواع القطن ) بعد صباغتهما بمادة النيلة ( نبات ينبت في الواحات) ليتحملا شدة الاتساخ ..

    ولا يخجل الطغاة من الحديث عن جرائمهم بحق الشعوب .. يقول الخديوي عباس الثاني ( اللص ـ حسب وصف لورد كرومر ـ والذي من أجله أنشأ وزارة الأوقاف لتحد من سرقاته للأموال والأراضي ) آخر خديوي في تاريخ مصر في مذكراته عن السخرة والكرباج :

    « أما بالنسبة للسخرة ( وهي ترجمة غير دقيقة للكلمة العربية المقابلة: المعونة، وهي المساعدة التي تقدم نتيجة لوسائل الإرغام )، فإن استخدامها كان يرجع إلى عهد ملك اليهود سليمان، والتي كانت حكمته يضرب بها المثل حتى الآن . وكانت السخرة قديمة قدم مصر، وقدم الفراعنة، وكان لا يمكن الاستغناء عنها، ولا يمكن تحاشيها في عصور كان القانون لا يطبق إلا بالقوة.
.........................
..................
   
    وبدون السخرة، كان غير الممكن وبشكل واضح، أن يقوم الفراعنة بإقامة منشآتهم المعمارية العريقة، وأن يحفروا بعناية دقيقة شبكات لزراعتهم، ولم يكن لمصر أن تشتمل على الأهرامات، ولا المدن، ولا المعابد، ولا المسلات، ولا قنوات المياه التي أخصبت أرض الصحراء خلال آلاف السنين، والتي تملأ المسافرين وعلماء الآثار والسياح من جميع أنحاء العالم بالإعجاب، والسخرة التي جعلت من الممكن القيام بالكشوف الفرعونية التي كشفت النقاب عن أراضي أثيوبيا. وبدون السخرة كانت الزراعة ستبقى بدائية»*(21)

    .. ولم يكن المحتل بعيداً عن استخدام تلك الوسائل كأحد أساليب « القتل النفسي»، وتحطيم كل صورة من صور الثقة بالنفس تولد إرادة المقاومة وعدم الإذعان؛ فكان اللورد كرومر يقول إن مصر تحكم بثلاث كلمات تبدأ بحرف C اللاتيني وهي: « السخرة Corvette، والكرباج Courbash، والفساد Corruption » .. كان كرومر ينتقد الوسائل الثلاث، ويدعي لنفسه أنه صاحب قرار إلغائها، بينما هو غارق لأذنيه في ممارستها؛ فقد كانت تلك الوسائل الثلاث أهم أدواته لإحكام سيطرته على بلد محتل .

    ولم يكن الخديو عباس حلمي الثاني أقل شيزوفرنيا من كرومر؛ ففي الوقت الذي ينازع كرومر الادعاء بأنه صاحب الفضل في إصدار قرار إلغاء السخرة.. راح يؤكد في الوقت ذاته أهميتها وخطورة إلغائها بقوله :

    « وكانت من الصعوبة والخطر الكبير إلغاء السخرة، وحتى التقليل من نظامها، وزميلها الذي يسايرها وهو الكرباج، قد وضحت وبشكل ثابت منذ أن كتب نائب الوزارة البريطاني في شهر يناير 1885 إلى ناظر الأشغال العمومية المصري، يشكو من أن تطبيق السخرة في ظل نظام معتدل أضر بالبلاد :

   « أن الفلاحين يرفضون الذهاب للعمل حسب طلب المدير، ولا يمكننا إجبارهم على ذلك، ونتج عن ذلك أن تطهير الترع قد تم بشكل غير سليم»*(22)، .. وهو كلام ينطوي على المغالطة؛ لأن طلب العون لا يأتي كرهاً.. وكان من الممكن أن يكون مقبولاً لو أن الذين أجبروا على السخرة لدواعي المصلحة العامة حصلوا على نتاج عرقهم !! وأصبحوا شركاء في اقتسام ثمرة الإنجاز .. وكان من الممكن أيضاً قبوله في إطار « استرداد الوقائع»  في ضوء ظروفها التاريخية للإفادة من التاريخ، وليس لاعتبارها سنداً لتكرار حوادثه المأساوية !! .. إنها دائما الحكاية من وجهة نظر أحد طرفيها، الطرف الغالب.. أي الحكاية من وجهة نظر الجلاد، أما الضحية المغلوب فلا نلمس أثراً لحكايته، فقد أعجزه القمع والأمية وقلة الحيلة عن البوح بها باستثناء بعض الحكايات في قوالب ساذجة أهمها العدودة والموال الشعبي، الذي زادت فيهما مساحة الشجن وخلا من المعلومات !!.

     .. وهذا يعني أن كلام الخديوي عباس حلمي الثاني عن السخرة أن السخرة ألغيت بفرمان على الورق فقط .. لكنها ظلت قدراً على رءوس المصريين!!
.. والحقيقة أن المتاجرة بقضية السخرة ليست وليدة عهد الخديو عباس حلمي الثاني .. أو قرينة فترة وجود اللورد كرومر في مصر، فقد استغلها الخديو إسماعيل في التبشير بعهده الذي بدأ مخضبا بدم أخيه في حادث مأساوي*(23) ؛ ففي خطاب التولية بعد وصوله إلى الأسكندرية قادما من استانبول ومقابلة جميع القناصل وكبار رجال الجاليات الغربية له؛ ليهنئوه بسلامة الإياب وفرمان التولية .. ويقول البعض إن هذا الخطاب تلي في القلعة ثاني يوم التولية، قال الخديو إسماعيل :

   « وإني قررت أيضا إلغاء السخرة المشئومة التي اتبعتها الحكومة دائماً في أشغالها، والتي هي السبب الأهم، بل الأوحد، الحائل دون بلوغ القطر كل النجاح الذي هو جدير بك».*(24).. ولم يكن هذا سوى أحد أشكال «الفرنجة» التي يروي نوبار باشا قصتها في مذكراته .. يقول نوبار:

    « ففي اليوم التالي لولايته، أرسل إسماعيل في طلبي، وكانت الساعة العاشرة والنصف صباحا وقال لي : « في خلال نصف ساعة، سوف أستقبل أعضاء الهيئة الدبلوماسية. أعد لي خطبة قصيرة.»، قال هذا وأخذني من يدي بمودة زائدة وذهب بي إلى صالون صغير يمكن القول إنه كان حجرة للعمل؛ لأن المكتب كان عليه حبار جف الحبر الذي بداخله.. لم أكن قد تمكنت بعد من إدراك الموقف، حفل استقبال قنصلي؟ لم يكن هذا أبدا من تقاليدنا ولا عاداتنا، كان القناصل حتى في عهد سعيد لا تتم دعوتهم في شكل هيئة، بل كان كل قنصل يذهب إلى القصر بصفته الشخصية من أجل تقديم التهنئة للوالي.»

    ويضيف نوبار: « يبدو أن الأبهة وتقاليد المراسم المتبعة في قصور أوروبا استهوت إسماعيل، كنت وسط كل هذه التساؤلات أنتظر منه أن يعطيني فكرة من أجل الخطبة أو حتى يشير إليها بوجه عام. ولا كلمة قالها لى، ويبدو أنه كان بهذا يعني أنه عليّ أنا كتابة الأفكار وصياغتها. فلم يكن يعرف إلا أن في مثل هذه المناسبات كان حكام أوروبا يلقون بكلمة أمام الهيئات القنصلية، وكان يريد أن يلقي هو أيضا خطبة خاصة به. كتبت ما خطر على بالي ولم تكن سوى تعبير عما يدور في ذهني، دون أن أشعر تكلمت عن رغبته الأكيدة في القضاء على السخرة وإعطاء العلاقات بين الأهالي والأجانب الأولوية وتوفير أرضية أكثر جاذبية لها. وإلى جانب هاتين الفكرتين كتبت بعض العبارات المعتادة عن الاقتصاد ونظام المصروفات، وكتبت عن فكرة جديدة كانت تتردد في تلك الأيام بشأن إصدار قانون مدني جديد، ثم كتبت عن تطوير التعليم. كنت أنتظر منه أن يستوضح عن بعض النقاط أو يسألني أن أشرح له نقطة ما لكن لم يحدث شىء من هذا.»* (24)


   .. كان نوبار هو صانع خطاب «التولية»، ولم يكن إسماعيل سوى قارئ له في ملأ دون أن يكون لمضمونه صدى في فكره أو أثر في نواياه.. وبقيت السخرة وزادت قسوتها لاستكمال حفر القناة وإنشاء السكك الحديد.

    .. ظلت السخرة هي وجع المصريين الدائم طوال تاريخهم ؛ فبعيدا عن توهمات البعض من طبقة الأفندية ـ التي يتخذونها منطلقا لكتابة التاريخ من وجهة نظرهم، وللتلاعب بوعي الشعب المصري في إطار مخطط الإلهاء والإيهام أنه فاعل وليس مفعولاً به ـ فقد كانت السخرة من أهم أسباب اشتراك الفلاحين في ثورة 1919 تحت وطأة المظالم التي تعرضوا لها من أعمال السخرة في معسكرات الجيش البريطاني والحلفاء أثناء الحرب، والاستيلاء على المحاصيل والحبوب ودواب الحمل، إضافة إلى فساد المآمير والعمد الذي أثقلوا على بعض الأسر بانتزاع أكثر من ابن من أبنائها للعمل في السخرة، وفي نفس الوقت تغاضوا عن تجنيد الأشخاص الذين يدفعون لهم رشوة . . بينما المطالع لمذكرات سعد زغلول لا يجد سطراً واحداً عن أحوال الفلاحين؛ بما يدل على أنهم لم يشغلوا حيزا من اهتمامه !!

    .. ومازال المواطن المصري حتى الآن يكتوي بنار السخرة ممثلة في «عقود الإذعان» التي تفرضها السلطة عليه، والتي تخل دائماً بنظرية «توازن الحقوق»؛ بما لا يرتب له حقوقاً جبراً للأضرار إذا ما أخلت السلطة بواجباتها، وليس له حقوق عندما تهمل السلطة أو تخون أو تسرق أو تجور أو تنهب أو تزور !! .. ولا طاقة له بمواجهة «سلطة الجبر» لجباية السلطة لأموال عن خدمات لم تقدمها !!

***
   
    .. وقد سجلت ملفات القضايا في بعض المحاكم بعد ثورة 25 يناير 2011 بعض وقائع « سخرة » لجنود الأمن المركزي في زراعة إقطاعيات بعض اللواءات، كما سجلت صفحات الحوادث في الصحف الحكومية وقائع عنف قام بها بعض جنود الأمن المركزي لاستشعارهم الهوان نتيجة القهر والإذلال الناجم عن الخدمة غير القانونية، والمعاملة اللا إنسانية في بيوت بعض صغار الضباط !!




الفصل الخامس:
ـــــــــــــــــــــــــ

أساطير التلاعب بوعـي الشعـوب




    درج الباحثون الغربيون المهتمون بعمليات «التحكم في العقول» على استخدام الكلمة اللاتينية Myth للتعبير عن الأنماط أو الخطط الجاهزة التي تستخدم في ذلك الغرض، ودرج بعض المترجمين العرب: على ترجمة الكلمة اللاتينية Myth، وجعلها مرادفاً للكلمة العربية : « نمطة »، وجمعها أنماط، وتعني في قاموس المعاني: « جعله على نفس النَّوع أو الأسلوب »، بما يعني التشابه، بينما ارتأى مترجمون آخرون ترجمة اللفظة، وجعلها مرادفاً للكلمة العربية « أسطورة »، وهى تعني كما ورد في معاجم اللغة: « الأباطيل والأحاديث العَجيبة» وهي مأخوذة من «سطر»، وجمعها «سطور»، وجمعها «أسطار» بصيغة أفعال بما يعني الكثرة، وجمعها «أساطير» بصيغة المبالغة أفاعيل .

    وإن كنت أنا شخصياً أميل إلى الترجمة الثانية وهي: « الأساطير»، لكون الأسطورة هي: « محاولة إيجاد تبرير مقبول لشيء غير مفهوم »، وهو ما يتفق تماما مع طبيعة عمليات « التلاعب بالوعي » التي تحاول إضفاء نوع من «العقلنة الزائفة» على القيم الخادعة والكاذبة والمخادعة .. أي محاولة إيجاد قبول لما لا أصل، ولا حقيقة له!!

   .. يرى هارولد لاسويل عالم الاجتماع الأمريكي ومؤسس الاتجاه العلمي دور الكلمة في الدعاية ( ومن ثم التلاعب بالوعي )، والذي بدأ دراساته منذ الحرب العالمية الأولى، وعمم النتائج عام 1927 في كتاب بعنوان: « تقنية الدعاية في الحرب العالمية »، والذي وضع فيه التحليل الدلالي للنصوص، أي استخدام هذه الكلمات من أجل نقل المعاني أو تشويهها، وقد بنى لاسويل منظومة كاملة نواتها تشكيل « الأسطورة السياسية » عن طريق انتقاء الكلمات المناسبة .

   وفيه قدم تعريفا للأسطورة السياسية وأنها « هي مجمع أفكار تكون الجماهير مستعدة للنظر فيها على أنها حقيقة بغض النظر عن أنها حقيقية في الواقع أم كاذبة »  .. وهو تعريف يتفق مع قناعاتي التي أبديتها مسبقاً.

   .. ومن الأساطير الشائعة لـ « التلاعب بالوعي » في مصر أمكننا رصد خمس أساطير هي :

الأسطورة الأولى « السلطة مصدر لا يناقش» :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
   
    إن السلطة هي المصدر الذي لا يناقش، والذي نخضع له بناء على ما ترسخ في عقولنا بأن رأيه هو الكلمة النهائية، وبأن معرفته تسمو على معارفنا، وهو ما يترجمه المثلان الشعبيان: (الحكومة عارفة العفريت مخبي ابنه فين)، و( الحكومة تحس بدبة النملة ) .


الأسطورة الثانية «استقلالية اتخاذ القرار»:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   استقلالية اتخاذ القرار .. والترويج بأنه لا سيطرة لأي مجموعة أو آراء خاصة على عمليات صنع القرارات الهامة في البلاد .


الأسطورة الثالثة « العصور الذهبية » :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    استغلال حساسية الجماهير لأمجاد ماضيها، وتوظيف هذه الحساسية للفت انتباه تلك الجماهير عن بؤس حاضرها، بأحاديث عن الدولة الرائدة، وحضارة آلاف السنين، وأم الدنيا التي شهدت فجر التاريخ ومولد الضمير.. وهي أحاديث لا تزيد عن كونها مثل حكايات الجدة العجوز لحفيدها الذي لا يجد الرمق عن ثروات أجداده في عصور خلت .. قد تنجح تلك الحواديت في تخديره لينام، لكنها لن تفلح في إسكات صراخ أمعائه عندما يستيقظ في الصباح على واقع لن تفلح معه وهم الحكايات عن تلك «العصور الذهبية» .

الأسطورة الرابعة «إشاعة نظرية المؤامرة»:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    إشاعة «نظرية المؤامرة Conspiracy Theory » أو تغذية «عقدة المؤامرة»،.. و«نظرية المؤامرة» مصطلح أمريكي تمت صياغته بإتقان، وتصديره إلى الدول المستهدفة بالنهب من قِبل الشركات الأمريكية لمواردها، وتغليف المصطلح بغلالة من السخرية من مخاوف هذه الشعوب بالتهوين تارة؛ فالنكتة مثل الشائعة ـ رغم الاختلاف بينهما ـ لابد أن تحتوي على قدر جزئي أو كلي من الحقيقة؛ لتلقى قبول المُتلقي، فالشائعة نوع من المواجهة غير المباشرة، والهجوم غير المباشر لتحقيق هدف ما، والنكتة نوع من أنوع التعبير المجتمعي، يتسم بالفكاهة ويدعو إلى الاسترخاء عبر النقد غير المباشر، ويضع سم النقد في عسل الضحك.

     لذا كانت السخرية من « نظرية المؤامرة » دائما ما تركز على أن العرب دائما ما ينشغلون بالتفتيش في نوايا الآخر، دون أن يكلفوا أنفسهم مشقة النظر تحت أقدامهم، أو فحص دقائق واقع ربما صنعوا أحداثه بأنفسهم !! .. لا ننكر أن في هذا الطرح بعضاً من الحقيقة، ولكنها ليست الحقيقة كلها، كما أنه لا ينفي حقيقة وجود المؤامرة باعترافات المتآمرين أنفسهم، تلك الاعترافات الثابتة في كتاباتهم، وبرقيات سفرائهم، ووثائق حكوماتهم المُفرج عنها لمقتضى قوانين تداول المعلومات في بلادهم: مثلاً (المخطوط السري لغزو مصر لليبنيز ـ 1672 م*(2) ـ التاريخ السري لاحتلال انجلترا لمصر لبلنت 1907 )*(3)!!
    .. وفي حين آخر يتم تغليف « نظرية المؤامرة » بهالة من الرعب بتعظيم مخاوف الشعوب بالتهويل عبر إجراءات دموية على الأرض تساند الفكرة، وهو ما يطلق عليه « دعاية الفعل  Propaganda of The Deed » من خلال عمليات التخريب، واغتيال القيادات، واختلاق الخيانات والفضائح الأخلاقية بهدف خلق عدم الثقة في الذات القومية!!.

 .. وكل من أسلوبي السخرية أو تعظيم المخاوف غالباً ما يلقيان نجاحاً نتيجة نقص المعلومات، وضحالة الثقافة المضادة لدى تلك الشعوب نتيجة إحكام السيطرة على تدفق المعلومات من قبل المتـلاعـبين بوعي ومصـائر تلك الشـعـوب، وإصــرار حكــام تـلك الشـعـوب (الموالين للغرب، والمنتفعين بالعمالة له) على جعلها معزولة عن مصادر المعلومات؛ فعن عمالة الحكام يقول ونستون تشرشل في مذكراته :

( .. وكان لنا، ومازال كما آمل، عدد من الأصدقاء الأوفياء، والشجعان في المنطقة، وكان الملك عبد الله حاكماً في منتهى الحكمة، وأدى اغتياله إلى زوال الفرصة في تسوية سلمية للقضية الفلسطينية، وكان ابن السعود حليفاً قوياً، وكنت أتابع في العراق بإعجاب سلوك نوري السعيد الشجاع والحكيم، إذ كان يخدم بإخلاص ملكه، ويقود بلاده في طريق الحكمة دون أن يتأثر بالتهديدات الخارجية، أو بالضجيج المتأثر من الخارج في الوطن، ومن سوء الحظ أن هؤلاء الرجال كانوا من الشواذ )*(4)

تقول جرترود بل عضو المكتب العربي بالقاهرة (المخابرات البريطانية) عن شذوذ فيصل ابن الشريف حسين الذي أصبح ملك العراق : « قد يمسك الملك بيدي، لكنه يعانق المستر كورنواليس أكثر».*(5)

.. وتصبح الصورة أكثر وضوحاً؛ إذا ما أضفنا إليها وقائع الانقلابات العسكرية التي تعد إبداعاً أمريكيا خالصاً؛ لتأتى بحكام ذي خلفية عسكرية موالين لها يأتمرون بأوامرها، دعماً لأمن إسرائيل، ومشاريع شركات البترول ومخططات الاستغلال السياسي والاقتصادي.

    أفسد الأمريكيون الحكام الجدد وعلموهم إفساد الشعوب؛ حتى يصبحوا بمنأى عن الحساب بتكريس الاستبداد، وإضفاء صبغة شرعية على ممارساته عبر الالتجاء إلى الحشود غير المنتظمة سياسياً (الغوغاء)، والتلاعب بوعي الجماهير عبر استهدافها بما يسمى بـ «حرب المعلومات Information warfare»؛ لإقناع الجماهير بقبول السلطة والانتظام طواعية في خدمتها و« الانبهار بالقائد »، وخلق حالة تحلل من نمط القيم الاجتماعية الأساسية السائدة في المجتمع، واستبدالها بقيم ثانوية أو فرعية بديلة كاذبة وخادعة تدعم أساليب «التسمم السياسي»، وتساعد على التعايش مع « بنية الفساد ».

   يروي تيم واينر في كتابه: « إرث من رماد » نقلاً عن توم بولجار الضابط المحنّك بقاعدة برلين الذي عمل رئيساً لأركان « C.I.A.» الاستخبارات الخارجية الأمريكية في قسم أمريكا اللاتينية من 1965 إلى 1967 أن هناك خمس سبل للحفاظ على النفوذ الأمريكي على الزعماء الخارجيين ( المقصود جنرالات الانقلابات في أمريكا اللاتينية ) :

   « أن تصبح جهاز استخباراتهم الخارجي؛ فهم بالطبع لا يعرفون ماذا يدور في العالم. وتقوم بإعطائهم إيجازاً أسبوعياً ـ معالجاً ليتطابق مع حساسياتهم ـ المال قطعاً مرحباً به، جلب أمور: ألعاب، مناورات، أسلحة، تدريب، ويمكنك أخذ مجموعة من الضباط إلى فورت براج أو إلى واشنطن: عطلة رائعة »*(6).

   أخطر ما جاء في هذا الاعتراف هو تلاعب الاستخبارات الأمريكية بالجنرالات عبر ـ تقارير معالجة تتطابق مع حساسياتهم ـ ويبدو أن الفارق ليس كبيرا بين تجربة الأمريكان مع جنرالات الانقلابات في أمريكا اللاتينية وجنرالات الانقلابات في الوطن العربي سواء تجربة حسني الزعيم في سوريا أو عبد الناصر في مصر.. فقد أثبتت مجريات الأحداث في مصر أنه منذ انقلاب 23 يوليو 1952، ووصول العسكريين إلي الحكم دائما ما خذل القرار السياسي الموقف العسكري لصالح إسرائيل، هو ما تجلى بوضوح في قرار إلغاء الخطة «بيسان» في حرب 1956 والتي كانت تقضى بتحرك مجموعة سوريا إلى الجبهة الأردنية . لتندفع إلى قلب إسرائيل وتندفع القوات المصرية عبر رفح؛ لتلتقي بها بحيث يمكن شطر إسرائيل، ونقل المعركة إلى داخل أراضيها .. كانت الخطة تنطوي على فكر جديد قائم على تغيير قواعد اللعبة بإفقاد إسرائيل ميزة القتال خارج حدود فلسطين المحتلة.

    يقول أنتوني ناتنج في كتابة بعنوان: « ناصر» عن الخطة « بيسان »:

   « الحقيقة أن العروض الوحيدة التي تلقاها مصر بتقديم مساعدة عسكرية فعلية في تلك الأيام العصيبة كانت من سوريا والأردن، حين أُعدت معهما على عجل، وبقرار من الملك حسين بالانضمام إلى التحالف المصري السوري، خطة تقضى بالتقدم من ساحل البحر المتوسط لشطر إسرائيل إذا ما قررت مهاجمة مصر» *(7)

   « وهي الخطة التي أوقفها عبد الناصر لتسرب تقارير أولية عن مؤامرة أنجلو ـ أمريكية مع العراق للقيام بانقلاب في دمشق»*(8)، فضلاً عن رؤيته الشخصية أن: « هناك مخاطرة إذا ما اشتركت سورية والأردن في المعركة أن تتخذ بريطانيا وفرنسا من هذه الخطوة ذريعة لإعادة احتلال هاتين الدولتين اللتين كانتا تحت انتدابهما من قبل بنفس الطريقة التي تسعيان بها الآن لاحتلال مصر .» *(9)

   كانت أسباب ناصر لوقف تنفيذ الخطة «بيسان» واهية إلى حد الهراء، وثبت بالدليل عدم صحتها، وهو ما حدا بعبد الحكيم عامر في أوراقه الخاصة أن يقول: « .. واستشعرت أن بيننا في غرفة القيادة جاسوسا !!» .

     يقول حافظ إسماعيل :

   « في صباح أول نوفمبر أبلغتُ عمان ودمشق بقرار إلغاء الخطة «بيسان»، ومنذ مساء 31 أكتوبر صدرت التعليمات بالانسحاب من سيناء فوراً، ودخلت الحرب مرحلتها الحاسمة، استهدفت الغارات قواعدنا الجوية بغرض تدمير سلاح الطيران، وخلال يومي أول وثاني نوفمبر تم إخراج سلاح الجو من المعركة، ومع تحقق السيادة الجوية تحولت القوات المعادية لمهاجمة القوات المنسحبة من شمال سيناء ولقصف الأهداف الاقتصادية ومحطة الإذاعة المصرية .

   .. وفيما بين 2، 3 نوفمبر سيطرت القوات الإسرائيلية على قطاع غزة وفى 5 نوفمبر سقطت شرم الشيخ، وبذلك انتهت معركة سيناء ».

   .. قال ناصر للبغدادي ليلة 4/ 5 نوفمبر وهما في طريقهما إلى الإسماعيلية ليلة سقوط بورسعيد؛ حيث شاهد قصف القوات الجوية البريطانية لقواتنا المنسحبة من شرق سيناء: « إن جيشي قد هزمني »*(10).

   .. وهي مغالطة من مغالطات عبد الناصر الكثيرة .. ذلك الرجل الذي لا يقر بخطأ أبداً، ولا يتحمل مسئولية أفعاله مطلقاً، ودائما ما يكرر أخطاءه؛ فالحقيقة أن عبد الناصر هو الذي هو الذي هزم «جيش الشعب المصري»، وزج به في مغامرات كثيرة غير محسوبة، أوردته موارد التهلكة، ودمرت سلاحه، وأساءت إلى شرف العسكرية المصرية !!

   .. وتكرر خطأ عبد الناصر للمرة الثانية بقرار التخلي عن الأخذ بزمام المبادرة في الهجوم، وتفضيل تلقي الضربة الأولى للهزيمة القاصمة في 5 يونيو 1967*(11)، .. وكانت ثالثة الأثافي قرار السادات بتطوير الهجوم في حرب 6 أكتوبر 1973 دون اتخاذ تدابيره بالتنسيق بين قادة الجيوش؛ بما كان سبباً في حدوث الثغرة، والتقاعس عن ضرب رأس الجسر الإسرائيلي في ثغرة الدفرسوار، وكان الجيش قادراً، ومدرباً على ذلك لولا كبح القرار السياسي للقرار العسكري، ولو كان حصل هذا لما اضطرت مصر إلى الدخول في مفاوضات فض الاشتباك ولحصلت على الجلاء الإسرائيلي من سيناء دون التورط في اتفاقية كامب ديفيد، وهذا ما قاله حافظ إسماعيل مستشار الأمن القومي في مقال بعنوان: «هل كانت حرب 73 حرباً ملفقة ؟!»*(12)، وهو ما سنتناوله ـ لاحقاً ـ بالتفصيل في بعض من فصول هذا الكتاب.

   .. ومازال لغز الجسر المُسفلت الذي عبرت عليه القوات الإسرائيلية إلى غرب قناة السويس ينتظر الحل !! فكيف تم بناء هذا السد في 24 ساعة بطول كيلومتر تقريباً وعمق 30 متراً وبقاعدة 50 متراً في قاع قناة السويس ؟! .. ويظل هذا المُلح السؤال يطلب الإجابة!! .. فعندما طرحه المفكر الراحل د. يوسف إدريس في سبعة مقالات نشرت في جريدة القبس الكويتية تعرض لتجريح من الرئيس حسني مبارك في خطاب عام .. ولم تقدم جهة ما إجابة عن تساؤلات الرجل، وحقه الدستوري في طلب المعرفة ؟!*(13)

   أيضا كان لغز بناء خط بارليف بقضبان وفلنكات السكك الحديدية المصرية ( خط القنطرة ـ العريش )، واستخدام 5 آلاف أسير مصري في ذلك العمل؛ بما يستوجب التوقف لمحاولة حله، يقول السيد أمين هويدي مدير المخابرات المصرية الأسبق ( يرحمه الله ):

    « عندما صورنا ( المخابرات العامة ) خط بارليف لأول مرة بعدسات تلتقط الصور عن بعد وسط مقاومة غريبة من القوات المسلحة في منطقة القناة .. كان خط بارليف قد أنشئ على مراحل وعلى فترات متقطعة، وكان في إمكان القوات المسلحة هدمه والتدخل المستمر في جهود إنشائه قبل أن يصبح خطاً مبنياً وتحصينه بقضبان حديدية نزعتها إسرائيل من خط السكة الحديد القنطرة ـ العريش، ولا أدري حتى الآن لم سمحت قواتنا بإنشاء هذا الخط بل بإقامة الحاجز الترابي دون تدخل مستمر لإيقاف العمل فيه أو تعطيله على أقل تقدير؟!! كانت البيانات العسكرية تصدر يوميا معلنة تحطيم الخط وإحداث خسائر في أفراد العدو وإنشاءاته، ولدهشتي الشديدة ـ حينما اطلعت على صور الدشم بعد ضربها بطريقة متواصلة وكثيفة ـ أنها كانت سليمة تماماً، وأن هناك فارقاً كبيراً بين البيانات المعلنة وبين الحقيقة الخطيرة؛ فأمرت بوضع كل الصور الملتقطة داخل ألبوم لإرسالها للسيد الرئيس جمال عبد الناصرعلى الرغم من توعك كان قد ألم به اضطره للانتقال إلى استراحة القناطر الخيرية، وعلقت على الأبوم بالآتي: « الصور ملتقطة حديثاً وبعد آخر بيان عسكري يعلن تدمير الخط .. توضح الصور أن الدشم سليمة تماماً .. نحن نحتاج إلى قنابل خارقة للدروع أو أي وسائل يمكنها اختراق الأسقف المنيعة ... سنتابع التصوير أولاً بأول.» .

   وأرسلت الألبوم إلى السيد سامي شرف سكرتير الرئيس للمعلومات ليرسله فوراً إلى الرئيس على الرغم من اعتكافه لخطورته، وأصدرت تعليماتي للأجهزة المختصة لموالاة المراقبة والتصوير .... وفي التصوير التالي لاحظت أن الخط مازال سليماً على الرغم من البيانات العسكرية التي كانت تؤكد على تدمير، وجهزت الألبوم الثاني وأشرت عليه بالآتي: « البيانات المستمرة تؤكد تدمير خط بارليف والصور أنه سليم . جارٍ متابعة الموقف ». وقبل إرسال الألبوم اتصلت بالرئيس وهنأته بالسلامة، وأخبرته بأن: « الألبوم الثاني لخط بارليف في طريقه إليه »، وتساءل الرئيس « أي ألبوم ؟!» .. وصعقت إذ لم يكن«الألبوم الأول »، قد أرسل له؛ فأخبرته بالموضوع واستشاط غضباً وأخبرني بأن أرسل موضوعاتي باسمه شخصياً منذ الآن »* (14) .

   .. عندما نتوقف أمام تلك الحكاية فإننا نستشعر أن السيد سامي شرف قد قدر أن صحة الرئيس أهم من مصلحة الوطن وأمنه وهو أحد الاحتمالات.. الاحتمال الثاني : أن السيد سامي شرف لا يجرؤ على عدم عرض أمر خطير مثل ذلك الأمر على الرئيس، الاحتمال الثالث : أن الرئيس في ظل حالة العجز التي يعيشها قد ارتأى أن يعتصم بحالة الإنكار هو يعلم أن أحداً لن يستطيع تكذيبه!! .. وهو الاحتمال الأرجح خاصة أن الرئيس كان يهتم بكل التفاهات التي تدعم مشروعه الوهمي، وكل ما يعمل على إلهاء الشعب المصري.. ذكر إحسان عبد القدوس أن: « عبد الناصر طلب من سامي شرف مشاهدة فيلم « أبي فوق الشجرة» قائلا: بيقولوا فيه 155 قُبلة» .

    .. كان « نقص المعلومات» من أهم أسباب شيوع « نظرية المؤامرة»؛ فدائما ما يؤدي نقص المعلومة إلى عدم القدرة على استشعار الحدث قبل وقوعه، أو القدرة على تفسيره بعد حدوثه، أو استظهار معنى مقبول له بما يعزز « نظرية المؤامرة Conspiracy Theory »، أو على الأقل ما يدفع في اتجاه ما يطلق عليه «البقع العمياء Blind Spots» في تفسير الأحداث التي يصعب تفسيرها .. «البقع العمياء Blind Spots» غالبا ما تعتمد على الحدس والتخمين وإضفاء القدرات الخرافية على أجهزة مخابرات بعينها، وهي رؤى تفتقد الدليل الواقعي والعلمي، ويكفي للتدليل على ذلك استعراض وقائع فشل الاستخبارات الأمريكية في اعترافات مايلز كوبلن في كتابه بعنوان: « لعبة الأمم »*(15)، واعترافات ويلبر كراين إيفيلاند قي كتابه بعنوان: « حبال من رمل»*(16)، واعترافات تيم واينر في كتابه بعنوان: «إرث من الرماد .. تاريخ سي .آي . إيه .» *(17)، جاء تعبير «إرث من الرماد» لوصف سجل الأعوام الستين الأولى للوكالة والتي وقعت فيها فريسة للفشل والتقارير المزيفة .. وهو تعبير اقتبسه المؤلف من مقولة الرئيس أيزنهاور للتعبير عن الحالة السيئة للوكالة بعد ستين عاماً من إنشائها «إرثاً من الرماد»، وجعله عنواناً لكتابه .. كان أيزنهاور يعني به افتقار الولايات المتحدة إلى المعلومات التي تحتاجها في الأعوام الآتية.

   .. كما أن الكلام على القدرات الخرافية لأجهزة المخابرات لا يصادف صحيحاً من الواقع، بما يؤكد أنه محض دعاية !!؛ فقد راحت آلة الدعاية الأمريكية تطنطن بأن:

   « ما من فأر يدخل إلى حدود أمريكا أو يخرج منها إلا وله ملف في « C.I.A.»، و«F.B.I »، وله صورة، وتسجيل صوتي في « N.A.S.A »!!، وأن:

   « الأقمار الاصطناعية الأمريكية بدقتها المتناهية تشخص أنوع السجائر من أعقابها المرمية على الأرض، وماركات الملابس الداخلية للمستهدفين، وفي أي بقعة من العالم».

   .. وهو كلام مضحك، يطرح تساؤلات عدة :

   ـ أين كانت هذه الأجهزة من فضيحة الحرب الكورية ( 1950 ـ 1953) وعمليات غسيل المخ التي جرت للأسرى الأمريكيين والإنجليز والنيوزلنديين فعادوا مؤمنين تماما بالشيوعية التي ذهبوا ليحاربوها، والقضاء على النظم التي تدعمها وتدعو إليها ؟!!.

    ـ أين كانت هذه الأجهزة من نقل الصواريخ السوفييتية إلي كوريا (1962) .

   ـ أين كانت هذه الأجهزة من فضيحة خليج الخنازير في 17 ابريل 1961؟!!

   ـ لماذا أصاب العمى هذه الأجهزة ؛ فعجزت عن كشف المسلحين بتفجير أنابيب النفط العراقية، وخطف الجنود الأمريكيين، وذبحهم في العراق وأفغانستان ؟!

    ـ أين كانت تلك الأجهزة في 11 سبتمبر 2001، حين وجهت لأمريكا تلك الضربة التي اهتز لها كيانها كله ؟!

   ـ أين وكالة الاستخبارات الأمريكية عندما تم احتجاز 52 موظفاً من موظفي السفارة الأمريكية في طهران في 4 نوفمبر 1979، وإلى 19 يناير 1981، ولمدة 444 يوما، دون توافر معلومة عنهم ؟!

   ـ وأين كانت تلك الأجهزة عندما سحل مواطنون صوماليون جثة طيار أمريكي في شوارع مقديشيو، عندما سقطت طائرته من طراز هوك في 3 أكتوبر 1993؟ .. وقد أثارت صورة التقطها سائق صومالي يعمل مع طاقم صحفي بريطاني هلع الرأي العام الأمريكي، وكشفت له وهم الأمان تحت مظلة العلم الأمريكي في أي بقعة من العالم، ودفعته على إجبار الحكومة لسحب قواتها من الصومال الذي تم نهائيا في 31 مارس 1994.

   ـ وأين كانت عندما اختطفت عناصر من حزب الله جنود إسرائيل؟! .. ولماذا عجزت عن الاهتداء إلي مكان إخفاء « حماس »  للجندي شاليط ؟!

.. لا شك أن الإجابة على تلك التساؤلات تحمل تكذيباً قاطعاً لكذب الدعاية الأمريكية !!
يقول د. عبد الوهاب المسيري في تفسير « نظرية المؤامرة » :

   « يميل العقل الإنساني، إن لم يجد نموذجاً تفسيرياً ملائما لواقعة ما إلى ردها إلى أيد أو أياد خفـية تنسب إليها التغـييرات والأحـداث كـافة؛ فالأحـداث ـ حسب هذا المنظور ـ ليست نتيجة تفاعل بين مركب من الظروف والمصالح والتطلعات والعناصر المعروفة والعناصر المجهولة وإرادة إنسانية من جهة أخرى، وإنما هي نتاج عقل واحد وضع مخطط جباراً وصاغ الواقع حسب هواه، وهو ما يعني أن بقية البشر ما هم إلا مجرد أدوات» .*(18)

الأسطورة الخامسة « قصور الشعب، ووصاية الحاكم » :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    التركيز على أسطورة « الحاكم الفرد »، وترسيخ مفهوم الهيمنة من خلال الزعم بأن هذه الشعوب قاصرة، وتتسم بالخمول واللامبالاة ولا تستغني عن مفهوم «وصاية الحكام».

    فصورة الحاكم أنه هبة الإله، والذي لا يألو جهداً لإسعاد شعبه، والذي يصل الليل بالنهار من أجل رفاهية الجماهير، لذا فالشعب سعيد بحكمه، متفانٍ في طاعته، مستعد لافتدائه بالروح والدم .. وما ترتب على ذلك من الأسطورة التي لا يمل الخطباء الدينيون الذين حاموا حول الحكام، وصاروا فقهاء السلطة يبررون لها المظالم ويحسّنون لها المساوئ، ويصدرون ضد أي خصم أو معارض فتاوى بأنه كافر، وملحد، ومفسد في الأرض يحل دمه شرعاً بمقولة سافلة: « طوبى لمن قتلهم أو قتلوه »؛ ولا يكفون عن ترديد الأقاويل في مغبة الخروج على الحاكم «.. وإن سلب مالك أو جلد ظهرك» ـ على حد قولهم ـ ليخلصوا إلي مقوله مفادها: «حاكم غشوم خير من فتنة قد تدوم »، ودون أن يقدموا للناس تبريراً مقنعاً لما يجري في المجتمع؛ فالوجود السياسي ليس حاكماً فقط، بل هو حاكم ومحكوم، ومن ثم فإن كل كلام عن الشرعية السياسية «البيعة » يجب أن يقوم على ثلاثة أسس:

    ـ أن الحاكم والمحكوم يقف كل منهما من الآخر موقف المساواة، وأن العلاقة بينهما تأخذ الصورة العقدية؛ فأصل السلطة في الحضارة الإسلامية هو فكرة البيعة « سلطة الاختيار» من قبل الجمهور، وسلطة القبول من جهة الحاكم .

    ـ التوازن بين طبقتين: طبقة من يمارس السلطة، وطبقة من يخضع لتلك السلطة، بمعنى تقديم الحقوق للحاكم يستوجب تأصيل حقوق المحكوم .

   ـ أن البيعة لا تنقطع عن الموقف الذي نشأت عنه في أي مرحلة من تنفيذ «البيعة»، بمعنى أن الحاكم الذي يختار من منطلق مفهوم البيعة، ثم يفقد أحد شروط الصلاحية كالأهلية أوالدين أو العدالة أو القدرة الجسدية، فإن عقد البيعة يفقد وجوده لأن عناصر الصلاحية لا بد أن تستمر من حيث توافرها في جميع مراحل تنفيذ عقد البيعة، فإذا أخل الحاكم أو فقد أحد عناصر الصلاحية بعقد البيعة، أضحى المواطن من حقه عدم الطاعة، بل من واجبه رفض تلك الطاعة ومقاومة الحاكم ولو بالسلاح .

    .. ولا يمل المنتفعون من الولاء للحكام من ترديد نظرية: « أن الشعب قاصر، والحكام هم الأوصياء عليه».. فكان المثال الزاعق من الشهادات المكتوبة للوصاية على الشعب المصري ما قاله نوبار في مذكراته :

   « إن المصريين كثيرو الصخب والهزل؛ لذا لا يجب أن يترك لهم الأمر عند الجد، لأنهم جميعاً من حيث القدرة على اتخاذ المبادرة، وقوة الشخصية أصفار، وعاجزون تماماً.. إنهم دائماً منكسرون في يد سيد يفكر ويتصرف بالنيابة عنهم .»

   وقال محمد شريف باشا رئيس لجنة الدستور ورئيس النظار:

   « إن المصريين أطفال، ويجب أن يعاملوا معاملة الأطفال، وقد قدمت لهم الدستور فإذا لم يرضهم كان عليهم أن يعملوا بدونه، إني أنا الذي أنشأت الحزب الوطني وسيجدون أنهم لا يستطيعون العمل بدوني، ولا شك أن هؤلاء الفلاحين في حاجة للإرشاد » .* (19)

   وهي ذات المقولة التي أعادها البكباشي جمال عبد الناصر للسفير الأمريكي كافري بعد انقلاب 23 يوليو 1952:

   « إن إعطاء المصريين حريتهم بسرعة هو أشبه بترك أطفال يلعبون في الشارع تحت رحمة الظروف ».*(20)

   .. هكذا التقى من لم يكن هناك سبيل إلى لقائهم !! التقى الأرمني الحاقد نوبار باشا بالتركي المتفرنج شريف باشا مع البكباشي جمال عبد الناصر ابن ساعي البريد الفقير على ضرورة فرض الوصاية على الشعب المصري !! وأتى من بعدهما اليوزباشي أنور السادات؛ ليعين من نفسه قيِّماً على شعب مصر من منطلقات سلطة أبوية أسماها « كبير العائلة »، وجعلها جزءا من منظومة الخرافة المسماة بـ«أخلاق القرية» !!

   .. والخرافة المسماة بـ « أخلاق القرية » كانت أحد إبداعات حثالة النازيين من تلاميذ جوبلز التي استعانت بهم C.I.A. لتحسين صورة ضباط انقلاب 23 يوليو 1952 لتلقى قبولاً شعبياً لدى العامة الذين كانوا يشعرون في البداية بزهو أن منهم من صاروا حكاماً .. ذلك الزهو الذي انقلب إحباطاً بعد أن استشعروا أنهم سقطوا في قبضة ديكتاتورية عسكرية لا تقيم وزناً لآرائهم، ولا تعني بتطلعاتهم !!.

   .. كان ضباط انقلاب 23 يوليو1952 يفتقدون الانتماء إلى أسر ذات تاريخ، ولم يكن لهم تاريخ عسكري، أو وطني، وكان أغلبهم أيضا من أصول ريفية بسيطة، وجاء أكثرهم من قلب تنظيمات سرية تلطخت أيديها بالدم لخدمة أغراض الملك والقصر، قبل أن ينقلبوا إلي تقديم خدماتهم لأجهزة المخابرات الأمريكية التي ابتكرت لهم عبر خبرائها من النازيين أسطورة « أخلاق القرية »؛ فالقرية المصرية وقبل مائة عام من انقلاب 23 يوليو 1952 مقترنة بثالوث التخلف الإنساني ( الفقر ـ الجهل ـ المرض )، بما جعل أبناءها يرون أن الخروج من القرية يمثل لهم الخروج من الجحيم؛ فمن خرج منهم من العناصر الواعدة لم يفكر في العودة لانتشال الآخرين أو محاولة الأخذ بأيديهم؛ فبقي الجحيم جحيما .. ولم ينتج إلا فكراً ملتوياً يعد خليطاً من معرفة ساذجة من العرف والعادات والتقاليد والدين والقبوريات والأساطير والحواديت والأمثال الشعبية وغيرها من أشكال التراث الشعبي، وهو ما يطلق عليه البعض: « خبث الفلاحين »*(21)، وما ترتب على هذا الفكر من أخلاق أكثر التواء نهضت عليها الكثير من الجرائم التي رصدتها أبحاث المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، والتي أرجعتها الدراسات إلى الكيد أو جلب منفعة، أو دفع ضرر محتمل أو عقاب مستحق، أو تهرّب من أداء حق واجب، مثال تلك الجرائم .. أما بعد انقلاب 23 يوليو 1952 فشأن آخر، فقد عمد ضباط الانقلاب إلى مُمالأة الفلاحين المعدمين بقانون الإصلاح الزراعي لجعلهم ظهيراً شعبياً ضد الدعوات المطالبة بعودتهم إلى الثكنات والرافضة لاستمرارهم في الحكم والتكريس لديكتاتورية الجيش بالقفز على مواقع الأرستقراطية القديمة وبممارسات تفوقها سوءاً.

    .. ومع سنوات التحول من الاقتصاد الزراعي إلى الاقتصاد الصناعي ونزوح أعداد كثيرة من القرى إلى المدن؛ غرقت القرية في كثير من أنماط الاستهلاك، وفقدت القدرة على إنتاج احتياجاتها؛ فأصبحت عالة على المدينة للحصول على غذائها بداية من رغيف الخبز إلى بيض الدجاج، وأضفت القرية بظلالها على المدينة فيما عُرف بظاهرة «ترييف المدن»، والتي أفقدت المدن الكبرى طابعها الحضاري المميز، وجعلها أشبه ببنادر الأرياف!!

    .. جعل السادات من مفهوم خرافة « أخلاق القرية » المختلقة منطلقاً أساسياً لا غنى عنه لجعل نفسه ذاتاً مصونة لا تمس، وفرض وصايته على الشعب بزعم كونه « كبير العائلة»  الذي ينفذ ببصيرته إلى ما وراء الظواهر من بواطن ليرى ما لا يراه الصغار!!؛ واستن لنفسه بصفته الكبير الحق في تأديب من تجاوز عبر ترسانة من القوانين سيئة السمعة أهمها قانونا «القيم»، و«العيب» !!.. وهو منطق إقطاعي صرف يمثل إخلالاً بالعقد الاجتماعي بين الحاكم والمحكوم !!.. فلا الشعب «عائلة»، ولا الرئيس «كبيرها» !!

    .. وهو كلام لا يمكن وصفه إلا بأنه من ساقط القول؛ لما ينطوي عليه من مخالفة لمبدأ الشورى في الإسلام لقول الحق سبحانه وتعالى: «وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ» ـ آل عمران(159)،*(22) وحق الأمة في عزل الحاكم حال نقضه شروط بيعته ؛ لقول الحق سبحانه وتعالى: « وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا» ـ الإسراء(34)؛ ولقوله سبحانه وتعالى: « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ » المائدة (1)، ولحديث النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِم » ـ (البخاري)، ومن كلمة « الشروط » بصيغة الجمع، ومفردها «شرط »  دخلت هذه الكلمة العربية إلى اللغة الفرنسية فأصبحت Le Charte بمعنى «الميثاق» أو «الدستور».

    يروي الجبرتي ( 33 / 258، 259 ) تحت عام 1795 ( 1209 هـ) بعد الثورة الفرنسية بست سنوات أنه قامت في مصر حركة اعتراض قوية أجبرت الوالي والمماليك على كتابة «وثيقة» أو «حجة» تبين الحقوق والواجبات بين الحاكم والرعية، كانت تلك «الحجة» خطوة نحو تبلور فكرة الدستور التي ظهرت بعد ذلك بثلاث سنوات عند مجيء بونابرت باسم «فرمان الشروط » أو «الشرط Le Charte » أو «الميثاق»  أو «الدستور»، ومن ثم دخلت كلمة «المشروطية »  بمعنى «الديمقراطية» إلى قصور الحكم في الدولة العثمانية.* (23)

    .. أرسى الإسلام مبدأ الشورى، والتي تمثلت في «شورى المسجد» لعامة المسلمين التي أرسى قواعدها النبي صلى الله عليه وسلم، أو «شورى أولي الأمر» من المهاجرين والأنصار لكونهم « وكلاء عن عامة الناس»، والتي تمثلت في اجتماع سقيفة بني ساعده لاختيار خليفة رسول الله .

    .. وقد استلهمت الدساتير الحديثة مبدأ الشورى من الفكر الإسلامي؛ وجعلته أساساً لديمقراطياتها؛ فالأمة مصدر السلطات، واختيار رئيس للدولة وجهاز حكم ينبع من القاعدة الشعبية، والأمة توكل عنها من تختاره للحكم، وهذا «التوكيل» سواء تم عن طريق الانتخاب أو عن طريق الاستفتاء أو عن طريق البيعة أو عن طريق آخر هو المقابل لفكرة الوكالة أو Deputisation التي يقوم عليها الفكر الدستوري الأوربي منذ روسو ومونتسكيو وهوبز، والتي تقوم على توكيل الأمة لنفر من أبنائها لتولي مسئولية الحكم لا بالأصالة، ولكن بوصفهم مجرد «وكلاء « أو «نواب» أو «ممثلين» للشعب؛ وهذا ما ينقل مبدأ السيادة من الأمة للحاكم .

اختلاف الأساطير
« التلاعب» بالشعوب :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    تختلف «الأساطير الرسمية» الحاكمة لعملية التلاعب بوعي الشعوب من شعب لآخر باختلاف الثقافة والموروث الحضاري والتاريخي، فمثلاً الأمريكيون شعب بلا جذور تاريخية وبلا ثقافة موروثة؛ فأمريكا صحراء ثقافية مجدبة؛ فهم أخلاط من أجناس بشرية مختلفة أقامت على أرض مكتشفة بعد إبادة سكانها الأصليين من أمة الشيروكي، وهو ما لخصه برنارد شو ساخراً من الثقافة الأمريكية بعبارة: « من البربرية إلى الانحطاط دون المرور بمرحلة الحضارة ».؛ فمن البديهي أن تختلف أساطير التلاعب بوعيه عن الأساطير المتبعة في التلاعب بوعي شعب ضارب بجذوره في عمق الحضارة والتاريخ مثل الشعب المصري .

    فقد لخص هربرت .أ . شيللر قي كتابه بعنوان: « المتلاعبون بالعقول The Mind Manager » الأساطير التي تؤسس لمضمون التضليل الإعلامي وخلق حالة من الوعي المعلب للشعب الأمريكي في خمس أساطير :

   1 ـ أسطورة الفردية والاختيار الشخصي .

   2 ـ أسطورة الحياد .

   3 ـ أسطورة الطبيعة الإنسانية الثابتة .

   4 ـ أسطورة غياب الصراع الاجتماعي .

   5 ـ أسطورة التعددية الإعلامية .
     وهو ما ستناوله بالإيضاح:

1 ـ أسطورة الفردية والاختيار الشخصي:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

     يرى هـ . أ . شيللر أن التضليل الإعلامي قد نجح في إرساء تعريف محدد لحرية الاختيار تمت صياغته في عبارات تتسم بالنزعة الفردية، وهو ما يجعل في النهاية من هذا المفهوم وسيلة لأداء وظيفة مزدوجة، فهو من ناحية يحمي حيازة الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، وفي نفس الوقت يطرح نفسه بوصفه حارسًا لرفاهية الفرد، وتعمل وسائل الإعلام الأمريكية على إقناع جماهيرها بأن حقوق الفرد المطلقة حقيقة يعيشونها، رغم أن الواقع يختلف اختلافًا كليًّا، فهناك العديد من الشواهد التي تؤكد على أن حقوق الفرد ليست سوى أسطورة، وبأنه لا يمكن الفصل بين الفرد والمجتمع، وتعمل وسائل الإعلام ظاهريًّا على تأكيد طابع الخصوصية في كل مجالات الحياة الأمريكية، من أدق تفاصيلها حتى أعمق معتقداتها، فالحلم الأمريكي من أبرز ملامحه امتلاك وسيلة انتقال خاصة، ومسكن مستقل، وعمل في مشروع لا يملكه الغير.

    والحقيقة أنه لا يمكن فهم هذا الطرح بدون التصدي لمفهوم «الليبرالية Liberalism»  ذلك المذهب الذي يضع الفرد في مكانة مطلقة أعلى من الجماعة، ويعطي الأولوية للمصالح الشخصية على حساب الاجتماعية؛ الأمر الذي يتجلى في إيمانه المطلق بالحريات الفردية: حرية العمل وحرية التملك وحرية التعاقد وحرية التجارة وحرية الاعتقاد والتفكير والتعبير، وهي الحريات التي إذا ما توافرت لأمكن للفرد أن يعظم من حجم منفعته الشخصية كما يذهب لذلك الليبراليون؛ ولهذا كثيراً ما يستخدم الليبراليون المذهب الفردي Individualism كبديل لمصطلح «الليبرالية».

   ويعتقد أنصار هذا المذهب أن مصلحة المجتمع ما هي إلا تجميع حسابي للمصالح الفردية، ومن ثم لو استطاع كل فرد أن يحقق مصالحه الشخصية؛ فإن مصلحة المجتمع تكون قد تحققت، وكأن الفرد حينما يسعى إلى تحقيق مصلحته الذاتية، منطلقاً في ذلك من تعظيم منفعته الخاصة؛ فإنه يحقق، دون أن يدري مصلحة الجماعة نظراً لأن هناك توافقاً بين مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة .

     وقد وقفت «الليبرالية» منذ فجر ظهورها ضد تدخل الحكومة في المجالين الاقتصادي والاجتماعي، وطالبت أن تكون الحكومة مجرد حارس للحــريات الفــردية لتردع أي اعـتداء *(24)
 وهذا الطرح مرادف لـ « الليبرالية الطائشة »  التي هي عبارة عن رؤية اقتصادية واجتماعية وسياسية هدفها الدفاع الأعمى عن مصالح أصحاب رؤوس الأمول، وتقدم حق الملكية على جميع الحقوق بما فيها الحق في الحياة!!، ويعتمد أنصار هذه «الليبرالية » على سياسة « اليد الخفية Invisible Hand » .. والتي تعد آلية تحقيق التوافق دون إكراه، والتي تحقق بشكل تلقائي التوافق بين المصلحة الخاصة، والمصلحة العامة، والتي تعتمد في الجزء الأكبر منها على امتلاك وسائل الدعاية والإعلام، والقدرة على توجيهها، وإحكام السيطرة عليها لـ « التحكم في العقول » والسلوك بما فيها الملابس، وقصات الشعر، وأنماط الاستهلاك، ماركات السيارات، وطرز عمارة المساكن، بل وأنوع الطعام ومقاييس الجمال والمكياج وإطارات النظارات وموديلات الأحذية!!

    ومنذ أن أصدر الصهيوني فرنسيس فوكوياما كتابه بعنوان: «نهاية التاريخ »*(25) الذي أعلن فيه الانتصار النهائي لـ « الديمقراطية الليبرالية »  بشقيها الاقتصادي « السوق » والسياسي «الديمقراطية» والمؤسسات الدولية لا ترضى بديلا عن انتهاء دور الدولة في البلدان النامية، بحيث لا يصبح لها دور سوى إصدار العملات النقدية ومراقبة حركة النقد وحماية الملكية من أي اعتداء .

    وفي مصر بعد 3 يوليو 2013 كان التوجه إلى « الليبرالية الطائشة » في شقها الاقتصادي « السوق » فقط؛ فتم اختيار د . حازم الببلاوي أحد الداعمين*(26) لهذا التوجه رئيساً للحكومة.. وكانت النتيجة شبه كارثية في ظل أن الدولة تخلت عن دورها في مراعاة البعد الاجتماعي .

2 ـ أسطورة الحياد:
ـــــــــــــــــــــــــــــــ

    يرى هـ . أ . شيللر أنه لكي يؤدي التضليل الإعلامي دوره بفاعلية أكبر، لابد من إخفاء شواهد وجوده، أي أن التضليل يكون ناجحاً عندما يشعر المضللون بان الأشياء هي ماهي عليه من الوجهة الطبيعية والحتمية.. بإيجاز شديد نقول: إن التضليل الإعلامي يقتضي واقعاً زائفاً هو الإنكار المستمر لوجوده أصلاً.

   وعلى ذلك فلا بد أن يؤمن الشعب الذي يجري تضليله بحياد مؤسساته الاجتماعية والرئيسية، ولابد أن يؤمن الشعب بأن الحكومة والإعلام والتعليم والعلم بعيدة جميعاً عن معترك المصالح الاجتماعية المتصارعة. وتبقى الحكومة والحكومة القومية بوجه خاص، بوصفها ركيزة الحياد .

   كذلك يفترض أن أجهزة الإعلام تتسم بالحياد، صحيح أن الصحافة تعترف بأن العديد من التحقيقات الصحفية لا تتوخى الحقيقة ولا تتحرى الدقة، إلا أنها تؤكد لنا أنها نتيجة للخطأ الإنساني، ولا يمكن أن تفسر على أنها عيوب جوهرية في نظم نشر المعلومات السليمة بصفة أساسية .

   أما العلم الذي اندمج أكثر من أي نشاط ذهني آخر في اقتصاديات الشركات المتعددة الجنسيات، فيواصل هو الآخر الإصرار زوراً على حياده القائم على استقلاله القيمي، والشرف العلمي، ويدعي انعزاله عن القوى الاجتماعية المؤثرة في كل الأنشطة الجارية في البلاد .

   .. وكذلك يزعم المضللون أن نظام التعليم، بدءاً من مستوى مرحلته الابتدائية وحتى الجامعة يخلو تماماً من أي غرض أيديولوجي مقصود ..وهو كلام يفقد مصداقيته عند الحديث عن: « إرهاب الكتاب المدرسي المحشو بالأكاذيب والزيف» باعتباره الحقيقة الوحيدة المعتمدة للحصول على إجازة علمية .

    ونحن نرى أن كلام شيللر عن الحياد تعوزه الدقة؛ لأننا في النهاية بشر لا نستطيع أن ننعزل عن مشاعرنا في التعامل مع الآخرين، والتعاطي بأحاسيسنا ومشاعرنا مع الأحداث .. نحب ونكره .. نرضى ونغضب .. نتحمس أحيانا، ويصيبنا الملل والفتور أحيانا.. وهو ما ارتآت بعض الجامعات استبدال مصطلح الحياد بالموضوعية، وهو مصطلح لا يفرق كثيراً، فقد أرتأت بعض الجامعات التي تخلت عن الشرف العلمي في سبيل دعم السياسات الخارجية اللا أخلاقية لبعض الدول بغرض الحصول على دعم مالى من المؤسسات الكبرى، والشركات المتعددة الجنسيات إدخال مصطلح « الموضوعية » بغرض إيجاد صيغة تبدو في ظاهرها مقبولة تحفظ ماء وجه الباحثين، وتلقى قبولاً من جماهير المتلقين.

     ويرى شيللر أنه حيثما نظر المرء في الحقل الاجتماعي؛ فسيجد أن الحياد والموضوعية يتم اللجوء إليهما لوصف الأداء الوظيفي للأنشطة المحملة بقيم وأغراض محددة، والتي تقدم الدعم للنظام المؤسساتي السائد.

3 ـ أسطورة الطبيعة الإنسانية الثابتة :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

     ويرى هـ . أ . شيللر أن التمنيات الإنسانية تسهم بشكل ملموس في شحذ التغيير الاجتماعي، وعندما تكون تلك التمنيات متواضعة؛ فإن السلبية تسود، ومن الممكن بطبيعة الحال أن توجد ألوان مختلفة من التصورات في ذهن أي فرد حول الحقائق الشخصية والاجتماعية والاقتصادية والشخصية . على أن القاسم المشترك في كل تلك التصورات هو النظرة التي يتبناها الناس للطبيعة الإنسانية . وقد عبر أحد الكتاب عن هذا المعنى بقوله :

   « لا ينفصل السلوك الإنساني عن النظريات المتعلقة بالسلوك الإنساني التي يتبناها الناس ... فما نؤمن به من أفكار فيما يتعلق بالإنسان يؤثر في سلوكنا الإنساني، وذلك لأنها تحدد ما الذي يتوقعه الإنسان من الآخر .. إن الإيمان او الاعتقاد يساعد على تشكيل الواقع الفعلي »  .

    ويري شيللر أن من المتوقع تماماً أن تجد النظرية على الجانب العدواني في السلوك الإنساني وعدم قابلية الطبيعية الإنسانية للتغيير استحسانًا وقبولاً في أمريكا؛ وأن تستوعب قدراً كبيراً من الجهد والفكر، وأن يتم نشرها على نطاق واسع من خلال وسائل الإعلام؛ فمن المؤكد أن الاقتصاد المبني على الملكية الفردية والحيازة الخاصة والمعرض دائماً للصراعات الشخصية والاجتماعية التي تفرضها هذه الأوضاع، سيسر كثيراً بمثل هذا التفسير الذي يضفي المشروعية على مبادئه الاساسية في الواقع؛ فكم هو مطمئن أن ينظر إلى هذه العلاقات القائمة على الصراع على أنها كامنة في الوضع الإنساني، وليست مفروضة نتيجة ظرف اجتماعي. إن هذه النظرية تتلاءم مع الموقف المناهض للأيديولوجية التي يخطط له النظام . فهذه النظرية يتلوها تناول « علمي »  للشرط الإنساني، تناول يقوم على القياس الصارم للسلوكيات الصغيرة في كل انحرافاتها، بينما يتجاهل في أغلب الأحيان المتغيرات الاجتماعية الأكثر عمومية، واتساعاً، والأقل قابلية للقياس .

    لذا يقوم ( المتلاعبون بالوعي ) بالتركيز الإعلامي على أحداث العنف والجريمة، ويبررون ذلك بأنهم يقدمون للناس ما يحبونه بمعنى : « الجمهور عايز كده »، ثم يؤكدون بلا مبالاة أن الطبيعة الإنسانية تتطلب لإشباع الرغبة العدوانية الكامنة فيها إلى 18 ساعة يومياً من الإيذاء والقتل، .. ونحن لا نعرف من أي دراسة أو بحث أو إحصاء أتى الأفاقون ( مضللو الوعي ) بتلك المعلومة التي يرددونها في وقاحة بزعم كونها حقيقة ؟!!

    يصر (المتلاعبون بالوعي) أن العلاقات الأساسية ستظل دون تغيير شأنها شأن الطبيعة الإنسانية، غير قابلة للتغيير، أما فيما يتعلق الأجزاء من العالم التي شهدت عملية إعادة تنظيم اجتماعي بعيدة الأثر فإن ما يكتب عنها ـ إذا كتب شيء أصلاً ـ يركز على العيوب والمشاكل والأزمات التي يتلذذ بالتشبث بها مضللو الوعي داخل البلاد .

    وإذا ظهرت تقارير تتحدث عن الجوانب الإيجابية ؛ تتم « موازنتها » فوراً من خلال تقويمات سلبية تستعيد المنظور « الملائم والمألوف »، وفي المناسبات المتباعدة التي يتم عرض أفلام سينمائية من كوبا أو الصين ـ على سبيل المثال ـ علي شاشات بعض القنوات؛ فإن تعليقات المذيع توجه المشاهد بعناية ودقة « إلى تفسير مضللي الوعي» لما يراه على الشاشة، وإلا فسوف تتشوش الطرائق التقليدية للتفكير، والتي يتم غرسها بإتقان في كل القنوات الإعلامية الأمريكية .

4 ـ أسطورة غياب الصراع الاجتماعي :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   يرى هـ . أ . شيللر أن التركيز على نواقص المجتمعات الثورية، لا يشكل سوى جانب واحد ( الجانب الدولي ) من مشروعات «التحكم في العقول وتوجيهها »؛ لحجب واقع السيطرة والاستغلال عن الجماهير .

    ويرى أن مضللي الوعي في مجال تصوير الساحة الداخلية ينكرون إنكارًا مطلقًا وجود الصراع الاجتماعي، وقد يبدو ذلك بأنه في ظاهر الأمر مهمة مستحيلة التحقيق؛ فالعنف رغم كل شيء « أمريكي مثله مثل فطيرة التفاح »*(27)، وليس في الواقع فحسب بل وفي الخيال وفي السينما وفي التلفاز، وعبر موجات المذياع تخصص يوميا لسيناريوهات العنف مساحات مذهلة، ويتساءل شيللر: « كيف يتفق هذا الكرنفال من من الصراع والعنف مع الهدف الرئيسي لـ « مضللي الوعي » في إنكار وجود الصراع الاجتماعي، وتقديم صورة للانسجام والتآلف الاجتماعي؟!!» ويرى شيللر أنه تناقض يمكن حله بسهولة؛ فالصراع كما تصوره الأجهزة القومية لصنع الأفكار والتوجهات العامة مسألة فردية*(28) سواء في تجلياته أو في أصوله، إذ إنه لا وجود للجذور الاجتماعية للصراع في رأي مضللي الوعي ( مديري أجهزة الثقافة والإعلام ).

 5 ـ أسطورة التعددية الإعلامية:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    يرى هـ . أ . شيللر أن الصورة الذائعة على مستوى العالم، والتي يجري الترويج أن الإعلام في أمريكا يوفر حرية الاختيار بين الأفكار المختلفة في بيئة متنوعة ثقافيًّا وإعلاميًّا، وتتغلغل هذه النظرة في أعماق أغلبية كبيرة من الأمريكيين، وهو ما يجعلهم سريعي التأثر بالتضليل الإعلامي .. رغم أن حرية الاختيار والتنوع يمثلان مفهومين مستقلين فإنهما لا ينفصلان في الواقع، فحرية الاختيار لا تتوافر بأي حال من الأحوال دون التنوع !! والتنوع والاختلاف لا وجود لهما في الحقيقة لكون الإعلام الأمريكي يقدم رؤية واحدة للواقع، ويأخذ تلك الرؤية من إطار مرجعي واحد لا يحيد عنه، وإن اختلفت أساليب التناول فقط !! فالمادة الترفيهية، والأخبار، والمعلومات والتوجهات، والأفكار يجري انتقاؤها من نفس الإطار المرجعي الإعلامي من جانب « حراس البوابات الإعلامية Guards Of Media Portals » الذين تحركهم دواع تجارية لا يمكن التخلي عنها، قد يختلف الأسلوب والتعبير المجازي، لكن الجوهر واحد .

    ويرى هربرت شيللر أن « المتلاعبين بالعقول »  يعمدون إلى الخلط بين الوفرة من حيث الكم، وتنوع المضمون من حيث الكيف!!


***

    تشكل تلك الأساطير التي عرضنا لها مضمون النظام التضليلي، وتستخدم من أجل هدف محدد هو السيطرة على الشعب، وعندما يتم إدخالها في الوعي الشعبي، وهو ما يحدث بالفعل من خلال أجهزة الثقافة والإعلام، فإن قوة تأثيرها تتضاعف من حيث إن الأفراد يظلون غير واعين بأنهم خدعوا وأنه قد تم تضليلهم، فضلاً عن ذلك فإن عملية السيطرة تصبح أكثر فاعلية من خلال الشكل الخاص الذي يجري نقل الأسطورة من خلاله؛ ذلك أن تكنيك النقل يمكن أن يضيف بذاته بعداً جديداً للعملية التضليلية ... فلنعرض الآن للشكل الذي يتخذه هذا النظام عبر العديد من التكنيك، القاسم المشترك الرئيسي بين هذا التكنيك هو أن مضللي الوعي « الأقلية المهيمنة» تمنع بكل الوسائل كافة فضح «المنومين المغناطيسيين» وتسعى إلى عدم السماح للجماهير بمعرفة مذاهب التلاعب بوعيهم وتقنياته . ويتم تحقيق هذا بالأساس عبر:

1 ـ تعظيم حالة «الانقسام المجتمعي» :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    .. لأن حرب المعلومات .. حرب سرية ويتوقف نجاحها على عدم السماح بقيام مقاومة منظمة في مواجهتها، وعدم السماح للجماهير بمعرفة مذاهب اللاعب بوعيهم وتقنياته، ويتم بذلك تعظيم حالة «الانقسام المجتمعي» على طريقة: « انتو شعب .. واحنا شعب» في مصر بعد أحداث 3 يوليو 2013 وتقسيم الجماهير إلى: «أولئك الذين معنا»، و « أولئك الذين ليسوا معنا» .. وتقديم المكافآت السخية لـ « أولئك الذين معنا »، ومقاطعة « أولئك الذين ليسوا معنا » .. أما أصوات الذين يشعرون بالنفور فيتم إغرق أصواتهم بضجيج الدهماء من خلال الاتهام بالتخوين والعمالة، أو على الأقل يتم وصفهم بـ « القلة المندسة» أو «القلة الحاقدة».

    أما الأشخاص الذين يقفون في منطقة الحياد، فيجب إغراقهم في الضجيج، بحيث لا يحظى الإنسان بفواصل كافية من الصمت؛ كى يركز ويكمل عملية التفكير حتى النهاية بالمعنى المترابط، وقد برزت في الغرب المعاصر ظاهرة عرفت بـ «ديمقراطية الضجيج»، وهؤلاء عادة ليس لهم أي تأثير في الواقع ولا يتم استدعاؤهم سوى لإظهار التأييد للوضع القائم فقط؛ لينصرفوا بعد ذلك إلى البقع المعتمة دون الحصول على شيء!!.

    يدخل تحت ما يسمى بـ « ديمقراطية الضجيج » إغراق الخبر الذي يستحيل تجنبه في تيار عشوائي من المعلومات الخالية من أي معنى والمبتذلة يقول شيللر:

   « كما تعيق الدعاية التركيز وتحرم المعلومة المقطوعة الصلة بالاتزان، فإن تقنية معالجة المعلومة الجديدة تسمح بملء الأثير بتيارات من المعلومات غير الضرورية، التي تعقِّد على الفرد أكثر عملية البحث اليائسة عن المعنى »* (29).

2 ـ استخدام الحشود:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

    وفي هذا التكنيك يتم استخدام « روح الحشود »، ويقوم السياسيون والإعلاميون بتشكيل الحشود كـ « تكنولوجيا سلوكية »؛ فمنذ نهاية القرن الماضي راح عدد من العلماء الأوربيين مثل لوبون يركزون عملية الإيحاء في السلوك الاجتماعي بناء على « غريزة الرضوخ »  لدى الإنسان، ففي كتابه بعنوان: «علم نفس الجماهير» الصادر 1895سنة يقول لوبون:
  
    « الحشد قوة مدمرة غير عقلانية تقمع فردانية الإنسان »، وهو ما يطلق عليه البعض « العدوى النفسية » .

    وفي الحشود غالبا ما يتم توجيهها في مجال «التلاعب بالوعي» باستخدام «المتبجحين والمتسكعين من المنبوذين اجتماعياً» من البلطجية وتشجيعهم على عنف الشوارع، وحمل الأسلحة البيضاء برعاية أجهزة الدولة المتلاعبة بجماهيرها، وتشجيع النساء المهمشات على سلوك الابتذال بالرقص والزغاريد في الشوارع، والإساءة للخصوم دعما للنظام القائم، ونزع المعايير الطبيعية الثقافية لدى المراهقين، والتساهل مع الاجتراء علناً على المحرمات ( ظاهرة التحرش بالفتيات، والنساء في المجتمع المصري، وتعاطي المخدرات والمسكرات علنا مثال)، وعدم احترام الكبار، ونزع رداء الهيبة عنهم، والسخرية من منظومة القيم المتوارثة والمتبلورة عبر السنين، ووضع فلسفة كاملة تحت عنوان: « ما شأني».. بما يعني حالة من الاستهتار و« الأنا مالية »!! وهو ما يعني السماح بانعدام الأخلاق؛ وهو ما يعبر عنه يوهان هيو زنيجا* (30):

   « أن نظرية الدولة التي تتلاعب بالجماهير ـ من ميكافيللي إلى هوبز حتى منظري النازية ـ هي جرح مفتوح في جسد ثقافتنا يدخل الدمار من خلاله؛ فاستقلال الدولة عن الأخلاق خطر يهدد الحضارة » .

    .. وللحقيقة كان جوستاف لوبون صاحب السبق التاريخي لمفهوم «الجماعات المتخيلة Virtual Communities» الذي تحدث عنه بندكت أندرسون لاحقاً؛ فقد طرح لوبون فكرة يبدو أنها سبقت زمانه، وأثارت العجب لدى معاصريه، وهى أنه من أجل تكوين الحشد ليس ضروريا التماس الجسدي بين جزيئاته، كتب لوبون :

    « يمكن لآلاف الأفراد المنفصلين بعضهم عن بعض أن يقعوا في لحظات معروفة وفي وقت واحد تحت تأثير بعض الانفعالات القوية أو حدث وطني عظيم، فيكتسبون على هذا النحو ملامح الحشد المُلهَم ... أحيانا يصير الشعب كله حشداً تحت تأثير ظواهر معينة، من غير أن يشكل اجتماعاً بالمعنى الخاص لهذه الكلمة » .

    وهو ما نشاهده الآن في تأثير الإذاعة، والصحف، والتلفاز، والإنترنت .

3 ـ الاستحواذ والإلحاق :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    عملية الاستحواذ على الجمهور هي إحدى أهم العمليات في أى برنامج للتلاعب بالوعي، و « الاستحواذ» على الجمهور يعني جذب اهتمامه ـ كهدف ـ إلى ذلك الخبر الذي ينوي المتلاعب أن يرسله له، والمحافظة على اهتمامه به، واكتساب ثقته، وإزالة دفاعاته النفسية يقول ر. كروسمان:
    « قبل أن تحاولوا إضعاف المعنويات بوقت طويل أو إلغاء القناعات أو تغييرها فإن المهمة الأولى أمامكم هي إجبار الآخرين على أن يصدقوكم ».
    الإلحاق : إقامة الصلة مع الجمهور، وبناء القناة التي يمكن للخبر من خلالها أن يعبر، وتستخدم لهذا الغرض جملة من الخدع والطعوم المغرية؛ مثل انتقاد السلطة والنظام والحديث عن الكوارث، وما يتبعه من ملاحقة قضائية لبعض الإعلاميين والسياسيين، ولا بأس من سجن بعضهم حتى يمكن تقوية الصلة بينهم وبين الجمهور، وتدعم تلك الصلة نفسها تلقائياً بفضل موقف الجمهور الإيجابي منها، ويعاد إنتاجها من غير أن يبذل المتلاعب جهوداً خاصة كبيرة، فالفارق كبير بين « الإلحاق وفاقاً ....»، و « الإلحاق بـ ....»، الأول هو الصلة التي يتم دعمها بفضل مؤشرات جامعة موضوعية ما « وفقا للغة والانتماء الإثني ....»، أما مهمة المتلاعب الرئيسية فهي « الإلحاق بـ « قيم وشعارات أو أعمال ما....».*(31)

4 ـ التفتيت والتجزئة Fragmentation:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

     وهو تقسيم المشكلة الكاملة إلى مقاطعها المختلفة بحث لا يستطيع القارئ أو المشاهد أن يربطها ويدركها ككل واحد، ويتحقق هذا التقطيع أو التهشيم أو التجزئة من خلال جملة من الأساليب التقنية: تقسيم المقالات في الصحف إلى أجزاء تنشر في صفحات متعددة أو على حلقات متباعدة، أو يقطعون النص والبرامج التليفزيونية بالإعلانات أو الفواصل. وتعد الإثارة احد أشكال تقطيع المشكلة وتجزئة المعلومة كي لا يحصل الإنسان على معرفة كاملة نهائية .

     هو نوع من تكنيك نشر المعلومات الذي يعد تجسيدا فعليا لـ « التحكم في الوعي » والذي يطلق عليه: « التجزيئي »  ويلاحظ باولو فرير أنه :

   « إحدى السمات المميزة للعمل الثقافي القمعي، والتي لا يدركها المتخصصون، والمخلصون، والسذج في وقت معاً، والمشاركون في النظام الدائر، هي التأكيد على النظرة التي تحصر المشكلات في بؤر Focalized View بدلاً من رؤيتها بوصفها أبعاد كل واحد » .
    يرى شيللر أنه: « عندما يتم تجاهل قضية اجتماعية ما عن عمد وتقدم نقاط متفرقة متعلقة بها بوصفها « معلومات »  فإن النتائج مضمونة مقدماً، وهي في أحسن الأحوال العجز عن الفهم أو الجهل وفتور الشعور واللا مبالاة بالنسبة لأغلب الناس » *(32) .

5 ـ الفورية في التغطية الإعلامية
Immediacy of Information:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   ترتبط عملية الفورية ارتباطاً وثيقاً بعملية التجزئة، بل تشكل في الواقع عنصراً ضروريا من عناصرها، ويساعد الطابع الآني اللحظي على تزايد القوة التضليلية لأجهزة الإعلام، فكون المادة الإعلامية سريعة الزوال، لا تخلف وراءها أي بنية باقية أو ثابتة؛ لذا فهي تعوق عملية الفهم .

    الفورية هي أهم سمات الإعلام المعاصر، وهذا لا ينفي عنها كونها تنطوي على خطر جامح؛ فعند وقوع أزمة حقيقية أو كاذبة ينشأ جو هيستيري بعيداً عن المعقولية، ويؤدي الإحساس الزائف بالطابع الملح للأزمة، ومن ثم تكون الخطوة التالية إفراغه من أهميته!! وهو ما يعطي «المتلاعبين بالوعي» الفرصة لتلاعب أكبر بالجماهير، حيث تضعف لديهم القدرة على التمييز بين الدرجات المتباينة للأهمية، وعندما يتم توجيه الاتهام بفقدان المصداقية، فالرد الجاهز هو العجلة التي لم تتح للقائمين على الفورية فرصة التدقيق والتحقق .

    يقول هربرت شيللر: « الإحساس الخادع بالفورية، الذي يظهر بسبب من الإلحاح على العجلة، يخلق شعوراً بالأهمية وسرعان ما يتشتت هذا الشعور، وبالتالي تضعف المقدرة على تحديد أهمية المعلومة، فالأخبار المتتالية تمنع وضع التقويمات وتمنع المحاكمات، وفي مثل هذا الوضع تصير عملية التصنيف الذهني، التي تمكن في الأحوال العادية من إدراك المعلومة غير قادرة على تنفيذ هذه الوظيفة . تحول الدماغ إلى غربال يسقط منه كل ساعة سيل من الأخبار المهمة أحيانا، لكن الفارغة في قسمها الأساسي .. يدمر تركيز الانتباه التام على الأحداث الجارية في اللحظة الحالية الصلة الضرورية بالماضي » .

6 ـ الإغراق السلبي في تيار المعلومات:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    إغراق المتلقي في تيار سلبي من المعلومات، والمقصود بالتيار السلبي من المعلومات هو تلك المعلومات المبتذلة، والخالية من أي معنى، والتي تستهدف إلهاء المتلقي؛ لأن وفرة المعلومات يقابلها ندرة الأنتباه، ولأن الغالبية العظمى من المواطنين في الغالبية العظمى من الأحوال لا ترغب في إهدار قواها الروحية والذهنية ولا الوقت في التشكيك في الأنباء؛ لأن الغرق السلبى في تيار المعلومات أسهل بكثير من إعادة المعالجة النقدية لكل إشارة، ما لم يكن الإنسان متمتعاً بمجموعة من أدوات المراقبة الذهنية التي تحلل المعلومة من تلقاء ذاتها من غير إجهاد للوعي أو الإرادة وهل فيها أعراض للتلاعب بسلوكه أم لا ؟!

    وهو ما يتم في التعامل مع الخبر الذي يستحيل تجنبه في تيار عشوائي من المعلومات التافهة يقول شيللر:

   « كما تعيق الدعاية التركيز، وتحرم المعلومة المقطوعة الصلة بالاتزان فإن تقنية معالجة المعلومة الجديدة تسمح بملء الأثير بتيارات من المعلومات غير الضرورية التي تعقِّد على الفرد أكثر عملية البحث اليائسة عن المعنى ».

7 ـ التوكيد والإلحاح والتكرار:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    التوكيد والإلحاح والتكرار تعد من أهم أشكال التلاعب بالوعي .. يسبق تلك العمليات ثلاث خطوات ممهدة لها وهي: التبسيط Reductionism، وإشاعة الصور النمطية، والتدليل.
   والتبسيط تطبيق للقاعدة التجريبية التي قال بها والتر ليبمان في العشرينيات من القرن الماضي : « من أن الإنسان ميال في لاوعيه إلى التفسيرات البدائية للمشاكل المعقدة، وعلى هذا الأساس تشكل « المذهب التبسيطي »؛ حيث يرى ليبمان أن عملية الإدراك ليست سوى تسوية مكانيكية لظاهرة غير معروفة ضمن صيغة مستقرة عامة ( صورة نمطية). لذلك يجب أن تقوم الصحافة بتنميط « نمذجة »  الظاهرة التي أضحت موضوع الخبر . عندئذ يجب على المحرر ـ وفقا لتعبيره ـ أن يستند إلى الصور النمطية والآراء الروتينية وأن يهمل الدقة، ويجب أن يدرك المتلقي الخبر بلا جهد وبلا نقاش ومن غير صراع داخلي أو تحليل نقدي.

   وتلي عملية التبسيط عملية التدليل، أى البحث عن أكثر الكلمات ملاءمة لكي يكسو بها الأنموذج الساذج عبر سلسلة من الكليشهات والشعارات والنعوت والجمل المقتضبة المراوغة الغامضة التي يمكن بوساطتها وصف أي نبأ دولي.

   التأكيد والتكرار: يسمح التبسيط بالتعبير عن الفكرة الرئيسية التي ينبغي الإيحاء بها للجمهور «بالشكل المقتضب والحيوي والمثير للانطباع» أي بشكل التأكيد ( مثل أوامر المنوم المغناطيسي ـ أوامر بلا اعتراض ) يقول سيرج موسكوفتشي* (33):

    التأكيد في أي كلام يعني رفض المناقشة ما دامت سلطة الإنسان أو الفكرة التي يمكن أن تعرض للنقاش تفقد أي شبهة لها بالحقيقة، هذا معناه كذلك الطلب من الجمهور قبول الفكرة كما هي من غير مناقشتها أي الإجابة بـ « نعم » دون تفكير، ومن غير أن توزن كل الـ «مع»، وكل الـ « ضد ».

    ويرى سيرج موسكوفتشي أن: التكرار هو إحدى « الخدع النفسية» التي تصيب الإدراك بالبلادة وتؤثر في آليات اللاوعي .

   بينما يرى فيليب تايلور أن هذا التكرار يجب أن تكون له ضوابط محددة أهمها:

   1 ـ كسب مظهر الصدق ( الفارق كبير بين كسب مظهر الصدق والصدق ذاته ) لكسب ثقة المتلقي المراد إقناعه .
   2 ـ البساطة للوصول إلى أذهان ومشاعر الناس بسرعة، والنفاذ إلى ذاكرتهم التي لن تتذكر إلا ما استوعبته بسهولة وكثرة، وأن تستدعي الصور ذات الدلالة المرتبطة بمخزون الذاكرة الموروث أو المكتسب .* (34)

   ويتخذ التكرار أشكالا متعددة، فلا يثبت على شكل واحد فيتلوّن ويتشكل بصيغ متعددة ما بين النص والخطاب والسرد المراوغ والغناء والموسيقى والدراما والمزاح والنكتة والشائعة والحوار والرسم والصورة والكاريكاتير والرسومات البيانية ذات الرموز والدلالات الموحية.

8 ـ الإساءة إلى شرف الحوار:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    وهذا الأسلوب يتم فيه الخلط بين أساليب اللغة الواقعية واستعمال الكلمات استعمالاً انفعاليا؛ فإن بحث أي موضوع بكلمات مشحونة بالانفعالات يؤدي إلى طمس معالم المشكلة، بحيث يصبح من العسير الوصول إلى قرار معقول بشأنها .

    وفي الحوارات بقصد « التلاعب بالوعي » غالباً ما يلجأ المتلاعب إلى الاحتيال والغش في الجدل، فمثلاً يلجأ إلى حيلة مبنية على إرغام الخصم بموقف المدافع عن ادعاء متطرف، أو يلجأ المتلاعب إلى استدراج خصمه إلى أن يوسع قوله بنفسه، وما يتبع ذلك من توسيع دائرة الحوار، وفقدان صلب الموضوع، وأحيانا إلى إثارة السخرية بالخصم أو ادعاء الأسلوب العلمي بترديد نظريات لا وجود لها !!* (35)

***

    الغرض من كل الأساطير والتكنيك المتعدد هو إشاعة روح السلبية؛ أي حالة القصور الذاتي التي تعيق الفعل، وتعطل الإنجاز، وتعزز وتؤكد الإبقاء على الوضع القائم .. يضاف إلى الأساطير السابقة رافدان كبيران في عالم « التلاعب بالوعي » أحدهما خاص بالعالم الإسلامي وهي «الحركات الهدامة في الإسلام »، والتي أعاقت وحدة العالم الإسلامي على مدى تاريخه، وبددت قواه وثرواته وجعلته كـ « غثاء السيل »، والثاني: مأزق الشعوب التي ابتليت بالاستعمار على مدى عقود من تاريخها، ولم تفلح في تنقية تراثها الثقافي والحضاري من الثقافة الاستعمارية « ثقافة الكولينزم»!!


الفصل السادس:
ــــــــــــــــــــــــــ

الحــركـات الهـــدامـة
في الإسلام والنصرانية


   السياسة هي الوجه الآخر للحرب .. لما ثبت للغرب فشل وسيلة الحروب والسلاح، وإعمالاً لنصيحة لويس التاسع القائلة: « لن تنالوا من الشرق شيئا طالما تحملون الصليب في صدارة جيوشكم » ، لجأ الغرب إلى مخطط إلى أخبث وأخطر، وهو المخطط الاستعماري الفكري في مجال التبشير والتغريب وخلق حركة أسماها بـ « التجديد الغربي »تلك الحركة التي حملت لواء الدعوة إلى تقبل الحضارة الغربية، والفكر الغربي ككل، وتحمل لواء الخصومة الواضحة للحضارة العربية والفكر الإسلامي، ومقوماته وأسسه عن طريق استخدام أفراد ينتمون في ظاهرهم إلى الإسلام، والإسلام منهم براء، هؤلاء الذين تحدث عنهم ديفيد صمويل مرجليوث في إشارة إلى هدم الإسلام من داخله، وعلى أيدي بعض من المستخفين بردائه بقوله :

    « إن شجرة الإسلام لن تقطع إلا بفأس صنعت يدها من أحد أغصانها».

    وهي ذات الفكرة التي عبر عنها محمد عبده ( الماسوني عميل اللورد كرومر )*(1) في رسالة إلى مُتعهده جمال الدين الأفغاني ( عميل وزارة المستعمرات البريطانية )*(2) بقوله :

    « مازلنا على العهد ماضون؛ نقطع رأس الدين بالدين» .

    يقول السلطان عبد الحميد في مذكراته: إن الماسونية جعلت من « المتسكعين أعلاماً» بالتمويل الماسوني الضخم، والصحف التي صدرت في أوربا ومصر بمختلف أسمائها  .. من تلك الصحف صحيفة «العروة الوثقى» التي كان يحررها محمد عبده.، وقد أعاد اللورد كرومر محمد عبده ( الماسوني ) من منفاه في الشام إلى مصر قبل انتهاء مدة النفي ( قضى عامان من 5 سنوات مدة العقوبة )، ليستخدمه في أغراض مشبوهة منها اشتراك محمد عبده مع المستر فندلي نائب اللورد كرومر في وضع حجر الأساس لحزب الأمة لدعم استمرار الاحتلال البريطاني لمصر، وكانت قاعدة الحزب السياسية في التعامل مع المحتل هى: «المحاسنة دون المعاداة»  وقد أصدر محمد عبده العديد من الفتاوى التي تدعم وجهة نظر المحتل في استبدال الدين بالأساطير، وإحلال القوانين الوضعية محل الدين ( تُراجع التفاسير الهزيلية لمحمد عبده في تأويل بعض آيات القرآن الكريم التي تجنح إلى التلفيق والتوفيق لتقريب المسلمين من الغرب، والتي أخذ أكثرها من المستشرق الانجليزي جب خليفة مرجليوث في إعداد العملاء العرب، ومنهم طه حسين )، كان كرومر حاقدا على الإسلام، ويرى أنه سر تأخر المسلمين الأول والأخير، وقد اشتهر بمقولته: « إن المصريين لن يفلحوا أبدا طالما ظل هذا الكتاب (القرآن الكريم) بأيديهم.»، ومقولته الشهيرة في كتابه بعنوان: « مصر الحديثة » : « لقد جئت إلى هنا لأهدم ثلاثا : القرآن، والكعبة، والأزهر» .. وكان يرى في محمد عبده ضالته لتنفيذ أغراضه المشبوهة تحت ما اسمياه بـ «دعاوى الإصلاح» ؛ لكونه أحد العصاميين النوابغ الذي صعد من أسرة مشبوهة من أسفل السلم الاجتماعي وتربى على يدي شيخ مشبوه ( جمال الدين الأفغاني )، يقول الجاسوس الإنجليزي بلنت في كتابه بعنوان : ( التاريخ السري لاحتلال إنجلترا مصر) ص:76 وهو يتحدث عن جمال الدين الأفغاني ورسالته في الشرق ومزاعم إصلاحه يقول: أما عباءة المصلح نفسه ـــ يعني جمال الدين ـــ فقد ألقيت على عاتق أقوى من عاتق صاحبها الأصيل (الشيخ محمد عبده )، وقد خلف جمال الدين الأفغاني في زعامة حزب الإصلاح الحر في الأزهر. ( ملحوظة: لم يكن للأفغاني علاقة بالأزهر؛ فلم يدرس أو يِدرس به).

    يقول السلطان عبد الحميد في مذكراته :

    « وقعت في يدي خطة أعدها مهرج اسمه جمال الدين الأفغاني وإنجليزي يدعى بلنت (الفريد سكاون بلنت جاسوس وزارة المستعمرات البريطانية الذي قام بتضليل عرابي ودفعه إلى الصدام الذي انتهى باحتلال مصر) قالا فيها بإقاء الخلافة عن الأتراك . واقتراحاً من الإنجليز إعلان الشريف حسين أمير مكة خليفة على المسلمين .

   كنت أعرف جمال الدين الأفغاني عن قرب. كان في مصر، وكان رجلاً خطراً. اقترح عليّ ذات مرة ـ وهو يدعي المهدية ـ (كان الأفغاني يتلوّن، ففي وسط السنة هو سني، وفي وسط الشيعة فهو شيعي، وفي وسط الماسون ماسوني، وفي وسط اللا دينيين لا ديني، وفي وسط النصارى فهو نصراني) أن يثير جميع مسلمي أسيا الوسطى، وكنت أعرف أنه غير قادر على هذا، وكان رجل الإنجليز، ومن المحتمل جداً أن يكون الإنجليز قد أعدوا هذا الرجل لاختباري. رفضت فوراً؛ فاتحد مع بلنت .

   استدعيته إلى استامبول عن طريق أبي الهدى الصيادي الحلبي الذي كان يلقى الاحترام في كل الدول العربية . قام بالتوسط في كل هذا كل من منيف باشا، حامي الأفغاني القديم، والأديب الشاعر عبد الحق حامد . جاء جمال الدين الأفغاني إلى استامبول، ولم أسمح له مرة أخرى بالخروج منها » .

    يقول اللورد كرومر عن الأفغاني ومحمد عبده في كتابه بعنوان: « مصر الحديثة » في محاولة منه لإغلاق الباب على تجربة أخفقت، ولم تؤت ثمارها :

    « إنهما كانا منغمسين في البعد عن تقاليد الدين لدرجة الاختلاف الشديد مع المسلمين المحافظين، ولم يكن الأفغاني وعبده متفرنجين إلى الحد الذي يسمح لهما بتقليد الأسلوب الأوربي؛ فلم يكونا مسلمين جيدين أو أوربيين جيدين » .

    ويرى اللورد كرومر أن: « عدم اتفاق الحداثة المعولمة الممزوجة بالماسونية مع الدعوة إلى نقاء إسلام القرن السابع وراء ما اعتبره فشلا لتجربة الأفغاني وعبده في كسب تأييد رجال الدين أو دعاة الحداثة » .

   ويعبر المؤرخون الإنجليز على نجاح هذا السلاح الثقافي الذي أسموه :

    «الجواسيس يصنعون التاريخ » في تحقيق مآرب الغرب بنجاح يفوق وسيلة السلاح :

« ما كان لأوربا أن تصل إلى معشار هذه النتائج، ولو ظلت ألف سنة تحمل السلاح، وتقذف بالجيوش وتنتصر في الحروب ».

وما أصدق الشاعر الهندي المسلم حين عبر عن هذا السلاح الماضي ـ سلاح التوجيه الثقافي ـ فيقول: « يال بلادة فرعون، الذي لم يصل تفكيره إلى تأسيس الكليات، وكان ذلك أسهل طريقة لقتل الأطفال، ولو فعل ذلك لم يلحقه العار، وسوء الأحدوثة في التاريخ»*(3)
لذلك كان من الواجب درس « حركات الهدم في الإسلام »  التي تم بعث بعضها من قبور التاريخ وحقنها بالحياة، واستخراج جذوتها من تحت الرماد، والنفخ فيها .. كما وردت في مصادرها، ومعايرتها بمعايير العقل، وزنتها بميزان الشريعة، ومحاولة استظهار النوايا المعلنة والنوايا الخفية التي لا يُعلن عنها أبدأ !!

    يرى بعض الباحثين في الحركات الهدامة في الإسلام أن «حركة التفكير الحر» التي يحاول الغرب الترويج لها ترجع إلى نشاط الدعوة اليهودية التي قصد بها الدعاة اليهود إفساد المجتمع الإسلامي، وإفساد صفاء العقيدة ونقاء التوحيد، وكانت طرائقهم تعتمد على ثلاثة أمور يأتي بعضها في مجال الفكر، وبعضها في مجال الحركة :

   ـ اختلاق الوقائع، ودس الأحاديث، والتعديل فيها بالزيادة والنقصان، وإضافة بعض الشخصيات إلى مسرح الحدث، وإنكار الوجود التاريخي لبعضها مثل الإنكار التاريخي لسيدنا إبراهيم وسيدنا إسماعيل، وإنكار وجود المنافق عبد الله ابن سبأ ـ أكذوبة طه حسين ـ وتغيير الحدود الجغرافية للأماكن مثل الادعاء بأن مكان المسجد الأقصى بالوادي المقدس في سيناء.

   ـ ثنائية التأويل لأيات القرآن الكريم، وأن لكل آية معنى ظاهر وآخر باطن؛ وفي هذا الهراء يظهر بجلاء الفكر اليهودي؛ حيث إن تلك الفكرة هي فكرة الكابالا اليهودية *(4)
    ـ إثارة الفتن وخلق النماذج الذهنية المتناحرة، وإشعال الحروب وإثارة النعرات المذهبية والطائفية، ودعم الأقليات من منطلقات عنصرية، وزعزعة الاستقرار، والانقلابات وإفشال الدول والحكومات .

   وهي المناهج السائدة حتى الآن مع بعض الاختلاف الذي جلبته التجارب العلمية، والطرائق الحضارية، والوسائط التكنولوجية.

   وسنتاولها هنا بالتفصيل:

أولا ً: الفرق الإسلامية :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

        كانت الفرق الإسلامية عند نشأتها أحزابا سياسية، وليست فرقاً دينية والاختلاف بينها لم يكن اختلافاً في صلب العقيدة، وإنما كان خلافاً في الرأي حول طريقة الحكم واختيار الحكام، ومن تلك الفرق من خرج يطلب الحق فأخطأه، ومن خرج يطلب الباطل فأدركه، وسنعرض بعض تلك الفرق التي راح المتربصون بالإسلام ينبشون في قبور التاريخ لاستخراج الفتن واستغلال أسباب الفرقة بين المسلمين وبين غير المسلمين من أبناء الوطن الواحد، فراحوا يبعثون من أسباب العداوة والبغضاء التي تجاوزها التاريخ؛ لأن أكثر هذه الأسباب قد أصبحت غير ذات موضوع؛ لينفخوا في نارها في خدمة مصالحهم في إشعال النزاعات العرقية، والفتن الطائفية وتقطيع أوصال البلدان، وإثارة الفوضى وإفشال الدول والحكومات .


الخوارج :
ـــــــــــــــــ

     ظهر الخوارج في بداية أمرهم كحزب سياسي بقضية الخلافة والإمامة، وما أسفر عنه مقتل الخليفة عثمان وافتراق الجماعة الإسلامية إلى شيع وأحزاب متناحرة، وارتبط حزب الخوارج بقضية التحكيم بين عليّ ومعاوية .

    كان ظهور الخوارج يعبر عن تناقضات اقتصادية اجتماعية تم غطاؤها بطابع ديني نتيجة تفجر كل التناقضات من خلال مشكلة الخلافة .

    والذين عُرفوا بالخوارج، كان بعضهم من أنصار علي ومن خير جنوده وأكثرهم إيماناً بعدالة قضيته وزعمائهم من جماعة القراء والفقهاء ومعظمهم من قبائل الشمال، وخاصة قبيلة تميم التي هاجرت من البادية واستقرت في مصر والكوفة والبصرة، وكان بعضهم من أتباع عبد الله ابن سبأ، وقد أسهمت بدور بارز في إثارة التمرد والفتنة، التي انتهت بمقتل الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه، وكان لهم دور في عدم التوافق لوأد الفتنة وعدم التصالح بين جماعة المسلمين.

   .. وبعد الفتنة والفرقة التي دبت بين المسلمين، حين اقترح معاوية على عليّ بن أبي طالب إبان واقعة صفين 37 هـ أن يحتكما إلى رجلين يعتمدان في حكمهما إلى كتاب الله حسماً للخلاف الذي أدى إلى مقتل ذو النورين، فلما قبل عليّ التحكيم، وما كان من خداع عمرو بن العاص لأبي موسى الأشعري، فتمرد البعض وقالوا: « لا حكم إلا لله » ومن هنا برزت لأول مرة فكرة الحاكمية الإلهية التي اعتمدها سيد قطب في كتابه بعنوان : «معالم في الطريق » .

    فلما سمع عليّ بمقولتهم عن الحكومة قال قولته المشهورة: « كلمة حق يراد بها باطل، وإنما مذهبهم ألا يكون أميرا، ولابد من أمير برا كان أم فاجرا».

   ثم تجمع الخارجون وساروا نحو حروراء بمقربة من الكوفة، فخرج عليّ في آثارهم يبغي صلاحهم؛ فوقف بينهم خطيباً متوكئاً على قوسه وقال: أنشدكم الله هل علمتم أحداً كان أكره للحكومة مني ؟ قالوا: اللهم لا، قال: أفعلمتم أنكم أكرهتموني عليها حتى قبلتها؟ قالوا: اللهم نعم ؟، قال: فعلام خالفتموني ونابذتموني.. قالوا: « إنا أتينا ذنباً عظيماً فتبنا إلى الله منه»، وعادوا معه إلى الكوفة، لكنهم ما لبث البعض أن أشاع بينهم أن عليّا قد رجع عن الحكومة؛ فعاودتهم فكرة الخروج ولم تفلح محاولات بن عباس رسول عليّ في إرجاعهم، وأجمعوا البيعة لأحدهم وهو عبد الله بن وهب الراسبي، وقد عرفت تلك الفرقة بـ « الحرورية »  نسبة إلى حروراء كما عرفوا بـ « المحكّمة »  لأنهم قالوا : « لا حكم إلا الله»، وانضم إليهم بعضاً من أنصار عليّ ممن أطلقوا على أنفسهم « الشُّراة »  أي الذين يشرون أنفسهم ابتغاء مرضاة الله.

    لكن الشهرستاني يقول:

   « من شرى الشر استطارا،ً لا من شرينا أنفسنا في الطاعة، وهم الخوارج»*(5)، بمعنى أن الشراة لم يشروا أنفسهم ابتغاء مرضاة الله، ولكن ينطبق عليه اسم «الشراة »  من إثارة شرور وشرر الفتن، وإشعال نار الحرب بين جماعة المسلمين ».

    وكان يمكن لعليّ القضاء على الخوارج لكنهم تربصوا به، وأرسلوا واحداً منهم هو عبد الرحمن بن ملجم المرادي فقتله في المسجد، وكان عليّ قد أوصي بعدم قتال الخوارج من بعده .. وبموت عليّ أخذ الخوارج ينقسمون على أنفسهم، وكانت كل فرقة تنقسم إلى فرق أصغر حتى بلغوا 20 فرقة يكفر بعضها بعضا، مما أدى إلى إضعافهم وساعد في القضاء عليهم .

   وكان مذهب الخوارج فكرا سياسيا خالصا، فقد كانوا يرون أن الخلافة لا ينبغي أن تنحصر في قوم بعينهم، بل إن لكل مسلم صالح للخلافة مادام قد توافرت فيه شروطها من إيمان وعلم واستقامة، شريطة أن يبايعه الناس وكانوا يرفضون قصر الخلافة في قريش، أو جنس بعينه كالجنس العربي، ومن أشهر فرق الخوارج :

الأزارقة :
ـــــــــــــــ

    الأزارقة هم أصحاب راشد بن نافع الأزرق، وكانوا غلاه في أفكارهم يكفرون جميع مخالفيهم من المسلمين مشركين، ومن لا يسارع إلى دعوتهم واعتناق مذهبهم فإن دمه ودم أطفاله ونسائه حلال . وحرموا على أنفسهم الصلاة معهم أو الزواج منهم .. واعتبروا فاعل الكبيرة كافرا مخلدا في النار، وعطلوا بعض الحدود بأن أسقطوا الرجم عن الزاني، كما أسقطوا الحد عن قذف المحصنين من الرجال وأبقوه على قاذف المحصنات من النساء .

النجدات :
ـــــــــــــــ
   
    النجدات: هم أصحاب نجدة ابن عامر الحنفي، ومن معتقداتهم أن من نظر نظرة، أو كذب كذبة صغيرة وأصر عليها فهو مشرك، ومن زنا أو شرب وسرق غير مصر عليه فهو غير مشرك، وغلظوا على الناس في شرب الخمر تغليظاً شديداً.

    وأجمعت النجدات على أنه لا حاجة للناس إلى إمام قط، وإنما عليهم أن يتناصفوا فيما بينهم، فإن رأوا أن ذلك لا يتم إلا بإمام يحملهم عليه فاقاموه جاز .

الصُّفْرية :
ــــــــــــــــ

    الصفريون هم أتباع زياد بن الأصفر، وكانوا أقرب إلى الاعتدال فلم يكفروا القاعدين عن القتال، ولم يسقطوا الرجم وفاعل الكبيرة عندهم عاص وليس كافراً مشركاً.
وقد زالت تلك الفرق الثلاث ولم يبق من الخوارج إلا الإباضِيَّة .

الإباضية:
ـــــــــــــــ
     يقول الإباضية إنهم مذهب من مذاهب الإسلام مثل الشافعية والحنفية والمالكية والحنابلة، وإنهم رموا بهذا اللقب لأنهم رفضوا القرشية أي كون الإمام من القرشيين، وهم يعترفون بالقرآن والحديث كمصدر للعلوم الدينية ولكنهم يقولون بالرأي، ويأخذون بالإجماع ويرون أنهم وحدهم الذين حافظوا على تعاليم الإسلام الحق، ويرون القدوة الحسنة بعد النبي في أبو بكر وعمر، ولا يحبون عثمان ويسمونه صاحب « بدع «، ولا يلعنون علياً بل ينكرون قبوله التحكيم ويعتبرون بيعته باطلة بعد قبوله التحكيم.
الإباضية لا يعادون مخالفيهم معاداة صريحة، فيعتبرون دارهم دار إسلام، ويصلون في مساجدهم ويبيحون الزواج منهم، وإرثهم ومرتكب الكبيرة موحد وليس مؤمناً أو هو كافر كفر النعمة لا كفر الملة .

   والمتتبع لتاريخ الخوارج الحديث، يلاحظ أنهم صاروا أقرب إلى الاعتدال منه إلى التشدد باعتناقهم فكر الصفرية والإباضية، ويعد المذهب الإباضي من أقرب المذاهب إلى أهل السنة .

المعتزلة:
ــــــــــــــــ

    المقصود بالمعتزلة هنا ليسوا أصحاب المنهج الفكري الذي ظهر في عام 100 هـ عندما اعتزل واصل ابن عطاء شيخه الحسن البصري لخلاف فقهي حول مرتكب الكبيرة.. ولكن المقصود هو المجموعة من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين اعتزلوا عن عليّ، .. لما قتل عثمان بايع الناس علياً فسموا بالجماعة، ثم افترقوا فصاروا ثلاث فرق، فرقة أقامت على ولاية عليّ، وفرقة اعتزلت مع سعد ابن أبي وقاص الذي قال:

   « لا أقاتل حتى تأتوني بسيف له عينان ولسان وشفتان يعرف المؤمن من الكافر، فقد جاهدت وأنا أعرف الجهاد »، وعبد الله بن عمر الذي قال مقولته الشهيرة : « نحن مع من غلب » ، ومحمد ابن مسلمة وأسامة ابن زيد وهؤلاء اعتزلوا عن عليّ، وامتنعوا عن محاربته أو المحاربة معه بعد دخولهم في بيعته والرضاء به فسموا المعتزلة .

    الخطير في أمر « المعتزلة » ليس موقفهم الذي أخذوه عن قناعة، لكن أن البعض من الانتهازيين في عصرنا الحاضر ينبشون في قبور التاريخ؛ ليأخذوا منها أقوالاً تدعم مواقفهم المشبوهة، ويقيسون عليها دون إشارة لكونها آراء شخصية لا سند لها من الشريعة، ودون إشارة إلى أن الحياد في حقيقة الأمر موقف منحاز للباطل، ويعد انتقاصاً من قوة الحق في صراعه مع الباطل!!

المُرجئة:
ـــــــــــــــ

    فرقة محايدة من المسلمين وحيادهم قائم على أساس ديني مبعثه الشك في «قضية مشتبهة» ، وقالوا : « تركناكم وأمركم واحد ليس بينكم اختلاف، وقدمنا عليكم وأنتم مختلفون، فبعضكم يقول: قتل عثمان مظلوماً، وكان أولى بالعدل وأصحابه وبعضكم يقول: كان عليّ أولى بالحق وأصحابه، كلهم ثقة وعندنا مصدق؛ فنحن لا نتبرأ منهما ولا نلعنهما ولا نشهد عليهما ونرجئ أمرهما إلى الله حتى يكون الله هو الذي يحكم بينهما».

   منهم من يرى أنهم اعتزلوا الصراع من باب التريث الانتهازي، فهم حشوية وأتباع الملوك وأعوان من غلب فسموا مرجئة !!.

   كان المرجئة هم أوائل الداعمين للأمويين والمؤيدين لهم ثم انقلبوا عليهم وانضموا للحركات المناوئة لهم، واتجهوا للتشيع وطوعوا آراءهم الاعتقادية بما يتماشى وظروف الدعوة السرية، وأفادوا من فكر الشيعة السياسي، وهذا يعني التقية والتأويل، كما تلقفوا فكرة المهدي المنتظر فقالوا إنه سيظهر ليهدم سور دمشق ويزيل أمر بني أمية، وسبقوا العباسيين في الدعوة لصاحب الرايات السود، الذي يظهر في المشرق من نسل النبي محمد صلى الله عليه وسلم فيملأ الأرض عدلاً بعد أن ملئت جورا »ً.

    بدأ المرجئة معتدلين ثم انتهازيين مبررين للسلطة، ثم انقلبوا مناوئيين لها يدعون إلى الإصلاح، ثم انتهى بهم المطاف ثائرين ساهموا في إسقاط الأمويين الذين أجهزت عليهم الثورة العباسية .
الخطير في أمر تلك الفرقة أنها أهدرت خلافة الإنسان في الأرض واشتباكه مع الواقع لتسيير حركة الحياة، مكتفين بثقافة العدمية انتظاراً للعدل الإلهي يوم القيامة !!

الشيعة :
ــــــــــــ

   التشيع هو المولاة والموافقة والمناصرة، ثم ما لبث اللفظ أن اتخذ معنى محدداً وهو أنصار عليّ وأبنائه وأحفاده من بعده، وقد انقسم الباحثون في أمورهم إلى خمس فرق:

   1ـ منهم من يرى أن التشيع فكرة سياسية خالصة؛ لإقامة دولة ثيوقراطية قائمة على ملوك من أصحاب الحق الإلهي، الذين يحكمون البلاد حكماً مطلقاً دون أن ينازعهم أحد في هذا الحق، وهو نظام كان سائداً في بعض الممالك القديمة المصرية والبابلية واليونانية والرومانية، والتي دخلت شعوبها الإسلام، وحاولت بعض من تلك الشعوب أن تُكسب ذلك النظام سندا من الشريعة باختلاق الوقائع ووضع الأحاديث!!

   2 ـ ومنهم من يرى أن التشيع عقيدة دينية، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى لعليّ ابن أبي طالب بإمامة في غدير خُمّ أن الإمامة (بمعنى الرئاسة) حق شرعي لعليّ ابن ابى طالب ولأبنائه من بعده، وذهبوا إلى أن هذا الحق الشرعي هو بأمر من الله سبحانه وتعالى؛ لأن النبي في عودته من حجة الوداع نزل عند غدير خم، وهناك جاءه الوحي بالآية الكريمة :

    « يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك، وإن لم تفعل فما بلغت رسالته، والله يعصمك من الناس » ـ المائدة 67

    ويقولون إن النبي صدع بأمر ربه وأمر بالصلاة حتى إذا ما انتهى منها خطب الناس وأوصى لعليّ؛ وهو آخذ بيده فكان مما قاله في خطبته :

   « ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قالوا بلى يا رسول الله. قال: ألستم تعلمون أني أولى بكل مؤمن من نفسه ؟ .. قالوا بلى يا رسول الله. قال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأدر الحق معه حيث دار»؛ لذا فهم يعتبرون يوم الغدير عيداً لهم .. هذا هو الأساس الأول في عقيدة الشيعة، ولهذا رفضوا خلافة الشيخين أبي بكر وعمر وخلافة عثمان بن عفان والأمويين والعباسيين وغيرهم من أهل السنة والجماعة .

   .. ويذهب بعض غلاة الشيعة إلى أن الوحي تنزل على عليّ بن أبي طالب في ذلك اليوم في حياة النبي .. بينما يرى البعض أن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعليّ قد تقاسما مهمة الرسالة، فكان على النبي محمد صلى الله عليه وسلم مهمة التنزيل، وعلى عليّ ابن أبي طالب مهمة التأويل لقول النبي صلى الله عليه وسلم: « أنا مدينة العلم وعليّ بابها» .

   3 ـ .. لكن السيدة عائشة رضي الله عنها تقول إن تلك الآية مدنية، ونزلت في المدينة بعد سنتين من الهجرة إليها، وأن وقت نزولها كان بعد زواج النبي محمد صلى الله عليه وسلم منها، وأن سبب نزولها :

   « أن الرسول صلى الله عليه وسلم سهر ذات ليلة، وهي إلى جنبه، قالت: فقلت ما شأنك يا رسول الله؟ قال: ليت رجلاً صالحاً من أصحابي يحرسني الليلة؟» قالت فبينا أنا على ذلك إذ سمعت صوت السلاح فقال: «من هذا ؟»؛ فقال: أنا سعد ابن مالك؛ فقال « ما جاء بك  قال : جئت لأحرسك يا رسول الله . قالت : فسمعت غطيط رسول الله صلى الله عليه وسلم في نومه».

   وفي حديث آخر عن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت : كان النبي صلى الله عليه وسلم يُحرس حتى نزلت الآية: « والله يعصمك من الناس »  قالت فأخرج النبي صلى الله عليه وسلم رأسه من القبة، وقال: « يا أيها الناس، انصرفوا فقد عصمني الله عز وجل » .
   
    .. وهو ما يجعل من السند الشرعي الذي قام عليه التشييع منعدماً !!.

    4 ـ ومنهم من يرى أن التشيع حالة وجدانية في محبة كريمة رسول الله وزوجها وسبطي الرسول صلى الله عليه وسلم وأختهما عقيلة بني هاشم، وما لحق بهم من محن جعل الكثير من المسلمين يتشيع لهم تشيع الحب لا تشيع عقيدة دينية ترتكز على أصول عقائدية معينة، تلك الحال التي تنطبق على أهل مصر .

   5 ـ ومنهم من يرى أن التشييع فرض، وهو ما لخصه الإمام الشافعي في شعره :

يا آل بيت رسول الله حبكمُ فرضٌ من الله في القرآن أنزله

يكفيكم من عظيم الشأن أنكمُ من لم يصلِّ عليكم لا صلاة له

   وأخذت الفرق الشيعية مسميات كثيرة وتعددت الاتجاهات وتباينت العقائد وتباعدت المشارب، وبعدت عن القصد والاعتدال والشطط والابتذال إلى حد الضلال، وانتقلت من الوحدانية إلى الشرك، وأدخلوا الإسلام في وثنية جديدة، فألّهوا عليّاً وأولاده، وأقحموا على الإسلام الكثير من عقائد النصارى (التثليث بين عليّ والنبي محمد وسلمان الفارسي والإشارة لهم بالرمز ع .م .س ومثال ذلك بعض غلاة العلويين) والوثنيين والمجوس، مثل تأليه الحاكم وعصمة الإمام والرجعة والحلول والتناسخ والتقمص والباطنية والتقية !! وقد ذهب بعضهم إلى موارد الضلال بمحاولة تحريف القرآن الكريم، ولكن لأن وعد الله بحفظ النص الشريف حق؛ فقد افتضح أمرهم وأصبحوا مثار سخرية عامة المسلمين وخاصتهم، ومن الأمثلة على ذلك تحريفهم لسورة الانشراح بقول: « ألم نشرح لك صدرك، وجعلنا عليا صهرك ».. هو ما ينطوي على تناقض فالسورة مكية ( نزلت في مكة ) قبل الهجرة، ولم تتم المصاهرة إلا بعد الهجرة في المدينة، والتلاعب بتشكيل بعض ألفاظ الآيات في سورة يس بقول: « أو ليس الذي خلق السموات والأرض بقادر عليّ أن يخلق مثلهم»،..... لاحظ وضع اسم «عليّ »  بدلاً من حرف الجر « عَلَى »، وهو ما لا تستقيم معه القراءة.

    وقد انجرف بعض تلك المذاهب إلى السقوط في مستنقع السباب بشتم صحابة رسول أبو بكر وعمر وعثمان وأمهات المؤمنين عائشة وحفصة، ففي كتابهم بعنوان: « مفتاح الجنان»*(6) الذي يتلى في مجالسهم دعاء يسمى بدعاء صنمي قريش جاء فيه:
« اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، والعن صنمي قريش وجبتهما وطاغوتيهما وابنتيهما » * ( 7 )

   ومن أهم تلك الفرق:

السبئية:
ـــــــــــــ

    نسبة إلى عبد الله بن سبأ اليهودي الذي نشر الفتنة في حياة عليّ؛ حيث زعم أن روح الله قد حلت في كل نبي، وأنها تنتقل فيهم واحدا تلو الآخر، فلما توفي النبي انتقلت وأعقابه الذين انتقلت إليهم الإمامة، ودعي إلى تأليه عليّ بقوله له : « أنت أنت»، يعني أنت الإله، فنفاه إلى المدائن، وكان قوله ما هو إلا تكراراً لما سبق قوله في فتى موسى يوشع بن نون، ولم يكن يقصد سوى الطعن في العقيدة باختلاق الفتن وإدخال البدع، وكانت من أهم افتراءاته أفكاره عن الوصاية والرجعة والخلاص، أما الوصاية فكل إمام يوصي بمن يأتي بعده، أي أن عليّا كان وصيّ الرسول .

   .. والرجعة تعني رجوع النبي، وأنه سيقتص من كل من أساء إلى عليّ وأبنائه من فاطمة !!

    .. والخلاص فكرة بدأت عند الزاردشتية بفارس؛ فقد أخبر زرادشت في كتاب زند أوستا أنه: « سيظهر في آخر الزمان رجل اسمه « أشيزريكا» ومعناه الرجل العالم ويزين العالم بالدين والعدل، ويحصل في زمانه الأمن والدعة وسكون الفتن وزوال المحن ».

   وقد انتقلت فكرة الخلاص من الزاردشتية إلى اليهودية، حين توالت عليهم الهزائم وضعف ملكهم، فراحوا يتمنون ظهور مخلص لهم من سلالة الملك داود لينقذ بني إسرائيل، ولا يزال اليهود ينتظرونه حتى اليوم، وحددوا يوم السبت وهو يوم الاستواء بعد الخلق .
ومن اليهودية دخلت فكرة الخلاص إلى المسيحية، فأفسدت ما جاءت من التوحيد؛ فالنصارى يعتقدون بمجيء المسيح إلى العالم، فقد ورد في إنجيل متى: « كم أن البرق يخرج من المشارق ويظهر في المغارب كذلك يكون مجيء ابن الإنسان».* ( 8 )

   .. وانتقلت فكرة المخلص إلى المجتمع الإسلامي على يد عبد الله ابن سبأ الذي أشاعها في الأوساط الشيعية في صورة (المهدي المنتظر ) القادم من آل محمد الذي يأتي فيملأ الأرض عدلاً بعد أن ملئت جوراً .

    وقد زعم بن سبأ بأن : «عليّا حي لم يمت ففيه الجزء الإلهي، ولا يجوز أن يستولى عليه، وهو الذي يجيء في السحاب، والرعد صوته، والبرق تبسمه، والصواعق خنجره، وأنه سينزل إلى الأرض بعد ذلك فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً »؛ فلما قتل عليّ كان يقول : «لو أتيتمونا بدماغه ألف مرة ما صدقنا موته، ولا يموت حتى يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً».

مخططات السبئية:
ــــــــــــــــــــــــــــ

    قامت مخططات السبئية ومؤامراتها على خمسة محاور لا زالت قائمة حتى الآن:

   1 ـ قيام السبئية بتكوين جمعيات سرية يهودية باسم الإسلام تحت راية عبد الله ابن سبأ.

   2 ـ إظهار الحب والولاء والمشايعة والمولاة لعلي وأولاده والانضمام إلى الشيعة وجعلوا الدين كله مولاة لعلي في الظاهر، بينما انضم فريق منهم إلى الخوارج في الباطن لتحريك الفتنة في كلا الجانبين بحيث يصعب الوصول إلى اتفاق .

   3 ـ الحقد والبغض على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والبراءة من أبي بكر وعمر وعثمان والطعن فيهم وتفسيقهم .

  4 ـ تأليب الناس وتحريضهم على عثمان واتهامهم له بالباطل، واتخذ ابن سبأ من فكرة الوصاية لعليّ ذريعة لتأليب المسلمين على عثمان، وأن عثمان اغتصب الخلافة من عليّ، واستمر يؤلب الناس على عثمان وينسب إليه الأخطاء، ويقوم بتزوير المكاتيب، وأختام الخلافة للنيل منه وإظهاره بمظهر الغادر خائن العهد، تلك المؤامرة التي انتهت بمقتله وهو يقرأ القرآن .

    5 ـ ترويج العقائد اليهودية والنصرانية والمجوسية بين المسلمين، والتي لا تمت للإسلام بصلة مثل الوصاية والعصمة والرجعة والحلول وتأليه الخلق واستمرار النبوة بعد محمد ونزول الوحي .

    كانت السبئية هي القاعدة الفكرية التي قام عليها التشيع الذي ابتلي به الإسلام وابتليت به جماعة المسلمين، وكانت الرافد الأكبر الذي نهل منه الاستشراق، والذي ظهر بوضوح في كتابات طه حسين في أمرين نذكرهما على سبيل المثال لا الحصر:

   1 ـ أن العرب لم يكونوا مؤهلين لفكرة الخلافة القائمة على مبدأ الشورى على أساس البيعة، يقول طه حسين:

   « وأكاد أعتقد أن الخلافة الإسلامية، كما فهمها أبو بكر وعمر، إنما كانت تجربة جريئة توشك أن تكون مغامرة، ولكنها لم تنته إلى غايتها، ولم يكن من الممكن أن تنتهي إلى غايتها، ولم يكن من الممكن أن تنتهي إلى غايتها؛ لأنها أجريت في غير العصر الذي كان يمكن أن تجري فيه، سبق بها هذا العصر سبقاً عظيما »ً* (9).

   2 ـ الإنكار التاريخي لوجود عبد الله ابن سبأ، يقول طه حسين: «إن إغفال المؤرخين لابن سبأ وأتباعه السبئية في أحداث صفين دليل على أن أمر ابن سبأ مخترع منحول».. وفي موضع آخر يقول: « إن أحداث ابن سبأ عبارة عن قصة أكبر الرواة المتأخرين من شأنها، وأسرفوا فيها»*(10)

    .. الإنكار التاريخي لوجود عبد الله ابن سبأ من قبل طه حسين كان بتكليف من الجامعة العبرية التي زارها سراً سنة 1944، وأهدت إليه نسخة مزورة من مخطوط: «أنساب الأشراف» للبلازوري الذي اعتمد عليها في تأليف كتابه بعنوان: « الفتنة الكبرى» الذي تبنى فيه وجهة النظر اليهودية بهدف تبرئة اليهود عن المشاركة في قتل سيدنا عثمان !!، رغم أن رعاته من أساطين الاستشراق والتبشير الذين حقنوا عقله وقلبه بالسم لم ينكروا هذا الوجود من أمثال: فريد لندر، فلهاوزن، دوايت، روندلسن، جلو تسهير، فان فلوتن، ليفى دلا، فيدا هوجسن، وقد تشكك كيتاني في وجوده وأنكره برنارد لويس الصهيوني المتعصب إنكاراً مطلقاً*(11) دون أن يقيم الدليل العلمي على هذا الإنكار.

     .. وقد نقل عن طه حسين تخاريفه التي يدعى زوراً أنه التزم فيها المنهج العلمي الدكتور إبراهيم بيضون في أطروحته بعنوان: « عبد الله بن سبأ، إشكالية النص والدور الأسطورة» منكراً وجود عبدالله ابن سبأ وبذات حجة طه حسين وهي: أنه تفرد بذكره إخباري وهو سيف بن عمر التميمي، دون أن يشير إلى الدور التقليدي للمستشرقين والمبشرين في حرق المخطوطات أو إخفائها بعد الوقوف على فحواها، ومهدراً علاقة الكاتب بالسلطة وأثره في ذيوع شهرة الكاتب والنقل عنه !! * (12).

الكيسانية :
ـــــــــــــــــ

    نسبة إلى كيسان مولى علي بن أبي طالب، وقيل إنه تلميذ محمد بن الحنفية الزوجة الثانية لعلي بن أبي طالب بعد وفاة السيدة فاطمة .. وادعى إحاطته بالعلوم كلها واقتباسه من السيدين الأسرار بجملتها، وادعى أن الدين طاعة رجل، وادعى تأويل بعض أركان الإسلام، وحمل بعض الناس على ضعف الاعتقاد بيوم القيامة وحمل البعض على القول بالتناسخ والحلول والرجعة من الموت !!

    وجاء من بعد كيسان المختار ابن عبيد الثقافي فاعتنق أفكار كيسان وقال بإمامة محمد ابن الحنفية ؛ فلما وقف محمد ابن الحنفية على ذلك تبرأ منه وأظهر لأصحابه أنه إنما نمس على الخلق ( نمس من الناموس ما سنمس به الرجل والناموس المكر والخداع، والتنميس التلبيس )*(13)، فزعم أن جبريل ينزل عليه، وصار إلى اختيار القول بالبداء، وادعاء علم ما يحدث من الأحوال بوحي يوحى إليه أو برسالة من قبل الإمام .

   ومن مخاريقه أنه كان عنده كرسي قديم قد غشاه بالديباج، وقال: هذا من ذخائر أمير المؤمنين عليّ، وهو عندنا بمنزلة التابوت لبني إسرائيل، فكان إذا حارب خصومه يضعه في براح الصفوف، ويقول: قاتلوا ولكم الظفر والنصر وهذا الكرسي محله فيكم محل التابوت في بني إسرائيل، وفيه السكينة والبقية والملائكة من فوقكم ينزلون مدداً لكم، وحديث الحمامات البيض التي ظهرت في الهواء قال إنها الملائكة والأسجاع التي ألفها وقال إنها وحي*(14) .

   ويروي طفيل بن جعدة أن هذا الكرسي كان مملوكاً لجار له يعمل زياتا، وقد ركبه الوسخ والدهن ؛ فأخذته منه وغسلته وقلت للمختار إني كنت أكتمك شيئا وقدا بدا لي أن أذكره لك أن أبي جعدة كان يجلس على كرسي، ويروي أن فيه أثر من عليّ، قال سبحان الله! أخرته إلى هذا الوقت ابعث به؛ فأحضرته عنده وقد غشي؛ فأمر لي باثني عشر ألفاً، ثم دعا الصلاة جامعة فاجتمع الناس فقال: «إنه لم يكن في الأمم الخالية أمر إلا وهو كائن في هذه الأمة مثله، وإن كان في بني إسرائيل التابوت وإن هذا فينا مثل التابوت؛ فكشفوا عنه، وقامت السبئية فكبروا ووضعوا الكرسي على بغل، وخرجوا للقتال؛ فلما انتصروا زادت فتنتهم»*(15).

الإمامية:
ــــــــــــــ
    الإمامية هم القائلون بإمامة علي بعد النبي نصاً ظاهراً وتعييناً صادقا، وهم ليست فرقة واحدة، بل هي فرق كثيرة ومتعددة كالباقرية والجعفرية والناووسية نسبة إلى رجل منهم اسمه عجلان ابن ناوس، وقيل إلى قرية تسمى ناوسا قالت إن جعفر الصادق حي لم يمت ولن يموت حتى يظهر، والأفطحية الذين قالوا بإمامة عبد الله الأفطح بن جعفر الصادق، والإسماعيلية الواقفة الذين قالوا بإمامة إسماعيل والموسوية المفضلية الذين قالوا بإمامة موسى ابن جعفر الصادق، وقد سموا كذلك نسبة إلى موسى وإلى المفضل ابن عمرو أحد أعلام الفرقة .

     وأشهر تلك الفرق الإثنا عشرية نسبة إلى تسلسل عدد الأئمة حتى الإمام الثاني عشر (الإمام الغائب )، والزيدية نسبة إلى زيد بن على زين العابدين والجعفرية نسبة إلى جعفر الصادق، وهذه الفرقة تسمى بالجعفرية من باب تسمية العام باسم الخاص، وسميت الإمامية من باب تسمية الخاص باسم العام .* (16)


    وقد ذهبت الفرق الإمامية إلى :

   « إن الإمامة قد امتازت على النبوة لأنها استمرت بأداء الرسالة بعد انتهاء دور النبوة.. فالنبوة لطف خاص، والإمامة لطف عام ». وتابع ناقلاً عنهم قولهم «إن قوة الوحي والإلهام تبلغ الكمال في أعلى درجاته عند الأئمة، فيكون في صفاء نفسه القدسية على استعداد لتلقي المعلومات في كل وقت وفي كل حالة، فحتى توجه إلى شيء من الأشياء وأراد معرفته استطاع علمه بتلك القوة القدسية الإلهامية، بلا توقف ولا ترتيب مقدمات، ولا تلقين معلم، وتتجلى في نفسه المعلومات كما تتجلى المرئيات في المرآة الصافية لا غطش فيها ولا إبهام. ويبدو واضحًا هذا في تاريخ الأئمة، لم يتربوا على أحد، ولم يتعلموا على يد معلم من مبدأ طفولتهم إلى سن الرشد، حتى القراءة والكتابة، ولم يثبت عن أحدهم أنه دخل الكتاتيب أو تتلمذ على يد أستاذ في شيء من الأشياء، مع مالهم من منزلة علمية لا تجارى.. وما سئلوا عن شيء إلا أجابوا عليه في وقته، ولم تمر على ألسنتهم كلمة (لا أدري) ولا تأجيل الجواب إلى المراجعة والتأمل، ونحو ذلك.. » .

الجعفرية:
ــــــــــــــــ

    التف عدد كبير من الشيعة حول جعفر الصادق المتوفى سنة 147 هـ واعتبروه المؤسس الحقيقي للمدرسة الشيعية الدينية وواضع أصول العقيدة الشيعية، رغم أن المعروف تاريخيا أن جعفر الصادق لم يناد بنفسه إماماً، ولم يقم بثورة يطالب فيها بالحكم، وأطلقوا على أنفسهم الشيعة الجعفرية، ولكن الآراء التي كان ينادي بها جعفر الصادق وكونت مذهبه الديني دارت حولها كتابات كثيرة من علماء الشيعة في القرن الرابع للهجرة، وما تلاه من قرون وتطورت الآراء ونسبت إلى جعفر الصادق تعاليم وآراء لم يقل بها، كما أدخل بعض الشيعة في تعاليمه آراء من تراث الأمم القديمة، كالذي نراه عند أصحاب أبي الخطاب الأسدي، الذي كان من تلاميذ جعفر الصادق، وكان ألصق الناس به ولكنه غالى فادعى ألوهية جعفر الصادق نفسه، مما جعل الصادق يتبرأ منه ومن كل من ذهب مذهبه.

   انقسمت الشيعة الجعفرية بعد موت الصادق سنة 147 هـ إلى فرقتين وكان انقسامها بسبب الإمامة: الكاظمية موسى الكاظم ابن جعفر الصادق والإسماعيلية نسبة إلى إسماعيل بن جعفر الصادق .

الكاظمية:
ـــــــــــــــ

   الموسوية أو بالإمامية الإثنا عشرية نسبة إلى عدد الأئمة : إن الأكثرية العظمى من الجعافرة نادوا بإمامة موسى الكاظم بن جعفر الصادق، وسلسلوا الإمامة في الأكبر سناً من عقبه إلى أن أشيع بأن الإمام الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري دخل سرداباً للتعبد في مدينة سامراء سنة 260 وأنه اختفى في هذا السرداب .

الإسماعيلية:
ـــــــــــــــــــ
    الإسماعيلية وهي الفرقة الثانية التي انقسمت عن المذهب الجعفري؛ بسبب الخلاف على الإمامة؛ فقال بعضهم إن جعقر الصادق نص على أن يتولى إسماعيل الإمامة من بعده ولكن إسماعيل توفي في حياة أبيه، وبذلك انتقلت الإمامة إلى ابنه محمد بن إسماعيل ابن جعفر الصادق؛ لأن الإمامة لا تكون إلا في الأعقاب، ولا تنتقل من أخ إلى أخيه إلا في حالة الحسن والحسين ابني علي بن أبي طالب فقط، وكان محمد بن إسماعيل أكبر سناً من عمه موسى الكاظم .

   ولم يعرف التاريخ شيئاً اسمه فرقة الإسماعيلية حتى أواخر القرن الثالث للهجرة، لم نسمع شيئاً عن الإسماعيلية إلا بعد دخول إمام الموسوية محمد بن الحسن العسكري السرداب حوالي عام 270 هـ أي بعد وفاة جعفر الصادق بقرن كامل، فأين كانت هذه الفرقة طوال هذه المدة ؟! ما لم يستطع أحد الإجابة عليه أو الوثوق به في الكتب التاريخية أو كتب الدعوة الإسماعيلية نفسها.

    وهو ما يبرره البعض بأن الشيعة الاثنا عشرية صدموا لاختفاء الإمام الثاني عشر في السرداب، ولم يكن له أولاد فتطلعوا إلى الفرع الآخر من أبناء جعفر الصادق المتسلسل من محمد بن إسماعيل فقاموا بالاعتراف بإمامتهم والدعوة لهم، بعد أن ظل أبناء محمد بن إسماعيل بعيدين كل البعد عن أي نشاط للدعوة لأنفسهم بالإمامة طوال هذه المدة .* (17)

   وبسبب الخلاف على الإمامة بين أبناء المستنصر بالله لقول البعض إن المستنصر بالله أوصى لابنه نزار، ولكن الوزير بدر الدين الجمالي انتهز غياب المستنصر بالله، وأعلن ابن شقيقته المستعلي بالله ابن المستنصر بالله إماما، وعندما ثار نزار صاحب الحق حبسه وقتله، وانقسمت الإسماعيلية إلى الطيبية والنزارية:

الطيبية « الإسماعيلية الغربية »:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    وهي نسبة إلى الطيب بن الآمر بن المستعلي بالله الفاطمي، ويروي مؤرخو الإسماعيلية أن:
   
« بعد وفاة المستعلي جاء ابنه الآمر ( 20 سنة ) فتولى أمره خاله الأفضل بدر الدين الجمالي، وولاه إماماً للإسماعيلية، وتولى عنه شئون الحكم وأمور السياسة، وتركه للهو والمجون، فكانت هوايته الجري وراء الفتيات الأعرابيات، وقصته مع الفتاة البدوية التي تزوجها وبنى لها هودجاً في جزيرة الروضة بالقرب من مقياس النيل، وقد قتل وهو يعبر الجسر إليها؛ فتولى الأمر الحافظ عبد المجيد إماماً مستودعاً ( الإمام المستودع في الفكر الشيعي هو من يتولى الأمر أثناء غيبة الإمام في دور الستر أو في غيبة صغرى أو غيبة كبرى) ..

    إلى أن تولت حكم الصليحيين في اليمن الملكة أروى بنت أحمد الصليحي التي زعمت أن للإمام الآمر طفلاً اسمه الطيب من إحدى زوجاته التي تركها حامل؛ فأخذه أحد دعاة الإسماعيلية وأرسله في مقطف إلى الملكة أروى التي تولت الدعوة له وللإسماعلية الغربية (الطيبية).

النزارية « الإسماعيلية الشرقية » :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


     وعندما ثار صاحب الحق نزار بن المستعلي، ولكن ثورته فشلت وقتلوه في الإسكندرية هو وابناه، وكان في مصر داعية من فارس هو الحسن ابن الصباح ، وكان الصباح قد حضر إلى مصر حاجاً إلى إمامة المستنصر بالله قبل موته بسنوات وسمع منه أن نزار هو صاحب الأمر من بعده .

     ولما عاد الصباح إلى بلده ادعى أن لنزار حفيدا تركه ابنا له من جارية كانت حاملا، وتم نقل هذا الطفل إلى فارس، وأخذ يدعو له والتف حوله عدد من الفلاحين الإيرانيين، واستجاب له منْ شعر بظلم السلاجقة الأتراك وسوء حكمهم، ولا سيما ملك شاه السلجوقي، مما جدد حلم الشيعة الذهبي بالمهدي المنتظر، وجاء حسن بن الصباح ليبشر باقتراب تحقق الحلم .
البهرة :
ـــــــــــــ
   
    هي إسماعيلية الهند واليمن وهم ينتسبون إلى الإسماعيلية المستعلية، ويسمون الطيبية نسبة إلى الطيب ابن الخليفة الآمر ابن الخليفة المستعلي، وحين سقطت الدولة الصليحية ترك الإسماعيلية الطيبية ميادين السياسة واتجهوا إلى التجارة، وكانوا يذهبون إلى الهند للتجارة، فاختلط بهم كثير من الهنود واعتنقوا مذهبهم فعرفوا بالبهرة، والبهرة كلمة هندية قديمة تعني «التاجر».

   والبهرة يتخذون لأنفسهم أماكن خاصة للعبادة اسمها « جامع خانة » « ولا يصلون في مساجد عامة المسلمين، وهم متمسكون بفروض الدين التي تشبه في « الظاهر » عقيدة سائر المذاهب الإسلامية، أما عقيدتهم الباطنية فشيء آخر، فهم يصلون كما يصلي المسلمون، ولكنهم يقولون إن صلاتهم تلك للإمام الإسماعيلي المستور من نسل الطيب ابن الآمر، وهم يذهبون إلى مكة المكرمة كبقية المسلمين ولكنهم يقولون إن الكعبة هي رمز على الإمام.* (18)

    وهم جميعاً يقدسون داعيهم المطلق، وقد استغل المستعمر الإنجليزي هذه الظاهرة؛ فقد كان من عادة الإنجليز أن يستميلوا كل طامع في الجاه والثروة، فكان من الطبيعي أن يتصل جواسيسهم بأسلاف « طاهر سيف الدين»، فأطلقوا يدهم في أتباعهم في مقابل الولاء التام للمستعمر الإنجليزي؛ فمنح الدعاة منهم نفوذاً ضخماً عريضاً في الهند؛ إذ ترك لهم كل السلطة على أتباعهم حتى أنهم كان في استطاعتهم أن يحرموا الموتى من الدفن في مدافن الطائفة، وكان لهم أن ينبشوا قبورهم انتقاما ممن سولت له نفسه الخروج عن طاعتهم، ولهم أن يستولوا على تركة الميت من ذخائر ونفائس دون أن يجرؤ أحد على مخالفة أمرهم، واستغل الداعي سلطانه لتنمية ثروته ومضاعفتها؛ فكان يفرض ضرائب على كل من يخالف التقاليد؛ فإذا أراد أحدهم أن يحلق فعليه أن يدفع ضريبة للداعي، وإذا أراد أحدهم أن يرتدي الزي الأوربي فعليه أن يدفع ضريبة للداعي، وكل من يذهب للحج فعليه أن يدفع ضريبة للداعي وأن ينزل في فنادق الداعي في مكة والمدينة المسماة «البهرة خانة»، ومن الأنشطة السرية لتلك الطائفة تكفير، وقتل المختلفين معها بأساليب القتل الفني الذي تستخدم فيه أنواع مختلفة من السموم .

مسجد الحاكم:
ــــــــــــــــــــــ

    يتخذ البهرة من مسجد الحاكم بأمر الله « جامع خانة » لأداء طقوسهم الغريبة؛ فالصلاة الرئيسية عندهم هي صلاة مغرب في كل يوم خميس من كل أسبوع؛ حيث تحاط ساحة الصلاة بستائر خضراء سميكة لا تسمح لأحد برؤية الطقوس، بعد أن يتم الوضوء من أحد آبار المسجد الذي تم إنشاء صنابير فوقه .. تلك البئر التي يزعمون أن الحاكم بأمر الله توضأ وشرب منها؛ لذا فهم يحرصون على الوضوء والشرب منها تبركاً، ويدعي بعضهم أن تلك البئر هي نهاية ماء زمزم، وبعد صلاة المغرب في يوم الخميس شُوهد أن بعضهم يطوف حول تلك البئر ثم يجلسون في ركن من المسجد .. يعتقد الشيعة من طائفة البهرة أن الإمام الغائب هو الحاكم بأمر الله، وأنه سيعود من إحدى الآبار السبع الموجودة في مسجده !!

الأغاخانية :
ـــــــــــــــــــ
  
   الأغاخان هو رئيس طائفة البهرة من الإسماعيلية النزارية، التي يؤكد مؤرخوهم أن الأغاخان هو الإمام 48 لطائفة من الإسماعيلية الشرقية في فارس (النزارية) من سلالة الأعقاب من نسل فاطمة الزهراء والإمام علي بن أبى طالب، وأنه ينحدر من نسل نزار ابن المستتنصر بالله بن الحاكم بأمر الله .

  بعد أن شرد التتار الإسماعيلية النزارية هاجروا إلى الهند، ولم يعد لهم ذكر، إلى أن ظهر في سنة 1835 في إيران رجل يدعى حسن على شاه، وحاول الاستعمار الإنجليزي استعماله في أغراض مشبوهة لخدمة مصالح استعمارية؛ فقاد ثورة على فتح الله شاه، ولكنها فشلت وحُكم عليه بالسجن، لكن الإنجليز تدخلوا لدى الشاه للعفو عنه؛ فقبل وساطتهم على أن يتم نفيه من إيران؛ فخرج منها إلى أفغانستان، ولكن الأفغان طردوه؛ فهاجر إلى الهند .. وهناك خلع عليه الإنجليز لقب أغا خان أى: ( الرجل المحترم ) حتى توفي في عام 1881 .. هكذا دائما خونة العقائد والأوطان محترمون في نظر مستخدميهم !!

سر ادعاء
« ألوهية الحاكم بأمر الله » :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    كان الحاكم بأمر الله عف اليدين، فلم يأخذ شيئاً من أموال الناس، ولو جاءته بطيب خاطر، ولم يكن عفيفاً عن أخذ الأموال فحسب ، بل عُرف عنه بعده عن اللهو والمجون، فلم يشرب الخمر ولم يرتكب الفاحشة، وكان ذا بسطة في الجسم مهيب الطلعة، جهوري الصوت، ذا عينين نافذتين، من ينظر إليه يرتعد خوفاً من ضخامة جسمه* (19) .

    وقد عثر الباحثون على نص في الكتب المقدسة للدروز يفهم منه أن الحاكم بأمر الله أظهر لاهوته لأول مرة عام 400 هـ، وهو يؤيد ما ذهب إليه البعض أن سلوك الحاكم إنما كان بتأثير فكرة الألوهية، وأن دعاة هذا المذهب كانوا بجانبه قبل ذلك التاريخ، والمؤرخون يذكرون ثلاثة من الدعاة الكبار، هم حسن الفرغاني المعروف بالأخرم الذي قتله المصريون وهو في موكب الحاكم، وحمزة بن عليّ بن أحمد الزوزني ويعرف بـ «اللباد »، ومحمد بن إسماعيل الدرزي*(20).

    يذكر يحيى بن سعيد الأنطاكي أنه في سنة 406 ـ 407 هـ \ 1016 ـ 1017 م حدثت القطيعة النهائية بين الحاكم وأهل الفسطاط من السنة، ففي تلك السنة وصل إلى القاهرة فريق من الدعاة الفرس، يضم الحسن بن حيدرة الفرغاني الأخرم، وحمزة بن علي بن أحمد اللباد الزوزني، ومحمد بن إسماعيل أنوشتكين الدرزي، وأعلنوا تأليه الحاكم وحاولوا فرض هذه العقيدة على أهل الفسطاط، وقد حاول دعاة الدين الجديد تحويل أهل الفسطاط إليه، ومدوا تحدياتهم إلى مسجد عمرو بن العاص مركز المقاومة السنية، وشهدت السنوات من 408 هـ \ 1017 م وحتى 410 هـ \ 1019 م سلسلة من المصادمات والاغتيالات والقتل قتل أثناءها الداعي محمد بن إسماعيل الدرزي408 هـ \ 1017 أثناء سيره في موكب الحاكم.

وقد أدت هذه المواجهات إلى نهب الفسطاط وحرقها سنة 409 هـ | 1018 م، وقد تصدى أهالي الفسطاط لهذه المحاولة مدافعين عن مدينتهم وانضم إليهم الأتراك والمغاربة، واستسمحوا الحاكم في إنهاء عمليات السلب والحرق، لكن الحاكم لم يستجب إليهم، بل بدا عليه الانبهار بمنظر المدينة التي تحترق، ولم يصدر الحاكم أوامره بوقف تلك المأساة إلا بعد أن هدد المغاربة والأتراك بحرق القاهرة نفسها . *(21)

الحاكم يفكر في نقل
 الحـج إلى مصـر :
ـــــــــــــــــــــــــــــ

    تبعاً لرواية أوردها الجغرافي الأندلسي أبو عبيد البكري المتوفى سنة 487 هـ \ 1094 م وأيدتها مصادر أخرى، فقد شيد الحاكم بأمر الله في المنطقة الواقعة بين الفسطاط والقاهرة ثلاثة مشاهد لينقل إليها رفات النبي صلى الله عليه وسلم ورفات أبي بكر وعمر رضي الله عنهما من المدينة، وهي محاولة كتب لها الفشل وكان يهدف بهذا المشروع لتحوير الجغرافية الروحية والدينية للعالم الإسلامي عن طريق حرمان المدينة من أكثر رموزها تقديساً بتحويل قوافل الحجاج إلى العاصمة الفاطمية .* (22)

    الملاحظة الجديرة بالاهتمام أن الخلفاء الفاطميين جميعهاً لم يؤدوا فريضة الحج !!

كان الحاكم يأتي بأفعال مستغربة، كان البعض يراها من باب التشنيع عليه، وكان البعض يضعها في إطار حب المصريين للفكاهة، والسخرية من حكامهم، لكن حمزة بن علي بن أحمد إمام عبادة الحاكم بأمر الله ونبي مذهبه؛ فقد اتخذ منها دلالات على صدق ألوهية الحاكم، وأن كل ما آتى به الحاكم هو رمز وإشارة وتأويل باطني لا يفهمه الناس !!*(23)

   حمزة بن علي بن أحمد مؤسس عقيدة الدروز، اعترف « أن الحاكم أطال شعره ولم يقبل أن يقصه، وأنه اتخذ له جبة من الصوف لم يخلعها عن جسده سبع سنوات، وأنه لم يتخذ من المطايا سوى الحمير يركبها بسرج غير محَلى، وكان يقوم بسياحة يومية إلى الصحراء، ويسير في طريق واحد كل يوم لا يسلك سواه، وكان وهو في طريقه يقف على جماعة الصوفية يستمع إلى أغانيهم ويشاهد رقصهم، أو يطلب من الركابية الذين معه أن يتصارعوا بالعصي والمقارع بين يديه، وبلغ به الأمر أن يطلب من الركابية أن يكشفوا عن سوءاتهم لينظر إليها أو يجذبها بيده».

    ويختم حمزة بن علي الرسالة : « إنكم ترون من أمور تحدث بما شاهدتموها من المولى ما لا يجوز أن تكون من أفعال أحد من البشر لا ناطق ولا أساس ولا إمام ولا حجة فلم تزدد بذلك إلا عمى وقلة بصيرة ».

   فهذا اعتراف من إمام تأليه الحاكم بأن أحدا من البشر، يستطيع أن يأتي من الأعمال ما قام به الحاكم، لأن أعماله هي عمل إله!!!* (24)

    ثم نقف وقفة طويلة مع رسالة الموسومة: « بكتاب فيه حقائق ما يظهر قدام مولانا جل ذكره من الهزل » قال حمزة في هذه الرسالة :

    « أما بعد معاشر الإخوان الموحدين أعانكم المولى على طاعته، إنه وصل إليِّ من بعض الموحدين ( يقصد أتباع دعوته ) كثّر المولى عددهم وزكى أعمالهم وحسن نياتهم رقعة يذكرون فيها ما يتكلم به المارقون عن الدين الجاحدون لحقائق التنزيه، ويطلقون ألسنتهم بما يشاكل أفعالهم الردية، وما تميل إليه أديانهم الدنية فيما يظهر لهم من أفعال مولانا جل ذكره ونطقه، وما يجري قدامه من الأفعال التي فيها حكمة بالغة شتى فما تغني النذر، ولم يعرفوا بأن أفعال مولانا جل ذكره كلها حطمة بالغة جداً كان أم هزلاً، يخرج حكمته ويظهرها بعد حين ...... ولو نظروا إلى أفعال مولانا جلت قدرته بالعين الحقيقية وتدبروا إشارته بالنور الشعشاني لبانت لهم الألوهية والقدرة الأزلية، وتخلصوا من شبكة إبليس وجنوده الغوية ولتصور لهم حقيقة حكمة ركوب مولانا جل ذكره وأفعاله، وعلموا الحقيقة المحض في جده وهزله ووقفوا على مراتب حدوده وما تدل عليه ظواهر أموره جل ذكره وعز اسمه ولا معبود سواه .

     فأول ما أظهر من حكمته ما لم يعرف في كل عصر وزمان ودهر وأوان، وهو ما ينكره العامة من أفعال الملوك من تربية الشعر ولبس الصوف وركوب الحمير بسروج غير محلاة لا ذهب ولا فضة، والثلاث خصال معنى واحد في الحقيقة؛ لأن الشعر دليل على ظواهر التنزيل والصوف دليل على ظواهر التأويل والحمير دليل على النطقاء (الأنبياء) لقوله لمحمد ( يقصد النبي محمد صلى الله عليه وسلم ): « يا بني أقم الصلاة وآت الزكاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر، إن ذلك من عزم الأمور، ولا تصغر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحاً، إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا، كل ذلك كان عند ربك شيئاً محذورا، واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير »* (25)

    العامة يروون هذه الآية حكاية عن لقمان لولده فكذبوا وحرفوا القول، وإنما هو السابق وهو سلمان فإنما سمى الناطق لولده التعليم والمادة؛ إذ كان سائر النطقاء والأوصياء أولاد السابق المبدع الأول وهو سلمان؛ فقال سلمان لمحمد:

   « أقم الصلاة إشارة إلى توحيد مولانا جل ذكره، وآت الزكاة يعني طهّر قلبك لمولانا جل ذكره ولحدوده ودعاته، وأمر بالمعروف هو توحيد مولانا جل ذكره، وانه عن المنكر يعني شريعته وجاء به من الناموس والتكليف، إن ذلك من عزم الأمور يعني الحقائق وما فيها من نجاة الأرواح من نطق الناطق: ولا تصغر خدك للناس، الخد وجه السابق وتصغيره سترة فضيلته، ولا تمش في الأرض مرحاً، فالمرح هو التقصير واللعب في الدين، والأرض ههنا هو الجناح الأيمن الداعي إلى التوحيد المحض، واغضض من صوتك يعني بذلك اخفض وانقص واستر نطقك بالشريعة، إن أنكر الأصوات يعني الدعوة الظاهرة، لصوت الحمير يعني بذلك أشر الكلام وأفحشه وأنكره نطق الشرائع المذمومة في كل عصر وزمان .

   فأظهر مولانا لبس الصوف وتربية الشعر، وهو دليل على ما ظهر من استعمال الناموس الظاهر، وتعلق أهل التأويل بعليّ بن أبي طاالب وعبادته، وركوب الحمير دليل على إظهار الحقيقة على شرائع النطقاء، وأما السرج بلا ذهب ولا فضة دليل على بطلان الشريعتين الناطق والأساس، واستعمال حلي الحديد على السروج دليل على إظهار السيف على سائر أصحاب الشرائع وبطلانهم » ... إلى نهاية الرسالة !!* (26)

   ومن ضمن رسائل حمزة التي تدور في سياق تأليه الحاكم رسالة عنوانها: « نسخة السجل الذي وجد معلقا في غيبة مولانا الإمام الحاكم»، وفيه يشرح حمزة أسباب غيبة الحاكم، ويعلل اختفاءه بغضبه على أمته لما اقترفت من الآثام والخطايا، رغم ما أفاض عليها من فضله ونعمه، واعتزامه أن يتركها تهيم في الضلال والغواية؛ ويتخذ من بعض تصرفاته أدلة على هذا الغضب، ثم يحذر المؤمنين من البحث عنه أو استقصاء آثاره، ويقول إنه سيظهر ويعود لأمته حين تحل الساعة، وقد زيلت هذه الرسالة بتاريخ كتابتها وهو شهر ذي الحجة سنة 411 هـ * (27) أي عقب مقتل الحاكم بأيام قليلة على أيدي اليهود بإيعاز من أخته ست الملك .

    هزل الحاكم بأمر الله وشذوذه، كان من وجهة نظر داعية دليلاً على الألوهية !! .. يؤيد هذا ما كتبه حمزة بن عليّ بن أحمد، ما جاء في رسالة «السيرة المستقيمة» إحدى رسائل الكتب المقدسة للدروز.


الدروزية:
ـــــــــــــــــ

    لا يمكن فهم الدروزية دون فهم عقيدة تأليه الحاكم بأمر الله، والدروزية إحدى فرق الإسماعيلية التي اتسمت بالباطنية «الستر»؛ فأخفوا عقيدتهم عن غيرهم من الفرق الإسلامية، واحتفظوا بكتبهم مخطوطة في أماكن أمينة، لا يطلع عليها إلا الثقاة من علمائهم، ويقول مؤرخوهم إنها نشأت مع الدولة الفاطمية وإنهم من أتباع الحاكم بأمر الله الذي ادعى الألوهية، ثم عاد وعدل عنها، ثم عاد مرة أخرى وادعى تجسد الإله وحلوله في شخصه، وللدروز كتابهم « المصحف المنفرد بذاته »، وهو كما تشرحه مخطوطاتهم كتاب يعتمد على سجع الكلمات وإلى تقليد شكل النص القرآني يؤلهون فيه الحاكم بأمر الله، فهو بشر في الأعين المجردة الذين لا يعرفونه، أما الدروز الذين يعرفون حقيقته فيذهبون إلى أن الإله المعبود اتخذ لنفسه صورة إنسية سماها الناس الحاكم بأمر الله، مثلما يتخذ الإنسان ثيابه ثم يطرحها ويرتدي غيرها، والثياب ليست من جنس من يرتديها ولا تشبهه في شيء، وهو يظهر في الصورة الناسوتية المتغيرة، ففي كل عصر ظهر فيه اتخذ صورة ناسوتية، تختلف عن الأخرى، ولا يقبل الدروز أحدا في دينهم ولا يسمحون لأحد بالخروج منه، والدرزية لا تتزوج إلا درزي، والطلاق مرة واحدة وليس ثلاثا، ولا معنى لكلمة (الوفاة) أو (الموت)، فهما يستبدلان بكلمتي (الاختفاء ) أو (الغيبة ) لأنهم يؤمنون بتناسخ الأرواح وعودة أرواح الأموات لتتقمص أجساد المواليد.

    وتتلخص بعض طقوس عبادة الدروزية التي أمكن رصدها :

   ـ الشهادة، وتأتي الشهادة بالصيغة التالية :

   « أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا بن عبد الله بن عبد المطلب رسول الله، وأن الصحابة سلمان الفارسي وعمار ابن ياسر والمقداد بن الأسود لهم المقام الأسمى بين الصحابة باستثناء عليّ بن أبي طالب .

   ـ الصلوات: خمس وإن اختلف عدد الركعات في كل صلاة عن الركعات المعروفة وطريقة أدائها، والوضوء ليس ضروريا ما دام المصلي نظيفاً .

   ـ الصوم هو الامتناع عن الرفث فقط، مع الأكل والشرب ويكون في العشرة الأوائل من ذي الحجة وينتهي بالعيد .

   ـ الزكاة معطلة ويجوز إعطاء الصدقات .

   ـ الحج ليس بفريضة ويستحب الزيارة .

ويؤكد مؤرخو الدروز أنهم من أصول عربية فهم من لخم وتنوخ وهما قبيلتان عربيتان لكل منهما ماض مشرق، وأن مصدر التشريع عندهم القرآن الكريم وحده وبعض اجتهادات التأويل، والحديث والسنة معطلان ولا يؤخذ بهما إطلاقاً .

العلوية:
ـــــــــــــ

     العلوية هي إحدى فرق الشيعة الإمامية .. وسموا بالعلويين نسبة إلى عليّ بن أبي طالب، وهي من الفرق الباطنية التي تنتهج مبدأ «الستر» فلا يجاهرون بحقيقة عقائدهم؛ فلم يُعرف عنهم الكثير وحتى لا نتصدى لما لسنا أهلاً سنكتفي بالنقل عن أحد العلماء الثقات، وهو الأستاذ الدكتور مصطفى الشكعة من كتابه بعنوان: « إسلام بلا مذاهب» الذي قسم فيه العلوية إلى قسمين:

   1 ـ الغلاة « النصيرية »: وقيل إنهم سموا بالنصيرية نسبة إلى المكان الذي عاشوا فيه (جبل النصيرة ) درءا للأذى وبعيداً عن الاضطهاد في زمن الاستعمار، بينما يرى البعض أن عقيدتهم أقرب إلى عقيدة النصارى، ويستندون في ذلك أن عقيدتهم خليط من الإسلام والمجوسية والتثليث المسيحي أو فتنة عبد الله بن سبأ، فهم يألفون ثالوثاً من عليّ والنبي محمد وسلمان الفارسي، ويتخذون من ذلك شعاراً يتكون من الحروف الثلاثة ( ع م س ) أو ما يسمى (سر العقد ع م س).

   وهذا الثالوث يفسر عندهم (المعنى والاسم والباب)، والمعنى هو الغيب المطلق، أي الله الذي يرمز إليه بحرف «ع»، والاسم هو صورة المعني الظاهر ويرمز إليه بحرف «م»، والباب هو طريق الوصول للمعني ويرمز إليه بحرف «س».

   وللعقيدة عند هؤلاء الغلاة هيكلان: هيكل مسيحي وهيكل إسلامي، فهم يحتفلون بالأعياد المسيحية مثل عيد الميلاد ويقدمون النبيذ وعيد رأس السنة والغطاس والشعانين.

   ومن الأعياد الإسلامية عيد الضحى وعيد الغدير في 18 من ذي الحجة ( الوصاية لعليّ) وعيد الغدير الثاني في 9 من ربيع الثاني وليلة النصف من شعبان، وذكرى الهجرة التي يسمونها ليلة الفراش أي ليلة مبيت عليّ في فراش النبي ليلة الهجرة .

   ومن الأعياد الفارسية يحتفلون بالمهرجان والنيروز .

2 ـ المعتدلون:

    وهم الذين يشهدون بإسلامهم وأعلنوا براءتهم من كل ما يخالف دين الإسلام في بيان أصدروه في سنة 1938 مؤمنون بالآيتين الكريمتين «إن الدين عند الله الإسلام» و « ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ».

النحل:
ــــــــــ

   النِّحل بكسر النون وهي جمع نحلة، وهي العقائد المنتحلة والتي لا أصل لها ولا حقيقة
البابية:
ـــــــــــ

   منذ وقت طويل كانت تستوقفني كلمات يرددها العامة وصراخهم « سيد يا بدوي يا باب النبي »، و «أن زيارة السيد البدوي تعدل حجة إلى بيت الله الحرام »، وهو استنساخ من الفكر الشيعي القائل إن زيارة مقام الحسين ليلة عاشوراء تعدل حجتين، وقيل تعدل مائة حجة، وقيل مائتان، وقيل ألفان ليرتفع سقف المزاد في بعض « الحسينيات » إلى مليونين!!، وكنت أتساءل كيف يكون السيد البدوي باباً للنبي ؟!، وكيف تعدل زيارته حجة إلى بيت الله الحرام، ولم أتردد في طرح التساؤل والإلحاح في طلب الإجابة، وغالباً ما كان يأتيني الجواب مراوغاً!!، أو يحمل ما لا يعقله الذهن، أو يستقيم مع موازين الشريعة!!

   لم يقتصر الأمر على صيحات أهلنا الطيبين استغاثة بالسيد البدوي، فبينما كنت أقرأ كتاب « دلائل الخيرات »  الذي يعد القاسم المشترك الذي اتفقت عليه الطرق الصوفية في مصر في مجالس الذكر ( 77 طريقة منها 10 طرق غير معتمدة )، وجدت هذه الأبيات في قسمه الثالث المسمى (اللطفية )*(28) في التوسل إلى الله؛ ليلطف بالجالسين في حلقة الذكر في القضاء والقدر:

بالسيد البدوي باب المصطفى *** بحر الفتوة والمكارم والندى

     ولم يقتصر الأمر على التوسل بالسيد باب النبي فقط، بل جعلوا له بابين يتم التوسل بهما إليه ( هما الوسيلة )، وهما كما يقال خادماه اللذان دفنا معه في لحدين صغيرين مجاورين لمدفنه، وهما السيد مجاهد والسيد عبد المتعال، فورد في قصيدة ( اللُطفية ):

وبعبد المتعال ثم مجاهد *** فهما الوسيلة للملثم أحمد*(29)

معنى «الباب»:
ـــــــــــــــــــــــــ

   الباب مصطلح شيعي ظهر لأول مرة بعد اختفاء الإمام الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري، و «الباب » هو الشخص الذي يكون واسطة بين الغائب وشيعته، بمعنى أنه الباب « الباب الموصل إلى حضرة الإمام الوعد »  وأنه وكيله وسفيره بين الخلق، والبابية كنحلة ظهرت سنة 1844 بادعاء عليّ محمد بن الميرزا رضا الشيرازي أنه ( الباب )، وأنه يتنزل عليه الوحي، وأن كتابه المنزل هو «البيان»  .

    وانتقل الباب إلى بعض أهل السنة من «القبوريين» في مصر، كما انتقلت كثير من الموبقات، ومنها على سبيل المثال ألفاظ سب الصحابة الكرام رضوان الله عليهم التي خلفتها دولة الفاطميين في مصر ولازالت آثارها باقية في ألفاظ الرعاع مثل مقولة : «أحمد يا عُمر» .

     في كتاب: « الحجج البهية « الذي طبعه المحفل البهائي المركزي في مصر عام 1943 يقول داعية البابية أبو الفضائل الجرفادقاني عن «الباب» ويسمونه «النقطة الأولى»:

   « وأما النقطة الأولى والمثال الأعلى المبشر بجمال «ربنا الأبهى»، جل ذكره وعز اسمه، فقام بالأمر وهو ابن خمس وعشرين سنة، وكان قبل قيامه يشتغل بالتجارة مع خاله .. فلما قام حضرته وصدع بالأمر في مكة المكرمة رجع إلى مدينة بوشهر ونزل على خاله .. وسافر إلى شيراز فوقع في يد أعدائه، وقضى أيام دعوته التي تعد سبع سماوات تقريباً كلها في الحجز والنفي والحبس إما في بيته أو بيت الحكومة إلى أن نفي إلى أذربيجان» .

    ولم يكن ذلك الرجل المُسمى بالباب سوى المدعو عليّ محمد بن الميرزا رضا الشيرازي المولود في 26 مارس 1818، ويقول مؤرخ البهائية عن إعلان الدعوة :

   « بينما الملا حسين البشروني ماثلاً بحضور الباب إذ أعلن له دعواه بغتة، وظهر بمقام المهدوية القائمة، ودعا إلى الإيمان به، وكان ذلك في عام 1844 واختير الملا حسين البشروني باباً إليه ( باب الباب )، واختير اثنان للدعوة إلى نحلته هما:

    ـ رجل عن الرجال ويدعى محمد علي البارفروشي ومنحه الباب لقب « القدوس ».

   ـ وامرأة عن النساء تدعى « قرة العين» زرين تاج أي ذات التاج الذهبي من الشعر الأصفر، وهي امرأة عجيبة، جهورية الصوت، تسفر عن وجهها، وترتقي المنابر، وتخطب، وتجادل، وتتصدر حلقة الدرس، وتؤم الرجال في الصلاة، وتجمع المصادر البابية والبهائية أنها من أوائل من اعتنقوا البابية في فترة « الستر»، واتخذت من التقية ستاراً لإخفاء نحلتها، وكانت تلقب الباب في حديثها مع أقرانها رمزاً بـ « الذكر » وقد أدخل (الباب) اسمها في حروف اسم حي الثمانية عشر*(30)، وكتب توقيعا بذلك .

     وقد ذكرها الباب في كتابة البيان واسمها بـ « الطاهرة » :

   « أما ما سألت عن المرأة التي زكت نفسها وأثرت فيها الكلمة التي انقادت الأمور لها، فإنها امرأة صديقة عالمة عاملة طاهرة ولا ترد الطاهرة في حكمها؛ لأنها أدرى مواقع الأمر من غيرها وليس لك إلا اتباعها لأنك لن تقدر أن تطلع بحقيقة شأنها ».

    وقد رأت قرة العين أن المقصود بظهور الإمام الغائب هو ظهور الباب، أما رجعة الأئمة فالمقصود ظهور السابقين في الدعوة الذين اعتنقوا البابية قبل غيرهم، ونادت بتجديد الشريعة ونسخ التقاليد البالية، وانتهاء زمن التكليف بالصلوات الخمس، وأن الوحي لم ينقطع ولكنه ليس وحي تشريع بل وحي تعليم لما شرع من قبل، وبلغ من المرأة عندما حاجها علماء المسلمين فيما تقول فأجابتهم أنها تطلب المباهلة بمعنى أن يجتمعوا في مكان يحدده الأمير ثم يتباهلون ويجعلون لعنة الله على الكاذبين .* (31)

مؤتمر بدشت:
ـــــــــــــــــــــ

   كان أول أنشطة البابية عقد مؤتمر في يونيو 1848 في صحراء بدشت الواقعة في على نهر شاهرود بين خرسان ومازندران، وكان على رأس القائمين ملا حسين البشروني وكان الهدف هو مناقشة أمرين:

   ـ كيف يمكن إنقاذ الباب من معتقله .

  ـ تجديد الشريعة وتغيير الفروع بما يتفق مع ما أسموه « شريعة الباب»، ويقضي هذا التجديد أن يكون الظهور اللاحق أعظم مرتبة وأعم دائرة من سابقه، وأن يكون كل خلف أرقى وأكمل من سلفه ؛ فعلى القياس يكون حضرة الباب أعظم مقاماً وآثاراً من جميع الأنبياء قبله، وأن له الحق في نسخ الأحكام الإسلامية القديمة والإتيان بأحكام جديدة.

يقول الباب عن نفسه في البيان :

« لقد خلقتك ورزقتك وبعثتك وجعلتك مظهر نفس، وخلقت كل شيء لك وجعلتك من لدنا سلطاناً على العالمين وجعلتك الأول والآخر والظاهر والباطن، وما بعث على دين إلا إياك وما نزل من كتاب إلا عليك »*(32)

وبعد مؤتمر بدشت أرادت قرة أن تنسخ حكم تحريم التبرج، فدخلت إلى الرجال سافرة ومتزينة، فغض الرجال نظرهم وأخفوا وجوههم بأيديهم، غير أن أحدهم لم يتمالك نفسه فحز رقبته بسكين كانت في يده وحذا حذوه بعض الرجال، وارتد بعض الرجال بعد أن أنكروا عليها فعلتها، وكانوا يرون فيها مظهرا لفاطمة الزهراء ورمزا لعصمة الطهارة، إلا أنها لم تلق بالاً لهم وقامت تخطب قائلة :

    « إني أنا الكلمة التي ينطق بها القائم والتي يفر منها نقباء الأرض ووجهاؤها»*(33)

   وأنهت خطبتها بقولها: « اعلموا أن أحكام الشريعة المحمدية قد نسخت، وأن أحكام الشريعة الجديدة البابية لم تصل إلينا، وأن اشتغالكم الآن بالصلاة والصوم والزكاة وسائر ما أتى به محمد ( تقصد النبي صلى الله عليه وسلم) كله عمل لغو وفعل باطل»، وفى فترة النسخ المزعومة مارست قرة العين الزنا، وعاشرت محمد علي البارفروشى الملقب بـ «القدوس» معاشرة الأزواج*(34)

عبادات البابية:
ــــــــــــــــــــــــ

   الطهارة عند الباب تتم بواسطة ستة أمور؛ الماء والهواء والتراب والنار وباسم الباب والشمس بشرط أن تجفف الشيء المبتل، وقال الطهارة بالباب تتم بذكر بقول « إله  أطهر 66 مرة، وكل من دخل البابية طاهر ولا يوجد شيء نجس في البابية لما جاء في البيان:
« يطهركم اسم الله إذا تقرأن الله أطهر ستا وستين مرة، ثم النقطة (هيكل تجلى الباب ) وما يشرف من عندها من آيات الله ثم كلماته إن أنتم موقنون، ثم من يدخل في الدين ثم يبدل كينونته ثم النار والهواء والماء والتراب ثم الشمس إذا تجفف أن يا عبادي فاشكرون».
والوضوء للصلاة بماء الورد ويشمل الكفين والوجه فقط ولحفظ الوضوء يحتفظ بمنديل به رائحة العطر، وإذا لم يوجد الماء يقرأ بسملة الباب وهي: « باسم الله الأمنع الأقدس » خمس مرات، والمني طاهر ولا يجب الاغتسال منه .
الصلاة:
    
      مرة واحدة في اليوم ركعتان في الصبح فقط تؤدى فرادى في المساجد وهم جالسون على الكراسي، وأبطل صلاة الجمعة والجماعة، ولم يصرح بصلاة الجماعة إلا على الجنائز .

    والنساء عند المحيض لا يصلين ولا يصمن إلا أن يتوضأن ثم يسبحن 95 مرة من الزوال إلى الزوال بقولهن: « سبحان الله ذي الطلعة والجمال».

الصوم:

     من شروق الشمس إلى غروبها ويكون لمن هم في 11 سنة حتى سن 42 ويعفي من هم دون ذلك أو من هم أكبر منه والصوم 19 يوماً تنتهي بعيد النيروز في 21 مارس .

الزكاة:

    فرضها الباب على كل من يحول عليه سنة بابية ( 19 شهرا، الشهر 19 يوما ) ويملك نصابها 541 مثقالا من الذهب أو ما يعادله من الفضة، ويدفع عن كل مثقال من الذهب خمسمائة دينار، وكل مثقال من الفضة خمسين دينارا، وتعطى الزكاة للباب في حياته وتعطي لأمنائه بعد مماته .

الحج:

     ويكون للرجال لزيارة البيت الذي ولد فيه الباب بشيراز .

الجهاد:
     أبطلت البابية الجهاد، يقول الباب: «فلا تحصلن أسباب الحرب بينكم»*(35).
مصير الباب:
ــــــــــــــــــــ

   هكذا كانت البابية مزيجا من الخزعبلات والترهات، التي لا تصدر إلا عن مريض عقلي، كما كتابه المزعوم « البيان »  مليء بالأخطاء النحوية والإملائية التي لا تصدر عن أطفال الكتاتيب، وأمام انتشار دعوة الباب وسط السفهاء وازدياد خطره في إثارة الاضطرابات في إيران وانتشار الفتن والقلاقل، فألقى الشاه ناصر الدين القبض عليه وأعدمه في يوليو 1849 وألقى بجثته في خندق حتى أكلتها الطيور الجوارح .

    وقد نقل أتباعه ما زعموا أنها بقايا جثته ودفنها في جبل الكرمل في فلسطين المحتلة حيث يرقد عميل الصهاينة عبد البهاء عباس* (36)

هكذا قتلوا قرة العين:
ــــــــــــــــــــــــــــــــ

     ولم تكن قرة العين أفضل حظاً في مصيرها من «الباب»، وإن اختلفت الأقوال في كيفية قتلها، فمن قائل إنها وضعت على فوهة مدفع، وأطلقت عليها قنبلة مزقتها إرباً إربا، .. ومن قال إنها ربطت من شعرها في ذيل بغل فسحبت إلى المحكمة، وهناك صدر الحكم بإحراقها فخنقت ثم ألقيت جثتها في النار، أما صاحب كتاب « مطالع الأنوار» فيذكر أنه تم اقتيادها إلى حديقة في مواجهة السفارة البريطانية في طهران، فخنقت بمنديل من حرير قدمته بنفسها إلى جلادها ثم أنزلت إلى بئر وأهالوا عليها التراب*(37) .

البهائية:
ــــــــــــــ
    يزعم البهائيون في كل كتبهم أن الباب لما علم بأنه سيعدم، جمع مكتوباته وخاتمه     ومقلمته في جعبة، وأرسلها مع مفاتيحها بصحبة شخص يدعى ملا باقر؛ ليسلمها إلى ملا عبد الكريم القزويني في مدينة قم، فلما وصلت الجعبة إلى ملا عبد الكريم أعلن أنه مأمور بإيصالها إلى ميرزا حسين علي المازندراني؛ وبسبب ذلك انتحل اسم ( بهاء الله ) ونازع البابيين مقام الرئاسة، ولما ادعى البهاء وراثة الباب انتقل إلى عكا، وجاء بجثة زعم أنها جثة الباب ودفنها على جبل الكرمل في فلسطين بين حيفا وعكا، وزعم أن (الباب) مجرد ( نقطة ) .. النقطة في زعم الباطنية هي أول هيكل يتجسد فيه الله ويظهر للتبشير بالبهاء، ومما يسميه البهائيون وحياً من ربهم البهاء كتاب يسمونه ( مجموعة الألواح المباركة وهو مطبوع بأمر ابنه عباس أفندي عبد البهاء في القاهرة ( مطبعة السعادة) سنة 1920 ويسمى «الإيقان» ويطلق عليه البعض « الأقدس »، وفيه يدعو البهاء إلى الدعوة الصهيونية للقضاء على اللغة على اللغة العربية بقوله: « يا قلمي الأعلى بدل اللغة الفصحى باللغة النوراء» .

    .. والبهائي متلوّن مثل حال البهاء وولده عباس أفندي عبد البهاء، فإذا التقى بالبراهمة قال لهم: أنتم على حق، وبالمسيحيين قال لهم: أنتم على صواب، وبالملحدين قال لهم: أنتم على الهدي، وباليهود قال لهم: أنتم على الرشاد، ونراه يذهب قبل موته بيومين إلى مسجد المسلمين، فيصلي خلف إمامهم جماعة، والبهائي لا ولاء له لوطنه؛ فالولاء للمعتقد فقط .. روى الفريق سعد الشاذلي في مذكراته أن بعض الجنود عندما صدر الأمر بالعبور امتنعوا عن القتال بحجة أن معتقدهم يمنعهم من التقاتل، ولم يكن هؤلاء سوى بعض معتنقي البهائية، ورغم أن الأوامر تقضي بإطلاق الرصاص عليهم إلا أن القادة تعاملوا بكياسة معهم حتى لا يؤثر ذلك على أداء الجنود، وتم نقلهم إلى الخطوط الخلفية، وبعد النصر وفي غمرة احتفالاته تم إصدار قرار قيادة بالعفو عنهم!! .. فالبهائية صناعة صهيونية قائمة على التلفيق بين الأديان والمذاهب والملل والنحل، فهي تعمل لضرب بعضها ببعض للقضاء على الأديان، يقول المستشرق اليهودي جولدزيهر في مجال الدعاية السفيهة والصفيقة لـ» البهائية «، والتي لا تستند إلى منطق:

« بهاء الله أعظم من الباب؛ لأن الباب هو القائم، وبهاء الله هو القيوم، أي الذي يظل ويبقى».

    كان البهاء على صلة بحكومات الاستعمار والجهات الأجنبية, حينما قبض على رفاقه البابيين في المؤامرات الفاشلة على الشاه، كان هو مختبئاً في السفارة الروسية ورفض الروس تسليمه وقالوا: إن الحكومة الروسية ترغب ألا يمسه أحد بسوء، وأن يكون في حفظ وحماية .. والبهاء يعترف بهذا في كتابه إشراقات ص 60.

    وبعد نفيه ببغداد قدمت له الحكومة الإنجليزية عن طريق سفيرها جنسية إنجليزية، ونقلته ورفاقه إلى الهند المسلمة لإثارة الفتنة هناك تحت رعايتها .

   وقد أنعمت إنجلترا بنيشان فرسان الإمبراطورية على نجل البهاء عباس أفندي فوقف يدعو في خشوع بدوام الاحتلال الإنجليزي على أراضي الهند .

   .. وللأسف قد أحرز القائمون في مصر على أمر البهائية نصراً حقوقيا بحق ممارسة شعائرها في العلن، وإدراجها في بطاقات الرقم القومي لمنتحليها في رمز (ـ)، وقد جاء هذا الحكم لدفع ضرر خاصة أن هناك أمرين خطيرين تهدد بهما البهائية كيان المجتمع هما :

   الأول : أن البهائيين يساوون بين الأديان الطبيعية (البشرية المنشأ والتعاليم)، وبين الأديان السماوية المُنزلة بكتاب (اليهودية ـ النصرانية ـ الإسلام)؛ فالبراهمية والزرادشتية والكونفيشيوسية واليهودية والنصرانية والإسلام جاءت ـ من وجهة نظرهم ـ لتبشر بالبهاء.

    الثاني : أن البهائية تبيح زنا المحارم؛ ففي «خزينة حدود وأحكام »  ص 186: « لا يحرم نكاح الأقارب ما دام البهائيون قلة وضعفاء ».

القاديانية:
ــــــــــــــــ

   القاديانية في حقيقتها ما هي إلا امتداد لرسالة السيد أحمد خان في خدمة الاستعمار الإنجليزي وفقا للخطة التي وضعتها وزارة المستعمرات في استغلال العملاء المدربين في تحطيم الشريعة الإسلامية، من خلال الأسلوب المتبع حتى اليوم عبر التشكيك في الثوابت والطعن في الأفكار وجعل مناقشة الأصول ..

    استطاع الإنجليز في منتصف في سنة 1857 م الاستيلاء على الهند، فسقطت في أيديهم إحدى البلدان الإسلامية الكبرى التي قامت في مستهل القرن 16، لكن مسلمي الهند هبوا للجهاد الذي أرهق المستعمر وجيوشه، واتخذ المستعمر سلاح القمع في التضييق على الناس في أرزاقهم، وتشديد القبضة عليهم في خصوصيتهم، فأصبحت كل العلاقات مراقبة وخاضعة لمزاج المحتل من بخس للهوية القومية، وتوهين عقائد المسلمين وحملهم على التدين بمذهب الإنجليز، فسلبوا أوقاف المسلمين ومدارسهم ونفوا علماءهم إلى جزيرة اندرمان، وحملوا القسس وغيرهم من الطوائف على كتابة الرسائل للطعن في الإسلام، وشتم النبي الكريم .

   فلما لم تفلح تلك الوسائل، لجأوا إلى وسيلة ثالثة وهي تسخير العملاء في صفوف الجماهير وهي الوسيلة التي يطلقون عليها: « الجواسيس يصنعون التاريخ »، فوجدوا ضالتهم في أحمد خان بهادر.

    وقد بدأ أحمد خان مهمته بأن ألف كتابا بعنوان: « تبيان الكلام »  ذكر فيه أن التوراة والإنجيل ليسا محرفين، ولم يذكر سنداً علميا واحداً، ولم يفسر لنا معنى في شتائم التي وردت في التوراة ولا تعدد نسخ الأناجيل واختلاف ألفاظها ومضامينها .. ومع هذا كان يمكن قبول هذا في إطار الرأي، لكن الرجل لم يدع لنا هذه الفرصة فكتب ما أسماه تفسيراً للقرآن، فحرّف الكلام عن مواضعه، وبدّل ما أنزل الله، وأنكر المعجزات وخوارق العادات، ودعا إلى النظر إلى روح القرآن أكثر من النظر إلى حرفيته، وادعى أن الوحي كان بالمعنى وليس باللفظ، وانتهى إلى ما أسماه الدعوة إلى ( إنسانية الأديان ) .

     .. وأبطل فريضة الجهاد وعارض الثورات التي قامت ضد الإنجليز، ونادى بالتعاون بين المسلمين والمستعمرين؛ فكافئوه بإنشاء كلية «عليكره »؛ لينشر من خلالها أفكاره الهدامة التي لا تخدم إلا أغراض المستعمر مما يطلقون عليه « الإسلام المناسب » أو «الإسلام المعتدل»، وكانت تلك الكلية التي أطلق عليها اسم ( الأحمدية ) توفر للمنتمين إليها السكن والإعاشة، بعد أن فتحت خزائن الأموال المنهوبة من المستعمرات أمام صنيعتهم !! وكانت برامجها تعتمد على فكرة مفادها أن ما أصابته أوربا من تقدم لم يكن إلا نتيجة لنبذ الأديان والرجوع إلى مسالك الطبيعة .

    وظهر بمظهر الدهريين والطبيعيين، ونادى بأن لا وجود إلا للطبيعة، وأن الأنبياء كانوا طبيعيين، ولا يعتقدون بالإله الذي جاءت به الشرائع، وأن النبوة غاية يمكن تحصيلها واكتسابها بالترويض النفسي (لاحظ الاتفاق هنا وبين ما قاله الأفغاني: بأن النبوة صنعة).
ولنشر أضاليله بين من لم يتح لهم الاستماع إليه أو الدراسة في كليته أنشأ مجلة « تهذيب الأخلاق» التي أثارت الفرقة بين المسلمين في الهند .

    وبموت أحمد خان في عام 1898 كان لابد من امتداد يملأ الفراغ، فوجدوا ضالتهم في ميرزا غلام أحمد القادياني نسبة إلى قاديان إحدى مدن إقليم البنجاب، وعلى خطى أحمد خان أنشأ القادياني مجلة « الأديان » ادعي فيها نفسه إماماً مهدياً بعث ليجدد الإسلام، ولم يكتف بذلك بل ادعى أن روح المسيح قد حلت فيه، وأن روح سيدنا محمد قد حلت فيه أيضا؛ فتجمعت فيه روحا عيسى ومحمد ولذلك فهو نبي .

    وعندما سئل النبي القادياني كيف يكون والرسالة المحمدية خاتمة الرسالات ومحمد خاتم النبيين تفتق ذهنه عن مخرج فقال :

    « إن محمد خاتم النبيين بالختم وليس لأحد أن يحظى بنعمة الوحي إلا بفيض من خاتمه، وأن أمته لن يغلق في وجهها باب المكالمة والمخاطبة الربانية إلى يوم القيامة، فلا صاحب للختم إلا هو، وخاتمه يكسب النبوة التي تستلزم أن يكون صاحبها من محمد صلى الله عليه وسلم »*(38)
    ومن أقواله في تخويف أتباعه بعد أن أغراهم بالمال وأغواهم بالردة عن الإسلام :

   ـ « إنكم قد أصبحتم في نظرها (الحكومات الإسلامية) كفاراً ومرتدين، فاعرفوا لهذه النعمة ( وجود بريطانيا ) قدرها واعلموا علم اليقين أن الله تعالى ما أتى بالحكومة الإنجليزية إلا لخيركم وصالحكم، فإن حلت بها آفة من الآفات، فستبيدكم هذه الآفة أيضا».

   ـ « إن الحكومة ( البريطانية ) رحمة لكم وبركة عليكم وهي الحصن الذي أقامه الله لوقايتكم، فقدروها حق التقدير من أعماق قلوبكم ومهجكم، والإنجليز خير لكم ألف مرة من هؤلاء المسلمين المختلفين معكم؛ لأن الإنجليز لا يريدون إذلالكم ولا يرون وجوب قتلكم » .

    وعلي درب أحمد خان سار القادياني في ركاب الإنجليز والعمل بتوجيهاتهم بما يحقق أطماعهم فيردد القادياني ما سبق أن أعلنه سلفه :

   ( اعتقادي الذي دأبت على إبدائه مرة تلو المرة أن الإسلام قائم على أصلين:

   الأول : إطاعة الله .

   الثاني : ألا نبغي على الحكومة التي وطدت دعائم الأمن وصانت أرواحنا من اعتداء المعتدين وهي ( الحكومة البريطانية ).

   وبوفاة القاديانى عام 1908 يأتي غلام رضا أحمد وجماعته التي أطلق عليها الأحمدية؛ لتستكمل مسيرة السابقين في خدمة المصالح الاستعمارية، فقد جعلوا عدم مقاومة المستعمرين أحد شطري الإسلام .

الخومينية:
ـــــــــــــــــ

    وهي أحد الابتلاءات التي ابتليت بها العقيدة الإسلامية مثل رصاصة انطلقت من عصور التخلف والخرافة؛ لتستقر في قلب القرن العشرين وما أرسته من مناهج بحث ضيقت شقة الخلاف، لن نفتري على الرجل، فبين يدينا أقواله تنطق بها على حاله، ويكشف بها عن مخبوء ذاته؛ لنكتشف أننا أمام رجل مبتدع .

    في البداية لينقلنا إلى يوم اجتماع سقيفة بني ساعدة بعد انتقال النبي إلى الرفيق الأعلى، والتي يزعم الخوميني أنه اليوم التي اجتث جذور الدين الحقيقي ولتسرق الخلافة من عليّ لتضع المذاهب الباطلة لبناتها وتسود وتغتصب مواقع الحق حتى الآن .

   فالفارق بين رأي فريق أن عليّا هو الأفضل ـ مجرد وجهة النظر ـ لتولي الخلافة بعد رسول الله، والادعاء بأنها حقه الإلهي الذي اغتصب منه.

   فيقول :

     « إن النبي لم يقل شيئاً بشأن مسألة ذات صلة ببقاء أسس الدعوة والنبوة وثبات دعائم التوحيد والعدالة والتوحيد، وترك الدين والمبادئ الإلهية لعبة في أيدي القراصنة الوقحين، فإنه سيكون هدفاً لاعتراض علماء الدين وانتقادهم، وسوف لا يُقر بنبوته وعدله »*(39)

    هذا رأي الخوميني في المعصوم سيدنا رسول الله وفي صحابته الأطهار، ولا يكتفي بذلك فيمضى في سب الذات الإلهية بقوله:
« إننا لا نعبد إلها يقيم بناء شامخاً للعبادة والعدالة والتدين، ثم يقوم بهدمه بنفسه ويجلس معاوية وعثمان وسواهم من العتاة في موقع الإمارة من الناس، ولا يقوم بتقرير مصير الأمة بعد وفاة نبيه ».

    « مخالفة أحكام القرآن بجهلهما، وتلاعب بأحكام الإله ( لاحظ لم يقل الله) بما حللاه وما حرماه وما مارساه من ظلم في حق فاطمة وأولادها»*(40)

الوهابية:
ـــــــــــــــ

     يطلق الوهابيون على أنفسهم اسم: ( الموحدون )، ويدعون أن اسم (الوهابيون) قد أطلقه عليهم أعداؤهم !! والحقيقة لا يمكن لأحد فهم الوهابية بعيداً عن إطار « السببية التاريخية»  التي أوجدتها، ولا يمكن فهمه مراميها دون الوعي بقيام ثلاث دول على أرض الحجاز حملت اسم «السعودية» نسبة إلى آل سعود، الدولة السعودية الأولى (1745 ـ 1818 )، فقد أراد الإنجليز بها أن تكون وجعاً في جسم الإمبراطورية العثمانية، وبدأ الإنجليز البحث عن الحليف القوي فوقع الاختيار على ابن سعود الذي زعم أنه من ذرية النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه من قبيلة عنيزة العربية، بينما يقول البعض إنه من أصول غير إسلامية وأنه ينحدر من سلالة بني قينقاع يهود المدينة، وكان لابد من توفير غطاء ديني لزعامته، فبدأ إعداد محمد بن عبد الوهاب وتجنيده على أيدي ضابط وزارة المستعمرات البريطانية المستر همفر .. وقد تولت مصر وتركيا الرد العسكري على توسع الدعوة الوهابية خلال القرن 19 والمتابعة العسكرية، وتطويقها خلال الدولة السعودية الثانية (1823 ـ 1890) التي ولدت ضعيفة ولم تتجاوز حدود نجد، ولم تدخل مصر عبر علماء الأزهر حلبة الصراع الفقهي إلا في بداية القرن العشرين مع ن شاه الدولة السعودية الثالثة الناشئة (1926 ـ 1932 ) .

   وقعت الوهابية منذ نشأتها في أكبر خطأ ترتكبه دعوى وهو «التكفير»، ونجحت في استفزاز علماء أهل السنة والجماعة وجرهم إلى السقوط في مستنقع « التكفير المضاد»؛ لذا فإننا ننقل الحقائق من مصادرها دون زيادة أو نقصان أو تعليق إلا في حدود إبداء الرأى الشخصي ـ بصفته رأيا شخصيا ـ بعيداً عن منهج البحث!!؛ فقد كان الغرس الوهابي استعمارياً للنيل من الإمبراطورية العثمانية التي باتت تهدد أوربا في عقر دارها .

    يقول المستر همفر ضابط وزارة المستعمرات البريطانية الذي قام بتجنيد محمد بن عبد الوهاب وإعداده عن أول لقاء بمحمد بن عبد الوهاب في البصرة * (41) :
     « كان يتردد على عبد الرضا الشيعي صاحب دكان النجار، شاب يعرف اللغات الثلاث التركية والفارسية والعربية، كان في زي طلبة العلوم الدينية .. كان شاباً سمحاً للغاية عصبي المزاج ناقماً على الحكومة العثمانية، أما حكومة فارس فلم يكن له شأن بها، كان ابن عبد الوهاب وعبد الرضا يجمع بينهما أنهما ناقمان على الخليفة، كان محمد بن عبد الوهاب شاباً متحرراً بكل معنى الكلمة لا يتعصب ضد الشيعة كما هو الحال ضد أهل السنة ». *(42)

   « لقد وجدت في محمد عبد الوهاب ضالتي المنشودة؛ فإن تحرره وطموحه وتبرمه من مشايخ عصره، ورأيه المستقل الذي لا يهتم بالخلفاء الأربعة أمام ما يفهمه هو من القرآن والسنة، كان أكبر نقاط الضعف التي كنت أتمكن أن أتسلل منها إلى نفسه»*(43) .

     ويتابع المستر همفر: « وعهدت به بعد مناقشة عن زواج « العقد المنقطع »، وبعد أن أبدى اقتناعاً تحت تأثير الغريزة إلى سيدة مسيحية مجندة من قبل الوزارة لإفساد الشباب المسلم، وكانت الدار خالية فقرأنا أنا والشيخ محمد بن عبد الوهاب صيغة العقد لمدة أسبوع، وأمهرها الشيخ نقداً ذهبياً، فأخذت أنا من الخارج وصفية من الداخل نتراوح على توجيه الشيخ محمد بن عبد الوهاب .» *(44)

    « ولما كان ابن عبد الوهاب لا يريد الإقامة في البصرة فقد أشرت عليه بالذهاب إلى أصفهان وشيراز بعد أن أمنت انحرافه، وزودته بكمية من المال واشتريت له دابة» .

    يقول المستر همفر جاءني استدعاء للسفر إلى لندن، ووجدت أن صفية قد كتبت تقريرا يماثل التقرير الذي كتبته عن تجنيد ابن عبد الوهاب، وكانت هناك حالة من الفرح في وزارة المستعمرات، وأبدى الوزير ارتياحه من السيطرة على ابن عبد الوهاب وقال إنه ضالة الوزارة، وقال الوزير: اطمئن فإن عملاء الوزارة في أصفهان وشيراز يتابعون المهمة!!* (45)

    يقول المستر همفر: « إن صفية لحقت بابن عبد الوهاب في أصفهان وقضى معها شهرين متعة، وفي شيراز تولى أمره الشيخ عبد الكريم ( اسم مستعار لأحد المسيحيين من أصفهان من عملاء الوزارة )، حيث هيئ لمحمد بن عبد الوهاب متعة أخرى اسمها آسية من يهود شيراز في أصفهان ومن عملاء الوزارة أجمل وأكثر أنوثة وعاطفة من صفية، وأنه قضى معها أسعد ساعات العمر .

    وكان نتيجة سيطرتنا نحن الأربعة أنه طُبخ كأفضل ما يمكن لما يرجى منه في المستقبل»*(46)

    وكانت المرحلة الأخيرة عندما تكلمنا مع ابن عبد الوهاب بصراحة وقبل الرجل العرض على شرط أن نحفظه من الحكومات والعلماء الذين لابد أن يهاجموه بكافة السبل، حينما يبدي آراءه وأفكاره وأن نزوده بالمال الكافي والسلاح إذا اقتضى الأمر، وأن نجعل له إمارة ولو صغيرة على أطراف بلده نجد، وقد قبلت الوزارة كل ذلك مقابل:

   ـ تكفير كل المسلمين وإباحة قتلهم، وسلب أموالهم، وهتك أعراضهم، وبيعهم في سوق النخاسة .

   ـ هدم الكعبة بزعم أنها آثار وثنية .

   ـ السعي لخلع طاعة الخليفة، ومحاربة « أشراف الحجاز»، والتقليل من شأنهم .

   ـ هدم القباب والأضرحة والأماكن المقدسة للمسلمين باسم أنها وثنية وشرك، وإساءة الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم بوصف قبره بما لا يليق .

   ـ نشر الفوضى والإرهاب في البلاد .

   ـ نشر قرآن فيه تعديل بما يتوافق مع الأحاديث الموضوعة بما فيها من اختلاق أو زيادة أو نقصان .

    .. إلا أن ابن عبد الوهاب بعد سنوات عاد واستبعد أمرين لعدم مقدرته عليهما، وهما هدم الكعبة، والتعديل في القرآن.

   بعد سنوات من العمل تمكنت الوزارة من جانب محمد بن سعود فأرسلوا إليه رسولاً يبين لي ذلك، ويظهر وجوب التعاون بين المحمدين بين محمد بن عبد الوهاب « الدين» ومحمد بن سعود « السلطة ».*(47) ليتحقق لقاء « الأمير » و « الفقيه » في عام 1845 .

    تلك قصة الدولة السعودية الأولى التي تصدت للجانب العسكري والسياسي منها حملات عسكرية مصرية، وتصدى للجانب الديني والفقهي علماء مكة والمدينة المنورة الذين أرسلوا مكاتبة من مكة إلى محمد عليّ بتاريخ آخر المحرم من سنة 1228 هـ الموافق 2 فبراير 1813 يشكرونه على تخليصهم من هؤلاء الخوارج ( الوهابيين ) الذين منعوا فريضة الحج لثلاث سنوات ومنعوا الحجيج من الوصول لبيت الله الحرام وقبر النبي صلى الله عليه الصلاة والسلام، وقتلوا آلاف الحجاج بملابس الإحرام، وقد ظل محمد عليّ لهم بالمرصاد في ظل الوجود العسكري المصري بالحجاز حتى قضى عليهم، وأرسل مفاتيح مكة المكرمة مع ولده إسماعيل باشا إلى السلطان العثماني محمود الثاني الذي نزل من قصره لاستقبال الفتى (15سنة) تعبيراً عن الغبطة والامتنان، وقد تصدى شقيق محمد بن عبد الوهاب الشيخ سليمان بن عبد الوهاب بتفنيد مزاعم شقيقه التي يغلب عليها طابع النقل في رسالة من مائة صفحة بعنوان: « الصواعق الإلهية في الرد على الوهابية»*(48) أبرز ما جاء في رسالة الشيخ سليمان بن عبد الوهاب أمران :

    1 ـ أنه يعيب على أخيه تكفير الأمة بتمامها، بتوظيف آيات نزلت في الكافرين، وإسباغها على المسلمين من أهل السنة والجماعة .

     2 ـ أنه يأخذ على أخيه عدم التمتع بشروط الاجتهاد؛ فالمجتهد يتحلى بخصال معروفة من معرفة باللغة والعلم بجميع أصنافه والورع والصدق*(49)

   وكانت الدولة السعودية الثانية ( 1823 ـ 1890 )، ولم يولها أحد اهتماما فقهيا، ولم ينبر العلماء معها في سجال فقهي؛ فقد كانت حدثاً تافهاً بعد أن ولدت ضعيفة ولم تتعد حدودها نجد، وإن كان محمد عليّ قد جعلها تحت بصر قواته، وخصها بضرباتها الموجعة والمتوالية .

   ثم كانت الدولة السعودية الثالثة (1926 ـ 1932 ) والتي مازالت قائمة حتى الآن، والتي قامت بدعم من الإنجليز؛ للتنصل من وعودهم للشريف حسين الذي بدأ الانجليز المفاوضات مع الشريف حسين في أغسطس 1915 فوعدوه إن هو ثار على الأتراك ووقف إلى جانبهم أن يمدوه بكل ما يحتاج ويعترفوا باستقلال البلاد العربية ونقل الخلافة الإسلامية إلى العرب، فقام بإعلان ما أسماه « الثورة العربية » في حركة مسرحية يوم 10 يونيو 1916 بإطلاق طلقة من بندقيته من نافذة غرفته على ثكنة جرول العسكرية . بينما كانوا يقومون بتقسيم البلاد التي اتفقوا معه على استقلالها مع الفرنسيين في اتفاقية سايكس ـ بيكو، وذهبوا إلى أبعد من ذلك فأشركوا معهم الصهاينة بإعطائهم وطناً في فلسطين وشرعوا في إقامته !!

    كان الشريف حسين ألعوبة في أيديهم بحيث أنه أصبح لا يستطيع المضي، ولا يستطيع التراجع، فاستبدله الإنجليز بحليفهم القوي ابن سعود، ونثروا فوق رأس الشريف حسين الفتات، وفي النهاية مات ذليلاً منفياً !! .
    يحاول الانجليز وورثتهم الأمريكان والإعلام الصهيوني كتابة تاريخ «الثورة العربية» من خلال أكاذيب ضابط استخبارات إنجليزي يدعى ت . أ . لورانس من خلال ما كتبه عن نفسه في كتابين أحدهما بعنوان: « ثورة الصحراء »، والآخر بعنوان: « أعمدة الحكمة السبعة »، ولورانس هذا رجل تافه، فلم يكن له دور محوري في حدث سوى أنه كان مطية لبعض البدو المولعين بـ «عشق الغلمان»، ويعترف لورانس بإتيان الفاحشة في إحدى مكاتباته إلى رئيسه في وزارة المستعمرات البريطانية بقوله:

    « تصور أنني أصبحت أشبه بعاهرة، وتخيل أنني أصبحت أضع نفسي تحت تصرف (الجنس الأسمر ) أبيع نفسي»*(50)

   حاول لورانس أن يوحي بأن الثورة العربية لم تكن سوى تجمعات بدو لا يستطيعون التفكير بحرية واستقلال بعيداً عن الذهب الذي ينثره عليهم لورانس .. أسباب كثيرة وراء تجدد الدعاية للورانس في الستينيات من القرن الماضي، وإنتاج فيلم أمريكي ضخم بعنوان « لورانس العرب »  بطولة اليهودي المصري ميشيل شلهوب المُسمى «عمر الشريف»، كان من أهمها أن الإنجليز أرادوا التغطية على خيانتهم لحلفائهم العرب، وكذلك أراد الصهاينة بعد هزيمة يونيو 1967 تصوير العرب على أنهم شراذم من الهمج المتوحشين، وقد انساقت بعض الصحف العربية في الدعاية للورانس مثل مجلة «المصور» و«جريدة الأهرام» .

    يقول السلطان عبد الحميد الثاني في مذكراته : « ذات يوم قابلني السفير الإنجليزي في استانبول، وطلب مني تصريحا بالتنقيب عن الآثار على نفقة الحكومة الإنجليزية وفوق هذا فإن ما يعثرون عليه من الآثار التاريخية سيتركونه لنا دون مقابل .

    وبعد فترة جاء السفير ومعه سيف مكسور مرصع بالمجوهرات، قال إنه أحد المكتشفات، وبعرض السيف على المختصين تبين أنه مزيف وليس أثراً!!

   ولم يكن غرض الإنجليز التنقيب عن آثار بل كان بحثاً عن البترول الذي ظهر في الموصل وبغداد وبعد فترة جاءني السفير قال لي: إن قسما كبيراً من أراضي سوريا والحجاز عبارة عن صحراء والمعاناة شديدة من العطش لعدم وجود الماء ـ وإذا أصدرت موافقتي ـ فإن الحكومة الإنجليزية مستعدة باسم الإنسانية أن تفتح آبارا هناك ولكن لهذا شروطا: إذا تم العثور على الماء وتكونت واحات فإنهم سيتركون استخدام الماء الذي سيخرج للأهالي، ولكنهم في هذه الحالة يصبحون أصحاب الماء .. أن مسألة الاتفاق ذاته لا تسير كما أريد .ورفضت الاقتراح ولم أكتف بهذا، بل أغلقت رسمياً الآبار التي فتحوها في الموصل وبغداد .

    تأثر الإنجليز أبلغ التأثر بهذا وغضبوا وتركوا الآبار كما هي، ولكنهم بدأوا يأخذون على عاتقهم التحرش بمسألة الخلافة، متخذين من جمال الدين الأفغاني وسيلة لمآربهم، كما كانوا يريدون الوصول إلى غايتهم باحتواء أمير الحجاز .. رفضت الاقتراح .. منعت البترول عن الإنجليز فأثاروا مسألة الخلافة العربية، وراحت الصحف الإنجليزية تتحدث عن مسألة سيطرة بريطانيا على مدن المسلمين المقدسة في مكة والمدينة».* (51)

التثليث في المسيحية :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    وكما دخل التثليث إلى بعض الفرق التي تدعي زورا نسبا إلى الإسلام، فقد سبقتهم النصرانية الموحدة التي اُنزلت على عيسى عليه السلام إلى التثليث بما حرفها وأفسدها وأدخلها في دائرة الوثنية.

   والتثليث بصفة عامة لم يخرج من الفراغ، فله بعض الجذور في المعتقدات الفرعونية والبابلية والآشورية والهندية، وكانت تلك الجذور تنطوي على أسطورة « عبادة البطل»؛ فكان البطل إذا تزوج رفعت الزوجة إلى جواره؛ فإذا أنجب رفع الابن إلى جوارهما ليصيرا ثلاثة، والأسطورة هي إضفاء الحيوية الطبيعية على الأشياء لإيجاد عنصر السببية بين الظواهر ومسبباتها في إطار من التفكير الخرافي ؟!!، .. ولكن كيف دخل «التثليث» إلى المسيحية ؟!.
    يصور ابن اسحاق اختلاف النصارى حول طبيعة المسيح فيقول : جاء وفد من نجران إلى رسول الله منهم أبو حارثة بن علقمة، والعاقب عبد المسيح، والأبهم السيد وهم على النصرانية يقولون عن المسيح: هو الله، ويقولون هو ولد الله، ويقولون هو ثالث ثلاثة، والقائلون إنه هو الله يحتجون في قولهم بأنه يحيي الموتى، ويبرئ الأسقام ويخبر بالغيوب، ويخلق من الطين كهيئة الطير ثم ينفخ فيه فيصير طائراً، ويحتج القائلون إنه « ولد الله» بأنه لم يكن له أب يعلمه، وقد تكلم في المهد، وهذا لم يصنعه أحد من ولد آدم قبله، ويحتج القائلون إنه « ثالث ثلاثة »إن الله يقول: « فعلنا وأمرنا وخلقنا»، ويقولون لو كان واحداً ما قال إلا « فعلت وأمرت وخلقت» ولكنه هو وعيسى ومريم .* (52)

   قبل أن نتحدث عن المسيحية في انحرافاتها وتحريفاتها، يجب أن نفرق بين النصرانية كدين سماوي منزّل بكتاب، وبين المسيحية التي وضعها وأسس لها شاؤول المسمى «بولس»، وبين «المسيحية السياسية» التي يتخذها الاستعمار لربط الشعوب المستهدفة بالتبشير بعجلة الغرب المسيحي؛ فالنصرانية ديانة لتقويم اعوجاج بني إسرائيل، وجاءت لتحارب اتجاهين تأصلا عند اليهود وهما دعوة المسيح في إصلاح اليهود* (53):

   1ـ شغفهم بالمادة وإهمالهم الناحية الروحية فيهم .

   2 ـ ادعاؤهم أنهم شعب الله المختار، وادعاء أحبارهم أنهم الصلة بين الله والناس، وبدونهم لا تتم الصلة بين الخالق والمخلوق .*(54)

   لذا فقد خلت النصرانية من التشريعات وحفلت بالأخلاقيات
    
   فالنصرانية ليست دعوة أممية ولكنها دعوة إلى بني إسرائيل، وأن المسيح لم يأمر أتباعه بأن يبشروا بالنصرانية خارج بني إسرائيل :
    ( هؤلاء الاثنا عشر أرسلهم يسوع وأوصاهم قائلاً: إلى طريق أمم لا تمضوا، إلى مدينة السامريين لا تدخلوا، بل اذهبوا بالحري إلى خراف بيت إسرائيل الضالة ) *(55)

    فقد جاء في متى ما نصه:

   « ثم خرج يسوع من هناك وانصرف إلى نواحي صور وصيدا، وإذا امرأة كنعانية خارجة من تلك التخوم صرخت قائلة: ارحمني يا سيد يا ابن داود، ابنتي مجنونة جداً. فلم يجبها . فتقدم تلاميذه وطلبوا إليه قائلين: اصرفها لأنها تصيح وراءنا . فأجاب وقال: لم أرسل إلا إلى خراف بني إسرائيل الضالة» *(56)

    ولليهود رأي في المسيح النبي المُرسل إليهم؛ فقد خلت الكتب اليهودية تماما من أي إشارة لعيسى؛ فعيسى عليه السلام من وجهة نظرهم ـ إن صح وجوده ـ رجل عادي كفر بدعوتهم فقتلوه، ولا يستحق بعد ذلك أي ذكر، إضافة إلى وصف السيدة مريم بما لا يليق!!

    سجلت النصرانية أول انحرافاتها وتحريفاتها على يد شاءول المسمى (بولس) اليهودي الذي أعلن تنصره، .. شاءول هذا يهودي روماني من الفريسيين إحدى طبقات اليهود العليا الذي لم يرَ عيسى ولا سمعه، وقد كان في أول عهده أكبر أعداء النصارى فأنزل بهم ألوانا من الاضطهاد لكنه ادعى التحول إلى المسيحية عبر اختلاق أسطورة رؤية المسيح:

    يقول لوقا عن دخول شاؤول المسمى بولس إلى النصرانية :

   « وعندما كان بولس في الطريق من أورشليم إلى دمشق وعندما أصبح قريبا من دمشق وكان ذلك في حوالى سنة 38 م، فبغتة أبرق نور من السماء فسقط على الأرض، وسمع صوتا قائلاً شاءول .. شاءول لماذا تضطهدني ؟ فقال: من أنت يا سيد ؟ فقال الرب: أنا يسوع الذي تضطهده . فقال وهو مرتعد متحير: يا رب ماذا تريد أن أفعل؟ فقال له: قم وكرز بالمسيحية» . يقول لوقا في ختام هذه القصة: « وللوقت جعل يكرز في المجامع بالمسيح أن هذا هو ابن الله»* (57) .

   وانحرف بولس بولس ودوره بالنصرانية بنقلها من دين خاص باليهود إلى دين عالمي.

   أما كيف تعلم شاءول المسيحية، ولا كيف أتى بالإنجيل الذي بشر؛ بعد اختفاء الإنجيل الكتاب المنزل على عيسى عليه السلام، والذي يرى بعض الباحثين أنه عمل مقصود؛ لأنه جاء مبشراً بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، وكما يعتقد هؤلاء الباحثون أن اختفاء هذا الإنجيل مهد للتزيد والحذف والتحريف في تعاليم الديانة المسيحية، فانهارت أسسها وضاعت معالمها كديانة سماوية، وأن شاءول أعد بنفسه الجواب على تحريف كتاب المسيحية المنزّل على عيسى عليه السلام من خلال قصة شبيهة بدخوله النصرانية فقال :

   « أعرفكم أيها الإخوة، أن الإنجيل الذي بشرت به أنه ليس بحسب إنسان لأني لم أقبله من عند إنسان، ولا علّمته من إنسان، بل بإعلان يسوع المسيح ».

   هكذا أخذ شاءول الزمام بيده، فهو لم ير المسيح قط ولا سمعه يتكلم، ولكنه قال بصلة مباشرة بينه وبين المسيح، صلة أدخلته النصرانية، وسكبت في نفسه تعاليم جديدة، وبذا لم يصر لأحد الحق في أن يعارضه، وأصبح له الحق في أن يضيف ويحذف فكانت المسيحية المحرفة بكل تناقضاتها؛ فالمسيحية هي مسيحية شاءول وليست نصرانية عيسى عليه السلام، هكذا استطاع بولس طمس الديانة التي جاء بها عيسى وصياغة ديانة جديدة من الخرافات والوثنيات التي ورثها من الديانات القديمة، والأناجيل التي خلفها عبارة عن كتابات بشرية كتبها أناس مختلفون في عصور مختلفة، وقد تبين أن أحداً من كتبة الأناجيل لم يرَ المسيح، وأن رواياتهم عنه مما سمعوه أو ما فسروه من الكتابات القديمة، وقد تم نقلها بالتواتر شفاهة لفترات طويلة، بما للشفاهية من مرونة وتميع وتشوش، قبل أن يتم تدوينها بما يحفظها بثبات، وأن الأدلة العلمية قائمة وثابتة على تحريف الكتاب المقدس بعهديه (العهد القديم ـ العهد الجديد )* (58)؛ فلا توجد نسخة واحدة من الإنجيل الذي أُنزل على عيسى عليه السلام بالآرامية، والأناجيل الأربعة المعتمدة من الكنيسة مشكوك في صحتها لكون تاريخ كتابتها متأخر عن عصر المسيح عليه السلام وتاريخ رفعه ؛ فأقدم الأناجيل كما تذكر الموسوعة البريطانية هو إنجيل مرقس الذي كتب بين سنة 65 م وسنة 70 م أي بعد 30 سنة من رفع المسيح .

   ـ وإنجيل متي كتب مابين سنة 70 م وسنة 80 م .

   ـ وإنجيل لوقا كتب سنة 80 م .

   ـ أما إنجيل يوحنا فكتب في نهاية القرن الميلادي الأول أى سنة 100 م .

   إن الأصول الأولى لكل الأناجيل قد فقدت وأقدم المخطوطات لتلك الأناجيل يفصل بينها وبين عصر المسيح ومن نسبت إليهم الأناجيل ما يقرب من ثلثمائة سنة .

   يقول د . موريس بوكاي : « فإننا لا نملك أي شهادة لشاهد عيان لحياة المسيح ، وهذا خلافا لما يتصورة كثير من المسيحيين ».

    ولا توجد نسخة واحدة من التوراة التي أُنزلت على موسى بالهيروغليفية، عاش موسى عليه السلام، ومات في القرن الثالث عشر قبل الميلاد بينما كان أول تدوين لأسفار العهد القديم على يدى « عزرا » في منتصف القرن الخامس قبل الميلاد وهو مايعني أن اللتراث اليهودي ظل تراثاً شفهيا لمدة ثمانية قرون، والنسخة العبرية من التوراة ترجع إلى القرن العاشر الميلادي، والنسخة السبعينية بها إخطاء وتناقضات كثيرة، فاليهودية الحالية ليست الديانة السماوية التي أُنزلت على موسى عليه السلام لكنها اليهودية التي أسسها عزرا،  والمسيحية الحالية ليست الديانة السماوية التي أُنزلت على عيسى عليه السلام لكنها المسيحية التي أسسها شاؤول المسمى «بولس»؛ وهو ما دفع القائمين على الكنيسة إلى نسخ أساطير حول شخصية عيسى عليه السلام، ووضعت المؤلفات العديدة منها أسفار العهد الجديد ـ الأناجيل الأربعة، ـ ورسائل الرسل!!.
   
   وبعد أن أعلن شاءول المسمى « بولس »  فكره الذي يتنافى مع النصرانية نفر منه زملاؤه وتلاميذه ولم يبق منهم إلا لوقا، وكتب لوقا رسالة أعمال الرسل التي هي في الحقيقة قصة حياة بولس، وكلها وصف وإشادة بمعجزاته .

    وكان عماد الديانة التي ابتدعها بولس أربعة:

   1ـ أن المسيحية ليست دينا لبني إسرائيل فقط، بل هي دين عالمي.

   2ـ التثليث ويتبع ذلك ألوهية المسيح وألوهية الروح القدس.

   3 ـ كون عيسى ابن الله ونزوله ليضحي بنفسه تكفيرا عن خطيئة البشر.

   4 ـ قيامة عيسى من الأموات وصعوده ليجلس يمين أبيه كما كان قبل ليحكم ويدين البشر.


   وبناء عليه عقدوا المجامع وكان أولها المجمع الأورشليمي 45 م، وفي هذا المجمع اتفق بولس وبطرس على نسخ النصرانية التي جاء بها عيسى عليه السلام؛ فأحلوا أكل الخنزير وشرب الخمر وإلغاء الختان، وفيه نوقش «قبول الأمم الأخرى في الإيمان»، وقرر قبول غيرهم من الأمم في الدخول في النصرانية مع تخفيف أحكام الشرائع مدعين أن ذلك إلهام من الروح القدس بحيث لا يحرم عليهم إلا أربعة أشياء: « تحريم الأكل مما ذبح للأصنام، وتحريم الدم، والحيوان الذي مات مخنوقاً، وحرمة الزنا»  .

    ويرى كثير من الباحثين أن عداوة بولس للمسيحية هي التي دفعته ليتظاهر بالدخول فيها؛ ليستمر في حربها بسلاح جديد، سلاح التهديم من الداخل وطمس معالمها ومسخها، فهو قد دخلها ليأخذ من اعتناقه الظاهري سلاحا يطعنها به، ومثل هذا كثير في تاريخ الأديان وفي الإسلام كثيرون ومن أشهرهم عبد الله بن سبأ .

  .. وبرغم عداء بولس للنصارى والنصرانية إلا أن الكنيسة تعتبره رسولها الأول، ويطلقون عليه رسول الجهاد مع أنه لم يلتق بالمسيح، ولم يصاحب تلاميذه، بل كان على خلاف دائم معهم بسبب نشره لفكره الإلحادي الذي يخالف تعاليم المسيح؛ فـ «بولس» هو الذي ألغى الختان، وهو أول من قال بألوهية المسيح وبنوته، وهو الذي قال بصلب المسيح من أجل الفداء عن خطيئة آدم، ولقد ضمن بولس تعاليمه التي أدخلها بولس على النصرانية في رسائله والتي تمثل القسم التعليمي في العهد الجديد .

   وفي مطلع القرن الرابع أصدر الإمبراطور قسطنطين مراسيم التسامح سنة 311 و313 قسطنطين، ثم دخل المسيحية بعد ذلك بعشر سنوات، وبه قويت المسيحية لكنها لم تكن نصرانية عيسى، بل مسيحية بولس، هذه المسيحية التي ابتدعت أشياء لا يرضى بها النصارى الموحدون كألوهية المسيح والتثليث، واستمرت الكنيسة في خلق البدع وابتكار الخرافات كالعشاء الرباني وغفران الذنوب، أي أن قسطنطين قضى على البقية الباقية حتى أصبحت النصرانية مزيجا من الخرافات اليونانية والوثنية الرومية والأفلاطونية المصرية واليهودية المحرفة، وأصبحت ديانة وثنية لا تمت إلى المسيح عليه السلام بصلة .

الكنيسة:
ــــــــــــــ

   يزعم المسيحيون أن عيسى عليه السلام هو المؤسس الأول للكنيسة، ويربطون بين الكنيسة والمسيح برباط وثيق، ويزعمون أن المسيح جاء لبطرس في المنام وقال له: (قم يا بطرس وابن على هذه الصخرة كنيستي).

    ويرد على هذا الزعم شارل جينيبير أحد مؤرخي المسيحية بقوله:
    « إن المسيح لم ينشئ الكنيسة ولم يردها، بل إنه لم يكن ليعمل فكره لحظة واحدة في رسم خطوط ما نسميه بـ»الكنيسة «وكلك الحواريون: ساروا على ما سار عليه المسيح ولم يفكروا في إنشاء الكنيسة، بل ظلوا على إخلاصهم للدين وداوموا بكل دقة على شعائره مؤمنين أيضا بأن المستقبل لمملكة الله وليس لكنيسة ما » *(59)
   ويعرف الأنبا صموائيل الكنيسة بقوله:

   ( هي جسد المسيح .. هي استمرار التجسيد الإلهي، بها أصبحنا شركاء الطبيعة الإلهية، أي نأخذ من صفات الله ).* (60)

   وبمثل هذا التعريف، وتعريفات أخرى مماثلة أعطت الكنيسة لنفسها سلطة الشراكة في الطبيعة الإلهية، وهو كلام لا ينطلي على المجانين، وأصبح لها حق التشريع لأتباعها مادام رجال الكنيسة هم خلفاء الرسل والمسيح ومؤيدون ـ طبقا لمزاعمهم بالروح القدس ومعصومون من الخطايا!! وبدأ التلاعب بمشاعر البسطاء من خلال مصطلحات البركة و «سرار الكنيسة».

    وأسرار الكنيسة لم تظهر لم تظهر إلا في القرن 2 ولم تظهر مرة واحدة بل ظهرت على مراحل مختلفة ولأهواء شخصية بغرض إعادة الثقة بين الكنيسة وأتباعها من النصارى، وكلما فقدت الكنيسة بين أتباعها جاء رجالها بسر من الأسرار مدعين أن الروح القدس ألهمهم به من أجل الثقة المفقودة، أي الأسرار لم تظهر مرة واحدة، والسر في التعريف الكنسي هو نوال نعمة غير منظورة عن طريق أشياء منظورة مثل الماء أو الدهن أو الزيت أو الطيب أو الخبز أو الخمر .

      يذكر عوض سمعان: ( أن الأسرار بلغت 12 في القرن التاسع، ثم 30 في القرن العاشر، وبعد ذلك اختصروها إلى 7 أسرار باعتبار السبعة عدداً كاملاً).* (61)
     وأسرار الكنيسة السبعة هي :

1 ـ المعمودية:
ــــــــــــــــــــــــ
    وهي الغمر بالماء أو الرش به ويرى المسيحيون أنها بديل الختان، ولا يعمد البشر فقط بل تعمد الجمادات المصانع والسيارات والمساكن، وهي رمز للنقاوة والانخراط في طائفة ما !! وقد تم تعميد المسيح من قبل يوحنا المعمدان «يحيى بن زكريا عليهما السلام» لكن المسيح لم يعمد تلاميذه !!

2 ـ سر مسحة زيت «الميرون»:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   « الميرون »  كلمة يونانية، وتعني « الطيب» ، وهو سر ينال به الذي تم تعميده مواهب الروح القدس لتثبيته في الإيمان وتقويته في النعمة ونموه في الحياة الروحية، وهذه النعمة غير المنظورة تمنحها الكنيسة على يد كهنتها بمسح المعمد بدهن الميرون تشبهاً بالحنوط والطيب الذي دهن به المسيح وقد اقتسمها الرسل وتوارثها آباء الكنيسة عن الرسل.

    ويذهب بعض رجال الكهنوت إلى أن بعض رسل المسيح حفظوا الحنوط الذي كان على جسده وقت دفنه مع الحنوط الذي أحضرته النسوة وأذابوه في زيت الزيتون ووزعوه على الكنائس؛ فكانوا يدهنون به من يتعمد من النصارى .

   وزيت «الميرون» يتكون من 27 صنفا من العطور والأعشاب، وورد في بعض المصادر 30 .


3ـ العشاء الرباني ( الأفخارستيا ) أو سر التناول:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    والعشاء الرباني مكون من الخبز والخمر زاعمين أن الخبز يتحول إلى جسد المسيح والخمر يصير دمه !!

    ترى الكنيسة البروتستانتية أن فكرة الاستحالة مرفوضة لأنها تواجه عقبات إنجيلية، كما أنها مضادة للحس؛ إذ إن الحس يشهد ببقاء الخبز والخمر على ما هما عليه دون تغيير «فالخبز لا زال خبز بشهادة البصر والذوق والشم واللمس، وإذا ترك الخبز فسد كالخبز العادي وكذلك الخمر؛ إنه ليس في قدرة مخلوق كائنا من كان أن يبتدع نظرية خاصة بالمسيح لا يمكن أن يسندها إلى وحي أو عقل أو قياس، ولهذه الأسباب لا تقبل الكنائس البروتستانتية فكرة الاستحالة ».

   بينما يرى شارل جنيبير أن العشاء الرباني دخل إلى المسيحية ضمن ما دخلها من الشعائر الوثنية، وأن العشاء الرباني أُخذ عن الأديان (الطبيعة: البشرية المصدر والتعاليم) السابقة للمسيحية .

   وقد كتب البابا شنودة الثالث ، حول سر الأفخارستيا ، لرد على بعض المشاغبين من شباب الأقباط وسؤالهم التقليدي : هل دخل الشيطان ‘لى يهوذا خائن المسيح بعد تناول العشاء أم قبله ؟! .. إجابات البابا شنودة الثالث لم تضف جديداً !!. * (62)

 4ـ سر التوبة:
ــــــــــــــــــــــــ

   وهو اعتراف الإنسان بالذنب أمام الكاهن الذي يمارس طقوس سر التوبة، والتوبة طبقاً لما قال به البابا شنودة ـ لا تقبل إلا بوجود طرفين يشتركان فيها، الأول التائب الذي ارتكب الذنب والثاني الكاهن الذي يعترف المذنب أمامه ويقوم بتحليله من الخطيئة ومنحه الغفران.

    ورغم ما أفرزته خلوة الاعتراف من كوارث وضعت الكنيسة في حرج أمام شعبها وأمام حكومة دولتها، وأجبرت رئيس الدولة آنذاك على التدخل لنزع فتيل الأزمة؛ فإن الكنيسة مازالت مصرة عليها؛ فقد كشفت جريدة «النبأ»* (63) عن انحراف ـ طبقا لشريط فيديو ـ يكشف عن وطأ الراهب المشلوح برسوم المحروقي لـ 5000 سيدة مسيحية من المترددات على الدير عرف منذ القدم باسم دير «السيدة العذراء» واشتهر بـ «دير المحرق» وأيضاً بـ «دير جبل قسقام»، وهذا الدير - الذي يقع في القوصية بأسيوط جنوبي مصر- يعد من أكثر الأماكن قدسية لدى الأقباط؛ حيث تقول مراجع دينية وتاريخية في رحلة العائلة المقدسة إن «العائلة المقدسة» مكثت بين جدرانه ستة أشهر أثناء قدومها إلى مصر.

   الغريب في الأمر هو عدم احتجاج الأقباط على الكنيسة، بل جاء سلوكهم في الاتجاه الآخر النيل من « حرية الصحافة » التي كشفت انحراف بعض رجال الكنيسة .. ولم تفلح محاولات الكنيسة للتشكيك في صحة شريط الفيديو؛ فقد كان ضمن أحراز القضية رقم 765/ 2001 حصر أمن دولة قبل أن تنشر الجريدة الواقعة بأسبوعين .

   كما بدعة «صكوك الغفران » بدعة لا يقبلها عقل، وهى شكل من أشكال الاحتيال، والتي اتخذت أشكالا أخرى في صورة زكاة العشور والبواكير والنذور التي لم ترد بنص، ولم به يقل السيد المسيح عليه السلام!!

5 ـ مسحة المرضى:
ــــــــــــــــــــــــــــــــ

   إنه سر يمسح الكاهن بمقتضاه المريض بزيت مقدس ويستمد له الشفاء من الله روحياً وجسدياً .

   لم يجرؤ أحد من مثقفي الأقباط التصدي للخرافة التي تسمى بأسماء مختلفة منها: مسحة المرضى، مسحة الزيت، مسحة القنديل، المسحة المقدسة، مسحة الصلاة، ومنهم كثيرون مارسوا مهمة النقد الأدبي، وأشادوا بنقد تلك الفكرة عندما كتب عنها يحيى حقي في روايته بعنوان: «قنديل أم هاشم» . . والسبب في ذلك هو «الحرمان الكنسي»  المعلق فوق رؤوسهم، والذي أصيب بلعنته الدكتور نظمي لوقا عند موته مؤلف كتاب «محمد، الرسالة و الرسول» برفض الكنائس الصلاة عليه، وظلت زوجته الزميلة الأستاذة صوفي عبدالله تطوف بجثمانه على الكنائس التي رفضت الصلاة عليه إنفاذاً للإرادة الباباوية، إلى أن وجدت من يرق لحالها، ويقبل القيام بالصلاة عليه، وموسى صبري الذي عارض الكثير من ممارسات البابا شنودة السياسية، وعند موته ارتأى البابا شنودة حرمانه من الصلاة عليه لولا تدخل القيادة السياسية مهددة بما يحرج الكنيسة؛ بالتهديد أنه إذا استمرت الكنيسة في عنتها فسوف تقوم إحدى الجهات بإعلان أن الأستاذ موسى صبري قد أسلم، وبناء عليه يتم دعوة الدكتور أحمد عمر هاشم للصلاة عليه في أحد مساجد الكبرى بالقاهرة؛ وهو ما أصاب القائمين على أمر الكنيسة بالرعب؛ فسارعوا للصلاة عليه، وإنهاء الأزمة !! لكن الكنيسة قد نجحت في إنفاذ وعيدها بالحرمان الكنسي للقس إبراهيم عبد السيد مؤلف كتاب بعنوان: «أموال الكنيسة القبطية .. من يدفع؟! ومن يقبض؟!»، والتي توسطت الأجهزة لدى بعض الجهات الأمنية والمؤسسات الصحفية والمطابع لمنع طباعته ونشره، وهو ما يؤكد أن دعاوى التسامح في المسيحية لا وجود لها في الواقع، فالكنيسة لا تتسامح مع المختلفين معها ومع العابرين من المسيحية إلى الإسلام، وتمارس أبشع ألوان الانتقام الوحشي منهم من تضييق في الرزق، والحرمان الكنسي، والتعذيب، وعمليات غسيل الدماغ القذرة والتي تسمى بـ «جلسات النصح» ، والاحتجاز الأبدي بين جدران الأديرة حتى الموت (حالة السيدة وفاء قسطنطين والسيدة كامليا شحاتة) مثالان.

 6ـ سر الزواج:
ـــــــــــــــــــــــــ

    وهو سر تمنح بمقتضاه النعمة الإلهية بواسطة كاهن الصلاة على الزوجين اللذين ارتبطا علنا أمام الكنيسة بوعد كل منهما للآخر بحفظ الأمانة وصون العهد .

   وتصر الكنيسة على أن الزواج سر من أسرارها وبدون صلاة الكاهن على الزوجين تصبح العلاقة بدون إكليل هي علاقة « زنا »، وتصر الكنيسة على إنكار أن المسيح في العرس الوحيد الذي حضره، وهو عرس قانا لم يقم بشيء من تلك الطقوس !!

    وتنكر الكنيسة أيضا تعدد الزوجات في المسيحية، والحق في إيقاع الطلاق، والزواج الثاني أمور كلها لم يكن هناك خلاف عليها حتى وقت قريب، وسجلات المحاكم المصرية الشرعية والمحاكم المختلطة خير شاهد على ذلك، وهو السبب الرئيس لمحاولة البعض التخلص من تلك السجلات*(64)

   كان من أهم مظاهر التلاعب بـ «وعي الأقباط» أثناء اعتراض البعض على عدم منح الكنيسة لهم تصريحا بـ « الزواج الثاني» تنفيذاً لأحكام القضاء، وفي تحد لأحكام القضاء وسلطة الدولة ادعى البابا شنودة أن «الروح القدس» تؤيده في قراراته، ففي أثناء إلقاء عظة بمدينة الإسكندرية أطلق البعض من ركن في القاعة حمامة بيضاء؛ ليتوقف البابا عن الكلام لبرهة بعدها يقول: « كلكم تعرفون أن الحمام لا يطير في هذا الوقت .. وأظنكم أيضا تعرفون المغزى والرمز »  في إشارة منه لقصة الحمامة التي خرجت من النهر بعد تعميد يحيى بن زكريا لعيسى بن مريم عليهما السلام في نهر الأردن .. أسلوب البابا شنودة في التلاعب ـ في تلك الواقعة ـ معروف لأولئك الذين يمارسون هذا النوع من التلاعب؛ فيبدأ المتلاعب بإرسال الرمز، ويتبعه بالخبر الذي يريده وهو واثق من تلقي المستهدفين بالتلاعب من التصديق .

   هكذا استخدم البابا « لعبة الحمائم »؛ فلعبة الحمائم والأضواء لعبة تجيدها الكنيسة منذ أيام «تجليات» العذراء في الزيتون إلى لعبة إحضار رفات « القديس مرقس»!!

7 ـ سر الكهنوت:
ـــــــــــــــــــــــــــــ

    وهو عمل مقدس به يضع الأسقف يده على رأس الشخص المنتخب، ويطلب من أجله فينال النعمة الإلهية التي ترفعه إلى إحدى درجات الكهنوت .

    والرهبنة ليست ابتكاراً مسيحياً كما تدعي الكنيسة؛ فقد أثبتت «مخطوطات البحر الميت»  أن مجموعة من نُساك اليهود الذين يطلق عليهم الإسنيين قد عاشت حياة الرهبنة قبل مولد المسيح بمائة عام، وكانت تعيش في منطقة قمران، وكانت هذه الجماعة على علاقة بتلاميذ النبي أشعيا .* (65)

   والكهنوت ضد الطبيعة الإنسانية؛ لكونه يعوق انطلاق تيار الطبيعة البشرية في وجهته المرسومة من قبل خالقه، وهو ما يظهر بوضوح في الجرائم اللا أخلاقية لرجال الإكليروس، والتي اعتذر عنها البابا بنديكتوس السادس عشر، وتحدث عن «العار والذل» الذي لحق بالكنيسة الكاثوليكية جرَّاء تلك الفضائح، والتي لخص أهمها في جرائم الاعتداء الجنسي على الأطفال و إجهاض القاصرات واغتصاب النساء !! وأقرَّ بـ « فشل الكنيسة الكاثوليكية بالتصرف بشكل حاسم وسريع بما يكفي للتعامل مع قضية القساوسة الذين يغتصبون ويستغلون الأطفال جنسيا»*.(66)

   والمسيحية المحرفة لا تخلو من عنصرية ظاهرة؛ وتكريس للانعزال المجتمعي، ففي كتاب «الدسقولية» الذي يسمى « تعاليم الرسل»، ويعد الكتاب الثاني في المسيحية بعد الكتاب المقدس وهو أشبه بـ «التلمود» عند اليهود يقول:

    « لتحفظوا أيضا ما تتفرغوا لما فيه هلاككم، أي أن تجتمعوا مع الأمم في مجامعهم؛ فإنه هلاك لكم وغواية . ليست لله شركة مع الشياطين »*(67).

وأيضا تحض «الدسقولية» على الانغلاق الفكري للمسيحيين وعدم التفاعل مع مجتمعاتهم بقولها:

 « لا يجوز لنا نحن المؤمنين أن نكون وقحين أو نبوح بالكلام السري، بل أن نكون ثابتين ببحث ( بيقين ) لأن الرب أمرنا قائلاً: «لا تلقوا جواهركم قدام الخنازير لئلا تدوسها بأرجلها، وتعود إليكم تمزقكم ».* (68)

   كانت هذه بعض انحرافات المسيحية التي تم تحريفها عن النصرانية التي أُنزلت على عيسى عليه السلام، والتي لا أصل لها ولا حقيقة، أما «المسيحية السياسية »، وهي تشبه الصهيونية، لكونها تجعل من المسيحية ديانة وقومية في الوقت ذاته؛ فقد كانت السبب في إساءة بعض القبط إلى إخوانهم في الوطن من المسلمين، ففي أثناء الحملات الصليبية على مصر أرشد بعض القبط القوات الصليبية إلى أماكن عبور النيل لدخول مدينة دمياط، وهو ما دفع المسلمين للانتقام من الخونة وهو ما تصوره الكتابات المسيحية على أنه نوع من الاضطهاد في الوطن؛ فغالبا ما تهمل الكتابات المسيحية توصيف الفعل ودوافعه، وتتولى تضخيم ردة الفعل بما يتوافق مع أغراضها !!

    يذكر ليبنيز في دراسة تقدير الموقف لغزو مصر بعنوان: «المخطوط السري لغزو مصر» والذي يعوّل فيه على الأقباط في إنجاح المشروع!!*(69)

   لذا فإن الوثائق الفرنسية لجيش الشرق تشير إلى أن بونابرت عندما قاد حملته على مصر كان في جعبته تجنيد 20 ألف رجل من أقليات الولايات العثمانية التي يفتحها، ولذا كون فرقة عسكرية من شباب القبط وكان يعقوب أداته المنفذة .

   يصف الجبرتي حالة استقواء القبط بالحملة الفرنسية قائلاً:

  « تطاولت النصارى من القبط والشوام على المسلمين بالسب، والضرب ونالوا منهم أغراضهم، وأظهروا حقدهم، ولم يبقوا للصلح مكانا، وصرحوا بانقضاء ملة المسلمين، وأيام الموحدين»* (70 )

   ويروي يعقوب نخلة روفيلة في فصل كامل من كتابه تاريخ الأمة القبطية عن علاقة يعقوب بالمماليك ثم الفرنسيين، وينفرد روفيلة بخبر حرمان الكنيسة للمعلم يعقوب من التناول؛ لأنه خرج عن تعاليم الكنيسة واتخذ له جارية غير زوجته تشبهاً بالمماليك، فضلا عن الشكاوى التي كانت تقدم للكنيسة من رعاياها من سوء معاملته .

كما يتفرد روفيلة بموقف الكنيسة الواضح من بعد تشكيل الفيلق القبطي، والذي اعتبرته تعاونا مع ممثل الكنيسة الكاثوليكية نابليون والذي ترى فيه الكنيسة أنه خروج على تعاليمها*. (71)

    وفي رواية أخرى أن يعقوب دخل الكنيسة بسلاحه راكباً حصانه طالباً التناول، وهو ما رفضته الكنيسة!!

    وهكذا يتضح بجلاء أن غضب الكنيسة على المعلم يعقوب لم يكن بدوافع وطنية، بل كان غضبة من أجل ذاتها، وتقاليدها الكنسية، وهو ما يدحض افتراءات البعض عن الدور الوطني والتاريخي للكنيسة آنذاك!!

    .. يحاول بعض المبشرين من أمثال د . لويس عوض تصوير المعلم يعقوب ابن حنا في صورة الرائد الذي سعى إلى استقلال مصر وإدخالها إلى مصاف الدول الحديثة هو كلام فضفاض، لم يستطع د. عوض أن يقيم عليه دليلاً* (72)، وهو ذات الكلام الذي ردده أحد الرجال المكلفين بنشر «ثقافة الكولينزم» وهو شفيق غربال في كتيبه بعنوان: « المعلم يعقوب والفارس لاسكاريس، ومشروع استقلال مصر عام 1801»  .. وكان غربال قد درس على أيدي المبشر أرنولد توينبي في جامعة لندن، وتشبع بآرائه التي راح ينقلها بعيداً عن حدود الكتابة التاريخية المنضبطة، وحدودها الصارمة !! *(73)

    وانضمت الكنيسة المصرية إلى مجلس الكنائس العالمي الذي يعد حظيرة أمريكية تابعة لـ C.I.A.، وراحت تستقوي بتلك التبعية في اصطدامها بالدولة، والتحرش بالمساجد بإقامة كنائس (بدون ترخيص) ملاصقة لها في مناطق ليس من بين سكانها قبطي واحد، والتصريحات المستفزة بأن المسلمين ضيوف على مصر، والطعن في الدين الإسلامي، والإساءة إلى النبي صلى الله عليه وسلم من خلال فضائيات تقوم ببث إرسالها من الكنائس والأديرة، والترويج لوهم «الدولة القبطية» الذي فضحه الأستاذ الدكتور حامد ربيع في سلسلة مقالات في جريدة الوفد بعنوان: «مصر والحرب القادمة»، وسلسلة أخرى من المقالات في مجلة «الأهرام الاقتصادي» بعنوان: « احتواء العقل المصري» . !!

    ومع ذلك لا تكف الكنيسة التي لم يعرفها المسيح عن التلاعب بوعي البسطاء؛ فقد انتهز بعض المسيحيين حالة الهزيمة النكراء التي حلت بجيشنا في 5 يونيو 1967 ومحاولات القيادة السياسية استرضاءهم على حساب الحق والإسلام؛ فلم يضيعوا الفرصة؛ فادعوا أن العذراء قد ظهرت في كنيسة الزيتون وأعادت الإبصار للعميان والقوة للكسيح * (74).

   .. وإمعانا في الملهاة، ذهب الرئيس جمال عبد الناصر، يقول مؤلف كتاب «البابا كيرلس وعبد الناصر»:

   ذهب عبد الناصر إلى الزيتون ومعه حسين الشافعي سكرتير المجلس الإسلامي آنذاك، ووقف في شرفة منزل أحمد زيدان تاجر الفاكهة، وكان منزله مواجها للكنيسة لكي يتحقق بنفسه من رؤية السيدة العذراء، وظل عبد الناصر ساهراً إلى أن ظهرت العذراء في الساعة الخامسة صباحاً*(75)

   ثم عادت جريدة « الأخبار» لتنشر قصة خيالية عن السيدة صوفي عطا الله التي كانت تود الذهاب لرؤية تجلي السيدة العذراء، لكن حالت ظروفها دون ذلك؛ فأجهشت بدموع الشوق للعذراء، وفي أثناء قيامها بنشر غسيل ملابسها، فوجئت بوجود صورة العذراء مطبوعة على الصينية التي كان بها الغسيل*(76)، .. وهي لعبة استخدام الكيمياء في الرسم على المعادن؛ وقد تحول المنزل إلى مزار لمشاهدة الصينية، والتبرك بها !! .
    كان رد الشارع المصري ساخراً من « تجليات العذراء» التي تم افتعالها للتغطية على تداعيات الهزيمة من خلال نكتة قصيرة نصها :

 « العذراء ظهرت في الزيتون، والمسيح ظهر في الجبنة !! ».

    وفي 19 مايو 1968 قتل وطئاً تحت الأقدام 15 شخصاً في زحام داخل كنيسة شبرا لرؤية « تجليات العذراء »؛ وبهذا الحدث توقف الباطل وخرس صوت الكذب؛ فلا نالوا بركة العذراء، ولا العذراء استطاعت أن تحميهم من الموت دهساً بالأقدام !!

   لم تكد تهدأ هوجة « تجليات العذراء »؛ حتى أدخلت الكنيسة شعبها في قصة استعادة رفات القديس مرقس، وسافر وفد من الكنيسة بدعوى من بابا الفاتيكان في يونيو سنة 1968 لتسلم الرفات ومعهم 90 مواطناً مسيحياً، وكانت المفاجأة عندما قدم بابا الفاتيكان للوفد جسما ملفوفا بالقماش في حجم عقب السيجارة في علبة في حجم علبة السجائر، قائلا:

 « هذه هي الرفات المباركة .. عقلة من أصبع القديس مرقس !!» ولتغطية الخيبة اشترى رجال الكنيسة تابوتا كبيرا من المرمر عادوا به فارغاً، وأنزلوه من الطائرة أمام جمع الأقباط المستقبلين للرفات المقدسة!!

    ولكي تنطلي عملية « التلاعب بالوعي » أطلق البعض من جانب الطائرة ثلاث حمامات .. ليقوم رجال الكنيسة بالادعاء أن أرواح القديسين كانت في استقبال الرفات المقدسة !!

تجارة «البركة » :
ــــــــــــــــــــــــــــ

     وهذه التجارة هي امتداد لتجارة « الذخائر المقدسة » التي راجت في أوربا بعد الحروب الصليبية ببيع البعض قطع من الخرق على أنها قطع من ثوب المسيح وقطع الأخشاب على أنها قطع من الصليب، وتجارة «البركة» تجارة مربحة يحصل بمقتضاها القائمون على الكنيسة على المليارات من بيع المياه والزيت والصلبان والأيقونات والصور والبخور والتذكارات، والتيشرتات التي تحمل صورة المسيح المتخيلة وصورة العذراء المتخيلة ورسم الصليب، بل وصل العبث إلى بيع الرمال في أكياس صغيرة بعشرات الجنيهات بزعم تحقيق البركة لكون تلك الرمال ـ حسب مزاعم القائمين على «تجارة البركة» ـ قد جُلبت من قبور القديسين !!

***

    المسيح عليه السلام لم ينشئ الكنيسة، ولا قال بها، ولا أمر أحد ببنائها، ومن ثم المسيح لم يدخل كنيسة قط، لأنها لم توجد إلا بعده، وما يوجد في الكنائس من طقوس وأسرار يمارسها رجال الكنيسة لم تكن موجودة في زمن المسيح، ولم تبن الكنائس إلا في القرن الرابع الميلادي أي بعد ارتفاع السيد المسيح بثلاثة قرون من الزمان تقريباً !!

    فليس للمسيح صلة بالكنيسة، ولا بما يمارس فيها من طقوس وأسرار وعادات وتقاليد عبر العصور المختلفة، وما يوجد لدى المسيحيين من أسرار تعاليم، ما هي إلا أساطير وخرافات وطقوس، كلها عبادات وثنية مقتبسة من الأمم الوثنية .. يقول ول ديورانت: «إن المسيحية كانت آخر شيء ابتدعه العالم الوثني القديم». * (77)

   وهو نفس المعني الذي قاله لي الأستاذ توفيق الشمالي ( ماروني ) رئيس الديسك المركزي بجريدة الأهرام في أحد حواراتنا: « المسيحية تاريخ .. ولا تسألني أكثر من ذلك !!».

أنا .. والأغا خان !!:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

     فى شتاء عام 1992 كنت عائدا لتوي من رحلة عمل في إحدى البلدان الشقيقة، كانت الرحلة مضنية بما حفلت من ضغوط نفسية وعصبية ومهنية .. كانت تلك الرحلة ضرورة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه وتعويض بعض ما لحق بي من خسائر بعد تجربة زواج لم يكتب لها النجاح .. قدر الله وما شاء فعل، والحمد لله على فضل الله؛ فقد عدت إلى أرض الوطن بسلامة الله، وبما رزقني به الله أعددت ما أقيم به دعائم حياتي من جديد بما يجعلنى مستوراً وسط عباده .. ولم يبق إلا لملمة بعض شتات النفس، وتجاوز بعض الأحزان الصغيرة، وقد نصحني بعض الأصدقاء بالذهاب في رحلة ترفيهية إلى أسوان والحقيقة كنت في أشد الحاجة إليها وفعلت .

   في اليوم التالي لوصولي إلى أسوان، وفي السادسة صباحاً أخبرني القائم على أمر الرحلة بأن علينا تناول طعام الإفطار في السابعة على يتم التحرك في الثامنة لزيارة مقبرة الأغاخان .. وسألت مقبرة ؟! وأغا خان ؟! .. لماذا ؟! .. فمن نكد الدنيا في مصر المحروسة أن تكون لديك قدرة على الاختراق المعرفي لحقائق الأمور ومجرياتها؛ وأجاب: إنه برنامج الرحلة المعد سلفاً .. ولم أشأ أن أبدأ الرحلة بـ « المناكفة »، خاصة بعدما تبينت لي حالة الفقر العلمي للمرشد السياحي المرافق !!، وبالفعل وصلنا إلى هناك كانت الساعة تمام التاسعة، وجدنا الباب مغلقاً بشريط من الحرير الأحمر .. وقلت محدثاً النفس: «بداية غير مشجعة، وفأل غير حسن، لكن لا بأس!!»، وعندما سألنا عن السبب قالوا: « إن السيدة أم حبيبة أرملة الأغا خان تمارس طقوسها اليومية في زيارة قبره تنفيذا لوصيته !!»، وانتابتني حالة من الضيق، وقلت هامساً البقرة أفضل !!

   .. وقال لي مرافقي: .. وما دخل البقرة في هذا ؟!

   قلت : « لقد تذكرت ما رواه أستاذنا الدكتور محمد حسين كامل أستاذ الآداب الشرقية بجامعة القاهرة عندما قابل الأغا خان في قصره المُطل على بحيرة ليمان بجنيف بسويسرا، ودار بينهما حوار سأله أستاذنا الدكتور: كيف تقبل وأنت إنسان مثقف درس في الجامعات الأوربية أن يعبدك أتباعك (يصل أتباع الأغاخان إلى حوالي 25 مليوناً)، وكانت إجابة الأغاخان مفاجئة .. إذ قال: إن البشر في الهند يعبدون البقرة، أو لست أفضل من البقرة؟!!».

   وضحكت وضحك مرافقي قائلاً: فعلاً البقرة أفضل، وجلسنا في الانتظار، فقد تعودت البيجوم ( وهي كلمة تعني السيدة ) أم حبيبة في التاسعة من صباح كل يوم أن تأتي فتقرأ الفاتحة ثم تضع وردة حمراء من نوع «رونرا بكران» داخل كأس فضي على القبر، ثم يبدأ عازف الكمان في عزف اللحن الذي شهد قصة حبها مع الأغاخان قبل زواجهما في باريس، ثم تخرج من باب خاص إلى فيتها التي صممها دكتور مهندس معماري المصري فريد الشافعي . بعدها يبدأ أحد قراء القرآن الكريم من أهالي أسوان في التلاوة حتى آذان العصر في مسجد الأغا خان الذي تم استنساخ تصميمه على طراز مسجد الجيوشي بالمقطم.

    كانت البيجوم حريصة دائما على إضفاء هذا الجو الأسطوري على المكان لإخفاء الكذبة الكبيرة التي صنعت أسطورة الأغاخان باعتباره آخر أبطال ألف ليلة وليلة في القرن العشرين وحكايتها التي أصبحت امتداداً لحكايته باعتبارها سندريللا هذا القرن الفقيرة ابنة سائق الترام وحائكة الملابس، والتي بدأت حياتها بائعة للورد، ومع استدارة جسدها تحولت إلى عارضة للأزياء وقع في غرامها الأغا خان الثالث .. الرجل الإله أغنى رجل في الكون!!

الأصــــول الفــكـرية
 والعقائدية للأغاخان:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

    الأغاخان هو رئيس طائفة البهرة النزارية، التي يؤكد مؤرخوهم أن الأغاخان ( الثالث ويدعى أسمرة ) هو الإمام 48 لطائفة من الإسماعيلية الشرقية في فارس ( النزارية ) من سلالة الأعقاب من نسل فاطمة الزهراء والإمام علي بن أبي طالب وأنه ينحدر من نسل نزار بن المستتنصر بالله بن الحاكم بأمر الله، ويروي مؤرخو الإسماعيلية أن:

« بعد وفاة المستعلي جاء ابنه الآمر ( 20 سنة ) فتولى أمره خاله الأفضل بدر الدين الجمالي، وولاه إماماً للإسماعيلية، وتولى عنه شئون الحكم وأمور السياسة وتركه للهو والمجون، فكانت هوايته الجري وراء الفتيات الأعرابيات وقصته مع الفتاة البدوية التي تزوجها وبنى لها هودجاً في جزيرة الروضة بالقرب من مقياس النيل، وقد قتل وهو يعبر الجسر إليها ؛ فتولى الأمر الحافظ عبد المجيد إماماً مستودعاً ( الإمام المستودع في الفكر الشيعي هو من يتولى الأمر أثناء غيبة الإمام في دور الستر أو في غيبة صغرى أو غيبة كبرى) ..

    إلى أن تولت حكم الصليحيين في اليمن الملكة أروى بنت أحمد الصليحي التي زعمت أن للإمام الآمر طفلاً اسمه الطيب من إحدى زوجاته التي تركها حاملا؛ فأخذه أحد دعاة الإسماعيلية وأرسله في مقطف إلى الملكة أروى التي تولت الدعوة له وللإسماعيلية الغربية (الطيبية) .

    وعندما ثار صاحب الحق نزار بن المستعلي، ولكن ثورته فشلت وقتلوه في الإسكندرية هو وابناه، وكان في مصر داعية من فارس هو الحسن ابن الصباح، وكان الصباح قد حضر إلى مصر حاجاً إلى إمامة المستنصر بالله قبل موته بسنوات، وسمع منه أن نزار هو صاحب الأمر من بعده .

   ولما عاد الصباح إلى بلده ادعى أن لنزار حفيدا تركه ابنا له من جارية كانت حاملا، وتم نقل هذا الطفل إلى فارس، وأخذ يدعو له، والتف حوله عدد من الفلاحين الإيرانيين، واستجاب له من شعر بظلم السلاجقة الأتراك وسوء حكمهم، ولا سيما ملك شاه السلجوقي، مما جدد حلم الشيعة الذهبي بالمهدي المنتظر، وجاء حسن بن الصباح ليبشر باقتراب تحقق الحلم .

أصول الإسماعيلية
المتفق عليهـــــــــا :
ــــــــــــــــــــــــــــــــ

   1 ـ وجود إمام معصوم والأئمة لهم صفات ومرتبة لا تمت إلى البشرية بصلة، وصلاتهم للإمام المستور الذي حلت فيه روح الله، والكعبة هي رمز على الإمام .

   2 ـ تسلسل الإمامة في سلالة الأعقاب من نسل فاطمة؛ لأنهم يرون أن أمور دينهم يجب أن تؤخذ من أعقاب النبي الذين تسلسلوا من سلالة فاطمة وعلي بن أبى طالب، وأن حفدة النبي أحق الناس بأن يعرفوا حقيقة رسالة جدهم، ويبشروا بها؛ فهم وحدهم ورثة علم النبي؛ ليكونوا حجة على المسلمين من بعده وأوَّلوا الآية الكريمة: ( وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ ــ سورة الزخرف الآية 28‏)، وفسروا الكلمة بأنها الإمامة، بالمخالفة لإجماع جمهور المفسرين وهو أن الكلمة هي قول: ( لا إله إلا الله .)

   3 ـ دعائم الدين عندهم وعند البهرة هي: الطهارة ـ الصلاة ـ الزكاة ـ الصوم ـ الحج (الحج الظاهري زيارة بيت الله الحرام ـ والحج الباطني زيارة الإمام ) ـ الولاية، على أن الولاية هي أفضل تلك الدعائم، فإن أطاع الإنسان الله تعالى ورسالة رسوله الكريم، وقام بالأركان كلها وعصى الإمام فهو آثم في معصيته وغير مقبولة منه طاعة الله ورسوله . وإذا مات لا يُصلى عليه .

قلعة آلموت:
ــــــــــــــــــــ

   واستطاع حسن بن الصباح أن يسيطر على قلعة آلموت ومعناها عش العقاب ( جنوب بحر قزوين ) بعد أن سلمها قائدها مقابل مبلغ من المال، وأن يؤسس بها دولة الإسماعيلية التي عرفت بأسماء عدة منها :

   ـ النزارية: نسبة إلى نزار بن المستتنصر بالله بن الحاكم بأمر الله من باب إطلاق الخاص على العام في التسمية .

  ـ الإسماعيلية: نسبة إلى إسماعيل بن جعفر الصادق من باب إطلاق العام على الخاص في التسمية .

   ـ الباطنية: لأنهم قالوا لكل ظاهر باطن، والعلم علمان: علم الظاهر وعلم الباطن أو علم أهل الحقيقة أو علم أهل الطريقة، ولقد اعتمد الإسماعيلية على طرائق تأويل النصوص بما يوافق توجهاتهم .

   ـ السبعية: ( لأن إسماعيل بن جعفر الصادق الذي نسبت إليه الفرقة كان سابع الأئمة من الأعقاب).

   ـ التعليمية: لأن مذهبهم قائم على إبطال النظر والاستدلال، والدعوة إلى الإمام المعصوم ويقولون: إن الحق إما أن يعرف بالرأي أو بالتعليم، وباطل أن يعرف بالرأي لتعارض الآراء واختلاف العقلاء، فلم يبق إلا أن يعرف بالتعليم»  .

  ـ الحشيشية: لأنهم كانوا يعتمدون على تأثير مخدر الحشيش ( القنب الهندي ) في زراعة أفكار القتل في عقول أتباعهم، هي رواية لم تثبت علميا، وكان مصدرها شطحات خيال الرحالة الأوربي ماركوبولو وتعممت في الذهن بنقل روائيين عنه أكاذيبه .. وقد دخلت كلمة حشيشي اللغات الأوربية بلفظ Assassin ومازالت متداولة حتى الآن بمعنى الاغتيال غدراً لشخص مرموق.

   ـ الملاحدة : لأنهم يخالفون في معتقداتهم ما أنزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

  ـ القرامطة : يرى بعض الباحثين أن القرامطة تنظيم مستقل بذاته، لكن الكتابات الإسماعيلية تنظر إليهم نظرة فئة تمردت على قيادتها، واعتنقت فكراً قال بإمامة محمد بن إسماعيل، سميت بهذا الاسم نسبة إلى أحد قادتهم من سواد الأنباط كان يلقب بقرمطوية وقيل قرموطوية وقيل حمدان قرمط، وقيل لأنه أول من أشير لهم بتلك الجهة محمد الوراق المقرمط (والقرمطة في الخط دقة الكتابة وتدني الحروف)، وكان كوفياً (القرمطيط المتقارب الخطو، وقرمط في خطوه إذا ما قارب بين قدميه) وقيل إن حمدان قرمط هذا كان أحمر العينين شديد حمرتها، وكان أهل القرية يلقبونه بـ « كرميته »، وهي كلمة نبطية معناها « أحمر العينين » ثم خففت فقيل « قرمط » وقيل إن قرمطاً هذا كان غلاما لإسماعيل بن جعفر، وقد أحدث لهم مقالاتهم وقيل إنهم نسبوا إلى حمدان بن الأشعث بسواد الكوفة، وكان يسمى قرمطاً لأنه كان رجل قصيراً وكانت رجلاه قصيرتين وكان خطوه متقاربا، بينما يقول البعض إن كلمة قرمط مشتقة من الكلمة «قرم» الآرامية أو السريالية وهي تعني أخفى وستر، وبذلك تقابل كلمة (باطنية)، وما تزال هذه العبارة تعني في السورية الدارجة «جذر» ويقابلها في السريانية « كرموتية »، وزعموا أفكارا تخالف صحيح الإسلام.

   ـ وعرفت عند الكتاب الغربيين باسم « السفاكين » لأنهم اتخذوا من القتل وسيلة لتحقيق أهدافهم .

    وقد انتهج ابن الصباح فكرة قتل الخصوم من خلال تدريب بعض الشباب على الطاعة العمياء، والإيمان بكل ما يقول ثم بث فيهم حب التضحية في سبيل العقيدة والإمام، ولما اشتد ساعدهم أخذ يدربهم على السلاح، وهي نفس الفكرة التي استنسخها حسن البنا مؤسس جماعة «الإخوان المسلمين» في إنشاء « النظام الخاص» الذي اكتوت مصر بناره .

أسلوب الحسن بن الصباح :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   كان النظام الذي وضعه الحسن بن الصباح لدعوته يقوم على قسمين:

القسم الأول :

   الخاص بالدعاية وهو أشبه بما وضعه الفاطميون في مصر، ولكن عدد الدعاة تقلص ونقص بأن جعل « الشيخ »  في مرتبة داعي الدعاة، وله ثلاثة نواب في الجبل وخوزستان والشام، ومع كل نائب عدد محدود من الدعاة .

القسم الثاني :

    وهو خاص بالفدائيين، وهؤلاء كانوا يتبعون مباشرة، وكانوا أشبه بحرس خاص وهو في الوقت نفسه قائدهم يتلقون عنه مباشرة الأوامر وكانوا على ثلاث درجات:

    أ ـ الرفاق: وهم رؤساء الفرق الذين يدربون الفدائيين ويشرفون على حاجاتهم .

   ب ـ الفدائيون: وهم المجندون لتنفيذ أوامر شيخ الجبل .

   ج ـ المستجيبون: وهم الفدائيون في دور التدريب .

   وفي سنة 558 هـ وبعد موت ابن الصباح تولى من بعده الحسن الثاني محمد بن كيابرزك الذي أذاع في المسجد أنه الخليفة والحجة والداعية، وأنه الإمام من نسل نزار، وأمر ألا يذكر اسمه إلا مشفوعا بـ ( على ذكره السلام )، وأن على الإسماعيلية أن يطيعوه في الأمور الدنيوية والأخروية، ويأتمروا بأوامره ويعتبروا كلماته من وحي الله وألا يخالفوا له أمراً .
.. وبعد أن فرغ من خطبته أمر بطرح جميع التكاليف والامتناع عن الفرائض الإسلامية التي جاء بها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لقوله: ( كلكم راع، وكل راع مسئول عن رعيته )، .. وأنه أي الحسن الثاني محمد بن كيابرزك هو المسئول عن أتباعه الإسماعيلية يقرر بشأن عقيدتهم ما يشاء، وأمر بعدم التقيد بما عند الإسماعيلية في دور الظهور الأول من الاعتقاد بالظاهر والباطن ( أي العبادة العملية والعبادة العلمية التي تمثل أصول الفكر الشيعي. ) .

 1 ـ العبادة العملية:
ــــــــــــــــــــــــــــــــ

   أي علم الظاهر وما يتصل من فرائض الدين وأركانه .

2 ـ العبادة العلمية :
ـــــــــــــــــــــــــــــــ

    أي علم الباطن وما يتصل به من تأويل وغيره من المثل العليا في النظم الاجتماعية، والمثل العليا للإدارة السياسية .. وهذه كلها من صميم العبادة، .. فقد اتخذ الشيعة التقية مذهباً، فقد نقلوا عن الإمام جعفر الصادق ـ كذبا وبهتانا ـ أنه قال: « التقية ديني ودين آبائي .. ومن لا تقية له فلا دين له» ، . . يقول الداعية هبة الله الشيرازي: « من عمل بالباطن والظاهر فهو منا، ومن عمل بأحدهما دون الآخر؛ فالكلب خير منه وليس منا» .

   وبعد موت الحسن الثاني محمد بن كيابرزك سنة 607 هـ جاء من بعده الحسن الثالث جلال الدين الذي أعاد الفرائض، لكنه لم يلبث أن قتل على يد أحد الفدائيين الذين تشربوا فكر ابن الصباح ورجع الإسماعيلية إلى ما كانوا عليه .

   وفي عام 651 هـ ـ 1254 م دك هولاكو حصون الإسماعيلية النزارية، وبعد أن سلم له إمامهم ركن الدين خورشاه شردهم جنود التتار من ديارهم؛ فهاجروا إلى الهند واشتغلوا بالتجارة، ولم يعد لهم ذكر .

أغا خان:
ــــــــــــــ

    بعد أن شرد التتار الإسماعيلية النزارية هاجروا إلى الهند، ولم يعد لهم ذكر إلى أن ظهر في سنة 1835 في إيران رجل يدعى حسن على شاه، وحاول الاستعمار الإنجليزي استعماله في أغراض مشبوهة لخدمة مصلح استعمارية؛ فقاد ثورة على فتح الله شاه، ولكنها فشلت وحُكم عليه بالسجن، لكن الإنجليز تدخلوا لدى الشاه للعفو عنه؛ فقبل وساطتهم على أن يتم نفيه من إيران؛ فخرج منها إلى أفغانستان، ولكن الأفغان طردوه؛ فهاجر إلى الهند .. وهناك خلع عليه الإنجليز لقب أغا خان أي: ( الرجل المحترم) حتى توفي في عام 1881 .. هكذا دائما خونة العقائد والأوطان محترمون في نظر مستخدميهم !!


الأغا خان الثاني:
ـــــــــــــــــــــــــــ

   وخلفه بعد وفاته ابنه على شاه الذي علت مكانته بعد أن استطاع أن يتزوج للمرة الثالثة من كريمة فتح الله على شاه، وتسمى « بيبى خان» وأنجب منها ابنه محمد الحسيني شاه (الأغا خان الثالث ) في 2 نوفمبر 1877 .

الأغا خان الثالث:
ــــــــــــــــــــــــــــ

   وهو الأغا خان المعروف في العالم بأسمرة والذي تولى بعد وفاة أبيه في 17 أغسطس 1885وعمره 8 سنوات، وأنشأ جامعة « البيجار » لتدريس العلوم الإسلامية والعربية، بما يخدم وجهة النظر الاستعمارية في صياغة إسلام مناسب أو معتدل ـ حسب التعبير الاستعماري ـ وبما يحقق المصالح الاستعمارية ويسقط فريضة الجهاد ويبطل حد السيف!!
وتوفي الرجل في أغسطس 1957 ودفن في أسوان في مزار شيده مريدوه لكونه على حد قوله كما أسلفنا ( أفضل من البقرة) .

وزن الأغــــــــا خــــــــان
بالذهب والماس والبلاتين:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   وقد بلغ تقديس أتباعه له أن حاولوا التعبير عن هذا الشعور بوزنه بالذهب مرة في بومباي عام 1936 ومرة أخرى في شرق أفريقيا عام 1937 بمناسبة مرور خمسين عاما على ولايته للإسماعيلية

   ووُزن ثلاث مرات بالماس سنة 1946 بمناسبة مرور 60 عاماً على ولايته.

   ووُزن في القاهرة سنة 1956 بالبلاتين بمناسبة مرور 70 عاماً على ولايته .

زئر نساء:
ــــــــــــــــ

    يجمع المقربون من الأغا خان أنه كان « زير نساء»  وأنه تزوج أربع مرات دون أن يجمع بين زوجتين، وأن زوجاته كلها فيما عدا الزوجة الأولى، تنتمي إلى الطبقات الدنيا من المجتمع الأوربي، وأنه قد بعثر عليهم بسفه، ومن غير حساب من أموال أتباعه:

   ـ كانت زوجته الأولى البيجوم ( السيدة ) شاه زردي وتوفيت .

  ـ وفى عام 1908 تزوج من تريزا ماجليانوا ( إيطالية ) وأنجب منها ابنه الأكبر علي سليمان خان .

  ـ وفى عام 1927 تزوج من فتاة فرنسية وهي أندريه كارون، وكانت تعمل بائعة حلوى وسجائر وأنجب منها ابنه صدر الدين خان .

ـ وفي عام 1944 تزوج من عارضة الأزياء التي انتخبت ملكة جمال العالم وهي لافيت لابروس التي أعطاها مهراً مليون فرنك فرسى .. ويقال إنها أسلمت وأطلقت على نفسها لقب البيجوم أم حبيبة .

***

     ذهبت إلى أسوان بهمّ شخصي .. وجسد منهك؛ لأعود منها بهمّ أكبر ونفس سقيمة تعاني آلام وأوجاع وطن مستباح بعقول شريرة، وأيدٍ خفية احترفت زراعة نبت الأكاذيب الخبيثة في أجمل بقاع أرضه الطاهرة .. إنها حكايتي مع الأغا خان !!

المخطط الشيعي في مصر:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    في مقدمة كتابه بعنوان « عصر الظهور» يقول الشيخ الشيعي علي الكوراني العاملي:

    « بعد الثورة الإسلامية في إيران على يد الخوميني .. جمعت C.I.A. كل المعلومات عن المهدي المنتظر بحيث لم يعد ينقص ذلك الملف سوى صورة شخصية له !!».

   ودخلت هوليود على الخط لتكريس الفكرة بتمويل من C.I.A. بإنتاج فيلم سينمائي بعنوان «نوستردامس»  عن نبوءة العراف الفرنسي اليهودي ميشيل دامس منذ 500 سنة، والتي أودعها كتابه بعنوان: «النبوءات Propheties»  والتي صاغها في شكل رباعيات استشفها كما يدعي من نتائج تفسير رموز الكتاب المقدس Bible code والتي تحدث في إحداها بلغة يشوبها الغموض عن ظهور حفيد للنبي محمد يوحد المسلمين ويقهر أوربا، ويدمر المدن أو المدائن الكبيرة في الأرض الجديدة (أمريكا).

    الكلام عن عودة المهدي المنتظر لا يفرق كثيرا عن حكاية ظهور «المخلص»، التي ظهرت في العقائد الوثنية للكثير من الشعوب البدائية، عندما تضيق تلك الشعوب بأحوالها، فلا تجد مناصا سوى الهروب إلى الحلم، وإيجاد ذريعة له من رحم الخرافة .. ولا يمكن تصنيفه سوى في خانة حكاوي القهاوي!! أو على أفضل صفة أنه درب من الفلكلور الشيعي المولود من رحم الكيد اليهودي والمُطعّم في مسيرة تطوره عبر الزمان واختلاف الأماكن بالفكر الصهيوني، وما أبدعه من مذاهب مشبوهة اكتست بواجهة إسلامية!!، وهو ما يحتاج إلى مقدمة طويلة خاصة عندما ندرك أن لُعبة الثورة الإسلامية الملقب بـ « الإمام الخوميني » هذا لم يكن سوى أحد عملاء C.I.A. وصنائعها منذ الخمسينيات من القرن الماضي بوصفه أحد أتباع الملا آية الله كشاني الذي كان واجهة الانقلاب على مصدق في العملية التي أُطلق عليها اسم كودي ( أجاكس Ajex) .. بل إن مصدق نفسه كان عميلاً أمريكيا حرق كل مراكبه بعد أن خدعته الحشود الزائفة، وغرته أماني البطولة؛ فلم يستطع المضي إلى الأهداف التي حددها سادته، ولم يستطع التراجع ؛ فكان الغدر به .. وكانت مكافأة نهاية خدمته إنقاذ رقبته من حبل المشنقة؛ ليظل سجينا لسنوات تنهي بالعفو الصحي الشاهنامي عنه؛ ليظل ما بقي من عمره ( ثلاث سنوات ) خيال مآته بعد أن رتبت له C.I.A. معاشاً شهرياً!!

    العملية «بووت» نفذها ضباط مخابرات بريطانيون بأموال C.I.A. الـتي أطلقت عليها اسم أجاكس، وساهم الصحفي المصري محمد حسنين هيكل في إنجاحها بجمع المعلومات التي نشر بعضها في كتاب للتمويه والتعتيم بعنوان: «إيران فوق بركان»  .. كان هيكل قد تم تجنيده للعمل لحساب C.I.A. في سنة 1949، وأُرسل إلى أمريكا في 1950 للتدريب على أعمال الاستخبارات تحت ساتر الحصول على دورة في العمل الصحفي، وقد تم إيفاده بعد ذلك إلى طهران في مارس 1951 عشية مقتل رئيس الوزراء رزم آراه في تدريب عملي على ما تلقاه من علوم نظرية تحت إشراف الصحفي الإنجليزي سيفنون ميلر كبير مراسلي الدايلي إكسبرس الإنجليزية وأحد رجال الـ C.I.A.، وقد ظلت علاقة هيكل قائمة بعملاء الـ C.I.A. في إيران بعد ثورة الخوميني التي ألف بعدها كتابه بعنوان: « مدافع آية الله الخوميني» .

   كان مقتل رجل إيران القوي الجنرال رزم آراه « أبو علي» على يد أحد مهاويس جماعة نواب صفوي المسماة «فدائيان إسلام»، التي تربطها علاقات وثيقة بجماعة «الإخوان المسلمين» في مصر، وقد قامت الجماعة باستضافة نواب صفوي في ندوة بقاعة المؤتمرات الكبرى بجامعة القاهرة في سنة 1953 خرج على إثرها طلبة «الإخوان المسلمين» في مظاهرها تصدت لها الشرطة وسقط عدد من القتلى والجرحى؛ مما حدا بعبد القادر عودة نائب المرشد أن يقود مظاهرة إلى قصر عابدين ملوحاً بملابس ملوثة بالدماء في هتاف :

« الدم .. الدم .. يا نجيب »

    وخرج اللواء محمد نجيب لشرفة قصر عابدين لاحتواء الموقف، ودعوة عبد القادر عودة للدخول إلى القصر للتفاهم .. لينكشف الستار عن مشهد هزلي وهو دخول عبد القادر عودة إلى القصر، ومن خلفه المعلم إبراهيم كروم فتوة بولاق راكباً حصانه الأبيض، وشاهراً نبوته ولم تفلح الجهود لمنعه؛ لتذرعه بأن ضباط انقلاب يوليو قد يغدروا بعوده !!

    كان شباب الإخوان يحاصرون قصر عابدين بنية القبض على ضباط انقلاب 23 يوليو 1952 الذين خرجوا على الجماعة وتنكروا لها .. لم ينصرفوا إلا بعد أن خرج عودة إلى شرفة القصر وأمرهم بالانصراف .

   كان إرهاب جميع الأطراف الذي تحركه الأصابع الخفية الأمريكية هو سيد الموقف .. وكانت التنظيمات التي تتوارى بغلالة الإسلام سواء الشيعي أو السني هي الشريك المريح للأمريكان لإعادة رسم خريطة المنطقة ولتنفيذ مخططاتهم وتحقيق مصالحهم، وكان معظم رجال تلك المرحلة قد وصلوا إلى كرسي الحكم عبر قطار C.I.A. بداية من حسني الزعيم إلى سامي الحناوي إلى أديب شيشكلي إلى جمال عبد الناصر .. وكذلك في مراحل لاحقة لم يكن صدام حسين يحلم بالوصول إلى السلطة في بلد مثل العراق إلا عبر ذلك القطار، وهو أمر وثيق الصلة بتواجد الخوميني في العراق وإشعاله لأفكار الثورة عبر شرائط الكاسيت التي كانت تتولى الغرفة العراقية في C.I.A. توصيلها إلى الأتباع وكذلك المنشورات المطبوعة بماكينة الرينوار .. لتوحي ببساطتها وأن وراءها جهدا شخصيا لفرد أو حفنة أفراد لا يمتلكون إمكانات مالية أو قدرات تنظيمية عالية، وأنه جهد بعيد عن مصالح الدول وأجهزة المخابرات !!

   لتبدأ المرحلة الأخيرة بالانتقال إلى باريس .. وبدء فاعليات الثورة من هناك .. قبل البركان بأيام كان ضباط C.I.A. يعقدون اجتماعين في مبنى تابع C.I.A. الأول في الدور الخامس مع آية الله الخوميني لترتيب إجراءات عودته إلى إيران باستئجار إحدى طائرات الكونكورد الذي دفعت نفقاتها C.I.A. عبر إحدى قنواتها التابعة لشركة يملكها رجل أعمال إيراني !!.. وكان الاجتماع الآخر في الدور التاسع مع شاه إيران للترتيب للقضاء على الثورة !! كان من المفترض أحد احتمالين في عودة الخوميني: هو تدافع الجماهير للاحتفاء بالخوميني والتبرك به فلا يحتمل الرجل المريض الزحام ؛ فيموت وينتهي الأمر، أو أن ينجح الجيش في القيام بانقلاب ضده وتنتهي أسطورته .. فلا يخسر الأمريكان في كلتا الحالتين؛ حيث شاه جاهز وقد أبرموا الاتفاق معه على ترتيبات القضاء على الثورة!!

    .. هبطت طائرة الخوميني بسلام ولم يمت الرجل، ولم يستطع العملاء في الجيش عمل شيء !! فطوح الأمريكان بالشاه بعيدا ـ على حد قوله ـ مثل فأر ميت !! ليلتقطه أحد الحمقى من عملائهم ليقيم به مظاهرة إعلامية دولية عن قيم مصر وعراقة مصر .. ليدفن في القبر الذي سبق لوالده الشاه رضا أن دفن فيه بمسجد الرفاعي بالقاهرة قبل أن يتم نقل جثمانه إلى طهران .. إنها لعبة اليانكي التي تعتمد على إبداع الانقلابات العسكرية والمؤامرات واستخدام العملاء Comprador الذين يطلق عليهم جيمس ناي في كتابه بعنوان: «القوة الناعمة Soft Power» سفراء النوايا التي تبدو في ظاهرها طيبة أو حسنة بعد أن جرى إعدادهم بعناية في أقبية الجامعات الأمريكية وربط مصالحهم بالمصالح الأمريكية والزوجات الأمريكيات اللائي هن في واقع الأمر عاملات في استخبارات بلادهن، واستخدام الحكام الموالين لهم والذين يعملون ضد مصالح بلادهم، والذين يطلق عليهم نعوم تشوميسكي البانتوستان Bantustan تشبيها لهم بالحكام العملاء في جنوب إفريقيا، والذين يظهرون انتماء ظاهريا للأرض، ويبدون التزاما وطنياً للشعب لا تتعدى كلماته أطراف ألسنتهم، وهؤلاء الحكام غالباً ما يفضلهم الأمريكان من طبقة الجنرالات .

«النبوءات» و التلاعب بالوعي:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    النبوءات عن « المهدي المنتظر» لعبة يجيدها الشيعة لأسباب تتعلق بالسيطرة على رأس المال، وإخضاع الأتباع وجباية الأخماس، والتمهيد لأغراض استعمارية وعنصرية في بلاد الغير !! .. والنبوءات عن الغيب ـ بصفة عامة ـ أحد أهم أشكال التلاعب بالوعي، بداية من باب «حظك اليوم» في الصحف السيارة مرورا بالعبارات المكتوبة على وريقات نتيجة الحائط في كل منزل .. وقد استغل جوزيف جوبلز وزير دعاية النازي نبوءات نوسترادامس في عمل دعاية مضادة لدعاية الحلفاء، استغل فيها أحد الأفاقين الألمان ويدعى كرافت .. وعلى ذات الدرب سار الأمريكان ولكن بشكل مختلف؛ فقد تأسس قسم في الـ C.I.A. يسمى « ضد نوسترا داموس أو مكافحة نوسترا داموس Anti Nostradamus» وهذا القسم قائم على افتراضات ذهنية بحدوث شيء ما قال به داموس .. ويضع الخبراء في هذا القسم الخطط والبرامج للتعامل معها حال فرضية حدوثها؛ أي وضع الخطط الجاهزة أو السابقة التجهيز أو المُعلبة للتعامل مع الأحداث حال فرضية وقوعها !! .

   .. الكلام عن نبوءات نوستردامس ونبوءات جين ديكسون بطعم الحديث عن كتاب «الجفر» رغم اختلاف الثقافات والغايات !! وكتاب «الجفر»  هذا كما يدعي الشيعة ـ كذبا ـ أنه كتاب يهتم بأحداث الزمان وسير الأولين والآخرين وأقدار الملوك والرؤساء والعلماء والثورات والكوارث الطبيعية وأخبار البروق والرعود، وفضل قراءة سور القرآن وأسس علم التأويل الباطني وأخبار ما كان وما يكون عن الأئمة والإمامة التي جعلها الشيعة ركناً سادساً من أركان الإسلام لا يصح بغيرها !!.. ويدعي الشيعة أن جبريل جاء رسول الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فأخبره بما جاء به من العلم الذي اختص به آله الكرام، فعهد به النبي إلى علي بن أبي طالب، فكتبه في جفر أي «جلد ثور»، وأصبح هذا علماً خاصاً بآل بيت رسول الله والأئمة من الأعقاب من نسل السيدة فاطمة رضي الله عنها؛، وأيضا الادعاء بوجود ما أسموه «مصحف فاطمة»، وادعى الشيعة في إطار التبرير أن ما أظهرته النبوة للجمهور إلا بقدر حمل عقولهم خوفا من نفورهم وذهولهم ؛ فيقعوا في تكذيب خبر النبوة الصادق .

   .. وهذا لغو لا يليق لقول المولى سبحانه وتعالى: «اليوم أكملت لكم دينكم» ـ المائدة 3

   وقوله سبحانه وتعالى: « يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته» ـ المائدة 67 .

فادعاء الشيعة لمثل هذه الترهات لتسويغ خصوصية الأئمة واختلافهم في خلقتهم عن سائر البشر لجمعهم بين اللاهوت والناسوت، ولأنهم ورثة علم لدنيّ يكتسب بالوحي لا بالتعلم عن جدهم النبي صلى الله عليه وسلم، وأنهم معصومون وأنهم حجة على جميع البشر، بينما يرى بعض الشيعة أنهم يتعلمون على يدي الخضر الذي يعطيهم الخرقة (الخرقة شارة كمال المعرفة ) .. وهو كلام ينطوي ـ حسب معتقدهم ـ على كفر بيّن لإنكار المعلوم من الدين الذي نزل فيه نص وهو أن الإسلام نزل للناس كافة، وأن كلامهم كذب متعمد على رسول الله صلى الله عليه وسلم .

كتاب الجفر:
ـــــــــــــــــــ
   
    وتشير الدراسات التاريخية إلى أن كتاب «الجفر» تم وضعه في عهد الدولة العبيدية اليهودية، التي سميت زوراً بـ «الفاطمية»، وأن الفواطم هم الذين وضعوا ذلك الكتاب من خليط من الفلسفات والعلوم التي ترى في حروف الهجاء والأرقام دلالات على التنجيم.. وقد نسبوه في بداية الأمر إلى جعفر الصادق ثم رأوا تعلية سقف الادعاء فنسبوه إلى علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم .. ووضعوا الأقاويل المؤيدة للخرافة وأن العلم وعاءان .. وعاء متاح للعامة، ووعاء مقصور على الخاصة الخاصة، ورثاً نبوياً محفوظاً، ومقاماً علوياً ملحوظاً.* (78)

«مصحف فاطمة » :
ــــــــــــــــــــــــــــــ
  
 ينكر بعض الشيعة هذا الكتاب زاعمين أنهم لم يعرفوا مصحفاً بخلاف المصحف الذي في أيدي جميع المسلمين، بينما يقول بعضهم عن «مصحف فاطمة» إنه كتاب فيه علوم آل محمد، وفيه تفسير القرآن، وعلم ما كان ويكون وما هو كائن إلى يوم القيامة*(79)
    بينما يرى بعض الشيعة: « أن السيدة فاطمة مكثت بعد انتقال رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة وسبعين يوما، وكان داخلها حزن شديد على فراقه، وكان جبريل يأتيها فيحسن عزاءها على أبيها، ويطيب نفسها ويخبرها عن أبيها ومكانه، ويخبرها بما يكون بعدها في ذريتها، وكان عليّ يكتب ذلك، هذا هو «مصحف فاطمة ».* (80 )
يقول آية الله الخوميني عن « مصحف فاطمة» :

   « نحن نفخر أن منا .. مصحف فاطمة ذلك الكتاب الملهم من قبل الله تعالى للزهراء المرضية » * (81) .



الاختلاف بين علماء الشيعة واضح بشأن مصحف فاطمة؛ لأن معلوماتهم عنه جاءت من قبيل النقل المتواتر عن القدماء ولم يطلع عليه أحد؛ فلم يره أحدهم؛ لأنه على حد زعمهم الشائع أنه لا توجد منه سوى نسخة واحدة بحوزة القائم بالحجة ( المهدي المنتظر) «عج»*(82) ؛ لذا فمنهم من يقول: إنه يتضمن أمثالاً وحكماً ومواعظ وعبراً وأخباراً ونوادر، وقد ألفه أمير المؤمنين عليّ بن أبى طالب، وقدمه للسيدة الزهراء ليعزيها به عن موت رسول الله صلى الله عليه وسلم .

   ومن قائل إنه كتاب يتضمن معارف في التشريع والأخلاق والآداب، وما سيحدث في مستقبل الزمان من الأحداث والتقلبات، وقد جمعت الزهراء هذا الكتاب مما سمعته من أبيها وزوجها .

   بينما ذكر البعض أنه كتاب ملهم من قبل الله تعالى للزهراء المرضية، في حين أفاد البعض أن هناك مصحفين للسيدة فاطمة أحدهما ملهم من قبل الله تعالى لها، والثاني أملاه عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ولم يطلع أحد من علماء الشيعة المعاصرين على متن « مصحف فاطمة»، وكل ما ورد في المؤلفات مجرد هوامش عنه !!.

 وأدلى الشيعة بدلوهم في قضية المحكم والمتشابه، وأن لكل نص تأويلا باطنياً، وقالوا إن الإمامة تكليف قرآني في الأعقاب من نسل فاطمة بنص الآية الكريمة: « وجعلها كلمة باقية في عقبه » الزخرف ـ 28، بالمخالفة لما قال به النبي والصحابة والإجماع أن الكلمة هي توحيد الله والعبودية والخضوع التام له والإخلاص في عبادته والرضا بقضائه .

    كان هذا الأمر والدس يهدف إلى أمرين خطرين:

   أولهما: الكيد للإسلام الذي هدم حضارتهم وما تبع ذلك من حالة التوتر بين الماضي الإمبراطوري ـ الزرادشتي والحاضر التابع ـ المسلم، ومن الجهة المقابلة حضور قدر من التعقل لصوغ المستقبل الفارسي، والإحداث فيه من خلال إدخال اللمسة القومية الماجوسية في تأويل بعض نصوصه بهدف تشكيل آدابها من مقومات ثقافية وعرقية جديدة؛ ولهدم الإسلام من داخله، والإيحاء بأن الزرادشتية هي التي مكنت أبناءها الداخلين في الإسلام من فهم القرآن، وما به من لغة المجاز، وما أسموه بالتقاط الإشارة وفهم العبارة، وليس الاهتمام بشخصية سلمان الفارسي ووضع الأحاديث في أفضليته سوى إيجاد موقع متقدم للفرس في ترتيب السباقين إلى الدخول في الإسلام والجهاد في سبيله والبلاء لنصرته .

عهد النبي لأقارب
 سلمان الفارسي المجوسيين:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
   
    نشر جمشيدجي جيجي بهائي نيت Sir Jamshetji Jejeebhoy Knight من أعاظم مجوس الهند في بومباي سنة 1221 اليزدجردية الموافقة لسنة 1851 م وثيقة مصطنعة زعم زوراً أنها نسخة عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم لأقارب سلمان الفارسي المجوسيين:

    وهذا كتابي: أن له ذمة الله وعلى أبنائه ـ سلمان الفارسي ـ على دمائهم وأموالهم في الأرض التي أقاموا عليها، سهلها وجبلها وعيونها ومراعيها غير مظلومين ولا مضيق عليهم . ومن قرئ عليهم كتابي هذا فليحفظهم ويبروهم ويمنع الظلم عنهم ولا يتعرض لهم بالأذى والمكـاره .

    وقد رفعت عنهم جز الناصية والزنارة والجزية إلى الحشر والنشر وسائر المؤن والكلف، وأيديهم مطلقة على بيوت النيران وضياعها وأموالها، ولا يمنعونهم من اللباس الفاخر والركوب وبناء الدور والإصطبل وحمل الجنائز واتخاذ ما يتخذونه في دينهم ومذاهبهم، ويفضلوهم على سائر الملل من أهل الذمة؛ فإن حق سلمان رضي الله عنه واجب على جميع المؤمنين ـ يرحمهم الله ـ وفي الوحي أن الجنة أشوق إلى سلمان من سلمان إلى الجنة . وهو ثقة وأمين وناصح لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، وسلمان منا فلا يخالفن أحد من الوصية مما أمرت به من الحفظ والبر، والذي لأهل بيت سلمان وذراريهم من أسلم منهم أو أقام على دينه، ومن قبل أمري فهو في رضا الله تعالى، ومن خالف الله ورسوله فعليه اللعنة إلى يوم الدين . ومن أكرمهم فقد أكرمني وله عند الله خير، ومن أذاهم فقد آذاني وأنا خصمه يوم القيامة وجزاؤه نار جهنم وبرئت منه ذمتي .

والسلام عليكم، والتحية لكم من ربكم *(83)

    ثانيهما : تلك أسس العداء بين الفرس المغلوبين والعرب المنتصرين .. حيث لم يستطع الفرس مواجهة الفكر الإسلامي وتفوق نظام التعليم الإسلامي الذي أنتج كتاباً وفقهاء من بين الفرس ساهموا في نشر الإسلام، فيما ظل التعليم عند الزرادشتيين محصوراً بطبقة الكهنة والنبلاء والتجار من دون أن يقتربوا من إنتاج نظام تعليمي مماثل للنظام الإسلامي؛ فلم يكن أمامهم سوى الترويج لـدعوات «الشعوبية »  من خلال مجموعة أُطلق عليها : «أهل التسوية»، واتخذت تلك الحركات لنفسها اسم الشعوبية استلهاما من الآية الكريمة: « يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير » ـ الحجرات: 13

   وكانت أكثرية الشعوبيين من كبار موظفي الدولة الإسلامية؛ ولذا كان هدم الدولة لا يتفق ومصالحهم؛ فكان عليهم تغيير فكر ومقومات الدولة من الداخل، بما يحفظ مصالحهم الخاصة، ويضمن تنفيذ المصالح العامة، فكانت الحركات الباطنية التي اتخذت من «التقية» رداء؛ فكان وضعهم للمقولة المنسوبة ـ زوراً ـ لجعفر الصادق: « التقية ديني ودين آبائي؛ فمن رغب عنها فليس مني».

   ..ومن هذا المنطلق انطلقت الدعاية السرية الشيعية .. وأصبح الشيعة هم أساتذة «الدعاية السرية» .. وقد أخذ الأمريكان الكثير من فنونها عنهم عند تأسيس «منظمة الحرية الثقافية» أحد فروع الـ C.I.A. وكذلك مكاتب هيئة الاستعلامات الأمريكية وبيوت الحرية .

لماذا مصر بالذات ؟ !!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ


    طبقاً للفكر الشيعي الذي أفصح عنه بعض علمائهم في كتابات متداولة، فإن مصر بمذهبها السني تندرج ـ طبقا لمعتقدهم ـ تحت مسمى «دار كفر»، وأنه يجب استعادتها إلى «دار الإسلام» الإسلام الشيعي بتأويلاته الباطنية، تمهيداً لخروج « المهدي المنتظر»، الذي يتخذ من مصر منبراً يخاطب منه أتباعه، ويتخذ أيضا من مصر أعوانه من «الوزراء النجباء»؛ لذلك يجب عد حركة المصريين في عداد الحركات الممهدة لظهور المهدي والمشاركة في حركة ظهوره، ومنها أن للمهدي المنتظر في هرمي مصر كنوزاً وذخائر من العلوم وغيرها، وأن من علامات ظهوره قتل أهل مصر أميرهم، وقتل أهل مصر ساداتهم وغلبة العبيد على بلاد السادات، وغلبة القبط على أطراف مصر .. وذلك قبل ظهور السفياني ( عدو المهدي المنتظر ) وهو من نسل أبي سفيان وهند آكلة الأكباد .

   يقول الشيخ علي الكوراني العاملي نقلاً عن الروايات المتواترة في كتب الشيعة أن المهدي يجعل لمصر مكانة إعلامية خاصة في العالم ويتخذها منبراً له ويصف دخوله مع أصحابه مصر:

   (ثم يسيرون إلى مصر فيصعد منبره ويخطب في الناس، فتستبشر الأرض بالعدل وتعطي السماء قطرها والشجر ثمارها والأرض نباتها وتتزين لأهلها، وتأمن الوحوش حتى ترتعي في طرق الأرض كالأنعام . ويقذف في قلوب المؤمنين العلم، فلا يحتاج مؤمن إلى ما عند أخيه من العلم. فيومئذ تأويل هذه الآية: يغني الله كلا من سعته ) .

   ولأن التشيع هو الأب الروحي للتصوف يقول محيي الدين بن عربي في كتابه بعنوان : «الفتوحات المكية» عن أصحاب المهدي المنتظر :

   « له رجال إلهيون يقيمون دعوته وينصرونه هم الوزراء يحملون أثقال المملكة، ويعينونه على ما قلده الله، وهم طائفة خبأهم الله في مكنون غيبه .. أطلعهم كشفاً وشهودأ على الحقائق، وما هو الأمر عليه في عباده ... وهم من الأعاجم ما فيهم عربي، ولكن لا يتكلمون إلا العربية . لهم حافظ ليس من جنسهم ما عصى الله قط، وهو أخص الوزراء وأفضل الأمناء» .

أساليب الشيعة
لاختراق المجتمع المصري:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   التشيع يهودي المنشأ والأصل .. لذا فهناك العديد من السمات المشتركة بينهما أهمها: الانعزال المجتمعي، فهم يعيشون في مجموعات منعزلة (جيتو) عن مجتمعاتها، وتؤمن بأفضليتها عن الغير، وتعتقد بنجاسة الآخر؛ لذا فهم يتحفظون في التعامل مع الآخر أو يكون التعامل وفق حدود مرسومة، لكن أمكن رصد العديد من أساليب اختراق المجتمع المصري منها :

    1 ـ كان البهرة يقفون وراء مشروع تطوير القاهرة الفاطمية الذي تبناه فاروق حسني بتعليمات من سوزان مبارك، وكانوا يهدفون من ورائه إلى إخلاء القاهرة الفاطمية من السكان، وعندما وجدوا معارضة شديدة من أهالي هذه الأحياء الشعبية، تم العدول عن الفكرة والاكتفاء بعملية الترميم التي غيرت ملامح المنطقة، وعادت بها مئات السنين إلى الخلف حيث الطابع القديم للقاهرة الفاطمية .

   2 ـ أخذت عملية الإخلاء منحى آخر؛ فقد اشترت طائفة البهرة على مدار 20 عاماً نحو 75% من المحلات والبيوت في مناطق الجمالية والحسين والدراسة والدرب الأحمر والموسكي، وهي المناطق التي تمثل قلب القاهرة الفاطمية بتمويل خارجي من دول تمول الطائفة في عملياتها لترميم المشهد الحسيني ومقصورة السيدة زينب، ومسجد الجيوشي ومساجد الصالح طلائع بن رزيك بباب زويلة ومسجد الحاكم بأمر الله بشارع المعز لدين الله الفاطمي .

  3 ـ نشر فكر الطائفة بين أحباء «آل البيت».

  4 ـ القيام باستثمارات موسعة في مجالات الملابس والخيوط والنسيج والأجهزة الكهربائية والرياضية وغيرها، إضافة إلى شراء رجال الأعمال «البهرة» المحال التجارية بمنطقة الحسين والقاهرة الفاطمية، بعدما جددوا مسجد الحاكم بأمر الله، واتخذوه مقراً لشعائرهم الدينية؛ حيث يعتقدون بأن جدهم مدفون فيه، وهو الاعتقاد الذي دفعهم إلى قصر الوضوء في بقعة محددة من المسجد، يضاف إلى ذلك تمركزهم بمدينة الإسكندرية بشارع النبي دانيال، وتجمعهم في شوارع بحي المهندسين، ومدينة 6 أكتوبر .

5ـ محاولة الوصول إلى دوائر صنع القرار، وقد نجح الشيعة في عهد الرئيس جمال عبد الناصر المتزوج من السيدة تحية كاظم إحدى بناتهم، وهي ابنة تاجر سجاد إيراني شيعي من استصدار فتوى من شيخ الأزهر الشيخ محمود شلتوت مفادها أن:

    « المذهب الجعفري الشيعي المعروف بالإمامية الإثنا عشرية من المذاهب التي يجوز التعبد بها!!»، وهي فتوى شديدة الخطورة لكون الأصول الشرعية للمذاهب عند أهل السنة تختلف تماماُ عن أصولها عند الشيعة، وقد حاول بعض تلاميذ الشيخ شلتوت إنكارها؛ رغم كونها منشورة في مجلة (رسالة الإسلام)، التي كانت تصدر عن دار التقريب بين المذاهب ـ عدد يوليو 1959م تحت عنوان: « فتوى تاريخية» ، ومجلة الأزهر في العدد الصادر في سبتمبر 1959م تحت عنوان: «بين السنة والشيعة»، وقد فات على تلاميذ الشيخ أن: « الحرف المطبوع لا يضيع!!».

   وقد نجحوا في استمالة الرئيس السادات؛ فأطلق يدهم في المساجد الفاطمية؛ فشوهوها، وأخرجوها من تسجيل اليونسكو لكونها لم تعد أثراً!!

   ولا أحد ـ حتى الآن ـ يعرف سر العلاقة بينهم وبين الرئيس حسني مبارك الذي استقبل رئيس الطائفة مضيف سيف الدين بنفسه في المطار، وأطلق يدهم في القاهرة الفاطمية تحت ما يسمى بـ « مشروعات التطوير».

   وقد تبرع رئيس الطائفة في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي لصندوق «تحيا مصر» بمبلغ عشرة ملايين جنيه ( أقل من 72 ألف دولار ).

   6 ـ محاولة نشر فكر الطائفة واستقطاب العديد من الفنانين والصحفيين وأساتذة الجامعات بتنظيم رحلات لهم إلى المزارات الشيعية، ومراقد الأئمة، واستضافتهم ببذخ، وإجزال العطاء لهم في صورة هدايا وبدل سفر.

   7ـ استقطاب بعض خطباء المنابر والوعاظ بدعوى التقريب بين المذاهب، رغم أن الشيعة الذين يلتزمون التقية لا يرغبون في التقريب مطلقا، وكل ما يريدونه هو نشر مذهبهم فقط .

   8ـ استقطاب بعض أرباب الوظائف العامة لأسباب مصلحية، شجع عليها تفشي حالة الفساد الإداري، وخلل منظومة القيم المؤسسية، وتدني القيم الأخلاقية .

   9 ـ محاولة نشر الفكر الشيعي عبر اللجان الإلكترونية بين الشباب الذي يعاني البطالة والإحباط، ويفتقد الثقة في قدرات الدولة على انتشاله من تلك الحالة، والتغرير بالفتيات مستغلين مشكلة العنوسة في المجتمع المصري.

   10 ـ دعم طرق تصوف البسطاء عبر قنوات مخابراتية غير منظورة، وهو ما يفسر حضور السفير الأمريكي ريتشارد دوني لمولد السيد البدوي، وتبرع رجل أعمال قبطي يعد إحدى أهم قنوات C.I.A. لإحدى الطرق الصوفية بـ 500 ألف جنيه بزعم محبة آل البيت.

   11 ـ إشاعة مفاهيم الغوث والمدد والوجد الصوفي والخمر الإلهي وارتياد مدارج السالكين، والعلم اللدني، والتركيز على أن التصوف والولاية أمران لا يفترقان، وبغير أولياء لا يوجد تصوف إذ إن الولاية هي أصل التصوف ومنبعه، وأن من لا شيخ له؛ فالشيطان شيخه، ومن خلال ذلك المفهوم في الوصاية على المريدين الذين قطعوا على أنفسهم العهد الذي يأتي في منطوقه: « العهد عهد الله .. وعهد شيخنا ( يذكر اسم صاحب الطريقة )، فمن نكث فإنما ينكث على نفسه، ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه الله أجراً عظيما» !! .. يتم تسريب الفكر الشيعي القائم على دعائم منافية لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، وتشجيع إقامة «الموالد»  بكل ما فيها من موبقات وابتذال باعتبارها المظهر الرسمي لأنموذج « الحب الجماعي»  للأقطاب والولاة .

    الغرض من تلك الأساليب هو اندماج الشيعة مع القائمين على تنفيذ المنظومة الصهيو ـ أمريكية رغم التظاهر بالعداء لها، فقد صاروا أحد أهم مخالبها القذرة في العالمين العربي والإسلامي، ورأس حربتها لتقسيم مصر؛ بغرس الأفكار المذهبية المتناحرة، وإدخال المذاهب إليها، وهو المخطط القديم الذي وقفت أمامه وحدة الشعب المصري بكتلته الديموجرافية الواحدة؛ فلا مذاهب ولا أعراق، وقد راهن المستعمر في الماضي على الأقباط، وأهل النوبة ودنقلة ولم يفلح، يقول ليبنيز في دراسة تقدير الموقف التي تعد أساس الحملة الفرنسية على مصر:

« أما النوبيون والدناقلة فقد كانوا في الأصل مسيحيين؛ فإذا كانوا قد فقدوا إيمانهم فهذا يعزى إلى خطأ المبشرين، وليس إلى عشقهم لمحمد (يقصد النبي محمد صلى الله عليه وسلم )؛ لذا سيكون من السهل كسبهم إلى صفنا في حالة ما إذا تحركنا .» *(84)
***
وقد بدأت تظهر في الأفق ثمار غثة لتلك الأساليب، ومنها تجمع العديد من البسطاء حول مساجد أهل البيت في ليلة عاشوراء؛ للاحتفال بذكرى استشهاد الحسين بطريقة لم يألفها المصريون، وتوزيع منشورات مجانية فاخرة الطباعة تحمل الفكر الشيعي في بعض محافظات مصر، وترويج بعض الفتاوى الشاذة عن زواج « العقد المنقطع»، وجواز وطء المرأة من دبرها برضاها، وأن الدخول الشرعي الذي يستحق عنه كامل المهر هو الوطء قبلاً أو دبراً، وفتاوى « إرضاع الكبير»، و «إفخاذ الرضيعة»، و« زواج الصغيرة» متى احتملت الوطء !!، بل وارتفاع الأذان الشيعي بكلماته المعروفة: « أشهد أن عليّا وليّ الله» ، و « حي على خير العمل» في بعض الضواحي !!

   كان لتلك الأساليب مقدمات في « ثقافة الكولينزم» ففي كتابه بعنوان: «الفتنة الكبرى» يحاول طه حسين الذي يدعي التزام «المنهج العلمي» دون أن يكون لـ «المنهج العلمي» أثر في كتابته الدفاع عن الشيعة من سلالة عبد الله بن سبأ الذين يمثل الفكر اليهودي قاعدة مذهبهم، ولم يكن دفاع طه حسين عن الفكر المشبوه سوى بتكليف من الجامعة العبرية التي زارها سراً في سنة 1944 يقول طه حسين عن الشيعة :

    « لا يكتفي خصومهم بما يسمعون عنهم، أو يروون عنهم من سيرتهم دائما ًيضيفون أكثر مما قالوا، وأكثر مما فعلوا. ثم لا يكتفون بذلك إنما يحملون هذا كله على نفسه».*(85)
ويقول أيضا :

    « وخصومهم واقفون لهم بالمرصاد يحصون عليهم كل ما يقولون ويضيفون إليهم أكثر مما قالوا وفعلوا، ويحملون عليهم الأعاجيب من الأقوال والأفعال.

    ثم يتقدم الزمان، وتكثر المقالات ويذهب أصحابها في الجدل كل مذهب؛ فيزيدون الأمور تعقيداً وأشكالا، ثم تختلط الأمور بعد أن يبعد عهد الناس بالأحاديث ويتجاوز الجدال الخاصة إلى عامتهم، ويتجاوز الذين يحسنون إلى الذين لا يحسنون، ويخوض فيه الذين يعلمون والذين لا يعلمون، فيبلغ الأمر إلى أقصى ما يمكن أن يبلغ من الإبهام والإظلام وتصبح فتنة عمياء لا يهتدي بالحق فيها إلا أقلون».* (86) 


***

    الخطير في هذا الأمر أن «ثقافة الكولينزم» قد ذابت في الثقافة الوطنية، والفكر الوطني وأصبحت من أهم مراجع كتاباته ودراساته، فلم يكلف أحد نفسه بعد الاستقلال الوطني القيام بالمهمة التي قام بها نهرو ورفيقه في الكفاح أبو الكلام أزاد بكتابة التاريخ الصحيح للهند، وتخطي القوالب الجاهزة لـ «ثقافة الكولينزم»، وفضح الأكاذيب التي تم الترويج لها على مدى عقود .. ولم يكلف أحد نفسه في ظل الاحتلال إحياء «ثقافة المقاومة» مثلما فعل اليابانيون؛ فقد أعطى اليابانيون النظام السياسي الذي نشأ في اليابان متعاونا مع الأمريكان بعد الهزيمة في الحرب العالمية الثانية اسم « كوزو أوشوكو»، وتعني « الفساد البنيوي» في احتقار شديد للنظام والمتعاونين معه، .. وهو سنقوم بالتصدي لشرحه في فصل قادم .


الفصل الثامن :
ــــــــــــــــــــــــ

صناعة الملوك والرؤساء
 
    لما جاءت دولة العثمانيين أذاقت أهل مصر من أمرهم عسرا على مدى 500 عام حتى ذهبت .. لكن بقيت مخطوطة الشيخ يوسف الشربيني بعنوان :  « هز القحوف في شرح قصيدة أبو شادوف » شاهدا على ظلمهم وجرائمهم، وجزءاً من حضارة شعب، وشاهداً على قدرة هذا الشعب على إبداع الاحتجاج، وصياغته في رسائل بالغة الإيجاز .. سريعة الانتشار .. شديدة الوجع!!

     ومع قدوم الجندي الألباني محمد علي المتواضع الإمكانيات، والمدعوم من الماسون، والذي تحول في بضع سنوات إلى أحد بارونات الحرب في عصره، والذي حاول أن ينفذ مشروعاً خاصاً به في مصر مقتفيا خطوات نابليون بونابرت (من كبار الماسون الفرنسيين)، رغم أنه لم يكن يتكلم العربية ولم يتعلمها حتى مات!! بما جعل أهل مصر ينفضون عنه، فالجيش ليس جيشهم، ولكن جيش الباشا، والمشاريع مشاريع الباشا وأسرته، وليست مشاريع مصر .. وكما بدأ محمد علي بداية متواضعة؛ تمكن فيها بفضل موارد مصر الضخمة من تحدي الأتراك، ونجح بانتهازية ومساعدة أيدٍ خفية على إثارة العداء بين الإنجليز والفرنسيين ليصارع بعضهم بعضاً.. إلى أن وصل إلى نهاية مزرية استجدى فيها الجميع أن يتركوا حكم مصر وراثياً في أبنائه .. ومات مريضا بخرف الشيخوخة !!
 
    لكن تجربة محمد علي في مصر تركت لنا موروثاً يجب إخضاعه لـ « نظرية المعرفة»، وهو فن «صناعة الملوك والرؤساء»، وإنشاء الدول الحاكمة بأمر غيرها على طريقة الـ «بانتو ستان » في جنوب أفريقيا في العصر الحديث .. وأيضا تمتد التجربة التي يجب إخضاعها للدراسة إلى الدور الذي قام به أفراد من العلوية المهووسون بالسلطة والحكم إلى حد جلب الاحتلال إلى مصر هم وأفراد من العملاء المتعاونين معهم من العسكريين والأهالي؛ فمنذ مذبحة القلعة في الأول من مارس 1811، وحتى رحيل اليخت المحروسة في 26 يوليو 1952 جرت في النهر مياه كثيرة، اختلقت خلالها أحداث كثيرة، وتم صناعة عديد من الصنائع والخونة !! .. غير أن أهمها «هوجة عرابي»، وما أحاط بها من ملابسات كثيرة والتي انتهت باحتلال مصر، والاتفاق الودي بين إنجلترا وفرنسا في 8 أبريل 1904، وانطلاق «الفرسة الشقراء» وهو الاسم الحركي للثورة العربية في 10 يونيو 1916 وما تبعها من كوارث اتفاق في سايكس ـ بيكو أبريل 1916، ووعد بلفور في 2 نوفمبر1917 وضياع فلسطين وتمزيق خريطة المنطقة !!
هوجة عرابي:
ـــــــــــــــــــــــ

   لم يكن لأحمد عرابي أي ذكر يُحمد في التاريخ حتى قيام انقلاب 23 يوليو 1952؛ كان عرابي موضع احتقار المصريين بعد هروبه بحصانه من ميدان المعركة في التل الكبير تاركاً جنوده وعتاد جيشه؛ ليلحق بالقطار الذي يقله إلى القاهرة؛ ليسلم سيفه إلى الجنرال دووري لو الذي نظر إليه باحتقار، وطلب من عسكري المراسلة التابع له استلام السيف منه، والقبض على عرابي الذي سلم نفسه أسيراً للجيش الإنجليزي!! .. بعد عودة عرابي من منفاه كان العامة يبصقون في وجهه ويوسعونه ضرباً وسباباً .

   .. وقبل انقلاب 23 يوليو 1952 لم يكن للجيش دور في السياسة؛ فأراد ضباطه في إطار نسج ضفيرة تاريخية تؤصل لدور الجيش في السياسة المصرية؛ وأنه ليس أمراً مستحدثاً بل دور ضارب بعمق في التاريخ الوطني؛ فأمروا بطبع مذكرات أحمد عرابي التي أهدى نسخة مخطوطة منها أحد أبنائه للواء محمد نجيب .. هكذا ظهرت مذكرات عرابي مطبوعة في إصدارات مؤسسة دار الهلال بعد عزوف طويل عن نشرها .. حتى أن أحد أبنائه قد عرض على هدى شعراوي أن تتكفل بنفقات نشرها مقابل حذف الدور القذر الذي قام به والدها محمد باشا سلطان في مساعدة الإنجليز للوصول إلى القاهرة .

    لم يكن عرابي سوى أحد أراجوزات الأسرة العلوية؛ فلم يعرف عنه اهتمام بأمور السياسة أو الثقافة العسكرية، فهو عسكري متواضع رُقي من تحت السلاح، وكانت كل مطالبه هو وزملائه فئوية وتكشف الدراسات التاريخية الحديثة أن :

   « صاحب فكرة مظاهرة 9 سبتمبر 1881 هو الخديو توفيق نفسه؛ لأنه كان يريد التخلص من رياض باشا، الذي كان واقعاً تحت في يد القناصل الأجانب، وكانت لدى توفيق تجربة سابقة وهي تجربة والدة الخديو إسماعيل، عندما دبر مظاهرة لضباط الجيش في 18 فبراير 1878 وتسبب في سقوط وزارة نوبار باشا الذي لا يرغبه، فأراد الخديو توفيق أن يعيد التجربة، وكانت علاقته طيبة بعرابي لأنه كان متزوجاً من أخت (حرم) الخديو في الرضاعة، كما كان الخديو على صلة طيبة بعبد العال حلمي وعلي فهمي، فأراد أن يستعين بهما في مظاهرة محدودة لخلع رئيس وزرائه رياض باشا، لكن المظاهرة تمت بشكل أكبر مما يتصور الخديو، وتجاوزت الحدود المرسومة لها، فحاول الخديو أن يقف أمامها، ولكنه لم يستطع»* (1) .
   
    .. وهي عبرة الأحداث التي يسيطر صانعوها في البداية، ثم تسيطر عليهم النهايات !!

    الغريب  في الأمر أن كلاً من هوجة عرابي وانقلاب 23 يوليو 1952 أفضيا في النهاية إلى احتلال مصر؛ فالأول أفضى إلى احتلال الإنجليز لمصر، والثاني أفضى إلى احتلال الصهاينة لأجزاء من أربع دول عربية (مصر وسوريا والأردن وفلسطين بأكملها ) .
كانت ولاتزال نزاهة عرابي موضع شبهة يقول صديقه بلنت في كتابه بعنوان : « التاريخ السري لاحتلال انجلترا لمصر »:

   « في 26 مارس 1882 تسلمت خطابا من باتون ( موظف بوزارة الخارجية البريطانية) يقول : إنني في أشد الاشتياق أن يذهب مستر بلنت ويقابل ناتي روتشيلد الذي يكثر الذهاب إلى وزارة الخارجية البريطانية وإلى مستر جرانفيل .. وإنه ( بلنت ) يخدم الجميع خدمة عظمى إذا هو استطاع أن يوفق بينهم .. كان قرض روتشيلد يبلغ تسعة ملايين جنيه وكان لأسرة روتشيلد نصف هذا المبلغ، وكان المعتقد أن هذا المبلغ قد أصبح في خطر الضياع في مصر.
.........
...........»

    ويعقب بلنت : « لقد أخذت بعد ذلك أتعجب من معنى (أن يوفق بينهم) وماذا كان يقصد من هذا التوفيق. وقد خامرتني الشكوك بأن الغرض الحقيقي كان إرشاء عرابي بعدد من الأسهم حتى يخون بلاده، ويظهر أنه عرض على عرابي مثل هذا العرض بعد ذلك بشهرين عن سبيل أخرى»*(2)
وأيضا ألقى المؤرخ عبد الرحمن الرافعي ظلالاً من الشك حول قيام علاقة بين عرابي والإنجليز، مستعيناً بمزاعم الساسة الفرنسيين الذين ادعوا وجود اتفاق مسبق بين  عرابي والإنجليز على احتلال مصر !!

   لكن السؤال الأهم الذي لا يزال قائماً هو: لماذا أظهر الإنجليز هذا القدر الكبير من التسامح مع عرابي؟ ولماذا أصروا على الإبقاء عليه حياً بعد محاكمة هزلية لم تستغرق أكثر من خمس دقائق، وهم الذين جردوا الأساطيل للقضاء عليه؟.. وما مغزى الاتصالات التي جرت بين القاهرة ولندن للاتفاق على صيغة الاتهام ومنطوق الحكم .. حتى إذا وقف عرابي أمام قضاته، كان كل شيء قد تم إعداده مسبقاً .. وبدت المحاكمة مثل مسرحية متقنة الإخراج !!

مصطفى كامل :
ــــــــــــــــــــــــ

    في الوقت الذي كان مصطفى كامل يصب جام غضبه على أحمد عرابي كان يسلك نفس طريقه في الارتماء في أحضان الفرنسيين  الذين لعبت به أجهزة مخابراتهم منذ تخرجه في كلية الحقوق الفرنسية سنة   1995، من الذين اتخذوا انفعالاته وخطبه الحماسية ومقالاته التي جاءت أقرب إلى أعراض مرضى المغص الكلوي والتشنجات العصبية لتنغيص الوجود الإنجليزي في مصر .

    وفي النهاية ألقوا به في أحضان الصهاينة، يقول هرتزل في مذكراته: « الموفد المصري مصطفى كامل الذي كان قد زارني من قبل زارني ثانية
   .............
   ...........
   لقد دونته في مذكراتي؛ لأنه قد يلعب يوما ما دوراً في سياسة المشرق، حيثُ قد نلتقي ثانية . إنه سليل مضطهدينا في مصرايم (مصر) وتقوده طريقه إليّ أنا اليهودي طالباً مساعدتي الصحفية .. أشعر مع أني لم أخبره بذلك، بأنه لما يفيد قضيتنا أن يضطر الإنجليز إلى مغادرة مصر . فإنهم سيضطرون آنذاك أن يبحثوا عن طريق آخر إلى الهند بدلا من قناة السويس التي ستضيع منهم أو على الأقل تصبح غير مأمونة، آنذاك تصبح فلسطين اليهودية الحديثة مناسبة لهم ـ الطريق من يافا إلى الخليج الفارسي»* (3) .

    كان مصطفى كامل يخلط كثيرا بين الأوراق؛ فخلط بين المصرية والعثمانية كما قال في جوابه على شقيق اللورد كرومر عندما سأله: أنت مصري ولا عثماني ؟!؛ فكان جوابه مصري عثماني، وعجب الرجل وسأله كيف تجمع بينهما ؟!

    قال مصطفى كامل ليس في ذلك جنسيتين بل في الحقيقة جنسية واحدة، إن مصر بلد تابع للدولة العثمانية، والتابع لا يختلف عن المتبوع في أحكامه !!

    الأكثر غرابة هو موقف مصطفى كامل المتوسل أمام تمثال فرنسا في حركة هزليه تبدو شبه مسرحية عند أخذ يناديها ويناجيها :

   يا فرنسا يا من رفعت البلايا
                            عن شعوب تهزها ذكراك
  انقذي مصر إن مصر بسوء
                  وارفعي النيل من مهاوي الهلاك

     رغم أنه لم يكن في أدب فرنسا، ولا تاريخ ثورتها ما يدعو للثقة بنجدتها واستعدادها إنقاذ مصر أو سواها .
    ثم كان الاتفاق الودي 1904 بين إنجلترا وفرنسا، لإطلاق يد كل منهما في مستعمراتها، ولم يعد لمصطفى كامل حجة أو سند فراح يدعي أن عبثه اللفظي في حملته من أجل دنشواي هو الذي أنهي خدمة اللورد كرومر في مصر، وساهمت اللواء في إيهام الشعب المصري بذلك، والحقيقة كما هي مثبتة في الوثائق البريطانية أن إنهاء خدمة اللورد كرومر في مصر كان بسبب مرضه ونقد سياسته في مجلس العموم البريطاني، وأن اللورد كرومر هو الذي قدم استقالته .* (4)
مات مصطفى كامل في 10 فبراير 1908، وصارت والدته تنوح مولولة في المحافل : «قتلوك يا اللواء»، ولم تفصح السيدة عمن قتل ابنها؟!!

الثورة العربية :
ــــــــــــــــــــــــ

    كانت معركة التل الكبير 1882 وتصفية الهوجة العرابية؛ لتصبح بريطانيا صاحبة الوجود المباشر على أرض مصر متعايشة مع مظهرية السلطة العثمانية التي تحولت إلى مسحة شكلية لا تقدم ولا تؤخر من الواقع في شيء .

   ثم كانت الحرب العالمية الأولى التي تولت إنهاء الدور العثماني في المنطقة، وبدلاً من أن تأتي الثورة العربية معلنة استقلال العرب كما وعد الحلفاء انطلقت بدلاً منها أيدي المستعمرين في المنطقة، وذهبت أحلام العرب بالاستقلال والحرية أدراج الرياح، وقد أظهرت مراسلات الشريف حسين ـ مكماهون مدى الخيانة والعمالة القذرة وكشفت أي مصير ينتظر المنطقة !!*(5)، وقد أثبتت تلك المرسلات أن الشريف حسين وأولاده كانوا على علم بوجود معاهدة سايكس \ بيكو وجوهر مضمونها وأن تهمة الخداع التي أشاعها كانت محض كذب !!

    كانت استخبارات الدول الاستعمارية تبحث عن عملاء من المهووسين بالسلطة والمال، ولم يكن يهمهم سوى ذلك حتى لو أضاعوا أوطانهم .. كانت المعايير الاستعمارية في الانتقاء هي قدرة الشخص على تحقيق ما يطلب منه، وكان أكثر الذين وقع عليهم الاختيار من الشواذ جنسياً والمعطوبين أخلاقياً، يقول مؤلفا كتاب « صناع الملوك» : «إن انتقاء الحكام المحليين أو المساعدة على انتقائهم ساعد في ترسيم الحدود والحصول على أرباح مالية للشركات الخاصة»*(6)، وهو ما تكشف الكثير من أسراره جروتد تل عضو المكتب العربي في القاهرة (المخابرات الإنجليزية) تقول جرترود بل:

   «كانت مهمة المكتب تحت إشراف الجنرال كلايتون هي جمع الاستخبارات ورسم الخرائط وابتكار البروبجندا، وحفز العرب للثورة على الأتراك».

    وذكرت جرترود بل المبالغ المالية، وسبائك الذهب اللذين حصل عليهما كل من الشريف حسين وابن سعود .

    وفي أبريل 1920 أطلق مؤتمر دعا إليه الفرنسيون والبريطانيون في منتجع سان ريمو بالريفييرا الإيطالية  حيثُ أعلن المؤتمرون في 5 مايو دون استشارة رمزية للشعوب المعنية أن الأراضي العربية التركية سابقاً الممتدة من البحر المتوسط وحتى فارس ستخضع لسلطة الانتداب البريطاني الفرنسي، وتقسم سوريا العثمانية إلى لبنان موسع وسوريا متقلصة وكلتاهما تحت الانتداب الفرنسي، تقتطع فلسطين من سوريا وتوضع تحت الانتداب البريطاني ، مع إضافة شرط وهو تنفيذ وعد بلفور بإقامة وطن قومي لليهود هناك . وتخضع العراق بعد توسيع أراضيها على حساب سوريا بضم الموصل الغنية بالنفط وتخضع للنفوذ البريطاني .

بلطجي مصر
الذي صار ملكاً :
ــــــــــــــــــــــــــ

    ذهب محمد علي وجاء أبناؤه الذين لم يكونوا أسعد حظاً منه؛ غرق الخديو إسماعيل المُولع بكل ما هو أوربي في الديون، وتم خلعه .. وجاء توفيق ومعه الاحتلال، ومن بعده عباس حلمي الثاني الذي أبدى تعاطفاً مع الإمبراطورية العثمانية ليتم خلعه، ويلقى مصير جده، ويعين الإنجليز ولي العهد حسين كامل سلطاناً على مصر يوم 19 ديسمبر 1914 أي في اليوم التالي لإعلان الحماية البريطانية على مصر وعزل الخديو عباس حلمي الثاني، ولم تعد مصر ولاية عثمانية وأصبحت محمية بريطانية وأصبح الخديو سلطانا وتحول القنصل العام البريطاني إلى مندوب سامٍ.
    .. ومع الأيام الأولى من شهر أكتوبر عام 1917 كانت صحة السلطان حسين كامل تسير من سيء إلى أسوأ .

    ..   وفي يوم 8 أكتوبر جاء المندوب السامي السير رجنلد ونجت يسأل السلطان حسين كامل عمن يخلفه، ورشح السلطان ابنه الأمير كمال الدين حسين، إلا أن الأمير رفض !!؛ وبوفاة السلطان حسين كامل سقطت مصر في فراغ الحكم، ولم يجد الإنجليز من يشغل هذا الفراغ سوى الأمير أحمد فؤاد «بلطجي» الأسرة العلوية !!

الدولة تسدد
ديون السلطان :
ـــــــــــــــــــــــــ

     ولد الأمير أحمد فؤاد ابن الخديو إسماعيل عام 1868، كان الأمير فؤاد ـ حسب وصف عبد الرحمن الرافعي ـ وسيماً جميل الوجه، مهيب الطلعة، قوي البنية، بدين الجسم معنياً بصحته، .. ولكنه كان  مقامراً يطارد النساء بلا حياء يتشاجر مع طوب الأرض، يستدين ولا يسدد ديونه!!، ولم يكن يجد حرجاً ـ وهو الأمير ـ أن يستدين أو حتى يسرق ليزاول هوايته وإدمانه لعب القمار !!

    وفي عام 1893 قرر فؤاد الذي بلغ الخامسة والعشرين أن يتزوج، وكانت الأميرة شويكار بثروتها الخرافية هي الحل الأمثل لرجل بكل صفات أحمد فؤاد فتزوجها ليجد فيها طوق النجاة من أزماته !!

   .. لم يكد يمضي عام على الزواج حتى بدأت المشاكل تنفجر، ووصلت الدراما ذروتها بعد أن ضبطها أحمد فؤاد في أحضان رجل؛ فأوسعها ضربا، ولعناً في الآباء والأجداد، وذهبت شويكار لتقص على أخيها نصف الحكاية فقط؛  فيغضب شقيقها الأمير سيف الدين ويذهب ليطلق الرصاص على فؤاد في نادي الكلوب الخديو، ويسقط أحمد فؤاد على الأرض وقد أصابته إحدى الرصاصات في رقبته واستقرت فيها، ولم يفلح الأطباء في استخراجها وبقيت في رقبته حتى أخر يوم في عمره، وقد كانت سر النباح الذي يخرج من فمه إذا توترت أعصابه .

    يقول مصطفى أمين :

      « كان أول قرار أصدره السلطان فؤاد أن تتولى الدولة تسديد ديونه!!»
 وتولت الدولة تسديد ديون السلطان، وإذا بينها ديون متأخرة للبقال والجزار ولخدم الأمير وديون مستحقة لخزانة « نادي محمد علي وديون للترزي الإيطالي ديليه ثمن ملابس حصل عليها فؤاد ولم يدفع ثمنها، وبعض الديون لصاحبات بانسيوهات كان يتردد عليها الأمير!!

    .. وهكذا كان سلطان مصر يأكل بالشكك !! ويلبس بالشكك!! ويحب بالشكك!!».

   ولكي تكتمل الصورة كان زواج السلطان أحمد فؤاد من نازلي خطيبة الضابط سعيد زغلول الضابط بالحرس السلطاني والابن المتبنى لسعد زغلول .. كان زواج أحمد فؤاد أمراً من أمور الحكم أقرب منه أن يكون أمراً شخصياً عاطفياً ليمحو الصورة السيئة التي يعرفها عنه الشعب، وفي صباح يوم السبت  24 مايو 1919 بينما كانت أحداث الثورة تلف أجواء مصر بالغضب، تم عقد القران بحضور الشيخ أحمد هارون رئيس محكمة مصر الابتدائية الشرعية، بعد أن ألمت بالشيخ أبو الفضل الجيزاوي وعكة صحية منعته من عقد القران.* (7)
    
      كان فؤاد في الخمسين ونازلي في الخامسة والعشرين ( من مواليد 26 يونيو عام 1894 ) .. لتبدأ قصة من قصص القهر تركت ظلالها على الحكم في مصر، كتب بيرم التونسي بعضاً من شذراتها في بذاءات شعره، لكن الثابت أن نازلي لم تكن سوى جارية تحمل فوق رأسها تاجاً .

ملابس الملك
في سوق الكانتو :
ــــــــــــــــــــــــــــ
  
    عانت مصر من انتهاكات كثيرة أثناء حكم الملك فؤاد .. كما عانت نازلي من شذوذ تصرفاته !! وفي 30 أبريل 1936 توفي الملك فؤاد الذي كرهته كل مصر، ولم تكره نازلي رجلا أكثر منه  .. وتنفست مصر بموته الصعداء مع حالة من الإشفاق على فاروق الصبي ولي العهد .. كان إحساس الملكة نازلي تجاه الملك المتوفى ـ حسب رواية محمد التابعي ـ مزيدا من القرف والإحباط؛ فكان أن جمعت ملابسه ووضعتها في صندوق خشبي كبير، وأمرت أحد موظفي القصر أن يبيعها في سوق الكانتو، وعندما عاد ليعطيها ثمن الملابس، قامت «نازلي» بحرق هذه النقود، وكأنها تحرق كل ذكرى أليمة لها مع الملك الذي مات!!.

فاروق ملكاً :
ــــــــــــــــــــ

    عندما مات الملك فؤاد كان فاروق في سن 16؛ وهو ما جعل أفراد الشعب أسرى حالة عاطفية تجلت في شعور كل رجل في مصر أنه مسئول عن حماية ورعاية الصبي اليتيم، وبدت مظاهر الحالة فيما يحوطونه به من هالات العطف والحب.. وكان من الواجب أن يظل فاروق سنتين تحت سلطة مجلس الوصاية؛ وهو ما أثار مخاوف الملكة نازلي من الطامعين من الأسرة العلوية، وخاصة رئيس مجلس الوصاية الأمير محمد علي، ولتهدئة خاطر الملكة نازلي والتقرب إليها وكسب رضاها؛ نجح علي ماهر باشا في استصدار فتوى من علماء الأزهر وبعض علماء القانون بأن سن الرشد ثمانية عشر عاماً هجرية أتمها فاروق بعد 14 شهراً من وفاة والده أي في يوليو 1937 أي قبل عام من بلوغه سن الرشد حسب التقويم الميلادي.

     .. وهو ما جعل البعض يتوجس ثمة علاقة ما بين علي ماهر باشا ونازلي .. لكن آخرين يرون أنها المصالح السياسية الواسعة التي لا يجوز حصرها في علاقة ضيقة تجمع بين رجل وامرأة !!

نازلي .. « الملكة الأم » :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    كانت نازلي ترى أن حياتها مع الملك فؤاد جعلتها ملكة على الورق، وأنثى على الورق، فأرادت أن تستعيد ما فقدته الأنثى؛ أن تعوض ما فات الملكة.. فانطلقت من قيودها لتصبح واحدة من ثلاث نساء في مصر يتحكمن في شئون الحكم، ويمسكن بخيوطه من وراء الكواليس، وهن الليدي لامبسون زوجة السفير البريطاني، ونازلي، وزينب الوكيل زوجة النحاس باشا .

    وفي 16 يناير 1938 وقبل ثلاثة أيام من عقد قران فاروق وصل إلى إلي رئيس الوزراء مصطفى النحاس باشا وإلى رئيس الديوان الملكي علي ماهر باشا الأمر الملكي رقم 5 لسنة 1938 بتوقيع فاروق لتنفيذه فوراً جاء فيه :

« نحن فاروق الأول ملك مصر

    نظراً لما نكنه لحضرة صاحبة الجلالة الملكة والدتنا العزيزة من عواطف الإجلال والإكرام، ولما نراه من اقتران اسمها الكريم بلقبها العظيم  من تمجيد ذكراها فوق ما لها من عظيم المكانة وجليل الاعتبار أمرنا بما هو آت :

    يكون لقب صاحبة الجلالة الملكة والدتنا العزيزة منذ الآن « حضرة صاحبة الجلالة الملكة نازلي». على رئيس مجلس الوزراء ورئيس ديواننا تنفيذ أمرنا هذا » .

   وهو الأمر الملكي الذي تم إلغاؤه بالأمر الملكي رقم 38 لسنة 1950 في 1 أغسطس 1950.

   وكان معنى هذا ببساطة أنه توجد في مصر ملكتان، وأن يترتب على هذا الوضع صراع  بين الملكة الأم والملكة الزوجة .. بين امرأة مجربة ذات حضور طاغٍ وترغب في تعويض ما فاتها، وبين فتاة غرة تعيش أسيرة أحلامها بمنطق يحكمه الطيش وعدم تقدير العواقب!!

زيجتان لنازلي
بعد الملك فؤاد :
ــــــــــــــــــــــــ

    تردد أن نازلي تزوجت بعد موت الملك فؤاد من علي ماهر باشا، وهو قول لم نجد له دليلا سوى في هتافات بعض الغوغاء، خاصة أن تلك الهتافات لم تحمل أية مطالب سياسية أو اجتماعية، ولم تكن تهدف سوى الإساءة لذات الملك :

يا ملك البلاد يا زين
يا فاروق يا نور العين
أمك اتجوزت اتنين
علي ماهر وأحمد حسنين

     لكن الثابت هو زواجها السري من أحمد حسنين باشا ..أما غير المؤكد فهو توقيت هذا الزواج ، فهناك ثلاث روايات عن توقيت الزواج :
   ـ رواية مصطفى أمين التي يؤكد فيها أن الزواج تم في عام 1937  .
   ـ رواية مصطفى النحاس أن الزواج تم في عام 1940.
   ـ رواية محمد التابعي أن الزواج تم في عام 1943.

   .. يؤكد مصطفى أمين أن الشيخ مصطفى المراغي شيخ الجامع الأزهر هو من قام بعقد القران، وكان شاهدا العقد أحمد لطفي السيد باشا وجعفر والي الوزيرين السابقين.

   لكن لمحمد التابعي رواية أخرى أن أحد شهود العقد هو سليمان نجيب بك مدير دار الأوبرا، وربما كان الشاهد الثاني مراد محسن باشا ناظر الخاصة الملكية، أو لعله أحد خدم الملك فاروق المقربين وقد حضره الملك فاروق، وأن الذي تولى العقد محام شرعي لم أوفق «التابعي» في معرفته، ويختم التابعي شهادته : « بأنه لا يستطيع أن يقطع بقول».!!

مصرع حسنين
وسرقة أوراقه :
ـــــــــــــــــــــــــ

   لقي أحمد حسنين باشا مصرعه في حادث سير فوق كوبري قصر النيل في 19 فبراير1946 ، ووصل خبر وفاته إلى الملك فاروق .. ويروي محمد التابعي كيف أن فاروق في تلك اللحظة كان يرتدي بيجامة وفوقها روب، وفي قدميه شبشب وأسرع واستقل إحدى سياراته إلى دار حسنين، وبعد أن ألقى نظرة على جثمانه قائلاً : « مسكين يا حسنين»، سأل بعدها عن مفاتيح مكتب حسنين، وتناولها ودخل غرفة المكتب، وأغلق الباب وراءه، وكان فاروق يبحث عن أية مذكرات يكون حسنين قد كتبها، وعن عقد زواجه بأمه الملكة نازلي، وعن أية أوراق هامة أخرى!!

     .. وأكد مصطفى أمين ما جاء بشهادة التابعي .

    يضاف إلى الشهادتين السابقتين شهادة رجل لا نعول على مصداقيته كثيراً لمواقفه الملتبسة، وتناقض أقواله، وتورطه في حوادث قتل بالأجر ضمن تنظيم «الحرس الحديدي»، وهو مرتضى المراغي باشا،  حيثُ يؤكد سيد جاد ضابط الحرس الحديدي أن مرتضى المراغي بصفته وزير الداخلية كان يصدر أوامر صريحة بعدم التعرض لنا .. وإذا حدثت لنا أي مشكلة كان يتدخل بنفسه لحلها»* (8) 

   يقول المراغي في مذكراته :

    «إن الشيخ المراغي قضى فترة مرضه الأخير في مستشفى المواساة في الإسكندرية، كان يكتب خلالها الفصول الأخيرة من مذكراته حتى انتهى منها، وكان أبناؤه يعلمون بأمر هذه المذكرات- ومنهم طبعا مرتضى المراغي- كما كان مدير المستشفى يعلم بها أيضا وكان يعتبر من حاشية الملك، ومات الشيخ المراغي فجأة واكتشف أبناؤه اختفاء هذه المذكرات، ثم علم مرتضى المراغي بوسائله في وزارة الداخلية أن فاروق كان أول من علم بنبأ وفاة الشيخ، وأنه أسرع إلى المستشفى ودخل غرفة الشيخ للصلاة عليه، وأغلق الباب عليه وليس معه غير أحد مرافقيه، ثم خرجا وبعدها اكتشفوا اختفاء مذكرات شيخ الأزهر الذي كان يضيق بتصرفات فاروق وباستهتاره، ويختلف معه في كثير من المواقف.» .

   .. ولا شك أن حكاية ضيق شيخ الأزهر بتصرفات فاروق وباستهتاره، واختلافه معه في كثير من المواقف.. تحتاج إلى إعادة نظر، وتدقيق ومقارنة مع السيرة الذاتية لشخصه، فالرجل لم يكن سوى أحد عبيد إحسانات الملك!!

سر كراهية فاروق
للنحاس وأمين عثمان :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    كان فاروق الملك الشاب أسير مخاوف الخلع، وكانت فكرة خلعه محل نظر السلطات البريطانية من حين إلى آخر، وكانت أول مرة طرحت فيها هذه الفكرة على بساط البحث يوم 30 أكتوبر 1937 عندما طرحها أمين عثمان بإيعاز من النحاس باشا رئيس الحكومة آنذاك على السفير البريطاني في القاهرة مايلز لامبسون وإحلال الأمير محمد عبد المنعم محله .

    كان النحاس باشا يجري الاتصالات بالإنجليز منذ جلوس فاروق على عرش الحكم عبر رجلهم أمين عثمان باشا لإقناع الإنجليز بأن فاروق مجرد طفل لا يصلح للحكم وأنه من الأفضل عزله !!

   وظل الرجلان يكرران الطلب على سلطات الاحتلال في مناسبات عدة، وكلما سنحت الفرصة؛ ومن أجل هذا تأصلت الكراهية في نفس الملك فاروق للرجلين النحاس باشا وأمين عثمان باشا .

الحرس الحــديدي :
ــــــــــــــــــــــــــــــ

   ساعد حادث القصاصين على توثيق العلاقة بين الملك فاروق ود.يوسف رشاد الطبيب بالبحرية الملكية والذي تولى تمريضه بعد الحادث، وأصبح د. يوسف رشاد واحدا من حاشية الملك يرافقه في رحلاته، ومنها رحلة قام بها إلى بحيرة قارون بالفيوم لصيد البط، وكانت العادة أن يجتمع الصيادون بعد انتهاء ساعات الصيد في الاستراحة الخاصة بالملك ومع كل منهم صيده، وكان أكبر صيد في ذلك اليوم هو ما اصطاده الملك، وقد تقدم إليه أحد أفراد حاشيته مهنئاً على مهارته، ولكن الملك فاروق  بعد كلمة شكر تنهد قائلاً، وهو يشير إلى البط المُلقى على الأرض: « وددت لو كان هذا البط رجالاً»، وسمع الحاضرون كلمة فاروق، وسادهم الصمت الممزوج بالدهشة إلى أن ضحك قائلاً :

    « انظروا إلى هذه البطة الكبيرة ـ وأشار إليها بأصبعه ـ أتدرون من وددت أن تكون؟!»، ولم يستمع الملك إلى إجابة أحد منهم واسترسل ضاحكاً : «وددت لو كانت مصطفى النحاس باشا .»، وعاد فاروق يتساءل: هل يستطيع أحدكم أن يقول من أريد بديلاً عن هذه البطة ؟!، وصاح أحدهم قائلاً : «أنا أعرف يا مولاي .» ، وقال فاروق متحدياً : « إذن سأعطيك ريالاً إذا قلت من هو ؟!» وأجاب الرجل : « إنه ولي العهد الأمير محمد علي».، وقال الملك : « لقد خسرت الرهان ، إنه أمين عثمان الخائن عميل الإنجليز».
بعد أيام استدعى الملك د.يوسف رشاد وزوجته ناهد شوقي بكير الشهيرة بـ «نهى رشدي»، وكلفهم بتشكيل الحرس الحديدي، وتنفيذ رغباته في التخلص من خصومه، يقول سيد جاد ضابط الحرس الحديدي:

    « كانت ناهد رشاد تقوم بنفس دور زوجها، وكان لها الحق في إصدار الأوامر، بل كانت تتولى الأمر كله عندما لم يكن موجوداً»* (9)
« كما كانت تشرف على سيدات الحرس الحديدي، وهن مجموعة من السيدات لهن علاقة وثيقة بالحرس الحديدي، وتشرف عليهن ناهد هانم (ناهد رشاد) وكان عددهن خمس سيدات»*(10) كانت معظمهن من أصول أجنبية أو من أمهات أجنبيات!!
وبالفعل قام الحرس الحديدي بقتل أمين عثمان باشا، بينما أخفق قي ثلاث محاولات لاغتيال النحاس باشا .

الاتصالات السرية
بين فارق والألمان :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

   كان الملك فاروق يكره الإنجليز رغم أنه درس في بريطانيا، لأسباب بعضها يحمل بعداً تاريخياً، من أهمها دور بريطانيا في حرمان جده محمد علي من تحقيق حلمه ببناء إمبراطورية في مصر، وانتهاء باحتلال مصر سنة 1882، وبعضها شخصي لإهمال بريطانيا له، وطرح فكرة خلعه من آن لآخر، وكان لدور المربين الشق الأكبر في تكوين ميول الملك وتوجهاته السياسية نحو ألمانيا والمحور، ويأتي دور عزيز المصري باشا على رأس من لعبوا هذا الدور، فقد تم اختياره رائداً للملك فاروق حين أرسله والده الملك فؤاد للدراسة في بريطانيا، ومن ثم نجح في غرس الإعجاب بعظمة الجيش الألماني في نفس الأمير، حيثُ كان الرائد معجباً بقوة ألمانيا العسكرية ونظامها وتفوقها على غيرها من الدول الأوربية .

    ويعد علي ماهر باشا ثاني المسئولين عن توجيه فاروق نحو ألمانيا والمحور فقد تولى فاروق عرش البلاد في 28 يوليو 1937 وأصدر قرارا بتعيين علي ماهر باشا في منصب رئيس الديوان في أكتوبر 1937 ؛ فكان لعلي ماهر باشا نفوذ كبير على الملك فاروق ولصغر سن الملك نجح علي ماهر باشا في دفعه لانتهاج سياسة محورية معادية لبريطانيا، وخاصة عندما سقطت دول أوربا واحدة تلو الأخرى خلال الشهور الأولى من الحرب .
   .. إضافة لأسباب أخرى فقد كان الملك يعتقد أن الفيلق الألماني الأفريقي على وشك دخول القاهرة، وكان يهدف من الاتصال بالألمان تحقيق ثلاثة أمور :

   1 ـ الحفاظ على عرشه بعد أن علم باتصالات تجري بين الخديو عباس حلمي الثاني والألمان .

   2 ـ الحفاظ على القاهرة من أن ينالها أي تدمير أو تخريب .

   3 ـ استبدال الاحتلال الإنجليزي لمصر باحتلال ألماني حال فوز «المحور»، وتجنيب مصر خطر الاحتلال الإيطالي لما أظهره الإيطاليون من سوء في ليبيا، وكانت الحكومة الإيطالية تنظر إلى مصر على أنها من مناطق مجالها الحيوي، وتتطلع للانفراد بها دون منافسة من أحد .

    ولهذا سعى الملك فاروق للاتصال بالأمان عبر قنوات سرية أهمها :

   الأولى في طهران : وهي قناة مباشرة مثله فيها والد زوجته ووزيرة المفوض في العاصمة الإيرانية يوسف ذو الفقار باشا، ومثل الجانب الألماني إيتل وزير ألمانيا المفوض في العاصمة الإيرانية .

    أما القناة الثانية، فكانت من بغداد : وهي غير مباشرة، وقد شارك فيها أكثر من طرف، حيثُ بدأت بعزيز المصري وغيره من أصحاب الميول المحورية ومن خلال الحاج أمين الحسيني ، كما شارك فيها وزير إيطاليا المفوض في العاصمة العراقية، وانصبت في النهاية لدى وزارة الخارجية الألمانية في برلين. *(11) 


نازلي لم تكن عاهرة
وفريدة سقطت في شبهات :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    بعد طلاق الملك لفريدة جابت المظاهرات الشوارع تهتف : « خرجت الطهارة من بيت الدعارة».. كانت كلمة « الدعارة»  تأتي في سياق الطعن في الملكة نازلي، والحقيقة التاريخية أنه لم تكن الملكة نازلي داعرة، ولم تكن فريدة طاهرة!! .. كانت للملكة نازلي نزواتها لكنها لم تكن عاهرة كما حاول البعض تصويرها.. تزوجت نازلي زواجاً سريا لاعتبارات كثيرة يمكن تفهمها، لكنها لم تسقط في مستنقع الرذيلة الذي سقطت فيه الملكة فريدة ( صافيناز ذو الفقار) عبر علاقات تحيطها شبهة بأحد الرسامين الأمريكان الذين يعملون لحساب القوات البريطانية في مصر، وهو ما دفع الملك فاروق لمهاجمه مسكنه لضبطها لكن زملاءه قد تمكنوا من تهريبها من سلم الخدم!!
  
    .. كما أن علاقة الملكة فريدة بالنبيل وحيد يسري كان موضع تقولات منتديات مجتمع القاهرة، مما حدا بالملك فاروق لتلفيق قضية حيازة قنابل له، لكن محكمة جنايات القاهرة برأته منها، وفي إطار الكيد له أصدرت وزارة الداخلية قراراً بحصار داره، وبقاء المراقبة عليه على مدار الساعة مما حدا به للجوء إلى محكمة القضاء الإداري لإلغاء القرار، وقدم محاميه الأستاذ مصطفى الشورى للمحكمة حكم البراءة في قضية القنابل التي كان متهماً فيها . *(12)

     شهادة سيد جاد ضابط الحرس الحديدي تؤكد وجود علاقة ما بين الملكة فريدة ووحيد يسري يقول سيد جاد إن : « الملكة فريدة ذهبت لمقابلة وحيد يسري باشا في إحدى الفيلات بشارع أحمد حشمت بالزمالك، وبعد التأكد من خيانتها للملك عن طريق مراقبتها، حاولت أن اقتحم الفيللا لقتلها، ولكن باقي الضباط منعوني»*(13)
   
    كان الملك فاروق يتشكك في نسب أصغر بناته الأميرة فادية!!، وعند طلاق الملك لفريدة طلب فاروق من شيخ الأزهر طلباً غريباً هو أن يوضع شرط في وثيقة الطلاق ينص على عدم جواز زواجها من أحد بعد الملك .. عادت فريدة تحمل اسمها القديم «صافيناز ذو الفقار»، حاول الملك فارق استصدار فتوى من علماء الأزهر بعدم جواز زواجها من آخر أسوة بحالة «نساء النبي» في التشريع الإسلامي لكن تلك الرغبة الحمقاء في الانتقام لاقت صدوداً من علماء الأزهر ورجال القانون؛ فلم يوافقوه .

الملك ضحية امرأتين :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   كان الملك فاروق ضحية الصراع بين امرأتين الأم والزوجة .. كانت الأم ترغب في تعويض ما فاتها من سنوات قضتها في سجن الحريم أثناء زواجها التعس من الملك فؤاد، الذي لم يكن يتورع عن صفعها وجلدها بالكرباج؛ وهو ما تسبب للملك الشاب في كثير من الحرج، والزوجة الشابة التي أرادت أن ترتوي بحالة من النشوة لم يستطع الملك الشاب أن يصل بها إلى غايتها بعد تفاقم حالته الصحية على أثر حادث القصاصين؛ مما جعل الأطباء يصفون له غذاء من بعض أنواع الأسماك والقواقع البحرية!! وهو ما كان موضع العديد من برقيات السفارة البريطانية .

     ظللت فريدة إلى آخر يوم في عمرها تعتقد أنها ضحية سحر أعدته لها نازلي كي تعذبها في كل مراحل حياتها .. « وأن لعنة خفية تطاردها أينما حلت»*(14)، ترددت فريدة على أحد المشعوذين في صعيد مصر عندما زارت القاهرة ليفك لها ذلك السحر .*(15)

    عاشت المرأتان نازلي وفريدة حياة بؤس وشقاء، وندم بعد موت الملك فاروق؛ كان مبعث الندم هو إحساس المرأتين بأن مسلكهما هو الذي عجل بنهاية عرش فاروق، وتغيير وجه التاريخ في مصر .. وتوفيت الملكة نازلي بعد حياة صعبة في 29 مايو 1978، وأقيمت طقوس دفنها في إحدى كنائس لوس أنجلوس، وماتت فريدة بعد حياة قاسية تكالب عليها فيها بين العوز والمرض في 16 أكتوبر 1988 ودفنت في مقابر أسرتها بالقاهرة .
كان كل ما أشاعته الملكة فريدة من مساوئ عن فاروق عقب الطلاق كان من قبيل «كيد النساء»، وهو ما عادت وتراجعت عنه في اعترافاتها لصديقتها الصحفية لوتس عبد الكريم؛ فالملك فاروق لم يشرب الخمر، ولم يتذوقها طوال حياته، وكان يكره رائحتها!!، ولم تكن له علاقات نسائية بالصورة التي أُشيعت عنه، وهو ما يوضحه سيد جاد ضابط الحرس الحديدي بقوله :

   « تزوج الملك فاروق أكثر من مرة من مصريات بعقد عرفي .. وأنجب عددا من البنات مازلن يعشن في مصر حتى الآن؛ فبعد أن أنجب الملك فاروق ثلاث بنات خشي على عرشه من أن تنتقل ولاية العهد إلى الأمير محمد علي؛ فنصحه بعض المقربين  أن يتزوج زواجاً عرفياً سراً؛ فإذا أنجبت بنتاً طلق زوجته، وأعطاها مبالغ كبيرة، ومركزاً مرموقاً لأسرتها، وإذا أنجبت ولدا يعلن هذا الزواج على الملأ .. لأنه لم يكن معقولاً ولا مقبولاً أن يظل الملك في حالة زواج وطلاق علني مستمر من أجل إنجاب ولي العرش» * (16)

أما عن بوللي الذي أُشيع أنه قواد الملك يقول سيد جاد إنه:

 «بوللي الشهير كان أخا غير شرعي للملك فاروق من عشيقة إيطالية للملك فؤاد»*(17) 

فاروق بن نازلي
ســــــــبط النبي :
ــــــــــــــــــــــــــ

    وعندما ولي الملك فاروق عرش مصر استضافت الصحف الصادرة في القاهرة آنذاك السيدة  التركية عائشة جلشان مرضعته للتحدث عن كيفية اكتشافها لأمارات النبوغ وعلامات الفطنة في جلالة الملك وهو مازال رضيعاً على صدرها!!، كان حلم خلافة المسلمين يداعب خيال فاروق فلما أوعز له «أراذل المحتالين» بالذهاب إلى مسجد قيسون وإمامة الصلاة في يوم جمعة .. بعد الصلاة انتشرت في المدينة مقولة مفادها أنه : « من علامات الساعة إمامة الغلمان»  .

    ولم يتراجع فاروق فطلب من حسن الجندي وزير الأوقاف في 21 يناير 1952 أمام النحاس باشا شهادة نسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فكلف الوزير حجازيا معروفاٌ باصطناع الأنساب وهو الأستاذ أمين التميمي ـ سبق أن اصطنع نسباً مزيفاً للملك عبد العزيز آل سعود بنسبته إلى النبي ـ ببحث الموضوع، وبعد فترة قدم المستندات الدالة على نسب الفاروق للنبي، وتم عرضها على نقابة الأشراف التي أصدرت قرارا بذلك.* (18)

   .. وانتشرت النكات في أرجاء القطر عن فاروق بن نازلي حفيدة سليمان الفرنساوي الذي أصبح سبطاً للنبي صلى الله عليه وسلم .

قضية الأسلحة الفاسدة :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   كانت قضية الأسلحة الفاسدة مجرد « كذبة» استخدمها ضباط انقلاب يوليو كـ «ورقة دعاية» مجانية لتبرير الهزيمة في فلسطين، وكـ «مسوغ» للانقلاب على الملك كما جاء في شهادات كل من : اللواء محمد نجيب، واللواء جمال حماد، وعبد الطيف البغدادي، والصاغ حسين حمودة، وخالد محيي الدين، وثروت عكاشة، وأحمد حمروش، واللواء حافظ إسماعيل، وفي حيثيات الحكم الصادر من محكمة جنايات القاهرة بعد انقلاب 23 يوليو 1952 !!

حريق القاهرة :
ـــــــــــــــــــــــــ
 
    كان من الطبيعي أن تنطلق مشاعر الغضب الشعبي لما حدث لجنود الشرطة في الإسماعيلية يوم الجمعة 25 يناير 1952، وبعيدا عن مشاعر الفخار الوطني التي جعلت من اليوم عيداً للشرطة، وبمعالجة الأمر في إطار منهج «السببية التاريخية»؛ فهجمات من أسموا أنفسهم بالفدائيين قد ألحقت خسائر بالقوات البريطانية، وكان لابد من إجراءات مضادة من جانب القوات البريطانية، فكان حريق كفر عبده، وكان حصار مديرية أمن الإسماعيلية، وكانت حماقة فؤاد سراج الدين وزير الداخلية الذي أصدر أوامره بعدم الخضوع للتهديد، ودعاهم إلى المقاومة في صراع غير متكافئ، قتل فيه أكثر من خمسين مصريا وجرح أكثر من مائة.

   في صباح يوم 26 يناير 1952 انطلقت مظاهرات الطلبة والعمال وبعض عساكر بلوكات النظام (الأمن المركزي) منددة بما حدث، وكانت المظاهرات التي أطلق عليها اسم «مظاهرات السبت الأسود» متعددة ومتفرقة وذات طابع سلمي، ولا تحركها قيادة واحدة منظمة كانت هناك مجموعة مجهولة الهوية يرتدي أفرادها ملابس ذات لون موحد، قدر عددها في مختلف الروايات بنحو ثلاثين فردا، انطلقت وسط القاهرة تضرم النار في الملاهي والبارات والمحال التجارية والشركات المملوكة للأجانب دون تمييز. وأجمعت مختلف الشهادات أن فرقة إضرام النار كانت على مستوى رفيع من التدريب، وعلى درجة عالية من الاستعداد؛ إذ كانت مجهزة بوسائل النقل التي تسهل حركتها وبالمواد الملتهبة ( صفائح البنزين، مسحوق مساعد على الاشتعال، كرات القماش، أدوات حديدية لكسر أبواب المحلات)، وهم يضرمون النار بأسلوب متقن لتندلع في الهدف بصورة يصعب معها إنقاذه، ثم ينتقلون بسرعة وخفة لهدف آخر . كما أنهم لم يتحركوا كفريق واحد، بل كانوا ينقسمون إلى مجموعات صغيرة لكل منها جدول أعمال محدد ومهام معلومة .*(19)
وكان من المنطقي أن تعجز فرق الإطفاء بإمكانياتها المتواضعة عن مواجهة هذا الحريق الهائل .

   .. ولم ينجح أحد في تسجيل شهادة فؤاد باشا سراج الدين وزير الداخلية آنذاك عن الحادث، رغم محاولات جادة من المؤرخين د. عبد العظيم أنيس ود. رءوف عباس .. ابتلع الرجل لسانه إلى آخر يوم في حياته، وترجع أهمية شهادة سراج الدين أنه هو الذي صرح لبعض الهواة بممارسة أعمال الكفاح المسلح ضد الإنجليز في القناة، رغم اقتناعه بعدم جدواها، وهو الذي أصدر الأوامر لجنود الإسماعيلية بخوض تجربة حمقاء بأسلحة خفيفة في مواجهة عتاد جيش لا قبل لهم به !!.

   .. والحقيقة من وجهة نظري أن فؤاد باشا سراج الدين كان ينفذ سيناريو مرسوما أعده له الأمريكان الذي أصبح أحد رجالهم في مصر، وأصبح هو يتطلع إليهم ليصبح رئيساً للوزراء*(20) حسب ما جاء في برقية جيفرسون كافري السفير الأميركي في القاهرة إلى حكومته في 21 أكتوبر 1949، ويأمل في زعامة حزب الوفد بعد أن انتهى الدور التاريخي للنحاس باشا ـ حسب مزاعمه ـ وأنه يجب إقناع النحاس باشا بالاعتزال، والاكتفاء بتوليه الزعامة الشرفية للوفد، وأن فؤاد باشا سراج الدين هو الذي أجرى اتصالات بالسفارة الأميركية، والوفد خارج السلطة في 3 أبريل 1952 لتمكين الوفد من العودة إلى الحكم عن طريق اتفاقية سرية بين سراج الدين والسفارة الأميركية تقوم الولايات المتحدة بمقتضاها بعقد اتفاقية بين مصر وبريطانيا ترضي الطرفين، ويتولى فؤاد باشا سراج الدين بعد الانتخابات منصب رئيس الوزراء، وفي مقابل ذلك يعقد اتفاقية مع بريطانيا خلال أسبوعين، وخلال أسبوعين تاليين يبدأ مفاوضات حول الدفاع عن الشرق الأوسط تلعب فيها مصر دوراً كاملاً، مع تعهده بالتوصل إلى تسوية سلمية مع إسرائيل،*(21)  وقد أفادت برقية جيفرسون كافري السفير الأميركي في القاهرة أن الذي نقل رسالة فؤاد باشا سراج الدين ممثل له إلى أحد مسئولي السفارة الأميركية.

    وانطلقت الشائعات تتهم الملك فاروق والإنجليز بحريق القاهرة، ولم يكن للملك مصلحة في ذلك؛ فهو الذي أجرى اتصالات سرية بالألمان من أجل الحفاظ على سلامة القاهرة، وقد كلف المصور الخاص به رياض أفندي شحاتة بتصوير وقائع الحريق، وقد خلفت لنا الجمعية الملكية للتصوير الفوتوغرافي سجلا هائلا من الوثائق المصورة عن حريق القاهرة، .. وأيضا كان الإنجليز لا يريدون تأجيج الغضب الشعبي ضدهم أكثر من ذلك بدليل محاولة تدارك الموقف الذي تورطت فيه قواتهم بالسماح لمن بقي على قيد الحياة من جنود الشرطة بالخروج من مبنى مديرية أمن الإسماعيلية بأسلحتهم وأداء التحية العسكرية لهم؛ لذا انحصر الاتهام في الأمريكان الذين كانوا يريدون تهيئة المناخ، وخلق الظروف المناسبة لمخططهم في المنطقة، واستعانوا في ذلك بالمتعاونين معهم  من تنظيم «الضباط الأحرار»، ولدينا شهادتان مهمتان :

الشهادة الأولى :
ــــــــــــــــــــــــــ

    يقول سيد جاد ضابط الحرس الحديدي عن البودرة الحارقة التي استخدمت في حريق القاهرة :

   « تعرفت على امرأة متزوجة طلبت مني خدمة، وهي أن أساعد زوجها ( عبد الحميد بك) لنقل بعض الأشياء من بلبيس، ولكوني ضابطا، ولن يجرؤ أحد على طلب تفتيش عربة بها ضابط جيش»، ويحكي عن مقابلته لخمسة من المالطيين الذين أحضروا هذه الشحنة، وعن دوره في ضبط العربة بعد أن تسلل بحجة صلاة الفجر وذهابه إلى أقرب قسم شرطة وإبلاغ يوسف رشاد عن الواقعة ويستطرد سيد جاد :

   « ناولني الرجل ( عبد الحميد بك ) ألف جنيه وهو يشير إلى الشحنة ويقول : « كلها أشياء مفيدة .. فالبراميل الصغيرة بها «بوية» .. الحشيش مطلوب للجميع .. أما السلاح فللفدائيين» * (22)

    ويقول سيد جاد :

    « اتضح ، بعد ذلك ـ أن البراميل الخشبية الصغيرة كانت تحتوي على مادة تشتعل بمجرد الضغط أو الاحتكاك بينها وبين أي جسم صلب ..  وهي نفس المادة التي استخدمت فيما بعد في حريق القاهرة!!»(23)

الشهادة الثانية :
ــــــــــــــــــــــــ
    هي شهادة حسن العشماوي في مذكراته بعنوان : «مذكرات هارب» والتي يتهم فيها صراحة عبد الناصر وتنظيم « الضباط الأحرار» بتدبير حريق القاهرة يقول حسن العشماوي :

    « وبمجرد أن انتشرت النار المشتعلة في القاهرة وبدأ النهب يدور في المتاجر والطرقات، اتصل عبد الناصر  بمكتبي تليفونيًا، فقيل له: إني على سفر فذهب لفوره إلى الصاغ صلاح شادي يطلب منه أن يتسلم عني بعض الأسلحة والذخائر والقنابل الموجودة في بيته وبيوت زملائه والمسروقة من الجيش، لأنه يخشى أن تفتش بيوتهم فتضبط فيها تلك الأشياء، وهي كفيلة بأن توقع بهم أشد العقاب. أما بيوت الإخوان فهي في مأمن من تفتيشها، إذ المعلوم لدى الجميع أن الإخوان كانوا يعاونون في إطفاء الحرائق وفي استتباب الأمن ومنع الفوضى أن تنتشر في القاهرة .

    وسارت بضع سيارات ـ منها سيارتي وسيارة عبد الناصر الأوستن السوداءـ تنقل قنابل حارقة ومواد ناسفة وسط شوارع القاهرة المشتعلة، جمعت تلك المواد من بيوت عبد الناصر وزملائه الضباط، وكدست في جاراج بيتي دون تنظيم أو صيانة أو وقاية من مخاطرها الشديدة، وها هي ذي الآن أمامي.. عليّ أن أتصرف فيها...!!

   لم أسأل نفسي وقتذاك عن سبب وجود تلك المواد في بيوت عبد الناصر وزملائه، فقد حرصنا منذ بداية تعاوننا في القتال أن نجنبهم الشبهات، وأن نتسلم أولاً بأول ومن محطة القاهرة أو طريق السويس، وما يصل من ذخيرة لنخرجه فورًا من العاصمة إلى مواقع استعماله.

   لم أسأل نفسي ولم أسأل عبد الناصر سبب وجود تلك الأشياء عندهم، فقد كان كل ما يعنيني أن أنقذ رقابهم في ذلك الوقت العصيب.

   بدأت أنقل تلك المواد إلى مزرعة يملكها أهلي في مديرية الشرقية وأحضر إليّ عبد الناصر تصميمًا هندسيًا لمخزن ذخيرة.. وحفرنا في المزرعة وتحت الجاراج، وأنشأنا المخزن دون أن يعلم أحد من أهلي أو من سكان المزرعة ما يدور وراء سور الحديقة، وخلف باب الجاراج المغلق لم يعلم أحد بوجود تلك الأشياء إلا من وضعوها في المخزن وزوجتي التي كانت تصحبني إلى هناك لتشرف على ما نحتاجه من طعام. لن أنسى تلك الأيام التي كنت أجتاز فيها نقط المرور في القاهرة والأقاليم وأطفالي يجلسون فوق صناديق يخشى كثير من الرجال الاقتراب منها... وهم مع ذلك لاهون يغنون لأنهم لا يعلمون على أي خطر يجلسون..!! 

   وعندما كنا نرسي تلك المواد في المخزن تأكدت أن فيها كمية كبيرة من القنابل الحارقة والمواد الناسفة وصندوقين من مادة الـ « ت. ن. ت.» شديدة الاحتراق. وكان عبد الناصر لم يقدم لنا شيئًا من هذه المواد طوال معركة القناة، وعرفت من التحقيق الذي أجرته النيابة عن حريق القاهرة أن مادة الـ « ت. ن. ت.» هي أول ما استعمل في الإحراق.. وهي مادة لا يستطاع الحصول عليها في مصر إلا من مخازن الجيش، وقد أثار كل ذلك شكوكي ولكني لم أرد أجعل الشك سندًا لأحكامي، وحين سألت عبد الناصر عن سبب ضنه علينا بمثل تلك المواد أثناء المعارك كان رده ـ ببساطة ـ إنها لم ترد إلا أخيرًا.»

    قال عبد الناصر عن حريق القاهرة إنه : «أول بادرة لثورة اجتماعية على الأوضاع الفاسدة، وحريق القاهرة هو تعبير شعبي على ما كانت ترزح فيه مصر من إقطاع واستبداد رأس المال» ـ نقلا عن كتاب أحمد أبو الفتح بعنوان ناصر ، ص 314ـ  فحريق القاهرة من وجهة نظر عبد الناصر « ثورة اجتماعية» رغم أنه اتهم الإخوان المسلمين مرة، واتهم الشيوعيين مرة أخرى في إحداث حريق القاهرة .. يؤكد  إبراهيم طلعت (عضو الطليعة الوفدية ) في مذكراته أن الضباط الذين استولوا على حكم مصرـ وفي مقدمتهم عبد الناصر ـ هم الذين دبّروا الحريق .*(24)

***
وفي 26 يوليو 1952 أسدلت النهاية على الأسرة العلوية في مصر برحيل اليخت المحروسة .

انقلاب يوليو 1952 :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

    ..  وعند وقوع انقلاب 23 يوليو 1952 الذي أدار وقائع أحداثه ضباط C. I .A  بقيادة كيرميت روزفلت من قلب السفارة الأميركية بالقاهرة، كان الإعلام محصوراً في ثلاث وسائل: الصحف والإذاعة والجريدة الناطقة في دور السينما؛ والصحف بطبيعتها لم تكن مؤثرة في السواد الأعظم من الشعب، الذي ارتفعت نسبة الأمية بين أفراده، ولم تكن الإذاعة أفضل حالاً، فلم تكن أجهزة مذياعها متوافرة سوى في قصور الباشاوات، ودواوير العمد، وبيوت الأعيان، وموظفي الحكومة، وبعض المقاهي الكبرى، وكانت الجريدة الناطقة تعرض قبل عرض الفيلم في دور السينما، وتخاطب شريحة محددة من سكان المدن حيثُ توجد دور العرض.

    ومع الساعات الأولى للانقلاب الذي أُطلق عليه آنذاك «حركة الجيش المباركة»، حرص مدبروه ( الأمريكان ) على أن يمنحوه وجها طيباً؛ فكان محمد نجيب .. ومن جانبهم أعلن الإنجليز والأمريكان : «أنهم لن يتدخلوا مادامت أرواح الأجانب في سلام، ومادامت الحركة ليست موجهة إلى القوات البريطانية في القناة» ، ورد اللواء محمد نجيب التحية بأحسن منها فأعلن أن : « القضية الفلسطينية لا تعنيه في شيء» .

    في 15 يناير 1953 أعلنت هيئة التحرير أول بيان لها عن ميثاقها وأهدافها القومية ومناهجها في السياسة الداخلية والخارجية، وأظهر البرنامج ضحالة فكر الضباط؛ فعن السياسة الخارجية اقتصرت على عبارة « دعم الصلات مع الشعوب العربية للوصول إلى تحقيق التعاون في شتى الميادين، وتعزيز ميثاق جامعة الدول العربية» . ولم يرد في الميثاق أي شيء عن فلسطين !! ، وتحدث الميثاق عن : « تمكين السودان من تقرير مصيره دون أدنى تأثير خارجي».

   حرص نجيب على الترويج لـ «كذبة الأسلحة الفاسدة في حرب فلسطين» التي اتخذها ضباط الانقلاب ذريعة له .. والتي نفاها في مذكراته اللاحقة !! .. كما حرص على الظهور في زي عسكري حاملاً عصاه المارشالية، وبايب يتدلى من زاوية فمه بصفته قائداً للحركة مع أخبار متناثرة عن كونه أيضا سليل أسرة عسكرية عريقة، وبدأ الترويج الشعبي له بمونولوج إسماعيل ياسين الشهير:

    «20  مليون وزيادة، والجيش ونجيب عملوا ترتيب»، رغم أن الشعب المصري كان تعداده آنذاك 18 مليونا فقط ، ولم يكن بلغ العشرين، كانت كلمة «ترتيب»  تعني الحدث الذي يدبر في الخفاء بما يعني الانقلاب.

   .. وطبقاً للخطة الأميركية المرسومة في خلق «العدو البديل» بدلاً من العدو الصهيوني الذي هزم الجيوش العربية، والتهم الجزء الأكبر من أرض فلسطين، ولم يكن أمامهم من عدو سوى بعض الساسة، ورجال الدولة والرأسماليين وكبار الملاك ورفع شعار التطهير الذي تم الترويج له بمونولوج ثريا حلمي :  « خش على التطهير» .

    .. إلا أن ذلك كله لم يكن كافياً ففي 4 يوليو 1953 كان إنشاء إذاعة صوت العرب بأموال ومعدات أميركية وخبراء من حثالة النازيين من تلاميذ جوزيف جوبلز الذين استجلبهم الأمريكان من مخابئهم في البرازيل والأرجنتين وأيرلندا وأسبانيا، بعد غسل شخصياتهم وطمس تاريخهم الإجرامي ومنحهم هويات مزورة بأسماء إسلامية ( كان يشرف على ذلك الملف الضابط المصري سعد عفره) ضمن مخططات لخدمة المصالح الأميركية في المنطقة ودعم توجهات الشركات الأميركية في المنطقة الواعدة بالنفط، وتوفير غطاء من حماية لدولة إسرائيل قوامه عجز دول الجوار بجعلها تحت قيادات مصنوعة أمريكيا .. وقد تم تغليف تلك النوايا بدعوات براقة استترت بغطاء تجميع القوى العربية تحت راية الهدف الواحد والمصالح المشتركة وتحرير فلسطين .. وقد أثبتت الأيام أن «صبيان القاهرة     «Juniors Of Cairo كما كان يصفهم إيزنهاور طبقا لتسمية مرؤوسه ستيفن ميد ـ  لم يطلقوا رصاصة واحدة تجاه إسرائيل!!

      .. ومثلما فعل الأمريكان مع صبيان القاهرة، أقاموا إذاعات مماثلة في الرياض وعمان قامت بإشعال حالة من التلاسن، وتبادل التراشق اللفظي فيما بينها وبين القاهرة،  للدفع بما يخدم مصالح إسرائيل التي تحققت بأكثر مما كانت تحلم في صباح 5 يونيو 1967 .

 الصورة الذهنية لنجيب :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   حرص مدبرو الانقلاب على أن يمنحوه وجهاً طيباً يخفي شروره؛ فجعلوا اللواء نجيب قائده، وتماهى نجيب مع ظاهر الدور المرسوم؛ فحرص على أن يبدو في صورة المتدين الذي يحرص على أداء الصلوات في المساجد الكبرى، التي تضم رفات الأولياء، والجلوس في خشوع لسماع خطبة الجمعة، وإظهار الود والتوقير لفضيلة الإمام الأكبر؛ فشيخ الأزهر دائماً هو المفتاح السحري للدخول إلى قلوب المصريين، وأيضا لا يأنف الذهاب إلى المحفل الماسوني للتهنئة بالعيد، ليؤكد أنه جاء رئيساً لكل المصريين، والتركيز على أن يبدو ودوداً مع الجميع، فهو يعامل الجميع بتواضع وطيبة قلب، ولا يأنف الجلوس إلى جوار عامتهم والربت على أكتافهم.

    .. ولم يغفل نجيب توظيف الصورة الفوتوغرافية في خلق صورة ذهنية له رسخ من خلالها أنه يعيش حياة بسيطة مثل أواسط الناس من خلال دعوته لمصور مجلة «المصور» أحمد سليمان في سبتمبر 1953 لتصوير أحداث يوم من حياته ظهر فيه بالروب والبيجاما والقبقاب وصابون الحلاقة. وقد أثارت الصور إعجاب العامة وحبهم لرجل منهم يحكمهم ويحيا حياة بسيطة مثلهم بعيداً عن بذخ القصور وتيه السلطان.

    غير أن الشعب المصري أدرك مبكراً تحول الانقلاب إلى الديكتاتورية وأنها حلت محل القصر؛ لتبيع للشعب نفس البضاعة الفاسدة التي كان يروج لها القصر، وهي بضاعة الطعن على الحياة الديمقراطية، وأدرك الشعب مدى الخديعة؛ فالحركة قد خلعت ملكا لتنصب مكانه اثني عشر ملكا هم من أسموا أنفسهم بـ « الضباط الأحرار»، وأحس الشعب أن الحركة لم تبدأ اشتراكية تهتم بخدمة الطبقة العاملة ـ كما كان يتوهم ـ وإنما بدأت ذات توجه « برجوازي ديمقراطي» حتى 23 يوليو 1963 ؛ فلم يكن قانون الإصلاح الزراعي سوى مطلب أمريكي .. وكانت الخطوة  الثانية بعد قوانين الإصلاح الزراعي هو شنق عمال كفر الدوار، وهما إجراءان متكاملان، فقد كان الهدف هو توجيه رءوس الأموال المحبوسة في الملكيات الزراعية إلى الاستثمار في الصناعة، فلما قام عمال كفر الدوار بحركتهم غير المتوقعة توهماً أنها حركة اشتراكية .. هب العمال دون أن يدروا أهداف الانقلاب من الإصلاح الزراعي ـ فقد كان الهدف نقل المجتمع المصري إلى مرحلة  الرأسمالية الخالصة التي تسيطر عليها الطبقة الرأسمالية وليس نقله إلى مرحلة الاشتراكية التي تسيطر عليها الطبقة العاملة.

    لهذا السبب ولإعادة الطمأنة إلى قلب الرأسمالية المصرية؛ فقد كان عليهم التفكير في خلع قلب الطبقة العاملة، وينسونها تماما العمل النقابي والمطالبة بالحقوق والاعتصامات والإضرابات طوال المرحلة التاريخية القادمة.

    بعد تصويت مجلس قيادة الحركة على الحكم بإجماع الآراء ( لا صحة لما ادعاه يوسف صديق وخالد محيي الدين معارضتهما للقرار)، وبعد أن ألقى أنور السادات في جلسة التصديق خطبة عصماء تمنى فيها أن تتاح الفرصة لشنق عاملين في المحلة الكبرى .. وآخرين في شبرا الخيمة .. وآخرين أمام جامعة القاهرة ليرتدع الجميع؛ وحتى نستطيع حماية حركة الجيش المباركة من أعدائها، صدق نجيب على حكم إعدام العمال الفقراء قائلا : «دول شوية عيال ولاد كلب شيوعيين .. يستهلوا الحرق»، وذهب ليحتفل بتوليه رئاسة الوزارة .

   شعر الشعب أنه انتقل من أوتوقراطية القصر إلى ديكتاتورية الجيش، وأخذ يعبر عن معارضته لحركة الضباط .. وبدأت اهتزاز صورة محمد نجيب الذي اشتهر بتقبيل الأطفال؛ ليبدو وكأنه الأب الروحي للشعب المصري، فأطلقت عليه النكات التي تدور حول أنه يعمل «بيبي ستر» أي جليس أطفال أو «بيبي كسر» أي الذي « يقبل الأطفال»، إضافة إلى شائعات أخرى انتهكت عرض الرجل وطعنته  في شرفه!!، .. لكن مما يجب الإشارة إليه أن هذه النكات كان بعضها يصدر من السفارة الأميركية وبعضها من دار «أخبار اليوم» حيثُ أسس مصطفى أمين ما أسماه بـ «مجلس النكتة»، وضم في عضويته كلا من:

مأمون الشناوي وجليل البنداري ومحمد عفيفي وصاروخان ورخا، ورصد أمين مكافأة لكل محرر يأتيه بأحدث نكتة!!، وتولت محاسن سعودي زوجة الصاغ عبد المنعم أمين جلاد كفر الدوار عملية نشر تلك النكات وسط نساء نادي السيارات بقلب العاصمة !!
لم يقتصر الأمر على النكات التي كان أغلبها بذيئاً، بل حاولوا اختراق بيت الرجل بمحاولة تجنيد زوجته الصحفية بجريدة «الزمان»؛ وقد عرض عليها مصطفى أمين العمل في «أخبار اليوم» مقابل راتب ضخم، وهو ما تنبه له اللواء نجيب فطالبها باعتزال العمل الصحفي، وقد أجابته السيدة لطلبه .

   .. أدى نجيب الجزء الأول من الخطة ـ بعلم ينفي عنه أي جهالة ـ وأصبح عبئاً يجب الخلاص منه، وأحس بقرب النهاية؛ فأسرع إلى أصدقائه الأمريكان عبر صديقه لي رايت ـ مؤلف كتاب محمد نجيب ـ يطلب دعمهم، ويتهم خصومه من الضباط بأنهم شيوعيون وضد المصالح الأميركية، وجاءته الإجابة أشبه بنكتة؛ فقد كان الأمريكيون يعرفون الكثير عن اتصالاته بالمخابرات البريطانية، وأن المخابرات البريطانية هي التي اختلقت حكاية الشيوعية، وحاولت دسها على المخابرات الأميركية.

   .. وكان حادث المنشية ضمن خطة إعلامية قادها باول لينباجر خبير البنتاجون في الدعاية السوداء؛ لتقديم عبد الناصر إلى الجماهير في الصورة التي ظهر بها  .
 
   حيثُ يؤكد ما يلز كوبلاند في « لعبة الأمم» أنه :

   (أن الخارجية الأميركية تتواصل مع نجيب عبر سفيرها كافري لتسليمه الرسائل الروتينية، بينما الحوار الحقيقي مع ناصر بواسطة قناة « وليم ليكلاند ـ هيكل»).

هيكل و «تحلية السموم» :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

      أشاد كوبلاند في كتابه لعبة الأمم بدور هيكل في تحليه السموم :

     « كان هيكل بارعاً في نقل الطلبات، وكان يجيد طلاؤها بقشرة من الحلوى ليتقبلها الجانبان  ـ ناصر والأمريكان».

    وأعاد كوبلاند ما سبق ذكره في كتاب آخر بعنوان : « بغير عباءة أو خنجر»؛ فقال :
« كان هيكل عميلاً مخلصاً».
    .. وأشار ويلبر كراين إيفيلاند في كتابه « حبال الرمال» إلى أن :

     « كان هيكل عميلاً ممتازاً، وكان حاذقاً في نقل التوجيهات».

     .. واتهم اللواء محمد نجيب هيكل في كتابه بعنوان : « كلمتي للتاريخ» بالخيانة لحساب دولة أجنبية، ولم يتحرك هيكل لمقاضاته في حياته، مثلما فعل معه نجيب عندما دس عليه حكاية الثلاثة ملايين دولار التي قدمها الأمريكان رشوة شخصية لعبد الناصر !!

   وقد اتهمه الرئيس السوفييتي جورباتشوف بنفس التهم، أثناء مرافقته لناصر في زيارة للاتحاد السوفييتي عام 1957، وذكر قيمة المبالغ والشيكات التي تسلمها من C.I . A.، عندما حاول هيكل ممارسة اللعبة لحساب الأمريكان تحت غطاء مهمة صحفية بـعنوان : «المجتمع السوفييتي عن قرب»، لكن أسئلته قد كشفته، فأبلغ عنه كل من السائق والمرافق، وأمام هذا الحرج، طلبت السلطات السوفييتية من ناصر ترحيله من موسكو على أول رحلة لمصر للطيران التي أقلعت في اليوم التالي،*(26)  بينما تقول مصادر أخرى إن عبد الحكيم عامر أصر على أن هذا غير جائز لكونه ينطوي على إهانة للوفد الرسمي المصري، وبعد مفاوضات تم التوصل إلى حل أرضي الطرفين يقضي ببقائه في غرفته لحين انتهاء الزيارة .

نجيب «تحت الاختبار» :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   كان اختيار الأمريكيين لعبد الناصر نابعا من اختبارات شديدة التعقيد بعضها متعلق بـ (تاريخ حياته منذ الطفولة ـ المكونات النفسية)، لكن الأهم من ذلك كله أنه شخص متعطش للسلطة، ولا يقبل التفريط فيها بأي ثمن وتحت أي ظروف وهو ما أثبته الواقع، ولكن التجربة أثبتت أن اللواء نجيب أكثر نهماً للسلطة، ففي يوم 18 يناير 1953 أصدرت حركة الجيش مرسوما بقانون حصنت نفسها ونظامها وقراراتها عن رقابة القضاء باعتبارها من أعمال السيادة العليا.
وفي 10 فبراير 1953 أكملت الحركة استيلاءها على السلطة من الناحية القانونية بموجب دستور لفترة انتقالية ( ثلاث سنوات كما نص عليها قانون حل الأحزاب ) جعل السيادة العليا في الدولة في يد «قائد الانقلاب الذي أصبح ثورة» وجعل له الحق في تعيين الوزراء وعزلهم ووضع السلطتين التشريعية والتنفيذية في يد مجلس الوزراء .

    وقد دفع كافري بامرأة انجليزية من عملاء C.I . A.   للاقتراب من نجيب بغرض كتابة تقرير مفصل عنه، وجاء في هذا التقرير أنه :
 
   « شيطان بصورة مبهجة، وبشع لكن بقدسية .. ويغطي ذلك بابتسامة حارة، إنه مظهر الأب المثالي للمصريين».

ويقول لي وايت مؤلف كتاب « محمد نجيب » :

   « لم تكن الأقوال البليغة التي اشتهرت عن نجيب سوى شعارات من إبداعي»، ويضيف: «لم يكن نجيب أكثر من عمده قرية ماكر»، وصفه في موضع آخر بـ « المحتال الودود».

***

   لم تفلح محاولات نجيب في غسل سمعته عبر مذكراته، التي ضمنها كتابان أحدهما بعنوان : «كنت رئيساً لمصر» ، والآخر بعنوان : «شهادتي للتاريخ ».. حاول فيهما المرافعة عن نفسه أمام محكمة التاريخ مستعينا بدراسته القانونية في كلية الحقوق، لكن أكاذيبه خذلته !!

جمال عبد الناصر :
ــــــــــــــــــــــــــــــ

    .. قبل الدخول في الصورة الذهنية لعبد الناصر، وما بُني عليها من هياكل التضليل الإعلامي الضخمة، التي طمست الجزء الأكبر من تاريخ مصر في العصر الحديث، والتي مازلت تُخضع الجماهير قسراً للتضليل .. تجدر الإشارة إلى أمرين هامين هما :

   أولاً : أن انقلاب 23 يوليو 1952 لم يكن سوى إبداع أمريكي خالص، في إطار نظرية C. I .A : « أفضلية تغيير اللاعب بدلاً من تغيير قاعدة اللعبة» ، وقد بدأ تجريب تلك النظرية مع جنرالات أمريكا اللاتينية والكولونيل حسني الزعيم في سوريا!!، .. فقد ذكر مايلز كوبلاند ( مندوب المخابرات المركزية في مصر) في كتابه بعنوان : « لعبة الأمم» عن علاقته مع تنظيم الضباط الأحرار ومع جمال عبد الناصر خاصة :  (لم يكن انقلاب 23 يوليو لينجح لولا أن هناك تنسيقا بين أمريكا وإنجلترا على ألا تتدخل الأخيرة في الأحداث)، لكن الذي لم يذكره كوبلاند  أن أحد دوافع الانقلاب هو تصفية الحسابات القديمة مع الملك فاروق عقاباً له على إرساله الجيش المصري إلى فلسطين عام 1948، بما يعوق الحماية الأميركية للكيان الصهيوني الذي أخذ الأمريكان على عاتقهم مهمة حمايته منذ اللحظة الأولى لإعلانه والاعتراف به في الأمم المتحدة .. كما لم يذكر كوبلاند رغبة الأمريكان في إجهاض ثورة مصر الحقيقية، ومنع وصول حكومات راديكالية أو إسلامية إلى حكم مصر، ووراثة الأمريكان لمستعمرات البريطانيين والفرنسيين، ومنع المد الشيوعي من الوصول إلى المنطقة .

    الأهم من ذلك والذي لم يذكره كوبلاند هو أنه : « في حال فشل الانقلاب كانت طائرات من سلاح الجو المصري جاهزة للإقلاع لتهريب قادته إلى سوريا باتفاق أمريكي مع أديب الشيشكلي !!».

   ثانيا : أن تنظيم «الضباط الأحرار» ما هو إلا في واقع الحال سوى جزء من تنظيم «الحرس الحديدي» بعد انقسامه وتغيير لافتة جزء منه إلى « الضباط الأحرار»، وتغيير قائده؛ بعد أن بدأ القصر يغلق ملف الحرس الحديدي مع النصف الثاني من عام 1950 بعد أن افتضح أمره لدرجة أن أرنست بيفن وزير الخارجية في حزب العمال البريطاني استدعى السفير المصري في لندن عبد الفتاح عمرو، وطلب إليه أن يبلغ الملك بأنه :

   « لا يليق بالجالس على عرش البلاد أن تكون لديه فرقة لقتل خصومه وإرهابهم يُسخر فيها بعض ضباط حرسه وجيشه » .
وزاد الأمر سوءاُ دخول ضباط «الحرس الحديدي» في مشاكل مع بعضهم وخاصة مجموعة مصطفى كمال صدقي لأسباب شخصية تناولها الناس في أحاديثهم بل أصبحت موضوعاً لتحقيقات رسمية بعد قتل مصطفى كمال صدقي لخادمة ناهد رشاد بإلقائها من الدور السابع حتى لا تكون شاهدة على علاقة آثمة !!

   .. وحالت الظروف جميعها دون استمرار «الحرس الحديدي» باسمه القديم، وتغيرت قيادته، بعد أن تردت أمور د . يوسف رشاد المطعون في شرفه، وطلاقه من ناهد رشاد، بعد فضائح عديدة، ووجدت ناهد رشاد عند الملك فاروق المُطلِق أيضا بعضاً من السلوى جعلها تحلم بتاج ملكة مصر، بعد أن أخبرت يوسف رشاد أنها على وشك الزواج من سيده،.. لكن في دنيا البشر من يضع البدايات، لا يستطيع أن يحكم النهايات، فقد أتت الرياح بما لا تشتهي ناهد؛ فقد أفاقت على صدمة زلزلت كيانها بخطوبة الملك لناريمان، وبرغبة الأنثى في الانتقام أصبحت عين ضباط الانقلاب داخل القصر، والتدخل لصالحهم في الوقت المناسب؛ فقامت باستبدال المنشورات التي ضبطها البوليس السياسي في وحدات الجيش بيوميات تسيير الأعمال في تلك الوحدات، واستمرت في أداء هذا الدور بتخدير الملك حتى في ليلة 23 يوليو 1952، وإيهامه أن كل شيء على ما يرام وأنه ليست ثمة داع للقلق .

من هو «عبد الناصر» ؟!:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
  
   الاسم الحقيقي لـ «جمال عبد الناصر» هو : عتريس عبد الناصر حسين.

  ..كان الأستاذ ثروت أباظة أول من نقل إلى هذه المعلومة، ففي أحد أيام شتاء 1986، عندما قررت إجراء حوار مع الأستاذ ثروت أباظة للنشر في إحدى الصحف العربية، عندما وصل الحوار إلى رواية « شيء من الخوف»، أبديت إعجابي الشديد بالرمز في شخصية عتريس، وأبديت الدهشة لغرابة الاسم !! لكن الأستاذ ثروت أباظة أجاب : « إنه الاسم الحقيقي لعبد الناصر».
   
   ظننت للوهلة الأولى أنه يمزح، وأننا بصدد دعابة تستلزم الابتسام ولو على سبيل المجاملة، لكن الأستاذ ثروت أباظة أجاب في حزم : « إنها الحقيقة »، وعن معنى كلمة عتريس قال : إنها مشتقة من الفعل عترّس (في اللغة العامية) ومعناه عنف وغلظ .

   في أثناء قراءتي لمذكرات عبد المنعم عبد الرءوف استوقفتني عبارة: « وفي اليوم التالي للثورة دخلت إلى مقر القيادة، ووجدت جمال عبد الناصر غارقاً في النوم على أريكة، وهو يهذي بكلمات عن الملك والحكم، وأخذت أحاول إيقاظه وأناديه : عتريس .. جمال عبد الناصر.. يا جيمي .»

   إذن فاسم «عتريس» من الأسماء التي يعرفها المقربون من عبد الناصر، والتي يستخدمونها في لحظات المرح أو الدعابة !!

   .. وأخذت أبحث عن تلك المعلومة حتى وجدت من يؤكدها لي، ويقول إن الحديث عنها في جلسة نميمة كان سبباً في اعتقال ابن عمدة بني مر لسنوات، ولم يخرج من المعتقل إلا بعد وفاة عبد الناصر !!

   .. والحقيقة أن تغيير اسم «عتريس» إلى «جمال» يعود إلى أنه عندما توسط المستشار محمود عبد الطيف لدى حسين عبد التواب نائب مجلس الشيوخ عن أبنوب؛ ليتصل بإبراهيم خيري باشا لإلحاق «عتريس» بالكلية الحربية لكن الوساطة لم تنجح، وأسدى المستشار محمود عبد اللطيف النصح لعتريس عبد الناصر بتغيير اسمه؛ لأنه لا يوجد ضابط يُسمى «عتريس»، واختار له اسم «جمال» اسماً بديلاً عن «عتريس»، وتوسط له للمرة الثانية لدى عبد المجيد إبراهيم باشا نائب أبنوب ووزير الأشغال والمواصلات؛ فأمره الرجل أن يجلس بجوار السائق، واصطحبه الرجل إلى الكلية الحربية؛ حيثُ نجحت الوساطة بعد أن تم تغيير اسمه ليصبح «جمال عبد الناصر».

    كان عتريس عبد الناصر في سنواته الأولى يعوض عقدة الدونية لديه بتزعم التلاميذ الصعايدة في مشاجرتهم مع تلاميذ بحري، وهو ما تسبب في فصله من مدرسة حلوان، ونقله جدة لأمه إلى الإسكندرية وألحقه بمدرسة رأس التين التي فصل منها لنفس السبب؛ ليعود إلى القاهرة ليعيش في كنف عمه خليل في حارة اليهود بحي الخرنفش، وهي حارة منعزلة بطبيعتها وطبيعة ساكنيها، ذكر الدكتور علي شلش في كتابه تاريخ اليهود والماسونية في مصر ـ الصادر عن دار الكتب والوثائق القومية ـ ص 163:

   ( أن سيدة يهودية تدعى مدام يعقوب فرج شمويل، كان عبد الناصر يدين لها بالفضل؛ لأنها هي التي رعته في طفولته وبعد وفاة أمه، وكانت تعامله كأحد أبنائها .).

    فنشأ في ظروف بالغة الصعوبة زرعت فيه جرثومة الحقد التي ظهرت فيما بعد في الرغبة المتوحشة في الانتقام .. وبلورت صفة الصمت والكتمان والتخفي، وتأصلت في شخصيته بانضمامه إلى العديد من التنظيمات السرية في آن واحد ؛ فهو قائد تنظيم الإخوان المسلمين داخل الجيش الذي اتخذ لنفسه اسما حركيا (البكباشي عبده)، وعضو جماعة «الإخوان المسلمين» الذي اتخذ لنفسه اسماً حركيا «عبد القادر زغلول» وهو عضو «حدتو» الذي اتخذ لنفسه اسما حركيا (موريس) حتى أصبح لغزاً؛ ويقول فريا ستارك في كتابه بعنوان : «غبار على أقدام الأسد»  الصادر في لندن سنة 1961:

    (.. ويشاع أنه ـ أي ناصر ـ كان على علاقة بالمخابرات البريطانية، و«إخوان الحرية» وهي المسئولة عن العمليات البريطانية لمواجهة دعاية المحور في الشرق الأوسط)*(27).

   .. ويذكر البروفيسر فاتكيوتس في كتابه بعنوان : « عبد الناصر وجيله»  أن :

    « تقارير البوليس السياسي سجلت بقاء عبد الناصر في «مصر الفتاة»  حتى عام 1938 عندما كانت تقوم بالتحقيقات حول محاولة اغتيال النحاس باسا زعيم الوفد، الذي قام بها عضو «مصر الفتاة» عز الدين عبد القادر في 28 نوفمبر 1937، وتضمنه التقرير المحفوظ في المحكمة العليا برقم 143/ لسنة 1938 عن جمال عبد الناصر المقيم في 2 خميس عدس ـ الخرنفش .» *(28)
  
   الغريب في الأمر أن مصر الفتاة كانت تنظيماً وطنيا وإسلامياً معاديا لبريطانيا و«الإخوان المسلمين»  والشيوعيين، ومع ذلك احتفظ ناصر بخطوط اتصال بهم جميعاً في آن واحد؛ وهو ما يؤكد أنه لم ينضم في واقع الأمر لأيهم بل كان انضماماً صورياً؛ بهدف اختراقهم لحساب طرف آخر لم يكشف عنه إلا بعد الانقلاب !!

   في 10 يناير 1953أعدت السفارة الأميركية تقريرا مفصلاً عن عبد الناصر جاء فيه :

   « أنه ( عبد الناصر ) عندما كان يخدم بالعلمين عام 1942 سرح من الخدمة لسبب مجهول يعود إلى تحمسه للمحور وأنه عاد إلى الخدمة ، وربما كان ذلك عقب استقالة وزارة النحاس باشا ( أكتوبر 1944 ).*(29)

   كل هذا أضفى هالات من الغموض على شخصية عبد الناصر، فإذا ما أضفنا إليها العلاقة الغامضة بإسرائيل؛ فحينما كان رئيس أركان حرب الكتيبة السادسة مشاة ضمن القوات المٌحاصَرة في بلدة عراق المنشية قطاع الفالوجا، كان يتحدث عبر خطوط الجبهة مع اليهود المٌحاصِرِين للفالوجا، ويتلقى هدايا البرتقال والشيكولاته من إيجال يادين الذي كان رئيساً لأركان حرب جنوب فلسطين .. وخاصة إذا وضعنا في الاعتبار أن الكتيبة السادسة مشاة بقيادة عبد الناصر هي التي أطلقت النيران على العقيد البطل أحمد عبد العزيز !!

   وعززت تلك الهالات من الغموض وظلال الريبة أن عبد الناصر دخل العديد من الحروب انتهى جميعها بالهزيمة أو الانسحاب دون تحقيق هدف بل كان ضررها أبلغ، كان عبد الناصر يدرك قدراته جيداً ، ويعرف أنه لا يستطيع تحقيق انتصار، لكنه كان مدفوعا إلى سياسة «المهرجان»  وسياسة المهرجان تعني لعب دور الدول الكبرى لتدفع له الدول الكبرى مقابل التدخل في اليمن والجزائر والكونغو دعماً للمصالح الأميركية، ودخلت مصر في الحلقة المفرغة التي أشار إليها كوبلاند :

   «كان استمرار المهرجان ضرورياً للحصول على الدعم ، كما أصبح الحصول على الدعم ضرورياً لتمويل المهرجان».

    وانتهى المهرجان بكارثة 1967 ، فقد كانت نفقات المهرجان أكثر من عائداته بكثير، وكان على ناصر أن يختار بين أمرين كلاهما مر .. كان الأمريكان قبل قطع المعونة يقدمون معونة للشعب المصري تمثل 80% من رغيف الخبز الذي يأكله، يقول كوبلاند :
« في البلدان التي تبدو حالتها ميئوسا منها من الناحية الاقتصادية والاجتماعية، ليس أمام القائد المحلي سوى أن يهتف يسقط الاستعمار، وتهتف له الغوغاء بينما بلدهم يسير نحو الدمار، أو أن يقبل المعونة، ويرضى بدور العميل للاستعمار بدون أدنى شك».

    عاش ناصر الأزمة بأبعادها بعد أن ذاق طعم الهزيمة، وعرف آخر «خدمة الغز» ..!!، بينما كان للشعب المصري رأي آخر التي لخصه في نكتة مفادها أن :

    « الشعب لم يُهزم .. إنما تعرض قادته الذين خدعوه وضللوه لحالة اعتداء جنسي !!»

   .. كانت النكات توجع ناصر وتمرغ كبرياءه المزعوم في أوحال الهزيمة والاستهزاء، لدرجة أنه في أول خطاب له بمجلس الشعب بعد الهزيمة طالب الشعب بأن يكف عن النكات بزعم استغلالها من قبل أعداء الوطن !!

    ولخصها الرئيس الأميركي جونسون في لقائه بالسفراء العرب، عندما قال مخاطباً كلبه :
« جاري المشاغب يا كلبي يزعج جيرانه فأعطوه علقة، والآن يريدني أن أتدخل وأنقذه».

علاقة ناصر
والحرس الحديدي :
ــــــــــــــــــــــــــــــ

    لم يكن عبد الناصر بعيداً عن «الحرس الحديدي» فكل المؤشرات تشير إلى قربه الشديد منه، وخاصة مذكرات خالد محيي الدين بعنوان: «.. والآن أتكلم»، بل إن العربة السوداء ماركة «ميني أوستن» التي امتلكها عبد الناصر رغم بداياته الفقيرة كانت أحد عطاءات «الحرس الحديدي»!!
كان من رجال الحرس الحديدي اللواء إبراهيم عطا الله، واللواء مرتضى المراغي، والأميرالاي محمود عبد المجيد، واللواء محمد حيدر الذي جاء بعد إبراهيم عطا الله .. كان حيدر أحد ضباط البوليس، وذا شهرة في استعمال القسوة مع المتظاهرين أيام ثورة 1919، ثم رقي مديرا لمصلحة السجون، وبعدها وضعه الملك قائدا عاما للجيش، في ظل معارضة شديدة من ضباط الجيش الذين كانوا يرون أن تعيين ضابط بوليس قائداً عاماً للجيش يعني أحد أمرين أولهما : أنه لا توجد كفاءات داخل الجيش، وثانيهما : أن الجيش كله لا أهمية له، وبأسلوب ضابط البوليس بعد تجميد أنشطة الحرس الحديدي، قام حيدر باشا بتجنيد بعض أفراده ليكونوا رجاله داخل الجيش ؛ فكان تنظيم «الضباط الأحرار»، كان أفراد C.I.A. أكثر فطنة من حيدر فاخترقوا تنظيمه الجاهز؛ والمدرب على الأعمال القذرة؛ ليعمل من أجلهم خاصة بعد عدة تقارير تؤكد أنه لا أمل في الملك فاروق، وأن الملك هو العقبة في تحقيق المصالح الأميركية في المنطقة .

    وقد أعطى هذا التنظيم لعناصر C.I.A. غطاء من الحماية مكّنهم من أن يتحركوا بحرية، فلم يكن أحد يشك في أفراد تنظيم سري يتبع ضباطه قائد عام الجيش، وسبق لهم أن قاموا بجرائم إرهاب لإرضاء الملك، كما أن الصاغ عبد المنعم النجار ضابط المخابرات الحربية، الذي كان يتولى عملية الاتصال بالأمريكان مع آخرين كان قريباً للملكة ناريمان.

    .. وكان اختيار أنور السادات لإذاعة البيان الأول للانقلاب قمة الخداع رغم ما ينطوي عليه ظهور أنور السادات في هذا الوقت من إساءة لحركة الجيش ـ حسب تسميتهم ـ لما عرف عنه أنه قاتل وسبق اتهامه بالتجسس لحساب الألمان واعتناق أفكار النازية .. لكن اختياره جاء مقصوداً لإيهام القصر وحيدر باشا أن وراء الحركة تنظيمه ورجاله، وخاصة أنه خال الرجل الثاني في التنظيم الصاغ عبد الحكيم عامر، وأن طلباتهم لن تتعدى عدة مطالب تافهة يمكن الاستجابة لها وإرضاؤهم؛ ليعودوا من حيثُ خرجوا؛ ولذلك سارع يطمئن الملك بقوله : «إنها زوبعة في فنجان».

    لم يستطع معظم الكتاب والباحثين أن يثبتوا فكرة وجود اتصالات بين الضباط الأحرار والأمريكيين قبل انقلاب يوليو 1952 لكن مايلز كوبلاند قد أكد في كتابه بعنوان: « لعبة الأمم» : « أن كرميت روزفلت فعل كل ما في وسعه لتمهيد الطريق أمام زعيم قوي ليتولي قيادة الأمر، وأكد كوبلاند أن كرميت عقد اجتماعات مع بعض « الضباط الأحرار» في بداية مارس   1952.

    .. وأكد كرميت روزفلت الذي كان مسئولا عن منطقة الشرق الأوسط بأنه في ديسمبر 1952 اتصل بعبد الناصر من خلال مصطفى أمين وأحمد حسين باشا، ومنذ هذا التاريخ عُرف لديهم بأنه « قائد تنظيم الضباط الأحرار» .*(30)

   كتب حسين حمودة في كتابه بعنوان : « أسرار حركة الضباط الأحرار والإخوان المسلمين» : « إنّ الأمريكيين حاولوا الاتصال بالجيش عن طريق الملحق العسكري الأمريكي بالسفارة الأميركية بالقاهرة»، وأضاف أنه : «حضر عدة اجتماعات في منزل الملحق العسكري بالزمالك مع عبد الناصر. وكان الكلام يدور حول التسليح والتدريب والموقف الدولي والخطر الشيوعي على العالم وخاصة الشرق الأوسط . وأنّ أمريكا ستـُساند أي نهضة تقوم في مصر، لأنّ بقاء الحال على ما هو عليه في مصر يُنذر بانتشار الشيوعية. وهذه الاتصالات بالسفارة الأميركية كانت في الفترة من عام 1950- 1952».* (31)

ثقافة ناصر :
ـــــــــــــــــــــ

   لم يكن عبد الناصر هو المثقف الموسوعي التي حاول «دراويش الناصرية» تسويق صورته في إطار «أسطورة الزعيم» وإكسابها طابعاً خلاباً يجتذب الجماهير ويكتسب تأييدها.. فقد ثبت للباحثين بما لا يدع مجال للشك تزوير كارت الاطلاع الخاص بناصر في الكلية الحربية، ويؤكد البروفيسور فاتكيوتس أن :
    ( ذكر أحد مدرسي عبد الناصر، وهو السيد نجيب إبراهيم أن جمال قرأ سلسلة العبقريات للكاتب عباس محمود العقاد، مثل سيرة عمر بن الخطاب وسيرة سعد زغلول ورواية توفيق الحكيم «عودة الروح»، والسيرة الذاتية لطه حسين (الأيام)، وقرأ أيضا حياة فولتير، وروسو، ونابليون، والأسكندر، جاريبالدي ، وغاندي، وهانيبال .)* (32)

    .. لكن شمس بدران في مذكراته ( غير المنشورة حتى الآن ) يذكر أن عبد الناصر قرأ كتاب : « الذئب الأغبر مصطفى كمال أتاتورك» من تأليف الكابتن هـ. س . أرمسترنج، وكان يحفظ بعض فقراته عن ظهر قلب وكان يعتبرها النمط الأمثل لأسلوب الحكم !!

   وهي قراءات عادية لا تصنع مثقفاً من طراز فريد قادر على قيادة شعب يتطلع إلى التغيير في ظل أول حاكم مصري منذ آلاف السنين !!.. فلم يكن ناصر يجيد سوى العمل السري فقط ، ولا شيء آخر !!

العمل السري :
ـــــــــــــــــــــــ

   كان عبد الناصر يستند في أسلوبه في الحكم إلى حشود الجماهير غير المنظمة سياسياً (الغوغاء)، وسيطرة الجيش على الدولة والمجتمع وإقصاء الجماعات الأخرى .
يقول كوبلاند : كان رأي ناصر عن «القيادة» أو « النخبة الطبيعية» قد وصل إلى حكومتنا ليس عن طريق ميد بل عبر قناة « هيكل ـ ليكلاند»*(33)؛ قال عبد الناصر للسفير الأميركي كافري :

   « إن إعطاء المصريين حريتهم بسرعة هو أشبه بترك أطفال يلعبون في الشارع تحت رحمة الظروف»*(34)

    .. وقد بدا ذلك واضحاً في تشييد الصروح الضخمة لهياكل الديمقراطية الزائفة؛ فعندما أعلن ناصر قيام الاتحاد الاشتراكي في يناير 1963 شكل أمانته العامة من أهل الثقة ( 9 ضباط و3 مدنيين)، لكن ذلك لم يدخل الأمان إلى نفسه؛ فبدأ إنشاء التنظيم الطليعي في يونيه 1963، وكان الهدف منه تكوين الجهاز السياسي للتنظيم أو نواته الصلبة، وكانت الفكرة تتشابه مع تنظيم رابطة الشيوعيين اليوغسلاف، وقد أرسل ناصر صلاح الدسوقي لدراستها في يوغوسلافيا، وكان أهم عمل من أعمال التنظيم الطليعي كتابة التقارير السرية عن اتجاهات الرأي العام .

    ولما علم المشير عامر بـ «التنظيم الطليعي» أمر شمس بدران بتشكيل تنظيم طليعي موازٍ  في القوات المسلحة .*(35)

    .. حكم ناصر الدولة بالخوف، ولم يعد هناك ما يُخيفه سوى الخوف ذاته؛ كان عبد الناصر قليل الثقة في لجان الاتحاد الاشتراكي التي كان يراها : « لجان في الهواء ، ليست لها أي فاعلية، كما اعترف أنه لا يثق في لجان رعاية الشباب»* (36).

   وقد اقترح شعراوي جمعة في جلسة الثلاثاء 5 يناير 1965 الأخذ بنظام « الكادر السياسي» وهي فكرة قائمة على استمرار الاتحاد الاشتراكي كتنظيم قائم يعمل علانية، وتشكيل كيان سياسي داخل الاتحاد الاشتراكي في هيئة لجان سرية في الأمانات الفرعية وفق خطة تجنيد يكون عمل الكادر السياسي سرياً .* (37)
الصورة الذهنية لناصر :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    لم يكن عبد الناصر ذا ماضٍ عسكر عريق، ولم تكن قدمه قد رسخت في رتبة البكباشي التي حصل عليها في 24 يناير 1954 قبل موعد استحقاقها ضمن إنعام ملكي بمناسبة سبوع ولي العهد ( اختفت أغلب الأوراق من ملف ناصر )، ولم يكن أيضا من أسرة عريقة يمكن الارتكان على تاريخها؛ فكانت الصورة الذهنية التي تم تقديمه بها للجماهير في المنشية في 26 أكتوبر 1954 ، والتي تمت صياغتها في أقبية C. I . A  هي صورة البطل الشعبي الذي لا يخشى الموت، وفي لحظات الاستحواذ على عقول الجماهير تحت وطأة التأثيرات الانفعالية، قام بتمرير رسالته :

    « لقد علمتكم الكرامة .. وزرعت فيكم العزة .»

   وبممارسة معالجة نقدية لمضمون الكلمات؛ للوقوف على حقيقة الموقف يتبين مدى الهراء .. فمتى وأين حدث ذلك من جانب ذلك الفتى الغر (36 سنة) لشعب ضارب في عمق التاريخ بحضارة عمرها سبعة آلاف سنة ؟!

    .. وما معنى الكرامة لطفل نشأ عائلاً في بيت سيدة يهودية كانت صديقة لأمه ؟!، وقد تربى عائلاً في بيت عمه خليل؟! وتربى من أموال الهبات التي كان يمنحها باشا قرية الأخماس بالبحيرة لوالده البوسطجي الفقير!!، وأين كانت كرامته عندما اصطحبه  إبراهيم عبد المجيد باشا (وزير المواصلات ونائب أبنوب) في سيارته ليتوسط له في دخول الكلية الحربية، وأمره أن يركب بجوار السائق .. فلو كان للكرامة أثر في نفسه لضحى بحلمه في دخول الحربية، وما ارتضى الدنية بالركوب بجوار السائق !!

    لكنها الصورة التي صنعها لينبارجر، وحرص عبد الناصر عليها منذ الوهلة الأولى؛ فبدت صورته مهيبة، وساعده على ذلك سمات جسمانية تمثلت في قامته الفارعة وعرض منكبيه، قليل الكلام وهي سمة اكتسبها من العمل السري، جهوري الصوت إذا تحدث ، فلا مانع من استغلال تلك السمة في خطابات عنترية بكلمات جوفاء، تنتزع التصفيق وتجتذب التأييد وتدفع بالجماهير بما لا يحقق مصالحها على المدى البعيد .. ولا مانع من النوم في أحضان الأمريكان، ومطارحتهم الغرام سراً، والمجاهرة بعداوتهم جهراً .. «ويشربوا من البحر، وإذا معجبهمش البحر الأبيض، يشربوا من البحر الأحمر».

    كان ناصر ينفذ بنود قانون «الغرام الأميركي» ، فلا مانع من شتم الأمريكان ومهاجمتهم في العلن من آن لآخر؛ حتى تظل المصالح الأميركية محمية، والروابط الخفية قائمة وفاعله!!

    .. وأحاط ناصر نفسه بجيوش من مؤلفي الأغاني والملحنين والمطربين، وقد بلغت حصيلة الأغاني التي تتغنى به في أرشيف الإذاعة المصرية  1142 أغنية من أول أغنية «يا جمال يا مثال الوطنية» ، غداة يوم حادث المنشية إلى أغنية «الوداع يا جمال يا حبيب الملايين» يوم موته، والذي ارتجل كلماتها ولحنها الشاعر عبد الرحمن عرنوس الأستاذ بمعهد الفنون المسرحية، والتي غناها مجموعة من شباب المهاجرين البورسعيديين الذين كونوا فرقة أطلقوا عليها اسم : «شباب البحر».

    .. ولأن الإذاعة لم تعد كافية في حشد الجماهير وازدياد الحاجة إلى المؤثرات البصرية في ترسيخ الصورة والتلاعب بالوعي فضلًا عن دراسات أكدت « قدرة التليفزيون على تعميق الإيحاء»  .. كان المصريون لا يعرفون شكل الحاكم إلا من بعض الصور التي تنشر في الصحف، ولا يسمعون صوته إلا أحيانا عبر المذياع ..  فكان إنشاء التليفزيون في عام 1960 الذي نقل لهم الزعيم بالصوت والصورة؛ ليصبح وجوداً حياً في منازلهم يعيش بينهم، وتفنن خبراء التليفزيون عبر خداع الصورة من جعل  عبد الناصر شخصية أقرب إلى الأسطورة، وإظهاره في صورة الزعيم القادر على تحقيق المستحيل، وإثارة حماس الجماهير وحناجرها بإشارة من يده .

  طبيعة الانقلابات :
ـــــــــــــــــــــــــــــ

     من طبيعة الانقلابات المدعومة، والمصنوعة أن تركب حركة جماهيرية موجودة بالفعل لإجهاض الثورات الحقيقية، وأن تتخذ لنفسها لافتات ضخمة من شعارات إقليمية وطنية تخفي حقيقتها، ولم يكن ضباط الانقلاب لديهم أدنى معرفة بذلك؛ فقد قفز الضباط إلى السلطة ولم يكن لديهم أي خبرة بالحكم أو ممارسته أو أي فكر ثوري ينير لهم الطريق، وهو ما جاء تقرير جيمس ايكلبرجر خبير وزارة الخارجية الأميركية بالأنظمة العسكرية في الدول النامية، والذي ذكر فيه أن ضباط الانقلاب ليس لديهم أي دراية بطبائع الأمور، وأنهم أشبه بأفراد عصابة روبن هود المرحة !! .. ولم يكن أمام ضباط الانقلاب من خيار سوى السطو على المشروع السياسي والاجتماعي  لحزب الوفد من احترام للدستور وإعادة الحياة النيابية والعودة إلى ثكناتهم لأداء المهمة المقدسة في حماية الحدود، وهو ما ذهب كله أدراج الرياح بعد أزمة مارس 1954.

    .. ورغم اعترافهم أن القضية الفلسطينية لا تعنيهم، فقد رفعوا شعار العداء لإسرائيل، رغم أن الاتصالات من أجل التسوية لم تنقطع بينهم وبين الصهاينة من شهر أغسطس 1952 وحتى توقيع اتفاق كامب ديفيد، وقد اعترف ناصر بوجود إسرائيل في مؤتمر باندنوج الذي أقر بالموافقة على قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين إلى دولتين وهذا موجود في وثائق المؤتمر عام 1955 .

   وبعد هزيمة ناصر في 67 بدأ يجري اتصالات باليسار الصهيوني من حزب المابام، وجماعة ناحوم جولدمان رئيس المؤتمر الصهيوني العالمي وبمجموعة مجلة « نيو أوت لوك» التي يرأسها سمحا فلابان، وكان يتولى تلك الاتصالات أحمد حمروش وبعض الشيوعيين اليهود المصريين مثل هنري كورييل ويوسف حزان . *(38)

   .. فأسطورة الصراع العربي الإسرائيلي التي بنى عليها الانقلاب كذبته، كان استمراراً لإدارة الوفد للصراع؛ فقد أغلق قناة السويس في وجه الملاحة والتجارة الإسرائيلية بعد عقد الهدنة المصرية الإسرائيلية في رودس، وفي عهد حكومة الوفد الأخيرة شددت إجراءات تفتيش السفن المحايدة، بعد أن تبين استخدام إسرائيل لها في شحن السلع، وشددت إجراءات الرقابة على إرسال البترول إلى إسرائيل عبر قناة السويس، وشددت الحصار على إسرائيل من البحر الأحمر، ففي يناير 1950 تم الاتفاق بين حكومة الوفد والسعودية على أن تنزل قوات مصرية في جزر تيران وصنافير اللتين تتحكمان في خليج العقبة، ونصبت المدافع المصرية في رأس نصراني، مما أدي إلى عزل إسرائيل وعجزها عن إقامة علاقات اقتصادية مع الدول الإفريقية الواقعة على ساحل البحر الأحمر .

    وقد انتهى هذا الحصار نتيجة لحرب 56 التي هُزم فيها النظام الناصري، واضطر فيها لمنح الكيان الصهيوني ممراً بديلاً عن قناة السويس داخل الحدود الإقليمية المصرية في خليج العقبة وتحت رعاية قوات الأمم المتحدة !!

   كانت حكومة الوفد ترفع شعار «الوحدة العربية»،  وتتخذ من الجامعة العربية إطارا لها، لكن «فكرة القومية» لم تكن متضحة بما فيه الكفاية وكانت الآراء مختلفة حولها، ولم يكن شعار القومية العربية سوى جزء من خديعة الأمريكان، فلم يكن ناصر يعرف شيئاً عن العروبة أو القومية العربية .. وإنما تمت صياغة الشعار بمعرفة الأمريكان، وهو ما يلخصه كوبلاند بقوله : (ولابد من إدراك حقيقة مهمة جداً، وهي أن فكرة «القومية العربية»  ليست إلا جزءا من أسطورة ناصر إلا أن كون مفهوم مصر «رائدة العرب»   قد غدت جزءا مهماً من الأسطورة !!).

   ونأتي إلى ادعاء البطولة في «كسر احتكار السلاح»، التي نسبت إلى عبد الناصر عقد صفقة الأسلحة الروسية التي أطلق عليها الأسلحة التشيكية، وأحيطت بهالات من البطولة، كانت فكرة الوفد، وقد أخذ في تنفيذها في آخر حكومة له، وأرسل في ذلك لجنة إلى أوربا في سبتمبر وأكتوبر 1951 برئاسة مصطفى نصرت وزير الحربية الوفدي، غير أن الظروف لم تسمح بإتمامها في إطار حماية أمن إسرائيل وضمان تفوقها العسكري .

   وإذا وقفنا على حقيقة الأمر نجد أن تلك الصفقة تأتي في سياق الخداع، فالذي سهل الاتفاق هم الأمريكان، والذي صاغ بيان إعلانه هم عملاء C. I . A  في القاهرة، ولم تكن تتضمن صفقة الأسلحة في حقيقتها سوى أسلحة متواضعة الإمكانيات ولا تصلح إلا لتسليح قوات البوليس !!

   ودخل ناصر معركة تأميم الشركة المصرية لقناة السويس، رغم اقتراب نهاية امتيازها، وليس «قناة السويس» نفسها !! وهي شركة تقوم بتقديم الخدمات للسفن العابرة في القناة، مما تسبب في أبلغ الضرر للاقتصاد المصري، الذي تحمل نفقات إصلاح التخريب الذي حاق بمدن القناة، فضلا عن التعويضات المبالغ فيها التي دفعتها مصر إضافة إلى تعطيل العمل في القناة !!

    ليقوم ببناء السد العالي رغم تحذير مراكز الخبرة العالمية، والتي ارتأت أنه يكفي مصر إنشاء عدد من القناطر مثل القناطر الخيرية  والخزانات الصغيرة مثل خزان أسوان، وأن بناء السد العالي سيكون له أضرار وخيمة على مصر منها :

   ـ ضعف ترسيب الطمي على الأراضي بعد السد بما يقلل من خصوبتها؛  بما يتطلب استخدام أسمدة كيماوية تسبب خللاً بيئياً يساعد في انتشار الحشرات الطفيلية، بما يستدعي استخدام مبيدات حشرية تؤثر على صحة الإنسان وتلوث التربة ومصادر المياه .

   ـ نحر الشواطئ خلف السد .

  ـ تدمير الثروة السمكية بسبب هجرة السردين بسبب فقدان المواد الغذائية التي تحملها مياه الفيضان .

   خلاصة القول إن الناصرية لم يكن لها مشروعها الوطني، وانتهت إلى كارثة، حقق ناصر الكثير من الإنجازات، لكنه أسرف في إعطاء الأماني للشعب وعجز عن تحقيقها، وعجز عن تحقيق الهدف الذي يُقام من أجله أي نظام وهو حماية حدود الوطن!! تسلم جمال عبد الناصر مصر وهي محتلة بالإنجليز، وجاهد حتى حصل على جلائهم منها بعد تقديم تنازلات في معاهدة 1954، ولما جاءت الفرصة استرد جميع التنازلات .. لكنه قبل أن يموت تركها محتلة إسرائيلياً بعد هزيمة 67.

   وبعد هزيمة 1967 ، وفي أول اجتماع لمجلس الوزراء اعترف ناصر  بسقوط النظام، وأكد أنه : « ليس معنى أن الشعب تمسك بنا أن النظام لم يسقط » .


هل كان ناصر وطنياً ؟!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

     بعد هزيمة 5 يونيو 1967 كان الوجع يلف مصر بصوت الآهات، وكان الطلبة يتغنون بصوت مبحوح مذبوح : « أشعار تمجد، وتماين .. حتى الخاين، وان شا الله يخربها مداين .. عبد الجبار»  .. ولم يكن عبد الجبار هذا سوى الاسم الحركي لعبد الناصر، وكانت أول مرة يتهمه الشعب بالخيانة، كان الجميع يتفهم أنها كلمات تحت تأثير انفعالاتنا في ظل أنين الوجع ولعق الجرح النازف من الأحشاء .

تمثال ناصر:
ــــــــــــــــــــ

    وبعد موت ناصر بكاه الشعب بحرقة، ثم عاد ليمسح دموعه ويتندر على ممارسته في سخرية من خلال النكات الجارحة والتي تحمل في طياتها أحيانا بذاءة، وصدرت جريدة الأخبار وعلى صدر صفحتها الأولى مربع يحمل صورة ناصر وإلى جوارها عنوان : «جمال عبد الناصر مؤسس مصر الثورة»، وكتب توفيق الحكيم مقالاً بجريدة الأهرام يدعو إلى اكتتاب شعبي لإقامة تمثال لناصر على قاعدة ميدان التحرير، وكانت المفاجأة رسالة من مبعوث مصري بالخارج يقول للحكيم : « ليس مكان التمثال الطبيعي قاعدة ميدان التحرير، ولكن على قاعدة في دولة إسرائيل، ودعا صاحب الرسالة الحكيم أن يقارن بين خريطة مصر عندما تولاها ناصر وخريطة مصر يوم رحيله ، واختتم رسالته قائلا :  ماذا نكتب على قاعدة التمثال ؟!».. لم يستطع الحكيم جمع جنيه واحد، وفشل المشروع.

    أساء الكثيرون إلى ناصر؛ فاتهمه البعض بأنه ابن لسيدة يهودية، واتهمه البعض بالعمالة لإسرائيل، وأنه تم تجنيده أثناء حصار الفالوجا، وكلها اتهامات تنطوي على حالة من السفه والجهل، فوالدة ناصر هي السيدة فهيمة محمد حماد من كريمات الأسر الصعيدية التي كانت تقطن الإسكندرية وتعمل في تجارة الفحم، وناصر كان ـ وما يزال رغم الاتهامات التي طالت ذمته المالية ولم يتم حسمها بمعرفة جهة قضائية ـ ضابطاُ مصرياً حتى النخاع أراد أن يستغل ظهور الأمريكان على المسرح الدولي كقوة لتحقيق مصلحة بلاده، ونظراً لفارق الخبرة والقدرات والإمكانيات تلاعبوا به؛ فمنّوه تارة، ووعدوه أخرى، وخوفوه ثالثة، وقضوا عليه أخيرًا بهزيمة 67 ، وتركوه يموت !!

السادات :
ـــــــــــــــ

    في جنازة ناصر حضر الملك فيصل، وصهره كمال أدهم مدير المخابرات السعودية والتي تعد إحدى غرف C. I .A. في المنطقة ، وهمس أدهم في أذن صديقه القديم أنور السادات : « حان الوقت .»

    كان السادات يدرك حجم المأزق، ويسعى إلى تسويغ وتسويق نفسه لدى الشعب المصري وهداه تفكيره بعد حلف اليمين الدستورية إلى الانحناء أمام تمثال عبد الناصر قائلا : « لقد جئت إليكم على طريق عبد الناصر»، وهو ما أثار استياء الشعب المصري المتدين بطبعه والذي يكره الوثنية، ويعتبر التمثال صنما؛ فأدرك البسطاء أنهم أمام شخص فهلوي يلعب بالبيضة والحجر، أو كما يقول أولاد البلد :  «ابن حنت» وأطلق البعض النكتة الشهيرة : «والله ونلتها يا خيشة»، أو كما جاء في تحليل الخبراء « بهلوان سياسي».

    وبدأ السادات يركز على أن اسمه محمد، فقد اشتهر السادات منذ عرفه المصريون متهماً في قضية مقتل أمين عثمان باسم أنور السادات، وبعد توليه السلطة بدأ يُلقب ثلاثياً محمد أنور السادات، في إشارة إلى أنه يتسمى باسم النبي محمد، تمهيدا لما سيلقب به فيما بعد : «الرئيس المؤمن»، والذي يستهل خطابه بآيات من القرآن الكريم، كما استخدم ألفاظا شعبية من قاموس صديقه الكاتب الشعبي زكريا الحجاوي في مغازلة للبسطاء ودغدغة مشاعرهم لكسب تعاطفهم.

من الرئيس المؤمن
إلى الرئيس المدمن :
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
    ولم يغفل السادات دور الصورة الفوتوغرافية في رسم الصورة الذهنية التي يريدها، فنشرت له الصور بالعباءة والجلباب البلدي، وظهرت زوجته جيهان وهي ترتدي ملابس القرويات في ميت أبو الكوم .

رسائل C.I.A. للسادات :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    كانت سيل رسائل C.I.A. للسادات لا يتوقف.. فكانت رسالة أخرى مفادها، أن السادات مراقب طول الوقت، وأن ثمة كاميرات وميكروفونات في غرفة نومه، وتمكن السادات من إدخال خبراء الأمريكان في هيئة مهندسي ديكور ألمان لتغيير ديكورات منزله بما يليق بمكانة الرئيس .

    .. ثم كانت الرسالة الثالثة والأهم قبل عيد ميلاده في 25 ديسمبر 1970، وكان مفادها: « أن تطلب سكرتارية الرئيس من اللجنة المركزية كشفا بأسماء من يرغبون في حضور الاحتفال، وكانت التعليمات لقائد الحرس ألا يترك الرئيس يغيب عن عينيه لحظة، ولا يجعل أحدا يخلو إليه» ، وأمكن للخبراء رصد أبعاد المؤامرة وأفرادها في ذلك اليوم حتى كانت ليلة 15 مايو، فتم إسدال الستار على آخر فصولها .

    كان السادات بدون ظهير شعبي؛ فرتب الملك فيصل إجراءات المصالحة بين السادات والإخوان المسلمين في صيف 71 في استراحة جناكليس، اعتمد السادات على ترويج الإخوان له بصفته الرئيس المؤمن والمقابل تشويه صورة عبد الناصر، ولكي تتطابق واجهة الصورة مع خلفيتها كان لابد من طرد السوفييت الملحدين؛ ففي نهاية يونيو1972 زار سلطان بن عبد العزيز مصر ومعه كمال أدهم .. وفي 8 يوليو 1972 قدم السادات هدية مجانية للأمريكان بإعلانه طرد الخبراء الروس !!

التجسس لحساب الألمان :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    حاول الرئيس السادات في كتابه بعنوان : « البحث عن الذات»  أن يقفز فوق أحداث قضية التجسس لحساب الألمان؛ لتبدو القضية كما لو كانت عارضاً في حياته، كذلك يحاول تسطيح علاقته بالراقصة حكمت فهمي؛ فلم يأت لها ذكر سوى في موضعين :

     الموضع الأول :

     « لم أكن أعرف عنهما ( أبلر وساندي الجاسوسان الألمانيان ) سوى أنهما يعيشان في عوامة استأجرتها لهما حكمت فهمي إحدى فنانات ملهى بديعة مصابني .. وأن معهما جهاز لاسلكي ألمانيا ولكنه معطل ..» . * (39)

    الموضع الثاني :

     « صحوت من النوم على صوت امرأة تغني «لا والنبي يا عبده»، وفجأة سمعت نفس الصوت يولول ويصرخ .
    سألت قالوا إنها حكمت فهمي الراقصة وأنها في الزنزانة المجاورة لي، وهي الأخرى متهمة في نفس قضيتنا.. فهمت .. فهي التي أجرت الدهبية للجواسيس الألمان»*(40)
   
   بينما تحكي حكمت فهمي في مذكراتها كيف تم تجنيدها عندما رقصت أمام هتلر في كازينو الفيمنا، وكيف كانت موضع إعجابه ؟ وفي اليوم التالي  سألها ساندي عن رأيها في هتلر فقالت : إنه رجل يعمل من أجل أمته؟!*(41)

     وبدأت الرحلة، وبدأ التدريب على أيدي أمهر ضباط المخابرات الألمانية الهر كناريس.

     يروي ليونارد موزلي في كتابه بعنوان : « قط  وفئران»  أن حكمت فهمي كانت همزة الوصل بين الجاسوسين (أبلر وساندي) وأنور السادات، وكان اللقاء في أحد المساجد الأثرية في مصر القديمة.

     بينما يروي الأستاذ عبد المغني سعيد في كتابه بعنوان : « أسرار السياسة المصرية في ربع قرن» : إنه تعرف بهما ( أبلر وساندي) عن طريق قريب له متزوج من ألمانية وأخرج الرجلان أوراقهما، وأثبتا بما يقطع كل الشك، حقيقة جنسيتهما الألمانية وحقيقة مهمتهما، وطلب الألمانيان منا أن نقدمهما إلى الفريق عزيز المصري، وكانا يطلقان عليه لقب «الزعيم»، وقال أبلر إن جهاز اللاسلكي الذي جاء به قد تعطل وأنه يرجو أن يعتمد في إصلاحه علينا، كما طلب أن نسهل لهما عند الحاجة الاتصال الشخصي بروميل في مكانه في «العلمين»، وأضاف الأستاذ عبد المغني سعيد عن تدبير اللقاء بين الجاسوسين وأنور السادات:

     « كان علينا أن ندبر وسيلة أول لقاء بين الطرفين، وقد دبرنا هذه الوسيلة بطريقة ماهرة، مع بالغ الاحتياط، وتتلخص في حجز تذاكر في سينما «مترو» وتسليم كل طرف تذاكره على أن تكون مغادرة السينما في نهاية فترة الاستراحة وقبل عرض الفيلم مباشرة، وأمام باب السينما كانت سيارة بالانتظار، وانتقلنا بالسيارة جميعا إلى شارع الهرم، وأنزلت الأربعة أمام مطعم صيفي، وانصرفت، على أن أعود بعد نصف ساعة بسيارة أخرى، هذا مع تكليف بعض الزملاء بمراقبة المكان على سبيل الاحتياط وتمت المقابلة بسلام.» .

     وتروي حكمت فهمي كيف حصلت على جهاز الإرسال، وسلمته للجاسوسين ، تقول حكمت فهمي :

     « أعطاني أبلر كارتا صغيرا وهو يقول : خذي هذا الكارت، واذهبي إلى كنيسة سانت تريز في العاشرة من صباح اليوم، واجلسي أمام صورة القديسة، وعندما يقترب منك الشماس أخبريه أنك تريدين مقابلة الأب يوحنا.. وعندما يحضر الأب يوحنا أعطيه هذا الكارت يعطيك حقيبة .. كان الكارت يحمل اسم عزيز المصري.. وخرجت وأنا أحمل الحقيبة وبها جهاز اللاسلكي»  .

    وهي أفعال لا تصدر إلا عن كوادر استخباراتية ذات قدرات احترافية عالية، ومدربة على أعلى مستوى طبقا لعلوم وتقنيات التخابر في زمنهم.

حقيقة «عزيز المصري» :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

     لم يكن عزيز باشا المصري ذلك الرجل الذي سوّقت صورته التاريخية الزائفة بعض الكتابات؛ فهو في الحقيقة ليس سوى أحد المغامرين من أصول غير مصرية فاسمه الحقيقي هو : عبد العزيز علي إبراهيم الخربوطلي، وعائلة الخربوطلي ليست لها جذور مصرية، وهذا يبرر إصراره على جعل اسمه ينتهي بلقب « المصري» كحلقة في مسلسل الخداع!!، وهو رجل احترف طوال حياته القتل والمؤامرات ولم يعمل سوى لحساب الماسون، الذين جندوه مبكرا في تركيا؛ حيثُ انضم إلى جماعة «تركيا الفتاة» التي تحولت فيما بعد إلى «الاتحاد والترقي»؛ حيثُ عهدت إليه الجماعة باقتحام قصر يلدز؛ حيثُ مقر السلطان عبد الحميد وقد تولى عزيز المصري قيادة فرقته، واقتحم بها قصر يلدز في سنة 1908؛ لتنفيذ الانقلاب العسكري الذي قامت به فرق من الجيش العثماني على السلطان عبدالحميد الثاني في استانبول. كان عزيز المصري رجلا شديد المراوغة حتى إنه استطاع أن يقنع فرقته وغيرها من الفرق العسكرية التي سارت من سالونيك وغيرها في البلقان، متجهة شرقا في أراضي الدولة إلى العاصمة استانبول، أنهم في طريقهم لدعم وتأييد السلطان العثماني، وكان الجنود يهتفون بحياة السلطان عبد الحميد لما أشاعه فيهم من أن هذا الحراك إنما يجري لبلوغ العاصمة ولحماية السلطان عبد الحميد من مخاطر تحيط به، ولما بلغ الجنود قصر السلطنة وزعهم قادتهم حوله بما أحكم الحصار على القصر، ودخل القادة إلى السلطان، وأملوا عليه ما رأوه من شروط وقرارات وأجبروه على قبولها. ثم عزلوه نهائيا في سنة ١٩٠٨ .

    وقد استغله الإنجليز في الثورة العربية التي كانوا يديرونها لفصل العالم العربي عن الخلافة العثمانية، وتبين للإنجليز أنه يتلاعب بهم فنفوه إلى خارج مصر فتوجه إلى ألمانيا وعمل لحساب الألمان، وبعد هزيمة الألمان عمل لحساب الأمريكان، بعد أن استطاعوا تجنيده عن طريق إحدى عميلاتهم، وهي سيدة تعمل بالتدريس في الجامعة الأميركية بالقاهرة تدعى  فرنسيس دريك التي تزوج منها، وأنجب طفلاً مشوهاً، وبعد انتهاء الدور طلبت السيدة فرنسيس دريك الطلاق وعادت إلى بلدها .. وعاش عزيز باشا المصري أسيراً لتدبير نفقات الطفل بالعمالة لمن يدفع .

   .. عزيز باشا المصري ليس «بطلاً يجب ألا ننساه» .. وأيضا ليس «أبو الثأرين» كما حاولت بعض الكتابات تسويقه في إطار الخديعة !!

علاقة السادات
بالحرس الحديدي :
ــــــــــــــــــــــــــــ

    كان السادات بشهادة الجميع عضواً في «الحرس الحديدي»، وقد شارك في عملية اغتيال أمين عثمان باشا التي كانت من أعز أمنيات الملك لحساب الحرس الحديدي، وأيضا تمت تبرئته منها بمعرفة الحرس الحديدي .

السادات .. وهم التحدي :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

      ..  ساعد الظرف التاريخي السادات على تحسين صورته بالانتصار في أكتوبر 1973، لكنه حوّله إلى حالة من الاستعراض الشخصي بلبس البذات العسكرية للأسلحة المختلفة، بما يتفق وكل مناسبة، وهو ما كان مثار سخرية الشارع، الذي عبر عنها في صورة نكتتين، وهما أن السادات عندما ذهب إلى مركز تنظيم الأسرة لبس «لولب»، وعندما ذهب إلى مركز رعاية الطفولة لبس «بامبرز».

    فالسادات لم يُحسن استغلال حالة النشوة والفخار الوطني التي أحدثتها حرب أكتوبر بإصلاحات اجتماعية؛ فبدأ المواطن البسيط يفقد الثقة في أحاديث السادات عن الرخاء القادم حتى اندلعت مظاهرات 18 و19 يناير 1977 التي كان السادات يُصر حتى آخر يوم في حياته على تسميتها بـ «انتفاضة الحرامية»، والتي اضطر الجيش للنزول لاحتواء الموقف، وحماية مؤسسات الدولة، بعد إعلان تراجع الحكومة عن قراراتها، ولما كان من الصعب تصور إمكانية استخدام الجيش مرة أخرى في حالة ظهور قلاقل في الشارع على النحو الذي استخدم في يناير 1977 .. كان النظام في حاجة إلى قوى تساعده خصوصاً في الشارع وهنا جرى استدراج بعض القوى من التيار الديني ليكونوا حلفاء للنظام، وبالطريقة التي أشرف عليها عثمان أحمد عثمان رئيس المقاولون العرب ومحمد عثمان إسماعيل محافظ أسيوط وأمين عام الاتحاد الاشتراكي، وراح الاثنان يقدمان الدعم لبعض الجماعات الإسلامية، وبعد غزو السوفييت لأفغانستان تم توريد أفراد من تلك الجماعات سراً بمعرفة C. I .A.  كمرتزقة للقتال هناك عبر وسيلتين :

 الوسيلة الأولى:
ـــــــــــــــــــــــــ
   
    كان يتم تسفير المصريين  بواسطة مؤسسة بن لادن فرع القاهرة الكائن في الفيلا رقم 19 ش جامعة الدول العربية بالمهندسين؛ حيثُ يقوم المكتب بتسفير أعداد كبيرة من العمال المصريين، ويندس بينهم أعداد من تنظيم الجهاد الراغبة في الوصول إلى أفغانستان*(42)، وأشارت المعلومات إلى أن آخر فيزا جماعية تم سفر 200 عامل بينهم عدد كبير من العناصر المتطرفة .

السبيل الثاني :
ــــــــــــــــــــ

     عن طريق مكتب الإغاثة في الدقي، وهو مكتب غير مُشهر لاعتراض الأمن على نشاطه داخل مصر، وكان المكتب يقوم بتسهيل سفر أعداد كبيرة من المتطرفين للعمل بالخارج في مكاتب الإغاثة في بيشاور، والتي بلغ عدد مشاريعها على مستوى العالم 112 مؤسسة بين مستشفيات ومراكز طبية.

     كان الأمريكان يشعرون ببطء السادات في إنجاز ما يطلب منه، فأبرزوا له أول كروت الضغط، فنشرت جريدة الواشنطن بوست في 24 فبراير 1977 ( بعد شهر من الانتفاضة بينما السادات مازال يلعق جرحه) على صدر صفحتها الأولى أن : «كمال أدهم كان طوال الستينيات يمد السادات بدخل ثابت»، وكان لابد على السادات لإنقاذ حكمه من زيارة القدس  .

     وبدأ الأمريكان خداع السادات بنفس خداع ملوك أفريقيا البدائيين بالخرز الملون والملابس المزركشة، ولم يكن الخرز الملون والملابس المزركشة سوى مخايلات الصحف الغربية ومحطات التليفزيون، وبدأ السادات يفقد مع كل حديث صحفي ومع كل برنامج تليفزيوني قطعة من ملابسه وركنا من أركان قضية الحق العربي، حتى جردوه من كل شيء وأصبح كارتاً محروقاً؛ فتخلوا عنه؛ فلا أمريكا تقبل الضغط على إسرائيل لحل قضية النزاع في الشرق الأوسط، ولا هي موافقة على حل المشاكل المالية بيننا وبينها، وتملصت إسرائيل من تنفيذ الشرط الثاني وهو الجزء المتعلق بالحكم الذاتي للفلسطينيين باستحداث الحكم الذاتي للأفراد وليس للأرض، والقدس لن تعود مرة أخرى مدينة مقسمة وسوف تكون العاصمة الأبدية لإسرائيل، ولا عودة لحدود 67 ، ولا عودة للاجئين ، ولا دولة فلسطينية !! وهو ما أبرزه الصحفي الفرنسي اليهودي الجنسية جوزيف فينكليستون في كتابه بعنوان : «السادات .. وهم التحدي»*(43) ،  والذي قال فيه ما مضمونه إن السادات قد فشل تماما في تحقيق أوهامه في أن يصبح بطل الحرب والسلام، وأنه اصطدم باللاءات الخمس الإسرائيلية ( لا للعودة إلى حدود يونيو 1976 ـ لا للدولة الفلسطينية ـ لا لتقسيم القدس ـ لا لعودة اللاجئين ـ لا للحكم الذاتي في الضفة والقطاع  (.. هكذا خسر السادات كل رهاناته

اللطمة الإسرائيلية
في زيارته لحيفا  :
ـــــــــــــــــــــــــــــ

    .. بانت الحقيقة بوضوح أمام الرئيس السادات في رحلته إلى حيفا التي تمت في 4 سبتمبر 1979 .. كانت الرحلة نفسها غريبة ، فقد تمت على الباخرة المصرية «الحرية» التي بنيت في عهد الخديو إسماعيل، وتعتبر أقدم قطعة بحرية تجوب البحار في العالم الآن، واستقبلتها في ميناء حيفا تشكيلات من الطائرات الإسرائيلية وعشر سفن حربية من حاملات الصواريخ الإسرائيلية .. وفي إسرائيل أعاد السادات طرح فكرتي توصيل مياه النيل إلى القدس ورفع سقفها؛ لتصل إلى صحراء النقب وفكرة مجمع الأديان ، غير أن اليهود رغم الترحيب الديبلوماسي به، فقد أرسل الحاخامات أصحاب اليد العليا في الإدارة والسياسة في إسرائيل  له رسالة مضمونها أنه «شخص منبوذ» ولا يستحق «بركة عشاء الرب»، يروي أنيس منصور في مقاله بمجلة « أكتوبر» :

     «وأمام فندق دان كارمل قابلني صحفي إسرائيلي وقال لي : كارثة دينية .. العشاء لن يقام للرئيس السادات، هكذا أفتى حاخام مدينة حيفا!!».. وقد توسل بيجين رئيس الوزراء وبورج وزير الداخلية للحاخام ألا يوقع إسرائيل في هذه المصيبة الكبرى وأمام العالم كله.

    .. والحكاية أن الرئيس السادات كان يصر على أن يأخذ طعامه معه في رحلاته، وهو طعام من نوعية خاصة من اللحوم والخضراوات المسلوقة ومكرونة تحتوي على نسبة قليلة من النشويات لزوم الرشاقة، وهي أشياء تبدو مألوفة لكنها من وجهة نظر الحاخامات مخالفة صارخة لتعاليم الديانة اليهودية.

    وذهب طهاة فندق دان كارمل وأخبروا الحاخام أن مخالفة فظيعة قد وقعت، وأن طريقة غير شرعية استخدمت في طهو طعام الرئيس السادات.

   فالديانة اليهودية تحتم على كل مطعم أن يلتزم بحرفية الدين، فالطاهي يجب أن يحصل على شهادة من الحاخام بأنه يعرف طهو اللحوم والخضراوات بالطريقة الشرعية، والطاهي يستخدم أدوات معينة. والفنادق يجب أن تمشي على هذه التعاليم، فهي لا تقدم إلا اللحوم المذبوحة شرعاً، ولا تسمح بغير ذلك، وإلا أعلن الحاخام أن الطعام حرام والفندق كله حرام!

    وأمام توسلات رئيس الوزراء وتفسيرات رجال الحاخام من استخدام الأواني استخداماً لا يخالف الدين أكملت الحفلة الكبرى التي أقامتها الدولة ابتهاجاً بأنور السادات * (44)

   كانت صدمة السادات أكبر من احتماله .. فراح يدخن الحشيش ، وتنتابه لحظات يتلهف عليه حسبما جاء في كتاب : «الحجاب VEIL» لبوب وود ورد المقرب من دوائر المخابرات المركزية حيثُ قال في ص 36 : « SADAT smoked dope and had anxiety attaks»، في محاولة لتفسير عصبية السادات وسبه لخصومه وإفشاء أسرار تتعلق بمساعدة أمريكا للمجاهدين في أفغانستان، وهو أمر كانت تخفيه أمريكا في توازنات علاقتها مع الاتحاد السوفييتي، وكذلك تزويد أمريكا للأفغان المناوئين لنظام كابول بالأسلحة .

     حكى لي الأستاذ كامل زهيري نقيب الصحفيين الأسبق :

   « أنه ذهب إلى السادات بناء على استدعاء منه عندما كان رئيسأ لمجلس الأمة؛ ليستوضح منه بعض النقاط بخصوص قانون نقابة الصحفيين 76 لسنة 70، وعندما وصل إلى منزل السادات أخبروه بأن السادات يعاني من نزلة برد ويطلب لقاءه في غرفة نومه» ، يقول زهيري: « وعند دخولي إلى حجرة السادات وجدت الغرفة تفوح منها رائحة الكافور النفاذة، وشاهدت كأسا من خمر الفودكا على مائدة بجوار السرير .. لاحظ أنور السادات أني مندهش، فراح يبرر ذلك بأنه دهن جسده بزيت الكافور لتخفيف آثار البرد، وأن شُرب كأس الفودكا يساعده على الدفء ليتماثل للشفاء» ، ويضيف زهيري : « وخرجت متعجباً من الرجل الذي يتداوى بالخمر !!»

     .. ذكر د. محمود جامع في كتابه بعنوان : « عرفت السادات» أنه :

     « قد سجل عشر حلقات في برنامج حديث الروح أذيع منها سبع وفوجئ بإلغاء البرنامج، وأخبرني الشيخ الشعراوي بأنه صدر أمر من الرئيس السادات بمنع تسجيل الحلقات بل ومنعي من دخول التليفزيون، وأن السادات ثار ثورة عارمة عندما سمع على لساني في الحلقة أنني قلت إن لي صديقاً قال لي إنه يتعاطى بعض الخمر قبل النوم لتنشيط الدورة الدموية والقلب، وأنه يتعاطى بعض المخدرات مثل الحشيش لتنشيط قوته بشكل عام.. وشرحت في الحديث أن هذا حرام شرعاً وغير صحيح علمياً.. وقد أخبرتني الأستاذة همت مصطفى رئيس التليفزيون بأن البرنامج قد أُلغي بمكالمة تليفونية من السادات شخصياً بسبب هذا الحديث»* (45)

     .. أفلس السادات على كل المستويات، ولم يعد لديه سوى البروباجندا فاستقدم فريقا من خبراء الصورة الذهنية الألمان لمنحه قبلة الحياة، واقترح هؤلاء تصوير السادات يربت على كلبه في محاولة لتصويره في صورة الرئيس الرفيق بالحيوان، وهي صورة تستهوي القارئ الأوربي لكنها أصابت القارئ المصري بالنفور، فالكلب في عرف البعض حامل للنجاسة !!، ويعد من نقائض الوضوء في بعض مذاهب الفقه الإسلامي .

   لم يحقق الســادات الصــورة المنشودة؛ فأصبح على حــد تعبير المراجـع الأجـنبية « منبوذاً    Out cast» ، وهو ما جعل السادات يستنسخ تجربة محمد نجيب بدعوته للمصور فاروق إبراهيم مصور «أخبار اليوم» في مارس 1981 لتصوير يوم في حياته من خلال صور ظهر فيها بالملابس الداخلية، وأيضا وهو يحلق ذقنه ويمارس رياضة اليوجا، والسباحة في حمام السباحة بقصره، الغريب في الأمر أن الصور كانت موضع سخرية الشعب المصري الذي أطلق تعبيره اللاذع «خيشة»، فلم يفلح السادات في كسب ثقته وتحسين صورته أمامه، فبينما كان السادات يمارس رياضة السباحة في حمام قصره، كانت المياه لاتصل إلى المنازل إلا في ساعات قليلة من النهار، ولا تصل إلى الأدوار العليا في المنازل مطلقاً والشوارع غارقة في مخلفات الصرف الصحي .

مقتل الليثي ناصف
قائد الحرس الجمهوري :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    كان الفريق الليثي ناصف خط الدفاع الأول عن  الرئيس السادات ضد من أسماهم بـ «مراكز القوى» وإلقاء القبض عليهم.. وفجأة توترت العلاقة بين الرجلين، فقرر السادات إبعاده عن المقر الرئاسي في أبريل 1973 بنقله إلى وزارة الخارجية بدرجة سفير.. وفي أغسطس 73 تصدر الخارجية المصرية قرارا بتعينيه سفيرا في اليونان .. يتوقف الفريق الليثي في لندن مع أسرته للعلاج وهو في طريقه للسفر إلى اليونان .. تبيت الأسرة ليلتها في شقة تتبع لرئاسة الجمهورية في الدور العاشر من عمارة ستيوارت تاور .. في اليوم التالي وتحديدا في 24 أغسطس وفي التاسعة من صباح ذلك اليوم يسقط من شرفة الشقة .. يسقط دون نقطة دماء واحدة، وهو ما يؤكد على توقف الدورة الدموية قبل سقوطه، ودون أن يسقط « الشبشب»  من قدميه!!

    تؤكد السيدة زوجه الليثي ناصف أن وراء الحادث شبهة جنائية، وتشير بأصبع الاتهام صراحة إلى الرئيس السادات، بينما يؤكد شقيقه المستشار سعد الليثي أنه ليس لديه دليل ليتهم أحدا * (46)

مقتل المشير بدوي
و13 قائداً عسكريا :
ـــــــــــــــــــــــــــــ

     في 2 مارس 1981 قبل شهور من اغتيال الرئيس السادات، لقي المشير أحمد بدوي وزير الدفاع مصرعه، هو وثلاثة عشرة من كبار قادة القوات المسلحة عندما سقطت بهم طائرة عمودية في منطقة سيوة بالمنطقة العسكرية الغربية بمطروح .

     وقد أثار النائب علوي حافظ الشكوك حول الحادث في استجواب قدمه إلى مجلس الشعب في ديسمبر 1988 وتمت مناقشته في 5 مارس  1990، وفي كتابه بعنوان : «الفساد»  الذي ذكر فيه صراحة أن المشير أحمد بدوي قال له : «إن السادات يسعى لتصفيته قريباً»  ثم اعترف أحمد بدوي لعلوي حافظ بأن هناك مافيا تجار السلاح تلتف حول السادات من كبار رجال الدولة ـ على رأسها مبارك ـ وأنه عطل صفقة طائرات حاملة جنود كانت قادمة من أمريكا، وقد حاول أفراد العصابة التربح على حساب الشعب وأساءوا إلى سمعة مصر خارجيا بتقاضي السمسرة والعمولات، وقال علوي حافظ إنه نصح المشير بدوي بأن «يتغدى بالسادات قبل أن يتعشى به» ورد عليه بدوي : « كلامك فيه شيء من المنطق يا أخي» ، وبعد 15 يوما من هذا اللقاء سقطت الطائرة التي كانت تقل المشير و13 من كبار قيادات الجيش، ولقوا جميعاً حتفهم .

السادات .. النهاية :
ـــــــــــــــــــــــــــــــ

    أصبح الرئيس السادات عبئاً على الجميع؛ وبدأ الأمريكان يتخوفون من ردود أفعاله غير المتوقعة؛ فقرروا إنهاء اللعبة، وتغيير اللاعب .. وقد أعلن الشعب المصري رأيه صراحة في السادات بعد اغتياله؛ فلم يهتز حزنا عليه، ولزم منازله فبدت الشوارع شبه خالية؛ ليتم التغيير وانتقال السلطة بسلاسة، وليترك السادات يوارى التراب دون مشيعين .

***

    بعد مقتل الرئيس السادات أجرت جهات سيادية وأجهزة عالمية تجارب استرجاعية على نموذج مجسم  للمنصة مع اختلاف أوضاع الحراسة في كل الاحتمالات، وانتهت جميعها إلى النتيجة التي حدثت في الواقع؛ بما يقطع بأن التخطيط تم بمعرفة جهة عالية الاحترافية، وأن التنفيذ تم بمعرفة تنظيم الجهاد الذي ربما أمكن اختراقه بمعرفة تلك الجهة!! .. وربما يكون الاختراق عبر وسائط قريبة من «فكر الجهاد» أو أن الاختراق تم عن بعد عبر وسائط يصعب تتبعها بحيث لا يشعر المنفذون الأصليون بوجود تحريض خارجي على الإطلاق ..

   اتهمت أسرة السادات جهات خارجية بالضلوع في قتله، لكنها عادت وعدلت عن اتهامها لأسباب مصلحية .
   الأمريكان لا يظهرون في مسرح الجرائم أبدا؛ ولا يتركون وراءهم بصمة، ولا شاهدا، فقد استنفدوا أغراضهم من الكولونيل حسني الزعيم، وقادوا انقلاباً ضده بقيادة سامي الحناوي، وتركوه للجيش السوري لينفذ فيه حكم الإعدام بالنيابة عنهم .

الرئيس مبارك :
ــــــــــــــــــــــــ

     المصادفة وحدها هي التي أتت بمبارك إلى كرسي الحكم؛ فقد جاء من وسط دوامات الدم وعواصف اللهب، ومنذ اللحظة الأولى لم يترك مبارك فرصة للتلاعب بوعي المصريين إلا واغتنمها، فبعد أداء اليمين الدستورية أطلق دمعة ذكورية عزيزة، دائما ما يطلقها الساسة لاجتذاب تعاطف الجماهير مبدياً أنه ما كان يدور بخلده أن يقف هذا الموقف بعد نهاية درامية للسادات .

   .. ولم ينطلِ ذلك على الشعب المصري، فهو يرى مبارك  مجرد موظف بدرجة رئيس جمهورية، ذي خلفية عسكرية ولا يجيد سوى التحدث بلغة «القشلاقات Parracks» وهي لغة خشنة تفتقد الأدب والتهذيب، ولم يبذل أدنى جهد لتغيير هذه الصورة، فهو يدرك حقيقة قدراته، فهو أخير دفعته في الكلية الجوية، وهو دائما في آخر الصف وذيل السرب، وعندما عينه السادات نائباَ للرئيس بتعليمات إسرائيلية لأنه ـ حسب قول السادات ـ  « الجماعة في إسرائيل بيحبوه وعايزينه». كان مبارك موضع نكات، وقفشات، وسخرية رجالات الدولة المقربين من الســادات لدرجة أن المهندس عثمان أحمد عثمان أطلق عليه لقب : «الأفندي أبو نوتة»، لأنه كان يمسك بأجندة طوال الوقت يدوّن فيها كل ما يقوله السادات في اصطناع للطاعة وتعويض نقص القدرات وبطء الفهم ، هو ما حاول إخفاءه بقناع باهت وابتسامة لزجة، أثارت سخرية  رجل الشارع الذي وصفه بـ  «البقرة الضاحكة La vache qui rei» .

    ولم تكن لمبارك صورة مشرقة يقدمها لشعبه حتى الضربة الجوية، فهو ليس قائدها الأوحد، كما أن وراءه الكثير الذي حاول طمس تفاصيله .. ولأن الحقائق يمكن إخفاؤها بعض الوقت، لكنها لا تموت؛ فقد حكى لي الأستاذ عبد المنعم السيد محامي السيدة نعيمة محمد مرسي مبارك، المقيمة في قرية كفر المصيلحة ( والدة مبارك ) تفاصيل الدعوة القضائية رقم 20 لسنة 1960 أحوال شخصية محكمة شبين الكوم الجزئية ضد النقيب محمد حسني السيد مبارك للحصول على نفقة شهرية لإطعام إخوته الصغار (سامية - سامي - فوزي - عصام ) .

     لا نهدف بذكر تلك الواقعة إلى معايرة الناس بظروفهم المعيشية أو واقعهم الاجتماعي، ولكننا نراها ذات مغزى في سبر البعد النفسي لرجل حـكـم مصر 30 عاماً ـ لذا لزم التنويه ـ فهو يفتقد النخوة، والحرص على الكرامة الشخصية، فهو يتقبل الإهانة من الأعلى الذي يمتلك سلطة إصدار الأوامر، ويمارس إذلال الأقل الذي يتلقى الأوامر، وإذا قارنا موقفه هذا بموقف العامة من أواسط الناس؛ لتبينا الفرق؛ فالمصريون العاديون يأنفون من الوقوف في المحاكم من أجل إطعام ذويهم، وينطبق ذلك عليه عندما ارتضى لنفسه القيام بدور كومبارس في فيلم «وداع في الفجر» بطولة شادية وكمال الشناوي وإخراج حسن الإمام من إنتاج كمال الشناوي عام 1956، وأيضا عندما قبل أن يصدر طابع بريد من كيان معاد، يؤكد أنه تفانى في خدمة الأعداء، وهو الذي لم ينف تصريحات العدو بأنه كنزهم الاستراتيجي وحارس أمنهم الشخصي على مدى ثلاثين عاماً، وهو الذي قبل الصورة المهينة التي ظهر بها في المحكمة متمارضاً مستلقياً على قفاه يعبث بأصبعه في أنفه، وهي حالة يطلق عليها الأطباء النفسيون اسم « ادعاء حالة الموت الارتكاسي « وهي حالة لا تصيب إلا الجبناء الذين يفتقدون القدرة على المواجهة .

   بما يجعل السؤال مسوّغاً ومقبولاً .. كيف لمن لم يستطع الحفاظ على كرامته الشخصية أن يحافظ على كرامة وطن ؟ رفع الرئيس مبارك شعار النزاهة وطهارة اليد وأن الكفن ملوش جيوب، وهو شعار اشتاق إليه المصريون كثيراً، لكنه حوّل مصر إلى عزبة خاصة، وأراد أن يورثها لابنه، وأذاق المصريين من أمرهم عسرا بالطوارئ والإفقار والتعذيب والتجويع والتزوير والفساد والإفساد ..

موت الحفيد
والتعاطف الشعبي :
ــــــــــــــــــــــــــــــــ

أعطى القدر الرئيس مبارك فرصة ذهبية للتصالح مع شعبه عندما توفي حفيده محمد علاء مبارك في سنة 2009 كان حجم التعاطف الشعبي مع الأسرة هائلاً، وتقدير الناس لحزن الرجل المكلوم كبيراً وصادقاً، وكان يمكن للرئيس مبارك لو كان يمتلك قدراً من الذكاء السياسي أو الحس الاجتماعي أن يستثمر تلك الحالة لصالحه بإجراء بعض الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية وتغيير لغة الخطاب السياسي، لكن الرجل مضى في غيه حتى النهاية دون أي اعتبار لأحد .. ولو أنه توجه للشعب بذات الخطاب الذي توجه به للثوار في ميدان التحرير يوم الثلاثاء 8 فبراير 2011 ربما قد يكون تغير وجه التاريخ في مصر .

ساعات ما قبل النهاية :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

     مع تزايد ضغوط نظام مبارك على الناس كان الأمريكان يشعرون بالخطر على مصالحهم وأمن إسرائيل؛ فكانت دعوة عماد أديب لمبارك وأسرته إلى ما أسماه بـ «الخروج الآمن» لخروج مبارك وأسرته من الحكم بعد حصولهم على ضمانات تمنع ملاحقتهم قضائياً عما ارتكبوه من جرائم في حق البلاد، وهي دعوة ذات مغزى، فأديب يحظى برعاية مباشرة من واشنطن، ووثيق الصلة بدوائر صنع القرار في مصر ووثيق الصلة بدوائر الحكم والمال السعودية، ثم تلا ذلك خطاب أوباما الذي ألقاه في جامعة القاهرة 2009 متضمناً  (في نسخته الأصلية ) فقرة يناشد فيها أوباما مبارك أن يعتزل ويستريح .. وقد توسط د.عبد المنعم سعيد لدى الأمريكان لحذف تلك الفقرة، وجرت مكافأته على ذلك بمنصب رئيس مجلس إدارة جريدة الأهرام، وفي 25 يناير 2011 انتفض الشعب، ولم يضع الجيش الفرصة، فحوّل هبة الجماهير إلى انقلاب عسكري ناعم ضد مشروع التوريث مُغلف بغطاء من إرادة شعبية !!

الرئيس د. محمد مرسي :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    جاء الرئيس د. محمد مرسي  إلى الحكم بإرادة شعبية حرة عبر صناديق الاقتراع الحر المباشر في سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ مصر، .. كانت أولى العثرات التي صادفته جهل من صاغ له أول خطاباته عندما ضمّن عبارة الاستهلال كلمة : « عشيرتي»؛ ولأن مصر لم تعرف نظام العشائر؛ فقد حمل المتربصون الكلمة معنى الجماعة، وذهبوا أنه خطاب خاص بجماعة «الإخوان المسلمين»، وتوالت العثرات بلجاجة الخطاب وافتقاده للرصانة بتضمينه عبارات من نوع : « هما أصبعان ، ثلاثة، أربع، خمس أصابع بيلعبوا في حارة سد » .. و« الولد بتاع سكينة الكهرباء ، اللي بيأخد عشرين جنيه عشان يقطع الكهربا» !!.. كانت لغة الخطاب مادة ثرية لإشاعة روح السخرية من الرئيس وإهانته .

     لا ننكر الإنجازات التي قام بها الرئيس د .محمد مرسي وحكومة د.هشام قنديل من أهمها: البدء في مشاريع الاكتفاء الذاتي من الغذاء والدواء والسلاح وتنوع مصادره، وإعطاء الإشارة لإنتاج أول سيارة مصرية، ومشاريع نقل التكنولوجيا الصينية والماليزية والتركية والروسية إلى مصر عبر الاستثمار، كان الإعلام المناوئ للرئيس ونظامه سرعان ما يقوم بإعداد «تقويمات سلبية موازية»، تعيد المنظور إلى سابق وضعه العادي والمألوف من حيثُ السخرية من الرئيس وإهانة النظام وتسفيه إنجازاته .. وعندما كان التليفزيون يعرض مادة فيلمية لتلك الإنجازات، فسرعان ما يأتي صوت المذيع ليصحح للمشاهد ما ينبغي أن يراه ـ وليس ما يراه بالفعل ـ وإزالة التشوش الناتج عما يراه وإعادته إلى حظيرة التفكير التقليدي المغروس في قنوات الإعلام التي تم توظيفها لإهانة الرئيس وهدم النظام !!

     ومن الأمثلة البسيطة على تسفيه جهود الرئيس حادثة صحفية جريدة «الوطن»  شيماء عادل  التي اعتقلت في السودان لعدم حصولها على تصريح من السلطات السودانية بمزاولة المهنة على أرض السودان، وتدخل الرئيس مرسي أثناء زيارته للسودان للإفراج عنها، وأعادها إلى مصر على طائرة الرئاسة، وبدلاً من تثمين فعل الرئيس، تم بخسه بوصفه اتفاقا من «إخوان مسلمين مصر» و«إخوان مسلمين السودان» للقبض على الصحفية، والإفراج عنها بواسطة من الرئيس لكسب التأييد الشعبي لحكمه .. بل وذهب البعض إلى أن السلطات السودانية كانت بصدد الإفراج عن الصحفية ولا فضل للرئيس !!

   ومثال آخر أكثر وضوحاً في الإساءة لمؤسسة الرئاسة بأكملها، وهو ادعاء صحفية «اليوم السابع» عبير عبد المجيد بحق د. ياسر علي (المتحدث الرسمي لرئاسة الجمهورية) من أنها تزوجها زواجا فاسدا انتحل فيه أحدهم صفة موثق العقود، ولم تستطع المدعية إثبات ما جاء بادعائها، وثبت أنها مأجورة .. وقد نشبت خلافات بينها وبين شركائها لأنها لم تحصل على باقي أجرها !!
    .. لم يكن الأمر مجرد عبث بعض العابثين الذين أشار إليهم الرئيس بكلمة «أصابع» ، فقد كان الرئيس ضحية لتقارير مضللة أخفت عنه تدابير «الثورة المضادة»  والتي كانت ممارستها استنساخا لـ «العملية أجاكس» والتي يُطلق عليها الإنجليز «بوت» والتي يطلق عليها الإيرانيون : «انقلاب 28 أرداد» ضد مصدق في إيران كما يقول الكتاب، والكتاب هنا هو كتاب بعنوان : «الانقلاب المضاد .. الصراع للتحكم في إيران» الذي نشره  كيرميت روزفلت في سبتمبر عام 1979 بعد سقوط الشاه، واعترف فيه بدوره بتخطيط وتنفيذ ضباط من المخابرات الإنجليزية في خلع مصدق، لكن وبعد استيلاء الطلبة الإيرانيين على السفارة الأميركية في طهران تم سحب الكتاب من الأسواق وإعدام نسخه.

   .. و« العملية أجاكس»  التي جرى استنساخها في القاهرة كان يقودها على الأرض أجهزة ذات قدرات مالية، ومعلوماتية عالية، وذات قدرة على تقديم الدعم الفني والمالي للمنفذين على الأرض، فعمت الفوضى وساد الانفلات، وانتشرت جرائم الترويع والسطو على المساكن وسرقة السيارات واختطاف الأطفال والتحرش بالنساء، وتفاقمت أزمات الخبز والوقود .. كان الواقع الثوري أكثر هشاشة، و كان واقع الناس أكثر تمزقاً وقابلية للانقلاب على النظام القائم طلباً للأمن والاستقرار .

    .. ولفهم ما حدث نرجع إلى ما كتبه كيرمت روزفلت .. بدأ كيرمت روزفلت كتابه بعنوان « ضد الانقلاب .. صراع التحكم في إيران» بقوله:

   « كان النهار لزجاً والأمطار توشك أن تهطل، توقعاتي عالية، ولكن يصحبها وخزات رعب في هذا اليوم اليوم 25 يونيو 1953سيتم تقرير مسيرة الأحداث .. هل ستتبع الخطة التي اتفقت عليها مع البريطانيين، غير القاطعة في ذهني، والمحسومة في أذهانهم !! كانت الخطة تتكون من عدد من البنود تمت صياغتها في اثنتين وعشرين صفحة بها تفاصيل «العملية أجاكس».

   وقد بدأت العملية أجاكس والتي تسمى بالفارسية «انقلاب 28 أرداد»، عندما أوفدت الولايات المتحدة إلى طهران اثنين من رجال المخابرات المركزية هما كيرميت روزفيلت ونورمان شوا رزكوف بحقيبتين مملوءتين بالنقود بما قيمته 100 ألف دولار من العملات الإيرانية الصغيرة للقيام بما يجب لإسقاط حكومة مصدق وفقا لخطة تم وضعها بمعرفة المخابرات البريطانية، التي تولت عملية التنفيذ على الأرض بالاتصال بعملائها من آل الرشيد وغيرهم .. شق الرجلان طريقهما من بيروت إلى دمشق وعبور حدود إيران إلى طهران، في نفس الوقت كأن أحد رجال C.I.A. قد وصل إلى طهران يحمل عددا كبيرا من رسوم الكاريكاتير والملصقات المعادية لمصدق ، بينما كان فريق آخر يقوم بتوزيع مقالات بالصحف العالمية والمحلية تؤكد على الخطر الشيوعي المحتمل الذي سيلتهم إيران، وفريق ثالث يقوم بنسج شبكات استخبارية واستئجار عملاء متخصصين في إثارة الشغب والاضطرابات وإلقاء مسئولية ذلك على الشيوعيين ، كما تم توزيع الأسلحة على القبائل فخطفت عصابة مسلحة رئيس شرطة طهران وعذبته وقتلته، أما آية الله العظمى فقد أصدر فتاوى حسب الطلب ضد الشيوعيين. كانت العملية «أجاكس» تسير في خطواتها التي تهدف إلى :

   ـ تشويه صورة مصدق بإطلاق مظاهرات معادية له روجت لها وسائل الإعلام المحلية والدولية. حتى وصفته صحيفة نيويورك تايمز بالديكتاتور وشبهته بهتلر وستالين.
وقالت صحيفة التايمز البريطانية إن ما أقدم عليه مصدق يعد أسوأ كارثة حلت بالعالم الحر الرافض للشيوعية.

  ـ تجنيد كبير بلطجية طهران ( شعبان جعفري)، وتكليفه بالاستيلاء على الشوارع الرئيسية بالعاصمة من خلال رجاله الذين تم استدعاؤهم في سيارات أتوبيس من أنحاء البلاد، وتجمهر هؤلاء في الشوارع وقاموا بإطلاق الهتافات البذيئة التي حطَّت من قدر وهيبة الدكتور مصدق، وقاموا باغتيالات الشخصيات المعارضة لهم؛ فلقي 300 شخص مصرعهم في شوارع العاصمة .

   ـ التواطؤ مع بعض قادة الجيش على قصف منزل الدكتور مصدق، وهي العملية التي قادها الجنرال فضل الله زاهدي الذي كان شاه إيران قد عينه في منصب رئيس الوزراء بدلا من مصدق، قبل هروبه من طهران إلى إيطاليا عبر العراق.

   نجحت مهمة كيرميت روزفلت الذي كان قد حمل هو ورفيقه المال اللازم لتمويل كل مراحل العملية « أجاكس»، وانتهى الأمر بالقبض على الدكتور مصدق، وصدر حكم بإعدامه، وتوسط الأمريكان لدى الشاه لتخفيف الحكم إلى ثلاث سنوات قضاها في السجن، وبعد خروجه من السجن ضمن له الأمريكان معاشاً شهريا، وًتم تحديد إقامته بقية عمره منفيا في قرية أحمد أباد الواقعة شمالي إيران التي ظل فيها حتى وفاته في سنة 1967.

    كان من أهم أسباب نجاح العملية أجاكس ثلاثة أسباب جوهرية هي :

   1 ـ الحصار الاقتصادي لحكومة مصدق .

  2 ـ دور الإعلام في عملية غسيل «الدماغ الجماعي» للجماهير، ودور البلطجية في السيطرة على الشارع في حماية بعض ضباط الجيش والشرطة .

  3 ـ التشجيع على حالة الشلل نتيجة الاحتجاجات الفئوية، وتوسيع دائرة العصيان المدني، وتوقف حركة الإنتاج، وإغلاق المصانع، وتزايد جيوش العاطلين، والتضييق على المواطنين في الحصول على احتياجاتهم المعيشية.

   من خلال إجراءات شبيهة أجادت قوى الثورة المضادة في مصر استنساخ العملية «أجاكس» بعد أن استبدلت كلمة «الشيوعيين» بـكلمة «الإخوان المسلمين»، وسخرت كل شيء في سبيلها؛ فكان الحصار الاقتصادي لحكومة د. محمد مرسي عن طريق إثارة الإضطربات وترويع السائحين في الفنادق بما ساعد على إفشال السياحة، وتوقف المصانع، وتوقف عمليات التصدير، وإصابة البلاد بحالة من الشلل لانقطاع الكهرباء ونقص المحروقات، وفقدان الأمان والاستقرار، وأصبح المواطن محاصرا بقوى خفية أطلق عليها البعض « الطرف الثالث» أو « اللهو الخفي» أو عصابات «البلاك بلوك»،  وأصبح الشارع تحت سيطرة البلطجية وفرق الحصول على المعلومات في الخطة الأمنية المعروفة باسم: «عيون المدينة» باستخدام البوابين وسائقي التاكسىي والشحاذين والباعة المتجولين كمصدر مساعد للحصول على المعلومات، بل وصل الأمر إلى «التجسس عبر صناديق القمامة» باستخدام شركات بعينها .

   أما التنفيذ على الأرض فقد اسُتخدمت فيه جيوش العاطلين والأشقياء والمسجلين جنائياً، وبعض موظفي الدولة الذين اتسعت دائرة عصيانهم المدني، وزادت مطالبهم الفئوية، وقد استخدم الإعلام في التوجيه العام وقادت عناصر من جهات كثيفة المعلوماتية عالية القدرات عملية التوجيه الخاص والدعم التقني، واسُتخدمت جبهة «الإنقاذ» كغطاء سياسي وإعلامي لما يجري في الخفاء، كما اسُتخدمت حركة «تمرد» لإضفاء الشرعية القانونية على التحرك من خلال أوراق افتقدت دقة التوثيق، وقادت بعض الائتلافات الدعوة إلى تظاهرات 30 يونيو .

   وفي 23 يونيو، أذيع خطاب لوزير الدفاع الذي يتولى بهذه الصفة منصب القائد العام للقوات المسلحة، وأشار الخطاب إلى أن القوات المسلحة على وعي بما يدور داخل البلاد وهي بعيدة عن العمل السياسي، ولكنها تلحظ وجود حالة انقسام في المجتمع وأن «استمرارها خطر على الدولة المصرية»، وأنه لابد من التوافق لأن الحالة الحاضرة تهدد الأمن القومي مما لا تكون القوات المسلحة بمعزل عنه و «أننا لن نظل صامتين أمام انزلاق البلاد في صراع يصعب السيطرة عليه». ثم ذكر الخطاب أنه يخطئ من يظن أن هذه الحالة لا تهدد الأمن القومي أو أنها لا تهدد الدولة المصرية.

   وفي نفس اليوم تحركت وحدات من الجيش إلى الأماكن المعدة للسيطرة على المدن المهمة تحت شعار «بث الطمأنينة» في نفوس الجماهير، وحماية منشآت الدولة مما قد يحدث من انحرافات بعض المتظاهرين.

   في 30 يونيو حدثت الحشود المعروفة، التي توزعت على حركتين سياسيتين شعبيتين متقابلتين، إحداهما ضد المؤسسات السياسية الحاكمة للدولة، وهي رئاسة الجمهورية والمجلس الوزاري والمجلس النيابي، والأخرى تدعم هذه المؤسسات، وهما حركتان شعبيتان سياسيتان متقابلتان ليس في مكنة إحداها أن تقضي على الأخرى ولا أن تتجاهلها، ولم يكن أمام كليهما سوى الاحتكام للدستور أو انتظار موعد الانتخابات المقبلة التي تتشكل الحكومة وفقا لنتائجها.

   وقد أصدر وزير الدفاع والقائد العام للجيش في 1 يوليو 2013 بيانا أمهل فيه القوى السياسية 48 ساعة للاتفاق على مخرج من الأزمة، وذكر أن القوات المسلحة ستعلن «خريطة طريق للمستقبل»؛ إذا لم تتحقق مطالب الشعب مع الإجراءات التي تشرف عليها القوات المسلحة بمشاركة أطياف الاتجاهات الوطنية.
   .. لكن مع منتصف نهار 3 يوليو أعلن قائد الجيش تعطيل العمل بالدستور، وعزل رئيس الجمهورية، وحل المؤسسات الدستورية القائمة، وتعيين رئيس جمهورية مؤقت، ومنحه سلطة إصدار القوانين، وبل منحه سلطة إصدار الأحكام الدستورية، واعتقال رئيس الجمهورية المنتخب، وحل المجلس النيابي.

***

.. ودخلت مصر إلى عصر وليد بدأت يد الزمان ترسم ملامحه الأولى في سطور فصل جديد من كتاب التاريخ .
« تم بحمد الله »

مراجع الكتاب :
ــــــــــــــــــــ

1. آسا بيرجرـ بيتر بورك ، التاريخ الاجتماعي للوسائط من جوتنبرج إلي الإنترنت ، ترجمة مصطفي محمد قاسم ، عالم المعرفة  العدد 315 ـ الكويت، مايو 2005

2. بندكت أندرسون ،الجماعات المتخيلة.. تأملات في أصل القومية وانتشارها ، ترجمة ثائر أديب ـ ط 1 ، شركة قدمس للنشر والتوزيع ، بيروت 2009

3. هربرت . أ . شيللر، المتلاعبون بالعقول ، ترجمة عبد السلام رضوان ـ عالم المعرفة عدد 106 ـ الكويت، أكتوبر 1986

4. سيرجى قرة /مورزا، التلاعب بالوعى ، ترجمة : عياد عياد، وزارة الثقافة ، الهيئة العامة السورية للكتاب، دمشق 2012

5. مارتن فان كريفيلد ، حرب المستقبل ، ترجمة سيد عطا ، مكتبة الأسرة 1999 ـ القاهرة

6 .د . مصطفي عبد الغني، المستشرقون الجدد، دراسة في مراكز الأبحاث الغربية، الدار المصرية اللبنانية ـ القاهرة 2007

7. حامد ربيع ، الحرب النفسية في المنطقة العربية، ط 1 ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، بيروت 1971

8. المهندس حسن طاهر داود، جرائم نظم المعلومات، أكاديمية نايف العربية للعلوم الأمنية ـ الرياض   2000

9 .د. محمد عبد القادر حاتم ، دور الإعلام المصري في تحقيق المفاجأة الاستراتيجية في حرب أكتوبر 1973 ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ القاهرة 2009

10. سن توز ، فن الحرب ، إعداد وترجمة : رءوف شبايك ـ 2007
11 .الفريق عبد المنعم واصل ،الصراع العربي الإسرائيلي.. من مذكرات وذكريات الفريق عبد المنعم واصل ـ مكتبة الشروق الدولية ـ القاهرة 2002

12. صلاح نصر، الحر النفسية ، معركة الكلمة والمعتقد ( جزءان ) ، دار القاهرة للطباعة والنشر  ـ القاهرة ، أكتوبر 1966

13. أمين حامد هويدي ، الفرص الضائعة .. القرارات الحاسمة في حربي الاستنزاف وأكتوبر، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر ـ بيروت 1992

14. جيمي كارتر ، مذكرات البيت الأبيض، شركة المطبوعات للنشر والتوزيع، ترجمة سناء شوقي حرب ـ ط 2 بيروت 2013

15. وليم شايرر، قيام وسقوط الرايخ الثالث .. نهاية ديكتاتور ( جزءان) ، نقله إلى العربية جرجيس فتح الله ، دار ثاراس ـ أربيل 2002
16. د . نفوسة زكريا سعيد ، تاريخ الدعوة إلى العامية وآثارها في مصر ، ط1 ، دار نشر الثقافة بالأسكندرية ـ الأسكندرية 1964.
17. أحمد لطفي السيد، قصة حياتي، مؤسسة هنداوي ـ القاهرة 2013
18. عبد العزيز فهمي ، هذه حياتي ، كتاب الهلال العدد 145 ـ القاهرة 1963
19. الكابتن هـ . س . أرمستردنج، الذئب الأغبر مصطفى كمال، كتاب الهلال ، العدد 16ـ القاهرة، يوليو 1952
20. رءوف سلامة موسى، سلامة موسى .. أبي ، دار المستقبل بالقاهرة والإسكندرية 1992
21. سلامة موسى ، البلاغة العصرية واللغة العربية، مؤسسة هنداوي ـ القاهرة 2012
22. سلامة موسى، تربية سلامة موسى، مؤسسة هنداوي ـ القاهرة 2014
23. د. لويس عوض ، أوراق العمر .. سنوات التكوين ، مكتبة مدبولي ـ القاهرة 1989
24. محمود شاكر، أباطيل وأسمار ، مكتبة الخانكي ، ط 3 ـ القاهرة 2005
25. د نبيل علي ، د. نادية حجازي ، الفجوة الرقمية .. رؤية عربية لمجتمع المعرفة ـ سلسلة عالم المعرفة ، عدد 318 ـ أغسطس 2005
26. مذكرات روميل ثعلب الصحراء، ج 1، دار المعرفة ، ط 3 ـ بيروت 1972
27. مذكرات تشرشل ، دار المعرفة للطباعة والنشر ، منشورات مكتبة المنار ـ بغداد
28. دكتور متشهيكو هاتشيا، يوميات هيروشيما، 6 أغسطس ـ 30 سبتمبر 1945 ، ترجمة د . رءوف عباس ـ الدوحة 1977.
29. د . أحمد يوسف، المخطوط السري لغزو مصر، كتاب الهلال العدد 525 سبتمبر 1994 ـ دار الهلال ـ، القاهرة
30. جوزيف أم سيراكوسا، الأسلحة النووية .. مقدمة قصيرة جداً، ترجمة محمد فتحي خضير، مؤسسة هنداوي ـ القاهرة 2015
31. توماس ألين ، ألعاب الحرب ، نظرة في قلب العالم السري الذي يلعب فيه الرجال لعبة الإفناء الشامل ، ترجمة إلهام عثمان ـ الدار المصرية للنشر والتوزيع ـ القاهرة 1993
32. فيليب تايلور، قصف العقول .. الدعاية للحرب منذ العالم القديم حتى العصر النووي، ترجمة سامي خشبة ـ العدد 256، عالم المعرفة ـ المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ـ الكويت أبريل 2000
33. باربرا ويتمر ، الأنماط الثقافية للعنف، عالم المعرفة ـ العدد 337 ، الكويت، مارس 2007
34. جلال عبد الفتاح، العمليات العسكرية لغزو الكويت، المكتب العربى للمعارف ـ نوفمبر ، القاهرة 1990
35. تقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية ، نيويورك ـ عام 1999
36. جون بروكنز ، الاغتيال الأقتصادي للأمم ، اعترافات قرصان اقتصادي ، ترجمة مصطفى الطناني ـ عاطف معتمد ـ دار الطناني للنشر ـ ط 2 ـ القاهرة 2010
37. د . رمزي زكي ، انهيار الطبقة المتوسطة ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ القاهرة 1998
38. منير العكش ، حق التضحية بالآخر ، أمريكا والإبادات الجماعية، رياض الريس للكتب والنشر، بيروت 2002
39. د . حامد عبد الله ربيع ـ د . نعمات أحمد فؤاد، مصر تدخل عصر النفايات الذرية .. حول تحليل عملية صنع القرار العلمي القومي، دار الفكر العربي القاهرة 1978
40. الكسندر كوبرن ـ جيفري سانت كلير، التحالف الأسود ، وكالة المخابرات المركزية والمخدرات والصحافة ـ ترجمة أحمد محمود ،المشروع القومي للترجمة، المجلس الأعلى للثقافة ـ القاهرة 2003.
41. سعيد الجزائري، المخابرات والعالم ، الجزء 2 ـ منشورات مكتبة النور ـ دمشق
42. مركز الدراسات المائية والأمن المائي العربي، جامعة الدول العربية ، ندوة حول: مصادرة إسرائيل للمياه العربية ـ دمشق / أبريل 2006.
43. د. سعيد عبد الفتاح عاشور ، أضواء جديدة على الحروب الصليبية، المكتبة الثقافية العد 118 ـ الثقافة والإرشاد القومي، الدار المصرية للتأليف والترجمة ، القاهرة أكتوبر 1964
44. محمد موسى النبهاني، النشاط الماسوني في العالم العربي ـ الجزء 1ـ ص 74، الدار القومية للكتاب العربي، ط 1 ـ بغداد 1985
45. كامل زهيري ، النيل في خطر، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1999
46. د. نبيل علي، العرب وعصر المعلومات، العدد 184 عالم المعرفة، المجلس للثقافة والفنون والآداب ـ الكويت، أبريل 1994
47. كيت دفلين، الإنسان والمعرفة في عصر المعلومات، كيف تتحول المعلومات إلى معرفة، تعريب شادن اليافي، مكتبة العبيكان، الرياض 2001
48. الدكتور حشمت قاسم، دراسات في المعلومات، ط 3 ، دار غريب للطبع والنشر والتوزيع، القاهرة 1995
49. ناعوم تشوميسكي، السيطرة علي الإعلام .. الإنجازات الهائلة للبروباجندا، تعريب أميمة عبد اللطيف، مكتبة الشروق الدولية ـ القاهرة 2003
50. د . حامد ربيع، الثقافة العربية بين الغزو الصهيوني، وإرادة التكامل القومي، دار الموقف العربي، القاهرة 1982
51. رضا هلال، تفكيك أمريكا، الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ القاهرة 2001
52. د . نصر حامد أبو زيد، النص، السلطة، الحقيقة .. الفكر الديني بين إرادة المعرفة وإرادة الهيمنة ـ المركز الثقافي العربي، بيروت ـ الدار البيضاء 1995
53. حبيب سويدية، الحرب القذرة .. شهادة ضابط القوات الخاصة في الجيش الجزائري (1992 ـ 2000) ، ترجمة روز مخلوف، ورد للطباعة والنشر والتوزيع ـ سوريا، دمشق 2003.

54. كريستيان تشيرفيلر، نابليون والإسلام من الوثائق الفرنسية والعربية، تعريب: د . زين نجاتي، مكتبة الشروق الدولية ـ القاهرة 2002

55. إدوار دريو في كتابه بعنوان: « محمد علي ونابليون .. مراسلات قناصل فرنسا في مصر، ترجمة ناصر أحمد علي، مراجعة وتقديم رءوف عباس.

56. جرجي زيدان، تراجم مشاهير الشرق في القرن التاسع عشر ـ ج 1، هنداوي ـ القاهرة 2012

57. د . خالد فهمي، كل رجال الباشا .. محمد علي وجيشه وبناء مصر الحديثة، ترجمة شريف يونس، دار الشروق ـ ط 1 ـ القاهرة 2001

58. فرانسيس ستونر سوندرز، من الذي دفع للزمار ؟!، ترجمة طلعت الشايب، ط 4، المركزالقومي للترجمة ـ القاهرة 2009

59. أحمد حافظ عوض، نابليون بونابرت في مصر، مؤسسة هنداوي ـ القاهرة 2012

60. الياس الأيوبي، تاريخ مصر في عهد الخديو إسماعيل باشا، من سنة 1863 إل سنة 1879، مؤسسة هنداوي ـ القاهرة 2013

61. أنتوني ناتنج، ناصر، ترجمة شاكر إبراهيم سعيد، مكتبة مدبولي، ط 2 ـ القاهرة 1993

62. أدولف هتلر ، كفاحي ، ط 2 ، دار الكتب الشعبية ، بيروت 1975
63. روبرت وينر ، يوميات من بغداد .. مشاهد حيه من بغداد خلال الحرب ،  ترجمة : عمار جولاق ـ عبد الرحيم الفرا، الأهلية للنشر والتوزيع، عمان ، الأردن 1992
64. جوزيف س. ناي، القوة الناعمة .. وسيلة النجاح في السياسة الدولية ، نقله إلى العربية : د. محمد توفيق البجيرمي، العبيكان للنشر ، الرياض، السعودية 2007

65. د. نبيل راغب، غسيل المخ ، كيف يغيب العقل ومتى ؟! دار غريب ، القاهرة 1998

66. دافيد إدواردز، دافيد كرومويل، حراس السلطة .. أسطورة وسائل الإعلام الليبرالية ـ ترجمة آمال الكيلاني، مكتبة الشروق الدولية، القاهرة 2007

67. بول أرون، ألغاز تاريخية محيرة ترجمة شيماء طه الريدي، مؤسسة هنداوي، القاهرة 2015

68. صاموييل هنتنجتون، صدام الحضارات، ترجمة: طلعت الشايب، الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ القاهرة 2014

69. علي شلش، الماسونية في مصر، الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ القاهرة 1993

70. د . سامي عزيز، الصحافة المصرية، مكتبة الأنجلو ، القاهرة 1968

71. عهدي .. مذكرات الخديو عباس حلمي الثاني .. خديو مصر الأخير 1892 ـ 1914 ، دار الشروق القاهرة 1993 .

72. على مبارك ، حياتي، مؤسسة هنداوي ـ القاهرة 2012

73. مذكرات نوبار باشا ـ دار الشروق، القاهرة 2009
74. الفريد سكاونت بلنت ، التاريخ السري لاحتلال انجلترا لمصر ( أربعة أجزاء )، سلسلة أختارنا لك، الأعداد  69، 70، 73، 76 ـ القاهرة ( بدون تاريخ )
75. كارل إي ـ ماير، شارين بلير بريزاك، صناع الملوك، ترجمة فاطمة نصر، سطور الجديدة، القاهرة 2019
76. تيم واينر، إرث من الرماد .. تاريخ « سي .آى . إيه »، ترجمة أنطوان باسيل ـ شركة المطبوعات والتوزيع والنشر ـ ط1 بيروت 2010
77. حافظ إسماعيل، مستشار الأمن القومي، أمن مصر القومي في عصر التحديات، ط 1، مركز الأهرام للترجمة والنشر ـ القاهرة 1978
78. اعترافات قادة حرب يونيو، نصوص شهاداتهم أمام لجنة تسجيل تاريخ الثورة، سليمان مظهر، دار الحرية ـ القاهرة 1990
79. د . يوسف إدريس، البحث عن السادات، دار نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع ـ القاهرة 2009
80. مايلز كوبلند، لعبة الأمم، تعريب: مروان خير، إنترناشيونال سنتر، ط1 ـ بيروت 1970
81. ويلبر كراين إيفيلاند، حبال من رمل، نقله إلى العربية د . سهيل زكار ـ ط 3، دار حسان ـ دمشق 1990
82. عبد الوهاب المسيري، موسوعة اليهود واليهودية، والمسيحية ـ ط 2 ـ مج 1، دار الشروق، القاهرة 2005
83. د. لويس عوض، تاريخ الفكر المصري الحديث ومختارات فكرية، مكتبة الأسرة2013، إنسانيات، الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ القاهرة
84. د . رمزي زكي، وداعاً الطبقة المتوسطة، مكتبة الأسرة، الأعمال العلمية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1998
85. فرنسيس فوكوياما، نهاية التاريخ، وخاتم البشر، ترجمة حسين أحمد أمين، مركز الأهرام للترجمة والنشر ـ القاهرة 1993
86. د . حازم الببلاوي، عن الديقراطية الليبرالية .. قضايا ومشاكل، دار الشروق ـ القاهرة 1993

87. روبرت هنري ثاولس، التفكير المستقيم، والتفكير الأعوج، ترجمة حسن سعيد الكومي، عالم المعرفة، العدد 26 ، الكويت يناير 1987
88. مذكرات السلطان عبد الحميد، تقديم وترجمة د . محمد حرب، ط 3، دار القلم، دمشق 1991
89. د. آمنة محمد نصير، أضواء وحقائق على البابية ـ البهائية ـ القاديانية، دار الشروق ـ القاهرة 1984
90. الإمام أبو الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني، الملل والنحل، صححه وعلق عليه: أحمد فهمي محمد، دار الكتب العلمية ـ ط 2، بيروت 1992
91. طه حسين ، الفتنة الكبرى، ج 1 ،عثمان، دار المعارف ـ القاهرة
92. سليمان فهد العود، عبد الله بن سبأ وأثره في إحداث الفتنة في صدر الإسلام ( رسالة ماجستير )، دار طيبة ـ ط 3

93. د . إبراهيم بيضون، عبد الله ابن سبأ، إشكالية النص والدور الأسطورة، دار المؤرخ العربي، بيروت 1997
94. د. مصطفى الشكعة، إسلام بلا مذاهب ، الدار المصرية اللبنانية ـ الطبعة الثامنة ـ القاهرة 1991
95. د. محمد كامل حسين، طائفة الإسماعيلية تاريخها . نظمها . عقائدها، سلسلة المكتبة التاريخية، مكتبة النهضة المصرية ـ القاهرة 1959
96. د . محمد كامل حسين، طائفة الدروز، تاريخها وعقائدها، مكتبة الدراسات التاريخية، دار المعارف ـ القاهرة 1962

97. د. أيمن فؤاد سيد، الدولة الفاطمية في مصر، تفسير جديد، الدار المصرية اللبنانية ـ القاهرة 1992

98. محمد عبد الله عنان، الحاكم بأمر الله وأسرار الدعوة الفاطمية، مكتبة الخانكي بالقاهرة ، والرفاعي بالرياض، ط 3 ـ 1983

99. د. علي الوردي، هكذا قتلوا قرة العين، منشورات دار الجمل ـ الطبعة الثانية، كولونيا ـ ألمانيا 1997

100. محب الدين الخطيب وآخرون ـ دراسات عن البهائية والبابية، مطابع رابطة العالم الإسلامي ـ بدون تاريخ

101. آية الله الخوميني ، كشف الأسرار، ( بدون تاريخ أو ناشر)

102. آية الله الخوميني ، تحرير الوسيلة ( جزءان ) ، سفارة الجمهورية الإسلامية بدمشق، 1998
103. مذكرات مستر همفر، نقله إلى العربية د . ج . خ، مكتب دار الهدى إيران

104. الشيخ سليمان بن عبد الوهاب النجدي، الصواعق الإلهية في الرد على الوهابية، استانبول 1979

105. د. محمد عمارة، تقرير علمي عن تحريف التوراة والأناجيل، ملحق مجلة الأزهر عدد شهر ذي الحجة 1430، الموافق 19 نوفمبر 2009

106. شارل جنيبير، المسيحية نشأتها وتطورها، ترجمة د. عبد الحليم محمود، المكتبة العصرية ـ صيدا ـ بيروت، لبنان ـ بدون تاريخ
107. الأنبا صموائيل، الخدمة والعمل الجماعي، التربية الكنسية بالجيزة 1987

108. د. عادل درويش، الكنيسة وأسرارها وطقوسها، سلسلة الرسائل العلمية، دار بلال بن رباح، دار ابن حزم ـ ط 1، القاهرة 2012
109. البابا شنودة الثالث، حول سر الأفخارستيا ، سلسلة اللاهوت المقارن (2) ـ (بدون تاريخ أو ناشر ).

110. أحمد عثمان، مخطوطات البحر الميت، مكتبة الشروق، القاهرة ـ مايو 1996

111. الدسقولية ( تعاليم الرسل )، تعريب القمص مرقص داود، مكتبة المحبة، القاهرة 1979

112. د. أحمد حسين الصاوي،المعلم يعقوب، بين الأسطورة والحقيقة، سلسلة ذاكرة الوطن، الهيئة العامة لقصور الثقافة ـ ط 2، القاهرة 2009

113. يعقوب نخلة روفيلة، تاريخ الأمة القبطية ، ط 2، مطبعة متروبول ، القاهرة 2000

114. شفيق غربال، المعلم يعقوب والفارس لاسكاريس، ومشروع استقلال مصر عام 1801، دار الشروق ـ القاهرة 2009

115. محمود فوزي، البابا كيرلس وعبد الناصر، الوطن للنشر ـ القاهرة 1993

116. ول ديورانت، قصة الحضارة، ترجمة محمد بدران وآخرين ـ الناشر لجنة النأليف والترجمة ـ جامعة الدول العربية، م 3 \ ج 3

117. الملا محمد الشيرازي، أمهات المعصومين ـ قم، إيران

118. الإمام الخوميني، النداء الأخير، منشورات مؤسسة الإمام الخوميني الثقافية، طهران

119. محمد حميد الله، مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة، دار النفائس ـ بيروت 1985
120. طه حسين، الفتنة الكبرى، علي وبنوه، ج 2 ، دار المعارف القاهرة
121. الشيخ علي الكوراني العاملي، عصر الظهور، ط 14 ( بدون تاريخ أو ناشر) .

122. أدمون أديميلان، سر تقدم الإنجليز السكسونيين، ترجمة أحمد فتحي زغلول باشا،المشروع القومي للترجمة ـ العدد 715، القاهرة 2005

123. محمد عمر، حاضر المصريين أو سر تأخرهم، مطبعة المقتطف ـ مصر 9021

124. دكتور حافظ عفيفي باشا، الإنجليز في بلادهم، مطبعة دار الكتب المصرية، القاهرة 1935

125. مصطفى أمين، أمريكا الضاحكة، الدار السعودية للنشر والتوزيع ـ ط 2، القاهرة 1985

126. بول جونسون، المثقفون، ترجمة: طلعت الشايب، دار شرقيات ـ القاهرة 1998

127. أنيس منصور، في صالون العقاد، دار الشروق، ط 3، القاهرة 1993

128. طه حسين، الأيام ( ثلاثة أجزاء ) ـ الأهرام

129. د . زكي مبارك، البدائع، صور وجدانية وأدبية واجتماعية، جزء 1، ط 2، المكتبة المحمودية التجارية ـ القاهرة 1935

130. مجموعة مؤلفين، طه حسين كما يعرفه كتاب عصره، دار الهلال (بدون تاريخ أو رقم إيداع)

131. د. رءوف عباس، تاريخ جامعة القاهرة ( بدون توثيق )

132. طه حسين، ذكرى أبي العلاء، ط 2، مكتبة الهلال ـ القاهرة 1915

133. د. محمد حسن الزيات، ما بعد الأيام، دار الهلال ـ القاهرة 1986

134. من الشاطئ الآخر.. كتابات طه حسين الفرنسية، جمعها وترجمها وعلق عليها: عبد الرشيد الصادق محمودي، المركز القومي للترجمة، العدد 1189، القاهرة 2008

135. سوزان بريسو، معك، ترجمة: منير العرودكي، المركز القومي للترجمة ـ القاهرة 2009
136. جابر رزق، طه حسين الجريمة والإدانة، دار الاعتصام، القاهرة 1985

137. د. محمد الدسوقي، طه حسين يتحدث عن أعلام عصره، دار المعارف ـ القاهرة 1992

138. إبراهيم عبد العزيز، رسائل طه حسين، الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ القاهرة 2000

139. قرار النيابة في كتاب الشعر الجاهلي، مطبعة الشباب، القاهرة ( بدون تاريخ أو رقم إيداع) .

140. توفيق الحكيم، مصر بين عهدين، مكتبة مصر ـ القاهرة 1988

141. صلاح منتصر، توفيق الحكيم في شهادته الأخيرة، مركز الأهرام للترجمة والنشر، القاهرة 1996

142. د . بهاء الأمير، اليهود والماسون في الثورات والدساتير، مكتبة مدبولي، القاهرة 2011
143. مصطفى أمين، من واحد لعشرة، ط 3، مطبوعات كتاب اليوم، دار أخبار اليوم، القاهرة 1990

144. توفيق الحكيم، عودة الوعي، مكتبة مصر ـ القاهرة 1974

145. توفيق الحكيم، وثائق في طريق عودة الوعي، دار الشروق ـ القاهرة 1975

146. د . أميرة أبو الفتوح، إحسان عبد لقدوس .. يتذكر، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1983
147. محمد إبراهيم كامل، السلام الضائع، كتاب الأهالي رقم 12، يناير 1987، القاهرة

148. سيد جاد، الحرس الحديدي، كيف كان الملك فاروق يتخلص من خصومه ـ الدار المصرية اللبنانية، القاهرة، ط 1، 1993

149. إحسان عبد القدوس، على مقهى في الشارع السياسي، أخبار اليوم، قطاع الثقافة، مكتبة إحسان عبد القدوس الكاملة ـ القاهرة  1999

150. رجاء النقاش، نجيب محفوظ، صفحات من مذكراته وأضواء جديدة على أدبه وحياته، مركز الأهرام للترجمة والنشر، ط 1، القاهرة 1998
151. نجيب محفوظ، أحلام فترة النقاهة، ج 1، دار الشروق ـ القاهرة 2007

152. أحمد أبو زيد، الهجوم على الإسلام في الروايات الأدبية، سلسلة دعوة الحق .. كتاب شهري يصدر عن رابطة العالم الإسلامي، العدد 145، محرم 1415

153. نجيب محفوظ، أحلام فترة النقاهة .. الأحلام الأخيرة، جزء 2، دار الشروق، القاهرة  2015

154. أمين هويدي، مع عبد الناصر ـ دار المستقبل العربي 1980

155. عادل حمودة ، عبد الناصر .. أسرار المرض والوفاة،  الدار العربية ، القاهرة 1988

156. د . عبد العظيم رمضان ، تاريخ مصر والمزورون ، الزهراء للإعلام العربي، القاهرة 1993

157. ملف وثائق فلسطين : مجموعة وثائق وأوراق خاصة بالقضية بالقضية الفلسطينية ، الجزء الأول من عام 637 إلى عام 1949 ، وزارة الإرشاد القومي ـ الهيئة العامة للاستعلامات ، القاهرة 1969

158. الرسائل المتبادلة بين الشريف حسين والسير هنري مكماهون من 14 يوليو 1915 إلى مارس 1916

159. د. وجيه عتيق، الملك فاروق وألمانيا .. خمس سنوات من العلاقة السرية ، دار الفكر العربي، سلسلة جدران المعرفة، القاهرة  2006
160. مذكرات مصطفى باشا النحاس، ربع قرن من السياسة في مصر، دراسة وتحقيق : أحمد عز الدين، العصور الجديدة ـ القاهرة 2000
161. د. لوتس عبد الكريم ، الملكة فريدة وأنا، كتاب اليوم، العدد 503 ، فبراير 2008
162. د. عبد الرحيم أحمد عمرو ، تاريخ العلاقات المصرية الأميركية  1939 ـ 1957 ، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1991
163. د. رضا أحمد شحاتة ، تطور واتجاهات السياسة الخارجية الأميركية نحو مصر منذ انتهاء الحرب العالمية الأولى حتى انتهاء حرب السويس 1956 ، دار البيان ، القاهرة 1994
164. إبراهيم طلعت ، مذكرات إبراهيم طلعت، أيام الوفد الأخيرة، مكتبة الأسرة ، القاهرة 2003
165. د . فؤاد زكريا ، كم عمر الغضب؟ هيكل وأزمة العقل العربي، مطبوعات دار القاهرة، ط 2 ، القاهرة 1984
166. ت . س . فاتكيوتس، جمال عبد الناصر وجيله، ترجمة سيد زهران، دار التضامن للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت 1992
167. د. رءوف عباس ، مصريون في عيون أميركية ( بدون تاريخ أو رقم إيداع )
168. د. محمد عبد الوهاب ، عبد الناصر والسياسة الخارجية الأميركية 1952 ـ 1956 ، سلسلة مصر النهضة، العدد 63، دار الكتب والوثاثق القومية ، القاهرة 2006
169. الصاغ حسين حمودة، أسرار حرمة الضباط الأحرار والإخوان المسلمين ، الزهراء للإعلام العربي ، القاهرة 1985
170. د. عبد العظيم رمضان ،الوثائق السرية لثورة يوليو 1952 ، النصوص الكاملة لمحاضر الأمانة العامة للاتحاد الاشتراكي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ، جزءان ، القاهرة الجزء 1 صادر 1997، جزء 2 صادر 1998
171. أحمد حمروش، نسيج العمر، مكتبة الأسرة ، القاهرة  2002
172. أنور السادات ، البحث عن الذات ، المكتب المصري الحديث، القاهرة 1987 
173. حسين عيد ، مذكرات حكمت فهمي .. أسرار العلاقة بين السادات والمخابرات الألمانية، دار الحرية، القاهرة 1990
174. جوزيف فنكلستون ، السادات وهم التحدي، ترجمة عادل عبد الصبور، الدار العالمية للكتب والنشر ، القاهرة 1999
175. د. محمود جامع ، عرفت السادات، المكتب المصري الحديث ، ط 4 ، القاهرة 2004

صحف ومجلات :
ـــــــــــــــــــــــــــ

1. مجلة أكتوبر، الرئيس السادات يأمر بعمل دراسة كاملة عن توصيل مياه النيل إلى مدينة القدس، إنه مشروع «زمزم الجديدة»، باب اتجاه الريح ـ العدد 164 بتاريخ 16 ديسمبر 1979
2. جريدة الأهرام ، خطاب بيجن إلى السادات ـ عدد 13 أغسطس 1980.
3. جريدة الأهرام الاثنين 23 يوليو 1979 بعنوان: « السادات يرسي فوق جبل موسى حجر الأساس لمجمع يضم مسجداً وكنيسة ومعبد»
4. مجلة المصور، مقال حافظ إسماعيل، مستشار الأمن القومي بعنوان: «هل كانت حرب 73 حرباً ملفقة ؟!»، العدد 3075 بتاريخ 13 مايو 1983 م ـ 30 رجب 1403 هـ، على صفحات 4، 5، 6، 7، 78، 79 .
5. جريدة النبأ، العدد 663، يوم الأحد الموافق 17 يونيو 2001 ـ ص 1، 3، 5
6. جريدة الأهرام، ملحق الجمعة، 27 مارس 2015، تحقيق أحمد كمالي بعنوان: « تجارة الوثائق التاريخية .. وتجريف الذاكرة».
7. جريدة الأخبار، العدد4946 ـ 5 مايو 1968، بيان رسمي من البابا كيرلس السادس يعلن: ظهور العذراء في كنيسة الزيتون .
8. جريدة أخبار اليوم، العدد 1228، 18 مايو 1968، العذراء هل ظهرت في المنزل رقم 13 ش الحجر بباب الشعرية، الناس يتحدثون عن الصينية التي طبعت العذراء عليها صورتها»
9. مجلة العلوم الإنسانية ، مصحف فاطمة عليها السلام ـ دراسة موجزة، محمد علي مهداوي راد،  العدد 11 لسنة 2004، بغداد 
10. مجلة الإثنين، بعنوان: « الأثنين تستجوب الدكتور طه حسين بك .. يقولون عنك .. فماذا تقول ؟!»، العدد 591، بتاريخ 18 أكتوبر 1945 ، ص 11 ـ ع 1، 2، 3
11. مجلة أكتوبر، بعنوان : «  د. حسين فوزي يحاضر في إسرائيل، كانت زيارته الأولى مع طه حسين عام 1944» ، العدد 157 بتاريخ 28 أكتوبر 1979، اتجاه الريح ـ ص 3، ع 2، 3، 4
12. جريدة الأهرام، بعنوان « كلمة إسحق نافون في حفل العشاء »، العدد34287، 27 أكتوبر 1980ـ السنة 106، ص 6 ـ عمود 7
13. مجلة المصور، مقال عادل سعد، بعنوان : « مر الكلام .. هذه شهادتي على أكاذيب عصر الزعيم» ـ عدد 2 اكتوبر 2015
14. جريدة الشمس ( إعلان عن تملك اليهود لأراضي بفلسطين ) ، عددا 11 يناير، 8 مارس 1935
15. مجلة المصور، بعنوان : «مظاهرات بلفور»، العدد 17 ،  17أبريل 1925
16. مجلة المصور، بعنوان : «أغا خان»، العدد 1066 ، 18 مارس 1945
17. مجلة المصور، 75000 يهودي يهاجرون رغم أنف السلطات الفلسطينية، العدد 1135، 12 يوليو 1946
18. جريدة الأهرام، خبر مصور عن : « كبار رجال الهيئات العربية والإسلامية على أثر انفضاض أجتماعهم» ، العدد 22436، 5 ديسمبر 1947
19. جريدة الأهرام، خبر بعنوان : « مؤتمر تاريخي في الأزهر لإنقاذ فلسطين ، قرارات هامة لتنظيم الدفاع عنها» العدد 22436، 7 ديسمبر 1947
20. جريدة الأهرام، بعنوان : « أغا خان يسترد فلسطين »، العدد 22441، 10 ديسمبر 1947
21. جريدة الأهرام، بعنوان : « أغا خان ينفي تبرعه من أجل فلسطين »، العدد 22448، 17 ديسمبر 1947
22. جريدة الأهرام ، بعنوان : « تأجيل قضية وحيد يسري»، عدد 16 فبراير 1949
23. مجلة الهلال ، مقال د. رءوف عباس ، بعنوان حل لغز حريق القاهرة ( 26 يناير 1952 ) .. من الفاعل ؟!، عدد 1 يناير 2001
24. روز اليوسف ، مقال بعنوان : « مؤسسة لصناعة المتطرفين» ، العدد 3388 ، 17 مايو 1993
25. مجلة أكتوبر ، مقال أنيس منصور بعنوان : « أهلا وسهلاً بالرئيس السادات»، العدد 150 بتاريخ 9 سبتمبر 1979
26. مجلة أكتوبر، باب «إنه في يوم» ، مقال المستشار عبد الحميد يونس بعنوان « وليمة شهية بغير طعام» ، العدد 538 بتاريخ 15 فبراير 1978 



رقم الإيداع بدار الكتب المصرية :
ـــــــــــــــ


2339 / 2017

الترقيم الدولي :
ــــــــــــــــ

7 ـ 4588 ـ 90 ـ 977 ـ 978



النسخة الرقمية على الرابط :

ـــــــــــــــــ

http://hekiattafihahgedan.blogspot.com.eg


والروابط التالية :



وعلى الرابط :
وعلى الرابط :





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق