الثلاثاء، أكتوبر 20، 2020

حكايات تافهه جداً: شعب من "الأوز" .. مقدمة في علم اللغة الاجتماعي ـ ت...

حكايات تافهه جداً: شعب من "الأوز" .. مقدمة في علم اللغة الاجتماعي ـ ت...:   شعب من " الأوز " !!   .. مقدمة في علم اللغة الاجتماعي    ياسر بكر        

شعب من "الأوز" .. مقدمة في علم اللغة الاجتماعي ـ تأليف : ياسر بكر بصيغة Word


 

شعب من "الأوز" !!

 

.. مقدمة في علم اللغة الاجتماعي 

 

ياسر بكر

 

          في محل الإهـداء :
ـــــــــــــ
".. اللــهم أنت وليي فـي الدنيا والآخــرة، 

.. توفني مسلماً، وألحقني بالصالحين، 

.. واجعل لي لسان صدق في الآخرين.. آمين ." .

ياسـر بكـر

مقدمة

 

       .. مرة ثانية نُعيد السؤال :

      .. ماذا حدث، .. ويحدث للمصريين ؟!!

 

    ..  في المرة الأولى تسألنا عما حدث، .. ويحدث للمصريين في كتابنا بعنوان: (« فئران المركب» .. دراسة في التاريخ الاجتماعي)*(1)، كان التساؤل تحت تأثير حالة من الصدمة تُعرف بـ «صدمة الثقافة»، وصدمة الثقافة هى: «إزالة وتحريف للعديد من الإشارات الخفية والمألوفة التي أعتاد الناس عليها، واستبدالها بإشارات خفية أخرى غريبة.» .

 

     .. كان السبب في طرح السؤال وقوعنا تحت تأثير تلك الحالة من «صدمة الثقافة» مما أصاب المصريين من «التنمر» العقور في مواجهة مرضى كورونا بقطع المياه والكهرباء عن مساكنهم، ومحاولة إجبارهم على تركها دون مراعاة لحقوق الجيرة، ومنع عمال توصيل الخدمات من توصيل الطعام والمشروبات والدواء إليهم، .. وبلغت الوقاحة مبلغها حين قام بعض الجيران بمنع أطباء «مستشفيات العزل الصحي» من الدخول إلى بيوتهم في ساعات راحتهم، وهروب المغسلين وعمال دفن الموتى من أداء مهامهم، وكان السلوك الأخطر هو امتناع الأهل عن استلام جثامين ذويهم من شهداء كورونا من ثلاجات المستشفيات؛ مما حدا بالنيابة العامة لإصدار أوامرها لفرق الطب الوقائي بتغسيلهم ودفنهم في مقابر الغرباء، وبلغت حدة الصدمة في رفض أهالى بعض القرى دفن شهداء كورونا في مقابر القرية؛ مما اضطر قوات الأمن لدفن الجثامين بالقوة الجبرية وتحت سناكي السلاح ووابل من قنابل الغاز، والقبض على مثيري الشغب!!.. كانت تلك السلوكيات تنطوي في جوهرها على تحلل البنية الإدراكية لأعظم حقيقتين وجوديتين هما الموت والحياة، وسقوط الجدار المقدس الذي كان يغلف الموت عند الشعب المصري منذ فجر التاريخ .

 

      .. كان المشهد كله تسوده حالة من التخبط والارتباك والعشوائية تمثلت في ضعف المستوى العلمي والمهني والأخلاقي للأطباء، وتدني أدائهم في ظل عدم وجود برتوكولات علاج مؤكدة أو وسائل تشخيص مؤكدة، وزاد الأمر سوء تردي المنظومة الطبية في مصر بصفة عامة، وسوء الأحوال في المستشفيات الحكومية، والاستغلال البشع والجشع للمستشفيات الخاصة للمترددين عليها دون تقديم خدمة علاج حقيقية!!

 

     .. ليس معنى وقوعنا تحت تأثير «صدمة الثقافة» أننا فقدنا الرشد وسقطنا في كارثة «خلط المفاهيم»، وأطلقنا العنان لعواطفنا وخيالاتنا، وتخلينا عن الموضوعية والمناهج البحثية والأساليب العلمية الرصينة؛ فقد كنا ومازلنا أيضاً نحرص على تحمل المسئولية وأداء الواجب تجاه الوطن وناسه من أي وقت مضى ـ وكنا ومازلنا ـ حريصون على تسجيل الوقائع بالصوت والصورة وتوثيق الشهادات عبر «وسائط المالتي ميديا MultiMedia» و«البود كاست Podcast»، وتصنيف البيانات العلائقية في جداول والبيانات غير العلائقية بما تحمله من قيم رئيسية في وثائق وصور ومستندات مع الإفادة من مرونة المعلومات وقدرتها على التشكل .

 

      .. وخرج كتاب (« فئران المركب» .. دراسة في التاريخ الاجتماعي) إلى النور يحمل توصيفاً علمياً مدققاً لما حدث للمصريين، ورد ما ألمَّ بهم لأسبابه التي كشف عنها البحث وأهمها حالة «الاغتراب» في الوطن، .. وتطوع البعض بتوجيه النقد إلى ذلك الجهد العلمي، وواجهت الأمر بشجاعة غير مكترث بذلك، لكوني موقن تمام اليقين أن الكتابة عمل انقلابي ضد قوى الاستبداد والجهل والتجهيل والظلم والظلام والإظلام والتعمية والتعتيم، ومن الطبيعي أن تنتفض تلك القوى للدفاع عن وجودها غير المشروع ومكتساباتها الحرام، وأيضا لم أعرالتلويح بالمنع والحجب والمصادرة اهتماماً؛ فتلك المحاولات قد بال عليها الدهر، وألقى بها في مزابل التاريخ، وتجاوزتها تكنولوجيا العصر في زمن السماوات المفتوحة والكتابات العابرة للحدود .

 

       في كتاب (« فئران المركب» .. دراسة في التاريخ الاجتماعي)  أجابنا على السؤال: .. ماذا حدث، .. ويحدث للمصريين ؟!! في ضوء ما وضعه أمامنا فريق الاستبيان والرصد الميداني وتوثيق الشهادات، وكان أخطر ما تم رصده أن الوطن صار أشبة بـ «المقبرة» أو بـ «مدن الملح» على حد تعبير عبد الرحمن منيف بمعنى غياب ملامح الحياة الإنسانية في المجتمع المصري، وخلوه من روحها، وغياب مشاعر الود التي تجمع الناس عند التلاقي، وتم إرجاع ذلك إلى أسباب عديدة أهمها :

 

       فقدان التنظيم الاقتصادي وتغَوّل الدولة وابتلاعها للمجتمع، وعدم المساواة في توزيع نقاط القوة والسلطة والثروة بين أفراد المجتمع، وافتراس المواطن بالمبالغة في فرض الضرائب والمغالاة في تحصيل الرسوم الإدارية والغرامات، والانتقاص من حقوقه في الصحة والتعليم، وقضم حقوقه في المشاركة السياسية والحصول على تمثيل عادل في المحليات والمجالس النيابية، وبات المواطن يفتقد الأمن الاجتماعي والاقتصادي في ظل تدني دخل الاسرة المصرية بما لا يكفي لتلبية احتياجاتها الضرورية، ويفتقد الأمن الشخصي فى ظل الممارسات المنبتة الصلة بصحيح القانون من ناحية، وأهمها التوسع في إصدار قرارات الحبس الاحتياطي بلا ضوابط ولفترات مفتوحة، والإسراف في المحاكمات الاستثنائية، وحرمان المواطن في كثير من الأحيان من المثول أمام قاضيه الطبيعي !!

 

        .. ومن ناحية أخري ضعف عوامل «الضبط الاجتماعي»، وفقدان الإحساس بـ «الأمن الثقافي»، وعجز الثقافة السائدة في المجتمع المصري عن تحقيق الإشباع الذاتي من الحاجات الثقافية، وانعدام قدرتها على توفير حاجاتها على الانتاج ومغالبة الندرة والحاجة، ورفع خطر الخوف من فقدان القيم الثقافية والرمزية التي تجيب عن مطالب المجتمع، وضعف قدرة المجتمع على الاستمرار في طابعه الأساسي في ظل ظروف متغيرة أو تهديدات فعلية عن طريق الحفاظ على مكونات الثقافة الأصلية في مواجهة التيارات الثقافية الوافدة أي عجز المجتمع عن حماية وتحصين هويته من الاختراق والاحتواء من الخارج.

 

         .. الحديث عن «الأمن الثقافي» ليس رفاهية؛ فهو من أهم دعامات الأمن القومي بصفة عامة؛ فهو الذي يصوغ مقومات الأمن السياسي والاقتصادي والاجتماعي والعسكري، وقد تراجع دور مصر ومكانتها كثيراً بعد انقلاب يوليو 1952 عندما تمت عسكرة الثقافة والدبلوماسية بما يخالف طبيعتهما ويتنافر مع سمت العسكرية، فالأمن الثقافي وحده هو القادر على انتاج حزمة الإجراءات التي تهدف إلى خلق مجموعة من الإجراءات والأفكار والقواعد والقوانين القابلة للتطبيق، والتي يجب تفعيلها للوصول إلى التنمية البشرية بمفهومها الشامل، وتحقيق الاستقرار والحماية والقوة والحرية والتقدم . .. *(2)

 

       .. ومع استمرار الأحوال في التردي وتفاقمها نحو الأسوأ، وظهور مستجدات تزيد الأمر سوءاً؛ في ظل ثقافة التجهيل والتعتيم والتعمية والقهر والإفقار انهدمت في المجتمع قيم العدل والكرامة والحرية التي تعد قوام حياته؛ .. لذا نُعيد طرح السؤال :

 

      .. ماذا حدث، .. ويحدث للمصريين ؟!!

 

 لماذا شعب من «الأوز»:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

      وقد اخترت العنوان : «شعب من الأوز»؛ لما توافر لدي من معرفة عن ذلك الطائر الداجن، واستقر في عقيدتي عن ثمة تشابة بين طبائعه الفطرية والسمات الغالبة على أخلاقيات وسلوك شعب مصر؛ التي ورد بعضها في الجزء الأول من كتاب المقريزي : «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والأثار» في عبارة عن حال مصر وأهلها ليس لها من إسناد، وهي منسوبة إلى مجهول بعبارة (وقال آخر):

 

        «نيلها عجب وأرضها ذهب وخيرها جلب وملكها سلب ومالها رغب وفي أهلها صخب وطاعتهم رهب وسلامهم شغب وحربهم حرب وهي لمن غلب)، وعن العبارة :(وهي لمن غلب) يقول ابن خلدون في مقدمته :  «من معايب أهل مصر؛ أنهم يمرون على الحاكم المعزول فلا يسلمون عليه، ويعيرونه بعزله».

 

      فقد عرف المصريون القدماء طائر الأوز باعتباره أحد هبات النهر، ونجحوا في استئناسه ليصبح من الطيور المنزلية الداجنة، ورسموا صورته على جدران المعابد، وارتأوا أن روح الإله أمون قد تمثلت في ذكر الأوز،  لكن أحفادهم ارتأوا في الأوز طائر مزعج كثير الجلبة والصياح الكاذب؛ فصار مضرب أمثالهم في الحنو الزائف وشح العطاء : «مثل الوز .. حنية بلا بز» .. أى حنو بلا إطعام أو سقاء .. وتعاطف بلا إرضاع أو رواء!!،  وصار مضرب أمثالهم عن ادعاء البعض للوجاهة الاجتماعية واصطناع الخيلاء الزائف بقولهم : «عامل زي قنصل الوز»، .. ورغم السمات السلبية لخيلاء الأوز فقد استلهمتها بعض الجيوش في استعراضاتها حيث كان لجيش ألمانيا الهتلرية فى الاستعراضات مشية يطلق عليها «مشية الأوزة» .. الغريب أن الرئيس السادات بعد حرب اكتوبر 1973، وتغيير زي الجيش المصري، وتغيير مسمى «وزارة الحربية» إلى وزارة الدفاع قد قام في الاحتفال بالذكرى الأولى للنصر بأداء استعراض «مشية الأوزة» فظهر وهو يتمخطر، ومن خلفه الفريق حسن التهامي بلحيته المميزة في مشهد أقرب إلى الهزل منه إلى الزهو بالانتصار؛ بما حمل رسالة واضحة وهى : «خروج مصر من دائرة المطالبة الجادة بالحق العربي في فلسطين»، وأن مصر قد انهت «صراع الحدود» مع إسرائيل، ولم تتخذ التدابير الكافية لـ «تحديات البقاء والوجود»!!

  أصل الداء :

ـــــــــــــــــــــ

    

      ..  كان أخطر ما واجهته مصر بعد حرب أكتوبر 1973 تصنيفها باعتبارها «دولة طرفية Peripheral state» تحتل موقعاً ضعيفاً في التقسيم الدولى للعمل*(3)، ولأن التقسم الدولي للعمل يتناسب طردياً مع الكثافة الأخلاقية بما يحقق جودة المنتج ووفرته ورخص سعره*(4)؛ عبر مفهوم اقتصادي يعني اختصاص كل بلد في إنتاج المواد التي يتوفر فيها على ميزة تفاضلية، أي القدرة على إنتاجها بأقل تكلفة من البلدان الأخرى، وذلك سعيا لتخفيض أعباء الإنتاج عالميا، وهو أمر مفتقد في مصر نتيجة تركمات كثيرة من انهيار منظومة التعليم وعدم  إعداد الفرد إعداداً جيداً للحياة؛  بما لا يهيئ لمصر الفرصة في اقتصاد قوي؛ بما جعلها أمام حتمية السير في طريق «الانفتاح» والاتجاه إلى الاقتصاد الحر، والتخلى عن سياسة «المواطنين عيال الدولة»، وتفكيك الأمبراطورية الضخمة للقطاع العام،  وبيع منشأته، وتسريح «العمالة الفاسدة» التي تكونت على مدى أربعة عقود، والتي قضت كل حياتها في الوسط الصناعي أو التجاري، ولما كان هذا الوسط لا تسوده الأخلاق العالية؛ فإن القسم الأكبر من حياتهم قد انقضى بعيداً عن كل تأثير أخلاقي،  وخاصة أن تلك الفئات قد تعودت أن تحصل في مقابل «الولاء» على المكاسب الضخمة دون تقديم إنتاج حقيقي!!

 

     .. ومع تحول مصر إلى سياسة «الانفتاح الاقتصادي»، وما انتجته من نمط «الاستهلاك المتوحش» في ظل فساد الطبقة العاملة المصرية دخلت مصر إلى دوامة من الانهيار.. ولم تستطع الخروج منها إلى الآن !!

 

       .. وفُرض على البلاد قانون الطوارئ عشية اغتيال الرئيس السادات ومازال سارياً حتى الأن، مما سهل على الدولة وضع المواطنين لاحقا أمام حتميتين : «إما الخصخصة أو الموت جوعاً».

       .. وفي ظل نظام الخصخصة تم تسريح «جحافل العمال والموظفين» من المصانع والشركات والكثير من أجهزة الدولة لينضموا تحت مسمى «عمالة زائدة» إلى قطاع الخدمات بأجور متدنية جعلت سلوكهم أقرب إلى أخلاقيات البلطجية واللصوص والمحتالين والمتسولين في ظل انخفاض دخل الأسرة بما جعلهم يفقدون الأمن الاجتماعي والأمن الاقتصادي!!

 

        كل الشواهد تشير إلا أننا مجتمع في أزمة، وأن ممارسة أفراد هذا المجتمع لأخلاق الأزمة أنتج سلوكيات تتمثل في أن أصبح كل فرد سجينا داخل جلده ويمارس اللا مبالاة والأنا مالية والتدين القشري الظاهري دون أن يكون له مردود أخلاقي في السلوك، فلا حرج من ممارسة الكذب والنفاق وتقاضي الرشوة دون إحساس بالذنب؛ فالذين يمارسون ذلك النوع من التدين هم الكذابون بمنتهى الصدق والغشاشون بمنتهى الضمير والنصابون بمنتهى الامانة والخونة بمنتهى الاخلاص والداعمون لأعداء الوطن بكل سخاء والمخربون لبلدانهم بكل وطنيه، وهم لا يدافعون عن دينهم إلا إذا تأكد لهم أنه لن يصيبهم أذى من ذلك، ويوظفون النصوص الشرعية لأغراض السياسة وخدمة رأس المال واجتلاب المنافع، ويحولون النص الديني إلى ساحة للعراك السياسي على المصالح الضيقة؛ بما لا يمنع من الغش والكذب واللصوصية والتزوير وأكل حقوق الغير بالباطل .. لا يخجلون من الكذب ولا يستحون من العيب، .. ويفصِـلون بين المعاملات والعِـبادات، لا يجدون جرحاً في عدم الاتـساق بين أقوالهم وأفعالهم، وقد أفادت تقارير بعض الجهات الرقابية إلى أن الفساد يشكِّـل ظاهرة وأصبح سلوكاً يومياً.. وارتفعت نِـسبة تقاضي الرّشوة بين موظّـفي الدولة، ووصلت إلى 55%!! في ظل ثقافة تروج للمثل القائل : «يكرهون الحرام، ويحبوا يغمسوا في مرقته!!».. يتساوى في هذا سكان «العشوائيات»، وسكان « الكمبوندات».

 

        .. بما يعني أن المنظومة القيمية في المجتمع المصري أصبحت قيما مادِية بما قلل من معايير الثقة بين الناس، وأن منظومة العدالة الاجتماعية قد شهدت خللا غير مسبوق؛ فزادت حالات الفساد والرغبة في الكسـب المادي السريع، سواء من خلال تقديم الخدمات المجانية في الهيئات الحكومية بمقابل مادي، وهو ما يعرف بالرشوة التي يتم إطلاق مسمى «الإكرامية» أو «الشاي» ـ على حد تعبير سفهاء المصريين ـ  في إطار التلاعب باللغة وتطويعها لاستيعاب السلوكيات المستحدثة بما يحقق قبول الراشي ورضا المرتشي !!

 

        .. كانت التغيرات متنوعة ومتسارعة ولا حصر لها ولا تحيط بها الأوراق والدفاتر والتقارير، .. فإذا سرت على قدميك في شوارع القاهرة لمدة ساعة ستكتشف بعض مظاهر الانحطاط الأخلاقي الذي يتمثل في غياب مفهوم «المصلحة العامة»؛ فـ 60 % تقريباً من شوارع القاهرة تقريبا تشغلها المقاهي والمطاعم، ولم تعد لأرصفة المشاة فيها وجود، والجراجات العشوائية في الشوارع التي يسيطر عليها البلطجية برعاية فاسدين من مسئولي الأحياء وأفراد من الشرطة، .. وجميع التعاملات خاضعة للجشع وقلة الذوق والمساومة، .. والمسألة تتوقف على الشطارة سواء مع بائعي السلع أو مقدمي الخدمات من أمثال مكارية العصر «سائقي التاكسي»!!.

    .. ومع فقدان التنظيم الاقتصادي كان لابد أن تمتد آثاره إلى ما بعد العالم الاقتصادي نفسه ليخلف بعده تدنياً في مستوي الأخلاق العامة*(5)؛ بما ترتب عليه حالة من «الفوضى المرضية» كانت مصدراً من مصادر «التضعضع العام» في المجتمع!!

***

        .. هذا ما حدث للمصريين !!

 

.. والله الموفق والمستعان .

 

ياسر بكر

الأسكندرية ـ 1 سبتمبر 2020

الفصل الأول :

ــــــــــــــــــــــ

 

 

مجتمع «الفُرجة»!!

           .. مجتمع «الفرُجة» ؟!!

 

       .. مجتمع «الفرُجة» .. هو المجتمع الذي يكتفي بالمشاهدة دون المشاركة أو الاشتباك مع الواقع والتفاعل معه !!.

 

         ..  مجتمع «الفرُجة» .. هو «المجتمع الجاهل» الذي يجأر بالشكوى من أوضاعه وأوجاعه، ولا يطرح حلولاً لمشاكله؛ بما يجعله جزءً من المشكلة!!

 

     مجتمع «الفرُجة» هو المجتمع الذي اختفت فيه فضيلة «الجماعية»، وسادت فيه روح «الفردية» فتحول من مجتمع متراحم ومتضامن إلى مجموعة شراذم تبحث عن مصالحها الفردية، وتعتبر حب النفس فضيلة وليس رذيلة.

 

    .. مجتمع «الفرُجة» هو مجتمع المدن المصرية التي صارت أقرب إلى «حدائق حيوانات بشرية The Human Zoo» ..  تسودها العدوانية والعنف والبلطجة والانفجار الجنسي والتحرش الجنسي والأنانية والفساد البنيوي الضارب الجذور في التاريخ!!» أو إلى «مقابر» أختفت فيها ملامح الحياة الإنسانية !!

 

      ..  مجتمع «الفرُجة» هو المجتمع السائد في القرى المصرية التي تحولت إلى «الفُرجة» فقط دون مشاركة فاعلة؛ فغيابهم عن أداء الواجب الاجتماعي صار بلا أعذار، .. وحضورهم أصبح بلا فائدة، ودائما ما يقتصر تضامنهم على الواجبات المجانية «غير المكلفة»!!،.. مرجعيتهم حالة من «التنطع» تستند إلى موروثات شعبية بكل تنقضاتها وإلى الاحتكام إلى «الورع الكاذب» و«الفتاوى الفاسدة» بعد المد الوهابي الذي ابتليت به مصر في السبعينيات من القرن الماضي!!

 

      القرية المصرية تمثل «جحيم مستعر» أضلاعه ثالوث من «الفقر، الجهل، والمرض»، وصار الخروج منه يمثل حلماً لمن يعيشون فيها، وزاد أوضاعها سوءً خروج العناصر الواعدة التى كان من الممكن أن تقود عملية التغيير، وبقى أراذل الناس من «شرار البقر» على «مذاود القرية» تعيث فيها فساد، وتنشر ثقافة التخلف ونكران حقوق الآخر .

 

    .. كان مصطلح  «أخلاق القرية» من أخطر أكاذيب الخداع التي تم الترويج لها بعد انقلاب 23 يوليو 1952؛ فقد كان كل ضباط الانقلاب من أصول ريفية، وكانوا لا ينتمون إلى أسر ذات تاريخ ومجد عسكري قديم، بما دفعهم إلى محاولة تدعيم شرعيتهم بالعزف على الانتماء للقرية، والإشادة بـ «أخلاق القرية»، وهو واقع لا تسانده الحقائق والدراسات الصادرة عن المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية!! .

     

        في «مجتمع الفُرجة» كل أعراض الخطر وشواهده تهدد بضياع «الهوية»، والهوية هي مجموعة الصفات والسمات التي يُعرف بها شعب ويُعرّف بها !!، وأول مقومات الهوية هي «اللغة»، وقد ظهرت الأعراض في حالة الاغتراب والتفكك اللغوي والاضطراب التواصلي في لغة الشارع ولافتات المحلات، تلك الحالة التي أطلق عليها د. حسن ظاظا :«التسمم اللغوي»، وتلك الحالة تبدأ بتسرب رشح دخيل من لغات أخرى تحتاج إليه اللغة فتتقبله، بل تحس مع تعاطيها له في البداية بمزيد من الانتعاش والقوة والنشاط يشجعها على تقبل جرعات أكبر فأكبر من هذا الدخيل، ولكن قدرتها على هذا كله واستيعابه في بنيتها العامة تخونها في النهاية؛ فتسقط من الإعياء تاركة المجال للبقية الباقية من الدخيل تتسرب إليها بدون أي مقاومة حتى تجهز عليها وتميتها .*(1) .

      .. وغلبت «الأنا»، .. وغابت «النحن»؛ بما ينذر بـ «تحلل البنية المجتمعية» و«خراب العمران»؟!!، .. وساد نمط من الفكر يتم الترويج له في أوساطهم للتشجيع على «استحسان الرداءة»، وقبول «القيم السلبية»، ونشر سحابة سوداء من الكآبة وعدم الاكتراث والتبرم في سماء الوطن!!؛ بما يعني غرس قيم دخيلة في نظام القيم السائدة في المجتمع وتضخيم هذه القيم، بما يعنى إضعافا لتلك القيم العليا التاريخية، وإحالتها إلى مستوى القيم الفرعية التابعة أو الثانوية من خلال استخدام «خداع اللغة» وجاذبية «القيم» و«الرموز» الزائفة التي تم الترويج لها عبر آليات «الدعاية السوداء» .

 

       .. كانت الصعوبة دائماً أن البحث في «التاريخ الاجتماعي للمصريين» كما أكدت مراراً وتكراراً في أكثر من مناسبة وموضع ودراسة أقرب إلى الدخول إلى المتاهة لكونه مثل حلقة كبيرة مُحكمة مكوناتها خليط من أجناس مختلفة من «هجين البشر» عبر التاريخ ـ يصعب حصرها ـ بين غازي ومستوطن ومار وثقافات كثيرة من «البزرميط» بعضها عابر وبعضها يعيش في الذاكرة ويسكن في الوعي الجمعي و«يعشش» في نسيج العادات والتقاليد وصار جزءاً من السلوك اليومي إلى يومنا هذا .. بعض هذه الظواهر تم تفسيره، وبعضها الآخر قابل للتفسير .. وبعضها لم يفلح فطاحل العلماء في ايجاد تفسير مقبول له .. على سبيل المثال: كيف تحول (حرف القاف) في اللغة العربية إلى حرف (الألف) في العامية المصرية؟!!

 

       .. حلقة لا نعرف أين نقطة البداية فيها .. النقطة التي تمنحنا مساهمة عادلة في الحصول على بدايات ومنطلقات علمية وتاريخية وعملية ومنطقية للبحث.

 

     لذا نحاول التوسل في بحثنا هذا بـ «علم اللغة الاجتماعي» لإدراك حقائق المجتمع، وفهم «إشكالياته»، وفض مغاليق تشابكاته ومتشابهاته وعلاقاته وتقاطعاته علنا نصل إلى إجابة للسؤال في إطار منهج يعتمد على جمع المعطيات وإيجاد الصلات البنيوية فيما بينها، وفحص وتمحيص العلاقات والعلائق، وتصنيف البيانات العلائقية والبيانات غير العلائقية ووضع الفرضيات المحتملة أو المتخيلة أو المتوهمة واخضاعها للمناهج المناسبة في محاولة للوصول إلى نظرية يمكن من خلالها حل ما استشكل علينا أو غاب عنا، وفهم ما صعب علينا، والانطلاق إلى المزيد من المعرفة والبحث العلمي .

 

      .. و«اللغة الاجتماعية» هي التي تعني بدراسة السياقات الاجتماعية التي تكتسب فيها اللغة وتستخدم، و«علم اللغة الاجتماعي» هو الذي يعني بالعلاقة بين اللغة والمجتمع، والذي وضع أساسه ابن خلدون في إطار سد الفجوة بين «علم اللغة العام» الذي يُعني ببناء اللغة بصفة عامة و«علم الاجتماع» الذي يُعنى بدراسة العلاقات الاجتماعية، والعوامل المؤثرة في الأفراد، والجماعات المتواجدة داخل المجتمع الواحد، والمجتمعات الأخرى، فهو يدرس السلوك العام للمجتمع، وبعده الفكري، أو المعنوي في تفاعلات الأفراد فيما بينهم، وطرق التعبير عن قناعاتهم وآرائهم.

 

«علم اللغة الاجتماعي»:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

       وإذا كان لعلم الاجتماع جوانب كثيرة وميادين مختلفة يقوم بدراستها كـ (علم الاجتماع السياسي وعلم الاجتماع الاقتصادي وعلم الاجتماع الصناعي وعلم الاجتماع الأدبي)؛ فإن اللغة تعد وجهاً من أوجهه اهتماماته؛ فهو يدرسها من خلال العلاقة القائمة بين هذا الثالوت المتشكل بين اللغة والفرد أوالأفراد والمجتمع، ويسمى هذا العلم «علم اللغة الاجتماعي».

 

      يُطلق على «علم اللغة الاجتماعي» مسميات إصطلاحية مختلفة منها «اللسانيات االاجتماعية» أو «علم الاجتماع اللغوي» أو «علم اللغة الاجتماعي» أو «السوسيولسانيات» كلها مسميات لذلك العلم الذي يدرس اللغة في ضوء علم الاجتماع أو يربط بين الملفوظ اللغوي بسياقة التواصلي والاجتماعي والطبقي، وهو حقل من حقول علم اللغة مهمته دراسة التنوعات والاختلافات في لغة واحدة أو أكثر، وهو يسعى إلى فهم اللغة كما هى موجودة بالفعل، أى دراسة اللغة وعلاقتها بالمجتمعات التي تكون فيها؛ فهى تحاول الإجابة على السؤال :(من يتحدث ؟ ماذا ؟ وأين ؟ ومتى؟ وكيف؟ ولماذا؟).

       يعرف فيشمان «علم اللغة الاجتماعي» :

 

     «علم يبحث التفاعل بين جانبي السلوك الإنساني : استعمال اللغة والتنظيم الاجتماعي للسلوك .» .

 

      ويرى لابوف :

 

       (أن الهدف من «علم اللغة الاجتماعي» هو فهم بنية وتطور اللغة ودورهما في السياق الاجتماعي الذي شكلة المجتمع اللغوي، ولا توجد دراسة للغة ما دمنا لا نأخذ بعين الاعتبار دراسة البيئة الاجتماعية للأشخاص المتحدثين بها؛ فلابوف يحاول ربط طرق الكلام مع المتغيرات الاجتماعية أى ربط كل متغير لغوي مع سبب خارج عن اللغة Linguistics والمتمثلة في (الطبقة الاجتماعية، الجنس، السن، الموطن، العرق، مواقف المتحدثين، ظروف الاتصال) أو ربط كل مجموعة من المتغيرات اللغوية إلى واحد أو أكثر من المتغييرات الاجتماعية .).*(2)

 

     ولقد أهدى ابن خلدون إلينا نصيحة غالية مقدمة في مقدمة كتابه الموسوم بـ:«العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر»:

 

     «لا تثقن بما يلقى إليك من ذلك وتـأمل الأخبار واعرضها على القوانين الصحيحة يقع لك تمحيصها بأحسن وجه.».

 

       .. ولأن الأنانية Egotism أخطر أعراض المرض في المجتمع المصري وأبرز السمات الأكثر وضوحاً في الانحلال الفكري والأخلاقي الذي يتفشى بين أفراده سنبدأ بتركيز الضوء عليها في ظل غلبة المصالح الفردية وتغييب المصلحة العامة .

 

        يرى عالم الاجتماع ماكس نورداو أن «الأنانية» :

 

       «هي إحدى السمات الأكثر وضوحاً في الانحلال الفكري والأخلاقي؛ فالمنحط أخلاقيا لا يعرف، ولا يهتم بأن يعرف أي شئ سوى عن نفسه ولديه مهمة واحدة ألا وهي إرضاء شهواته، واعتبر نورداو الشخص المنحط  أخلاقيا عاجزاً عن تحقيق الدرجة من تطوير نفسه أي الخروج التلقائي من الحدود الفردية المصطنعة، بمعنى أخر إلى : الإيثار Altruism بالنسبة إلى العلاقة بـ «الذات واللا ذات»؛ فالرجل المنحط أخلاقيا يظل طفلاً طوال حياته، ونادراً ما يقدر أو حتى يدرك العالم الخارجي، ويشغل نفسه فقط بالعمليات العضوية في جسمه، إنه أكثر من أناني، أناني معتوة .»*(3).

 

        يقول نورداو في كتابه بعنوان «الفساد الأخلاقي Degeneration»:

 

    «إن الفساد الأخلاقي هو سلوك «أخر الزمن» .. إن السواد الأعظم من الطبقات الوسطى والطبقات الدنيا ليسو في أخر الزمن بمقتضى ضعف مراكزهم الاجتماعية، وقدرتهم على التأثير، ويعتقد أن الانحلال يبدأ من قمة المجتمع، وأن الانحلال الذي بدأ بالطبقات المنتقاة «النخبة» كان أشنع صور الانحلال التي شهدها التاريخ.»*(4).

 

      ومصطلح «أخر الزمن» من الأدبيات الفرنسية للتعبير عن مضمون نظرية فرنسيس بيكون : «دورة الحضارة» الذي كان يرى :«إن منتهى المدنية هو الرجوع إلى البدائية»، وأن الحضارة تبدأ طفلة ويشتد عنفوانها إلى أن تصيبها الشيخوخة فتضعف وتذبل ويصيبها الوهن لتنتهي إلى الهمجية، .. وهو تصور به الكثير من الالتباس في التفريق بين الحضارة والمدنية!!

***

 

     ما السبب فيما يعانيه المصريون من «الخواء الاجتماعي»، و«الانهيار الحضاري»، وضعف «الأمن الثقافي» في مواجهة ذلك السيل الجارف من الخصوصيات الثقافية الجديدة والدخيلة؟!!، وما السبب في انعدام القدرة على مواجهة «تشوهات العمران» الموصومة بالتلوث البصري والعشوئيات و«أمراض الترييف» و«أمراض التمدين»؟!!، وما السبب في انعدام «المواطنة الناشطة» التي تستطيع  استعادة «الدولة المختطفة»، وتقويم «الدولة الفاشلة»!!.

 

العرب والمصريون :

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

     .. جزء كبير من الإجابة على تلك الأسئلة يكمن في طرح تساؤلين :

 

التساؤل الأول :

ـــــــــــــــــــــــــ

 

       .. هل العرب «ظاهرة صوتية» ؟!!، .. بمعنى أنهم «دواجن» يتصايحون طلباً لـ «العلف ومُشبعات الغرائز والشهوات .. يعشقون الجنس، ويأكلون الضأن، ويرون أن اللحم فاكهة العرب»، ويصرخون هلعاً من «مذابح الخديعة» التي جلبتها تحديات العصر (الاغتيال الاقتصادي ـ الحروب السيبرانية ـ الحروب البيلوجية) .. يقولون ما لا يفعلون ولا يقدرون على فعله !!؛ فقد ظلوا يتحدثون بضجيج عن أمجادهم وانتصاراتهم الخطابية حتى حسبوا أن ما قالوه قد فعلوه، وأنه لم يبق شيء عظيم لم يفعلوه لكي يفعلوه!!؛ .. فقد اسقطتهم الشهوات والأطماع والخيانة و«الزعامات الوهمية» و«الأخبار المطبوخة» و«الأحداث المفتعلة» في بقعة «معتمة من التاريخ» أصابتهم بحالة من لوثة الفكر وعتامة الرؤيا جعلتهم أسرى  «الإرباك .. والصياح العاجز .. والصمت الجبان.. والتبعية المُهينة» !!، ولم يبق أمامهم ـ للتعويض النفسي ـ سوى أشعار العنتريات وأساطير البطولات ورقصة «الدبكة» الشامية، و«الجنادرية» البدوية ولعبة «التحطيب» الريفية !!  .. ربما .

       حالة أوضحها معروف الرصافي بقوله :

كــان لي وطــن ابكي لنكبته .. واليوم لا وطـن لي ولا ســكن

ولا أرى في بلاد كنت اسكنها .. الا حـثالة ناس قـاءها الزمن

 

       وأبرز أخطر قضاياها مظفر النواب في قصيدته بعنوان : «القدس عروس عروبتكم» :

« القدس عروس عروبتكم؟؟

فلماذا أدخلتم كل زناة الليل حجرتها

ووقفتم تسترقون السمع وراء الابواب لصرخات بكارتها

وسحبتم كل خناجركم، وتنافختم شرفا

وصرختم فيها ان تسكت صونا للعرض؟؟؟!

 فما أشرفكم

أولاد (...) هل تسكت مغتصبة؟؟؟

أولاد (...)

لست خجولا حين اصارحكم بحقيقتكم

إن حظيرة خنزير أطهر من أطهركم

تتحرك دكة غسل الموتى

أما انتم

لا تهتز لكم قصبة !!»

 

            وأوجزها نزار قباني بقوله :

   «حربهم شائعة، .. وسيفهم خشب، ..

وعشقهم خيانة، .. ووعدهم كذب..»

 

     وعن حالة الادعاء المرضي والصلف العربي يقول أحمد فؤاد نجم :

«إيه يعني فى العقبه جرينا..

ولا ف سينا

هى الهزيمه تنسينا..

إننا احرار

إيه يعني شعب ف ليل ذلة..

ضايع كله

دا كفاية بس أما تقول له..

إحنا الثوار.»

***

 

      يؤكد ابن خلدون في عدة فصول من مقدمة كتابه الموسوم بـ : «العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر» انطباعاته عن العرب :

 

     • أن العرب لا يتغلبون إلا على البسائط بمعنى أنهم بطبيعة التوحش التي فيهم أهل انتهاب ينتهبون ما قدروا عليه من غير مغالبة ولا ركوب خطر.*(5)

     • أن العرب إذا تغلبوا على أوطان أسرع إليها الخراب*(6)

     • ان العرب أبعد الناس عن السياسة والملك* (7)

     • أن المباني التي كانت تختطها العرب أسرع إلى الفساد إلا في الأقل*(8)

     • أن العرب أبعد الناس عن الصنائع *(9)

 

التساؤل الثاني :

ــــــــــــــــــــــــــ

 

      .. هل المصريون مثل «الأوز» كثيرو الصخب .. قليلو العطاء .. ضعاف الهمة والعزم والإنجاز؟!! .. جائز .

 

      .. المصريون ينفقون 140 مليار جنية سنويا على شرب الشاي والقهوة والمُسكِرات وتدخين السجائر والمعسل وتعاطي الأفيون والحشيش وشم الهرويين وتعاطي المخدرات التخليقية وتناول المنشطات الجنسية، .. ويثرثرون كثيراً في أمور السياسة وكرة القدم والجنس؛ وتتلون أحاديثهم بإيحاءات ذات ملمح بذئ .. مدائحهم سباب، .. واستحسانهم شتائم، لغتهم غير منضبطة، وأحاديثهم تنتهى غالباً بالسقوط في حالة من «اشكالية اللا جدوى» واليأس وفقدان الثقة تعلنها صريحة عبارتهم  الشهيرة : «مفيش فايدة»، .. وفي قبضة اليأس والإحباط وقلة الحيلة يصبح لا دور لهم في الحراك الاجتماعي !!.

 

      .. يحركهم تلقائياً الموروث التاريخي من القهر والاستبداد والإذلال الذي تغلب على مضامينه الإحساس بالاحتقار والتسفيه والتنقيص؛ بما ترك بصمته على سلوك المواطن فزاده خنوعاً ودونية واعوجاجاً وتشوهاً!!؛ لا اختلاف بينهم فهم نماذج نمطية  تشكلت طبقاً للقالب الذي صاغته قبضة السلطة في حال عنفوانها وحال تراخيها !!؛ ففقدوا سمات التفرد والتمايز الشخصي، وصاروا جميعاً أقرب إلى وحدات مصنعة متشابهة خرجت من خط إنتاج واحد!!

 

        .. فإذا ما ترهلت قبضة السلطة في أوقات الحروب والأزمات والاضطرابات والكوارث كثر هرج المصريين، وعلا صوتهم وكثرت مطالبهم، وعمت الفوضى والمظاهرات والاحتجاجات الفئوية مثلما حدث بعد ثورة 25 يناير 2011 التي أحدثت حالة من الهمجية، وخلفت أنماط من الفوضى غير المسئولة، وغير المسبوقة أو الملحوقة تسببت في فقدان الأمان وسرقة السيارات وجرائم خطف النساء والأطفال والقتل والسرقة بالإكراه وانتهاك حرمة المساكن وتنامت ظاهرة البلطجة (عدد البلطجية المسجلين 590 ألف بلطجي)، وتفشت ظاهرة العبث بمقدارت الدولة وإهانة الشرطة وإرهاب القضاء وترويع الإعلاميين !!

 

      .. شاهدت بعينني ورصدت عبر وسائط المالتي ميديا التغير إلى الأسوأ في سلوك المصريين بعد أن تحولوا إلى ناس أخرين لم نعرفهم من قبل بعد أن كسروا حاجز الخوف .. ناس أقرب إلى حيوانات الصحراء مملؤون بالحراشف والقسوة والخشونة .. جلودهم سميكة ونظراتهم زائغة، وأعماقهم بعيدة لا تدرك!!

 

       .. فلما عادت الدولة بجبروتها القديم، واستشعر المصريون قوة قبضتها الخشنة التزموا «الصمت الجبان»، ودخل كل منهم إلى «شرنقته» .. تبدو أعراض ظاهرة «التشرنق» أنه عندما تغيب الدولة عن وظائفها الحقيقية التنموية وتكتفي بممارسة الجباية والقهر؛ فتتقوقع الفئات الاجتماعية حول جماعاتها الفرعية .. قد تكون هذه الجماعات مهنية أو دينية أو مكانية أو عرقية قبلية ؛ فالجماعة الفرعية تتصدي لما عجزت عنه الدولة في كفالة الحماية لأصحابها، وتقديم الدعم والمكانة لهم، وهو من أهم أسباب تفسير الانعزال الطائفي (التفاف المسيحيين حول الكنيسة والبابا)، والتعصب (التفاف السلفيين حول أمراء الجماعات)، والاستعلاء المهني (اصطفاف المهنيين للسيطرة على النقابات، وتسخيرها بما يخدم مصالحهم الشحصية)!!

 

      .. وصف أحد المسئولين الأمنيين حالة التقوقع الاجتماعي أو «التشرنق الاجتماعي  Social Shrinking» عند المصريين بعبارة :(شعب يخاف ما يختشيش)؛ فعندما شاهدوا «إحمرار عين الغولة» ـ يقصد عنفوان السلطة وجبروتها، وقدرتها على البطش ـ  دخل كل منهم إلى علبته، وابتلع لسانه .. هذا شعب تجمعه طبلة ومزمار، وتفرقة عصا عسكري أمن مركزي!!.) .

 

      .. كنت ألمس الصدق والواقعية والحزم والدراية والدربة في كلام رجل الأمن المحترف، واستقر في عقيدتي ذلك القول الذي أوجز فيه وصف «طبيعة المصريين»؛ .. فقد  كان يسترعي انتباهي أمران أن:

 

      1ـ أن المدن المصرية أصبحت أقرب إلى «حدائق حيونات بشرية The Human Zoo» ..  تسودها العدوانية والعنف والبلطجة والانفجار الجنسي والتحرش الجنسي والأنانية والفساد البنيوي ذو الصلات القوية بأسباب ضاربة الجذور في عمق التاريخ!!.. أو أنها صارت «مقابر» حيث تغييب فيها جميع ملامح الحياة الإنسانية، وتخلو من روحها، ومن صور التلاقي بين الناس.

 

        2 ـ أن القرية المصرية قد تحولت إلى «مجتمع للفُرجة» فقط دون مشاركة فاعلة؛ فغيابهم عن أداء الواجب الاجتماعي والأسري بلا أعذار، .. وحضورهم بلا فائدة بما يعني أن غيابهم وحضورهم مجرد إضافة إلى مشهد «العبث»، .. وصارت الحياة في القرى أنماطاً من «التنطع» بغطاء من «الورع الكاذب»، والمفضوح في ظل ضعف الروابط المجتمعية، وتفشي التضامن الظاهري غير المنتج والقائم على المنفعية والمصلحية، ومبدأ الاسترزاق و«بذل الجهد الأقل»، ولا يقيمون لأخوانهم وزناً إلا بمقدار ما يعود من نفع في مشاركة الحياة!!

 

جائحة كورونا :

ـــــــــــــــــــــــــ

 

      .. وجاءت جائحة كورونا في موجتها الأولى مع بداية عام 2020؛ لتكشف حالة العوار المزري في أخلاق المصريين، وأخطرها إنعدام التضامن، وسيادة «الأنا» وغياب «النحن»، وغلبة المصالح الفردية على المنفعة العامة ؟!! في حالة من «الخواء الاجتماعي Anomie» التي تتلخص أعراضها في تفكك الروابط بين الفرد ومجتمعه، وتعرض البنية المجتمعية للتكسر والتحلل، وتفشي الجريمة والفوضى والتفكك الأسري، والانهيار الحضاري وفقدان قيم الرجولة وانعدام النخوة.* (10)

 

ضعف الفوارق اللغوية :

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

     .. وصارت «اليد السوداء» التي تدير منظومة الفساد والإفساد تحكم الجميع؛ وتوجه الفعل؛ فاختفت التقسيمات اللغوية الفرعية داخل اللغة العامية المتداولة؛ فلم يعد هناك أسلوب خاص لطبقة الأثرياء، وآخر للطبقة الوسطى، وثالث لطبقة السوقة والعوام، واتجاه رابع في التعبير خاص بطبقات المجرمين ولصوص المال العام والخارجين عن القانون والقتلة وقطاع الطرق، ونتيجة للزحام وانعدام الحرية الدستورية وفقدان الحرية الشخصية وانتهاك حدود الخصوصية بدأ الفرق اللغوي بين الطبقات ينعدم؛ فقد لاحظ علماء اللغة أن بإضعاف الفوارق بين الطبقات تضعف الفوارق اللغوية أيضا؛ فلا فرق بين سلوكيات ولغة خطاب الأطباء والمهندسين والحرفيين وضباط الشرطة و«سماسرة الدين» والقوادين والإعلاميين وسائقي التوتوك، ولا فرق بين لغة وملبس وسلوكيات الراقصات وأساتذة الجامعة وبائعات الدجاج وخادمات المنازل وبائعات الجنس في «علب الليل» وعارضات الهوى من «قطط الشوارع»؛ فقد انصهروا جميعاً في بوتقة شكلت منهم سبيكة مجتمعية رديئة جمعت بينهم في خطاب مُسف يقوم على شذوذ المفردات وسياقات الابتذال وتدني السلوكيات وانحطاط الأخلاق والجشع والرغبة في المكسب السريع!!

         يؤكد د. رمضان عبد التواب على دور الزحام في العمران في انعدام الفرق اللغوي،  وخلق اللغة المشتركة .. بينما يساعد الفراغ وخلخلة السكان وتفرقهم في مساحات متسعة على الانقسام إلى لهجات .*(11)

 

(كائنات القاع) :

ــــــــــــــــــــــــ

 

           .. كان المكون الأخطر في التركيبة الاجتماعية هم (كائنات القاع) بما أُتيح لهم من فرص الترقى الوظيفي دون أن يكون لهم نصيب من الترقي الاجتماعي والثقافي؛ فحاولوا سد تلك الفجوة بتدعيم هيمنتهم على المجتمع، والتظاهر بالوجاهة من خلال الإنفاق الاستهلاكي السفيه للمال الحرام المكتسب من الفساد الحكومي (الرشاوي ـ العمولات ـ الاختلاس)، أو المال الخليجي المغموس بمذلة الكفالة «رق العصر» والمهانة ، أو من نتاج الجشع والممارسات الاحتكارية؛ فصاروا أقرب إلى الفيروسات في منطقة وسط بين الموت والحياة عالقة على جدران المجتمعات البشرية تحقنها بالبرامج المعادية للحياة وتفسد أدائها وتقتل ملامح الحياة الإنسانية فيها.. على النحو الذي يراه بعض المصريين قليلي الحيلة أنها أخلاق «أخر الزمن» .

 

معدلات الفقر والأمية في مصر:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

       تشير إحصائيات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء إلى أن نسبة المصريين الذين يعيشون تحت خط الفقر 32,5% من مجموع السكان (104 مليون نسمة) لكن تقرير الصندوق الدولي للتنمية الزراعية التابع للأمم المتحدة أشار إلى وجود 48 مليون مصري فقير يعيشون في 1171 منطقة عشوائية متفرقة في أنحاء مصر، كما أشارت تقارير البنك الدولي أن 60% من الأسر المصرية تفتقد الأمن للاقتصادي بسبب انخفاض دخل الأسرة، وما يترتب عليه من الأمن الاجتماعي نتيجة ارتفاع نفقات التعليم والدروس الخصوصية، وارتفاع تكلفة العلاج وغلاء أسعار الدواء وغلاء أسعار الطعام والملابس وسائر أعباء المعيشة المختلفة (الكهرباء ـ الغاز ـ مياه الشرب ـ المواصلات).

 

      .. كما تشير تقارير الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء إلى أن الأمية بين المصريين تبلغ 27,1 مليون مواطن، وهؤلاء مهمشون بسبب عجز وسائل التأثير والارتقاء الثقافي والحضاري من النفاذ إليهم، ومد يد العون لهم والأخذ بأيديهم والارتقاء بهم، وبسبب انشغالهم بأمور معيشتهم ولقمة عيشهم عن التعلم الذي يعتبرونه ترفاً لا مبرر له، ولا فائدة منه ولا جدوى من ورائه في ظل حالة الاستبعاد الاجتماعي والبطالة التي يعاني منها خريجو الجامعات الذين سدت أمام الغالبية منهم من المتفوقين دراسياً فرص التوظف بزعم عدم توافر أسباب «اللياقة الاجتماعية»!!

 

الاستبعاد الاجتماعي :

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

     يوجد ثلاث أشكال للاستبعاد الاجتماعي بلغوا حالة من التطور والوضوح:

 

     الأول : هو استبعاد القابعين في القاع، والمعزولين عن التيار الرئيسي للفرص التي يتيحها المجتمع .

 

       الثاني : هو استبعاد «العصاميون النوابغ» من التوظف والترقي الاجتماعي بزعم عدم توافر أسباب «اللياقة الاجتماعية» .

 

     الثالث :عند القمة وهو الاستبعاد الإرادي وهو ما يطلق عليه جون هيلز:«ثورة الصفوة»  حيث تنسحب الجماعات الثرية من النظم العامة، وأحيانا من الحياة اليومية .. إذ يختار أعضاؤها أن يعيشوا بمعزل عن بقية المجتمع، وبدأت تلك الجماعات تعيش في مجتمعات منعزلة «كمبوندات» محاطة بالأسوار، وتنسحب من نظم التعليم العام والصحة وغيرها من الخدمات الخاصة بالمجتمع الكبير.

 

      وبعيدا عن الطوباوية فقد قدم العلم الاجتماعي معنى ملموس للعدل ومؤشر صادق للمساواة هو اندماج الناس في مجتمعهم على أصعدة: الإنتاج والاستهلاك والعمل السياسى والتفاعل الاجتماعي، واللا مساواة هي الاستبعاد أو الحرمان أو الإقصاء عن هذه المشاركة؛ فالحكومة التي تتظاهر بأنها مهتمة بالإستبعاد الاجتماعي، ولكنها لا تبالي بعدم المساواة الاجتماعية هي حكومة تعاني من الخلط، واضطراب الرؤية؛ فلا معنى للعدالة الاجتماعية سوى «تكافؤ الفرص»*(12)

 

       وزاد من الأوضاع سوء أن فوائد الدين العام في ميزانية 2020 ـ 2021 قد بلغت 566 مليار جنية، وأقساط الدين العام قد بلغت 556 مليار جنية بما يعني أن نصف الموزانة العامة للدولة يذهب لخدمة الدين العام بحيث لا يتبقى من ميزانية الدولة ما يمكن توجيهه للخدمات الاجتماعية التي هي أساس قوة الدولة مثل التعليم و الصحة !!؛ .. بما يعني حالة من «الحرمان الدائم»، وليست حالة عابرة من حرمان «الفئات الهشة» من برامج الرعاية الاجتماعية !!؛ بما يعني التباعد بين المجتمع بحالته الراهنة، ومستوى «الجودة الاجتماعية Social Quality» أو «مجتمع الجودة» .

 

 

مناهج البحث :

ـــــــــــــــــــــــ

 

         .. وقد توخينا في هذه الدراسة الالتزام  بالمنهج الأمبريقي في بعضها والمنهج الاستقرائي والمنهج البنيوي في بعضها الأخر في محاولة لرصد العلاقات المتبادلة بين اللغة والمجتمع، وفهم السياقات الاجتماعية التي تكتسب فيها اللغة وتستخدم؛ للأهمية التي تسهم بها اللغة في فهم حقائق المجتمع فأي محاولة لفهم مجتمع ما دون التوسل بلغته هي درب من الحماقة يفضي إلى الهباء!!، وإية محاولة لتفسير ظواهر اللغة دون الرجوع إلى ثقافة المجتمع هي محاولة عبثية؛ وكذلك اللغة لا يمكن فهمها خارج سياقها، وخارج القيود المفروضة عليها؛ فاللغة سلوك اجتماعي في المقام الأول .

 

        سنحاول الاقتراب من «الحالة المصرية» التي يمكن توصيف أعراضها بـ : التفكك اللغوي الذي يبدو واضحاً في لغة الشارع ولافتات المحلات بما يؤكد موت لغة لحساب لغة أو امتصاص لغة للغة أخرى أو ابتلاع لغة للغة أخري وسط خطرين أحداهما من الخارج للمؤمراة على لغة القرآن الكريم خاصة أن مؤسسات Comprador ومدارسه تشيع بين العامة والخاصة أكذوبه تفوق اللغة الإنجليزية على كل لغات الدنيا البالغة ما بين6000 لغة  و10000 لغة تقريباً !!*(13)، وأخر من الداخل؛ فقد سادت بين غالبية أفراد الشعب المصري من المهمشين والمحبطين والفقراء والأميين والحرفيين وسائقي التكاتك (7 مليون سائق توك توك)، وغيرهم من أطياف العمالة المشوهة «العمالة الرثة» ما اصطلح على تسميته بـ «لغة الكابوريا» وقد شاع هذا المصطلح بعد تداوله في فيلم : «البحر بيضحك ليه» بعد أن أحدث البطل فعلاً لسانياً منطوقاً عبارة عن خليط من «الفونيمات» التي يصعب تفسيرها أو فهمها في إطار اللغة المألوفة، وعندما سألته البطلة : عن معني ذلك ؟!، أجاب: أحبك بـ «لغة الكابوريا»، .. وصارت تلك اللغة  بكل تشوهاتها واقعاً ابتلع جماليات العامية المصرية، وذاعت الكلمات «انتخ» بمعنى: استرخى، و«شهيص»، بمعنى : فرح وسرور، و«استكنس» بمعنى: تفهم وتدبر، و«هنك» بمعنى: الإنهاك والإرباك، و«روشن» بمعنى: الحماقة والخروج عن المألوف .. ألخ، وغيرها من نوعية تلك الكلمات التي جرت على الألسنة قولاً وعلى الأذان سمعاً ووعتها العقول فهماً .

 

«لغة الكابوريا»:

ـــــــــــــــــــــــــــــ

     

.. وسرعان ما انتشرت «لغة الكابوريا»  وصار لها صدى مسموع فى الشارع وفى المواصلات العامة وفى الأندية والتجمعات وفى المدارس والجامعات، ولها ألفاظها ومفرداتها، ومصطلحاتها الدالة على قيم أصحابها وقناعاتهم، وعلى سماتهم النفسية، ولها إشاراتها اليدوية، وتعبيراتها المنطوقة، وأيضا المسموعة، وشفراتها وتكويداتها الممثلة فى «لغة الكلاكسات» من خلال نفير أبواق، وإشارات أضواء السيارات بما يعني أننا أمام حالة من «التلوث اللغوي» أو «التسمم اللغوي»!!، بما ينذر بالخطر الداهم لكون اللغة وعاء الفكر وبدون ضبطها لن ينضبط التفكير، وبتلوثها يصبح التفكير مشوشاً !!

 

لغة «القشلاقات» :

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

 

      وكان هناك رافد آخر لتسرب لغة فظة تناسب طبيعة الحياة العسكرية، وتفتقد إلى التهذيب ومراعاة اللياقة وهي لغة «القشلاقات Parracks»  إلى العامية المصرية بكل ما تحمله من خشونة و«فوقية» واستعلاء على اعتبار أن كل من هو دون القائد «نفر» أو «نمرة في السجلات»، وقد شاعت تلك اللغة في أوساط الإدارة المدنية ودوائر السلطة والجماهير المدنية بعد اعتماد سياسة مخطط لها لـ «عسكرة المجتمع Stratocracy» عبر تعيين ضباط متقاعدين في وظائف مدنية في الوزارات والمحافظات والهيئات المختلفة، وامتداد الإمبراطورية التجارية للجيش لتشمل كل قطاعات الاقتصاد، إضافة إلى تقنين هذه الأمور وشرعنتها عبر سلسلة من القوانين والمراسيم الرئاسية، ومنح الحصانة لهؤلاء العسكريين في أثناء عملهم المدني وبعد تقاعدهم، إلى جانب استخدام الإعلام والخطاب الرسمي لإخراج الهيمنة العسكرية وكأنها مساهمة في تنمية المجتمع، وعلى اعتبار أن العسكريين أقدر من غيرهم في الإدارة،*(14) والترويج لمصطلح: «ملائكة البذلة الكاكية» الذي اطلقته د. هدى زكريا أستاذ الاجتماع العسكري بالكلية الحربية لنعت العسكريين!!، وفرض «أنشودة الصاعقة» بعنوان :«ألوا إيه علينا دوله .. ألوا إيه ؟!» في طابور الصباح على أطفال المدارس رغم ركاكة ألفاظها، وتفكك بنائها، وافتقادها لجماليات الشعر وروح الغناء !!

      وصارت طبقة «العسكريين» بصفة عامة تمثل طبقة عازلة Impeded في مصر بين المجتمع والدولة بما لها من امتيازات خاصة، ومساكن يتم عزلها بأسوار عن باقي الكتلة السكنية، ومستشفيات خاصة وأندية خاصة ودور مناسبات خاصة، وأسواق خاصة لا نخضع لأليات السوق!!

 

لغـة «التيت»:

ــــــــــــــــــــــــــ

       وهي لغة تم تداولها بمعرفة رواد التواصل الاجتماعي في إطار «التواصل المنتفخ»؛ لتمرير أشكال جديدة من الرسائل تنطوي على عدم مراعاة الذوق بين مستخدمي الرسائل القصيرة، وأفكار غير مهذبة تنطوي على ملمح بذئ للتعبير عن ألفاظ ومعان وأفكار لا تقرها معايير تلك المواقع التي تحظر العنف والبذاءة والتمييز والعنصرية، وتتعامل من يخرقون اتفاق «بروتوكولات الاستخدام» بالحظر لمدد محددة أو إيقاف حساباتهم، وقد اصطلح على تسمية تلك اللغة بـ «لغة التيت TYT »!!، وتعني : «خذ وقتك»، وهي أختصار من (Take Your Time) .

 

      .. و«التواصل المنتفخ» مصطلح أطلقه بيتر جروبر في كتابه بعنوان: «فن العدوان :الانفعالات، والطاقات، تقييدها والسيطرة عليها»، وقد قصد جروبر بـ «التواصل المنتفخ» ذلك التواصل الذي يغلب على مضامينه الاحتقار والتسفيه والتنقيص المتبادل والطرائف العنصرية والنكات الساخرة .

 

       يقول بيتر جروبر شارحاً العلاقة بين التواصل والانتفاخ و والشر:

 

       «إننا ننفخ أنفسنا، كلمة ينفخ أو يملأ بالهواء بالنفخ هي في الألمانية القديمة bosi، ومنها نشأت الكلمة لـ boese أى شرير».*(15)

«العربيزي» و «الكرشونية»:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

       مع انتشار الهواتف النقالة، وأجهزة اللاب توب راح الناس يتواصلون في ما بينهم عبر الكتابة بلغة تم الاصطلاح على تسميتها بـ «العربيزي Arabizi»، وهى كلمة منحوتة من كلمتي «عربي» و «إنجليزي»، ومثيلتها في الإنجليزية كلمة «Arabish»، وفي الفرنسية كلمة «Franco-arabe»، وهى إحياء لفكرة «الكرشنة»، والكرشنة الحديثة اصطلاحأ هي لغة تواصل شبابية تعتمد على الدمج بين  اللهجة العامية والحروف اللاتينية، والأرقام للتعبير عن جمل عربية، وبدأت لغة الكرشنة الحديثة باستخدام الانترنت، والهواتف النقالة، وانتقلت إلى الاستخدام التجاري والدعاية الإعلامية، و«العربيزي» أو «الكرشنة الحديثة» ليس لها قواعد، وهي تشهد يومياً تعبيرات واختصارات جديدة، ولم يعد استخدامها مقتصراً على مواقع التواصل الاجتماعي بل شقت طريقها إلى النظام التعليمي حتى أن بعض التلاميذ استخدموا الحرف اللاتيني في موضوعاتهم الإنشائية*(16).

 

    يأتي خطر هذه اللغة عن طريق كتابة اللغة العربية بالحرف اللاتيني، ولتعويض النقص في الحروف اللاتينية عن نظيرتها العربية تُستخدم بعض الأرقام بديلاً عن الحروف العربية؛ فمثلاً رقم «2» اللاتيني يستخدم بدلاً من حرف الهمزة، ورقم «3» اللاتيني يستخدم بدلا من حرف العين، ورقم «‘3» اللاتيني مضاف إليه () يُستخدم بدلاً من حرف الغين، ورقم «6» اللاتيني يستخدم بدلاً من حرف الطاء، ورقم «7» اللاتيني يستخدم بدلا من حرف الحاء، و«‘7» اللاتيني مضاف إليه () يُستخدم بدلاً من حرف الخاء، ورقم «8» اللاتيني يستخدم بدلا من حرف القاف، و«9» اللاتيني يستخدم بدلا من حرف الصاد، و«‘9» اللاتيني مضاف إليه () يُستخدم بدلاً من الضاد .

 

    يتمثل الخطر المحدق باللغة العربية في أن نصِل في حال استمرت هذه الظاهرة على ما هي عليه اليوم في كونها «كرشنة» من طراز جديد، حيث يتم  استنساخ  «اللغة الكرشونية» بأسلوب متطور تلك اللغة التي ظهرت في منتصف القرن السابع عشر الميلادي ونعني بها كتابة اللغة العربية بأحرف اللغة السريانية التي كانت سائدة في بلاد الشام؛ فما نراه اليوم عند مستخدمي وسائط الإعلام الالكتروني هو حفاظ على الآلية ذاتها: بـ «كتابة العربية بحروف لاتينية» .

   

     وشاعت كلمات معينة في كتابة الرسائل والتعليقات  مثل LoL، وTYT، وBRB .

      و(لول) تعني : يضحك بصوت عالي LOL، وهي أختصار لجملة (Laughing Out Loud ).

 

       و(برب) تعني : سأعود قريبا، BRB، وهي أختصار من (Be Right Back) .

    و(وب) تعني : اهلا بعودتك WB، وهي أختصار من (Welcome Back).

    (تي) تعني : شكرا،ً وهي اختصار من  (thank you) .

 

         وتُستخدم الحروف الكبيرة المتفرقة للدلالة على الصياح والصوت العالي (A    B    C) ، ويستخدم رمز النجمة (*) للتأكيد على معنى، وتستخدم الشرط التحتية (_  _  _) للتأكيد على كلمات متعددة في سياق واحد.*(17)

 

      وهي وسيلة تواصل تساعد على تبادل الرسائل القصيرة عبر التطبيقات المتاحة، وتشترك في عمل واحد ألا وهوتجنب الفصحى والمعايير الإملائية، عبر الالتفافِ على قواعدِ اللغة من حيث الصرف والنحو والمفردات واللفظ من جهة، ومن جهة أخرى عبر تغييرِ منظومة الكتابة باستخدام الأبجدية اللاتينية بدلاً من العربية، ووضع رموز من أرقام أو حروف لاتينية وتمييز بعضها بعلامات أو ما شابه للتعبير عن الحروف العربية التي لا نظير لها في الحرف اللاتيني، وباستعمال أيقونات معبرة عن حالة انفعالية emoticons وباستخدام الكلمات المختصرة والأسماء الرمزية والرموز التعبيرية وصور Gif، أصبح لدى مستخدمي تطبيقات التراسل الفوري مجموعة واسعة من الأدوات للتعبير عن أفكارهم ومشاعرهم على الإنترنت، وتختصر هذه الرموز التعبيرية الكثير من الكلمات وهي صور أو رسوم تنوب عن شبه جملة أو تدل على شعور أو عاطفة ما،  مثل رسم وجه ضاحك أو وجه عابس أو علامة إعجاب الخ.*(18)

 

      وهو ما يعود بـ «الكتابة» إلى بدايتها بدائيتها؛ فقد كشفت «رسوم الكهف» التى اكتشفت فى أوروبا فى كهوف «لاسكو» و «شوفيت» فى فرنسا، و«التميرا» فى إسبانيا، والتى يرجع عمرها إلى 3500 سنة ق. م أن الكتابة بدأت على شكل بعض النقوش التصويرية.

 

     وما بين عامى 3300 و3200 ق.م ظهرت الكتابة الهيروغليفية، وهى تعنى (نقشا مقدسا) لأول مرة فى مخطوط رسمى، وأخذت الهيروغليفية صورها من الصور الشائعة فى البيئة المصرية، وكانت تضم الأعداد والأسماء وبعض السلع.*(19)

الفوضى اللغوية

على الإنترنت   :

ـــــــــــــــــــــــــــ

 

       عرّف علماء المعلومات مصلح : «الفوضي»  بـ «Chaos» كما عرفها البعض بـ «التلوث Pollution»، وأطلق عليها البعض «الضباب الدخاني للبيانات Data Smog»، وأطلق البعض على بعض مظاهرها مُسمى:«إنتروبيا المعلومات information entropy»، وهى أي كمية أساسية في نظرية المعلومات مرتبطة بأي متغير عشوائي، والتي يمكن تفسيرها على أنها متوسط مستوى «المعلومات» أو «المفاجأة» أو «عدم اليقين» المتأصل في النتائج المحتملة للمتغير.

 

         وكل التسميات تركز على نفس المعنى؛ فالفوضى ما هى إلا نوع من أنواع  التلوث أو التعتيم أو العشوائية؛ فالمشكلة الحقيقة ليست في حجم المعلومات بقدر ما تتركز في الافتقار إلى المعلومة الصحيحة أو المعلومة المدققة .

 

        وتعرف «فوضى المعلومات» على أنها تلوث في إمدادات المعلومات بمعلومات ليست ذات صلة  أو معلومات زائدة عن الحاجة أومعلومات غير مرغوب فيها، و«زائدة عن الحاجة  Information  OverLoad»  أو تندرج تحت مُسمى «التخمة المعلوماتية  Information Gult» التي  لا فائدة منها، وتمثل حالة من طغيان المعلومات بما يحدث نوعاً من الغموض والخلط وصعوبة الفهم، بما يلحق الضرر بمستخدميها، وينتج عنه قرارات خاطئة *(20)

 

       وتمثلت تلك الفوضى على شبكة الانترنت في أحد مظاهرها في الفوضى اللغوية، حيث توصلت بعض الدراسات إلى أن الإنترنت غدت اليوم هى الوسيط الغالب على كثير من الاستعمالات اللغوية لشريحة معينة من مستخدمى اللغة؛ مما أدى إلى صبغ اللغة التي يتداولها أفراد هذه الشريحة بصبغة هذا الوسيط اللغوي الحادث، وطبيعة اللغة المستخدمة، وتعتبر إشكالية الفوضى اللغوية  جزء من فوضى المعلومات الشبكية.

 

      وقد كشفت بعض الدراسات عن طبيعة العلاقة بين إستخدام طلاب بعض الجامعات المصرية للإنترنت وطبيعة التغيير الذي طرأ على قيمهم المجتمعية، وأثر هذا في التغير الذي طرأ على اللغة *(21)

لغة الصحف :

ـــــــــــــــــــــ

 

      لم يكن مثل هذا الجدل جديداً على المجتمع العربي؛ فقد شهدأ مثيلاً له بعد دخول الصحافة إلى بعض الدول العربية في القرن التاسع عشر؛ فكتب ابراهيم اليازجي عدة مقالات في مجلته الذي أنشأها في مصر سنة 1898 باسم: «الضياء»  في نقد « لغة الجرائد» في عهده داعيا أرباب الصحافة إلى التزام ما صحح، وأنبرى محمد سليم الجندي يفند بعض ما ذهب إليه اليازجي من تخطئة الكتّاب، ويعد أن ما خطأه صواباً لا ينبغي حمله على الغلط؛ فإذا بقسطاكي الحمصي (عضو المجمع العلمي العربي السوري) يرى غير هذا، ويثبت بما لديه من أسانيد أن ما جاء في كلام الجندي لا يجوز، وأن اليازجي قد أصاب في كل ما حذر الكتّاب من الوقوع فيه؛ فلا يلبث الجندي أن يرد في كتاب جديد بعنوان :«إصلاح الفاسد من لغة الجرائد»، وجاء رد آخر على قسطاكي الحمصي من محمد بهجة الأثري بعنوان : «نظرة في إصلاح الفاسد من لغة الجرائد» .

 

***

 

     أشكال المؤمرات على اللغة العربية ليست وليدة التحدي الذي جلبته شبكة الإنترنت؛ .. ترجع بداية ظاهرة العربيزي إلى القرن التاسع عشر عندما انطلقت صيحات ودعوات تدعو إلى الكتابة بأحرف اللاتينية وبالعامية وكان من حملة ألوية هذه الدعوات المستشرق الألماني سبيتا والانجليزيان ويلمور وويلكوكس، وقد زعموا أن الكتابة بالحروف اللاتينية تنمي عند المصريين الرقي وقوة الاختراع، وسار تحت لواء هذه الدعوة من العرب كل من أحمد لطفي السيد وأحمد أمين وسلامة موسى وعبد العزيز فهمي كما سار تحت لواء هذه الدعوة سعيد عقل وأنيس فريحة في لبنان

 

      المؤمراة قديمة وأدواتها بعض (صعاليك الماسونية)، وأبرز أساليبها الواضحة هو التخلي عن الأبجدية العربية وإبدالها بالحروف اللاتينية، بدعوى دفعها قدماً للوصول إلى العالمية، كما حدث في تركيا في ثلاثينات القرن العشرين، ونادى البعض الآخر بإقحام اللغات المحكية جنبا إلى جنب في موازاة الفصحى، غير أن دعواتهم باءت بالفشل.

 

اللغة البصرية :

ـــــــــــــــــــــــ

 

       إضافة إلى المسخ الاجتماعي الذي أنتج اللغات السابقة تأتي «اللغة البصرية» من خلال عناصر مرئية عن العنف والبلطجة والاغتصاب والتحرش الجنسي وابتزاز النساء واختطاف الأطفال والإساءة إليهم وانتهاك براءتهم وحياة العشوائيات وسكان المقابر وعشش الصفيح والمهمشين والمستبعدين اجتماعياً يبثها التلفاز أخطر أدوات اللغة البصرية بما يحمله من خاصية المسح النقطي Raster Scan؛ فقد أكد هربرت كروجمان تأثير التلفاز من الناحية الفسيولوجية في دماغ مشاهدي التلفاز، وأوضح انه خلال 30 ثانية من المشاهدة تتحول موجات الدماغ «بيتا» المهيمنة التي تشير إلى اليقظة والانتباة الواعي والتقييم والنقد إلى الموجات «ألفا» التي تشير إلى نقص الانتباه، وهذه الحالة من الخيال والحلم النهاري تقع تحت ما يسمى «عتبة الوعي» .

 

      وأشار مزيد من البحث إلى أن النصف الأيسر من كرة الدماغ الذي يعالج المعلومات بشكل منطقي وتحليلي، ينقطع عن الاستماع عندما يشاهد الشخص التلفاز، ويسمح هذا الانقطاع للنصف الأيمن من الدماغ الذي يعالج المعلومات عاطفيا، ودون نقد أن يعمل دون عائق؛ فالمنتج التليفزيوني في سمته الغالبة «سلعة مخدرة»، ويتزايد هذا التأثير المخدر مع قيام القائمين على البث التليفزيوني بإذاعة مواد ممصوصة الحيوية تصيب المشاهد بالملل والهمد الجسماني مما يساعد على النوم !!*(22)

 

اللغة الصامتة :

ـــــــــــــــــــــــ

 

        أطلق إدوارد تي. هول على الثقافة مُسمى «اللغة الصامتة» لاعتقاده أنها تُخفي أكثر بكثير مما تُظهر، والأغرب هو أن ما تخفيه، تخفيه بأقصى فاعلية عن المشاركين فيها،*(23)  وتؤثر في الفرد بطريقة خفية دون أن يدري.

     

       يُعرَّف إدوارد تي. هول «اللغة الصامتة» بالثقافة، .. الثقافة االمتراكمة بنائياً على مر العصور لكل بلد ولكل عائلة ولكل فرد، إنها تلك الممارسات التي يقوم بها المجتمع مع بعضه دون أن يحددها مُحَدد، ولكنها هكذا تطورت بتفاعلاتها مع الزمان والمكان والاتصال مع الأخر*(24)

 

       الثقافة ليست فكرة غريبة تُدرس من قبل مجموعة مختارة من علماء الانسان .. إنها قالب جميعنا مسكوبون فيه، وهي تسيطر على حياتنا في عدة طرق لا يراودنا شعور بوجودها؛ فالنظر إلى الثقافة كحالة يمكن أن تفرغ وتدرس ويعاد مفهومها مرة اخرى أمر مستحيل؛ فالثقافة هي نتاج تراكمات تعاطي الانسان منذ الأزل مع ما حوله ومع مفاهيمه عما حوله.

 

    وعن مفاهيم الثقافة يؤكد إدوارد تي. هول :

 

      «هي نظرية يثبت في النهاية أنها وثيقة الصلة بالإهتمامات الشخصية الأكثر عمقاً، وإنها تمس تلك القضايا الخاصة جداً لدرجة أنه يتم تجاهلها غالباً في ذات اللحظة التي يبدأ الناس بإدراك معانيها الضمنية»*(25)

 

      .. ويضيف:«القسم الأكبر من الثقافة يُكتسب؛ ولذلك لا يمكن أن يتم تعليمه»*(26) ثم يضيف أن حضور اللغة صبغ الثقافة بصبغة التعلم فبات أنه يمكن تعلم جزء معين من الثقافة عبر اللغة، فاللغة هي أحد أهم أنظمة التراسل الأولية حين الحديث عن مفردات الثقافة، ثم تأتي الأنظمة الاخرى التي يعبر عنها بأشكال تواصل غير لغوية بما يجعل الثقافة سلوك مكتسب ومشترك في ذات الوقت*(27)

 

***

       .. إننا أمام أحداث ومستحدثات كثيرة، .. وظواهر عديدة تستحق الرصد الميداني وتطلب التفسير العلمي الذي يقرع أجراس الخطر، ويُلزم بالإسراع في الإنقاذ قبل فوات الآوان، وفي مقدمتها «ضبط اللغة»، وما يرتبط بها من «سياقات اجتماعية» حفاظاً على الهوية !!

 

         .. ليس معنى هذا أننا ضد «التطور الطبيعي للغة»، وإغناء مفرادتها ومواكبتها لمكتشفات العصر ومختراعاته .. لكننا ضد أن يترك الحبل على الغارب للعبث بها، وتوليدها قسرياً بما لا يمت لها بصلة أو نسب وتحميلها بمعاني لا تحتملها في إطار «الخداع اللغوي» وصناعة الكذب وتزوير التاريخ؛ فقد تم الترويج لمصطلح : «القضية الفلسطينية» بدلا من «الحق الفلسطيني» بما يعني أن الأمر ملتبس بين مدعي ومدعى عليه، وفي دهاليز التلاعب بالكلمات وسراديب المفاوضات راح «الحق الفلسطيني» يفقد في كل يوم ركن من أركانه!!، وتم الترويج لمصطلح:«الشارع السياسى العربي» بدلاً من «الرأي العام العربي» بما يعني أن «العرب مجموعة من الرعاع والغوعاء والسوقة ودهماء الشوارع»، وفي إطار «حرب المياه» وسرقة الأنهار تم الترويج لمصطلح:«الأنهار العابرة للحدود» بدلاً من مصطلح «الأنهار الدولية»، والترويج لمصطلح «المياه المنصرفة» بدلاً من مصطلح : «المياه المتدفقة»، والترويج لمصطلح:«لاستخدام الأمثل والتوزيع المنصف والمعقول» بدلاً من مصطلح :«توزيع الحصص»، وبهذا «الخداع»، وقدرة الساسة على «الصياغات الملتوية» استولت إسرائيل على 66,5% تقريباً من مياة نهر الأردن بينما حصلت دول حوض النهر  الأربع (الأردن ـ سوريا ـ لبنان ـ فلسطين) على 33,5 % فقط، وحذت تركيا حذو أسرائيل بإنجاز القسم الأكبر من منشأت الكاب على نهر الفرات (21 سدا،ً و18 محطة كهرباء)؛ مما أدى إلى انخفاض تدفق مياهه من 18 مليار م3 سنوياً إلى 9 مليا رم3 سنوياً بينما حاجة العراق الفعلية تقدر بـ 13 مليار م3 سنويا؛ مما أضر بخطط التنمية الزراعية بالعراق، واستمرت تركيا مستغلة ظروف العراق لإقامة منشأت على نهر دجلة (8 منشأت)، وهذه السدود ستعمل على تخفيض كمية المياه المتدفقة تجاه العراق بنسبة 50%، ولم تضيع إيران الفرصة للحصول على نصيبها من الفريسة؛ فقامت بتشيد سدود مماثلة على روافد نهر دجلة التي تجري من أراضيها؛ مما قلل من إجمالي إيراد النهر بنسبة 60% إلى 70% من المياة الواردة إلى العراق، وفي إطار سياقات «حرب المياة» تقوم أثيوبيا بتخيير مصر بين الموت عطشاً، وبين الموافقة على توصيل مياه النيل عبر أراضيها إلى إسرائيل لتصبح إسرائيل بين عشية وضحاها إحدى دول حوض النيل !!

 

***

      تسبق النوايا الإجرامية المشبوهة دائما «لغة مراوغة» يغلب عليها طابع «التلاعب» ذات لفظ رنان ورطانات لغوية وبريق زائف وتعبر عن معاني يصعب الاختلاف عليها ظاهرياً، وغالباً ما تتم صياغة مفرداتها في مراكز الفكر Think Tank، ويُوظف لصناعتها أمهر «طباخو السم» من علماء اللغات والاجتماع والتاريخ والإعلام وتزييف الوعي وصناعة الكذب وتزوير التاريخ وأساليب زرع الذاكرة الكاذبة بالطريقة التي أوضحها ج. أورويل في روايته:«مزرعة الحيوان»، ويتم التوسع في تلك اللغة وضع نظم كاملة لها مما كان ج. أورويل يسميه «اللغة الجديدة» أى «لغة الأضداد» حيث تعني الكلمات عكس دلالتها بحيث تستطيع إخفاء ما يحدث باسم «مقتضيات» عمل المؤسسة الرسمية أو «الكرامة الوطنية» *(28)؛ بما يعني التلاعب باللغة !!

 

 

ماذا يٌقصد بالتّلاعب باللغة ؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    

      يحوي مفهوم التّلاعب دلالات عديدة منها التغيير والإخفاء، كما يحمل بُعدا سلبيًّا يتمثل بغياب الحقيقة، ولكن لا يعني غياب الحقيقة كذبا، فالتّلاعب مرتبط  بـ «الحقيقة التّداوليّة pragmatic truth»، في حين أن الكذبة تتعلق بـ «الحقيقة الدّلاليّة Semantic truth»، وويتحقق التّلاعب اللسانيّ حينما يتقصد المتكلم انتقاء عبارات معينة لإخفاء «مقصده intention» عن المستمع.

        في روايته «1984» عرض لنا «جورج أورويل G. Orwell» مجتمعا تتحكم فيه النخبة السياسية عن طريق «التّلاعب باللغة»؛ فتعطي دلالات جديدة لمفاهيمَ قديمة، وتحوّر بذلك إدراك الفرد داخل ذلك المجتمع حتى يصبح مطاوعا لسرديتها السياسية، كان ما يشغل ج. اورويل ويقلقه في هذا المقال الذي كتبه عام 1946 تلك الظاهرة التي لاحظها أورويل في بنية اللغة في مقاله بعنوان:«السياسة واللسان الإنجليزي Politics and the English language» هى قيام السياسيين من مثيري الدهماء بانتهاك أذهان الانجليز خُلسة من خلال «اللغة المراوغة» المستخدمة في السياسة، والتي تكسو الأكاذيب ثوب الصدق .

 

    ..  يقول أورويل في مقاله كلام بالغ الإقناع عن تلك القضية ويستشهد    باستشراء القوالب الجاهزة أو الكليشهات أو الاستعارات المستهلكة والكتابة التي تنم عن الكسل الذهني ً:

 

     «أنها من الأدلة على تدهور اللغة ونتيجة لاستخدام هذه وأمثالها، يصيب الذهن نوع من الخدر يجعله مستقبلاً سلبياً في الوقت الذي تستخدم فيه ألفاظ اللغة، وتؤثر في السامع تأثير الموسيقى الخفيفة المعزوفة في الخلفية في السوبر ماركت، إذ «تغسل» الوعي وتغوية بالقبول السلبي لأفكار ومشاعر لم يفحصها أو يختبر صحتها أحد.» .

 

  ويؤكد أورويل :   

 

       «باستطاعة الفكر أن يُفسد اللغة، وأيضا باستطاعة اللغة أن تُفسد الفكر، وباستطاعة الاستعمال السييء أن ينتتشر عن طريق التقليد الموروث والمحاكاة حتى عند الناس الذين من المفترض عليهم أن يتصرفوا بشكلٍ أفضل ..  أعد قراءتك لهذه المقالة، وستجد حتما أنني ارتكبت مراراً تلك الأخطاء التي أعترضت عليها بالأساس.».

 

    التّلاعب التّركيبيّ :

    ــــــــــــــــــــــــــــ

 

      هذا النوع من التلاعب ظاهر باستطاعة المرء تقفي أثره لغويا، أي اكتشافه عبر تشريح العبارات واستخلاص «بنيتها العمقيّة D-Structure»، وهي الطريقة التي بإمكاننا أن ندعوها «التحليل التركيبي Syntactic Analysis»، أما النوع الثاني فيحتاج إلى وسيلة أخرى لاكتشافه، وهي التي تقوم على المقابلة، ويمكن أن نسميها  «االتفكيك الدّلاليّ  Semantic Deconstruction»،

    

     يمكن لأية إذاعة أو جريدة أو أي موقع إخباري أن يتلاعب باللغة عن طريق «التّلاعب التّركيبيّ  Syntactic Manipulation»، وهو تبعا لبنيته الظاهرة، أبسط أشكال التّلاعب، وهذا النوع من التلاعب يعتمد عموما على التقديم والتأخير، أي يتلاعب بموقع التسلسل التركيبيّ، ويدفع باللسان إلى توليد تراكيبَ جديدة قد تبدو للمتمرس بالقواعد المعيارية للسان الأم غريبة أو غير ضرورية أحياناً.

 

      التلاعب الدّلاليّ:

     ــــــــــــــــــــــــــــ

 

        إن معاني الكلمات في تغير دائم، يكفي العودة إلى القواميس لتقفي تحوّلاتها، وهذه الظاهرة اللسانية تُعرف بـ «الانعطاف الدلالي Semantic shift/change»، وعادة ما تكون نتيجةَ عوامل «خارج لسانية» (مثل الاحتكاك الثقافي، التطور التكنولوجي…). وأحيانًا يتخذ هذا التحول الدلالي منحى سلبيا، وهذا ما يُعرف في علم الدّلالة بـ «الانتقاص الدّلاليّ Semantic Degradation» ، أي يحمل معنى الكلمة دلالة سلبية (نحو دلالة كلمة مُعاق)، لكنْ ثمة تحول دلالي يخرج عن الأعراف التقليدية للألسن، منطلقاً من مبدأ نسبية المعايير، ولا يمكن أن نرد أسبابه طبيعياً، بل إنه نتيجة تلاعب مقصود، لذا إن مصدره مصطنع، أي يكمن في «المؤسسات المدلجة Indoctrinating Institutions». ويمكن أن نسمي هذا النوع من التحول «التّلاعب الدّلاليّ Semantic Manipulation».

       إذن يتميز «التلاعب الدّلاليّ» بتغيير إرادي لمعاني الكلمات، وهذا ما يدعوه «يونج J. W. Young» : بـ « قتل الدّلالة Semanticide»، وهو أعمق أشكال التّلاعب . . إذ على الرغم من أن المرء يعي وجود تلاعب، ولكنه في الوقت نفسه عالق في إطاره، أي إنه حر في عقله السجين، وكأن حاله، إذا ما جاز التعبير كالدّمى الروسية «ماتريوشكا»، ولعل تلك هي خاصية «التّلاعب الدّلاليّ»، إذ إنها عميقة في لا وعي الأفراد ما يجعلها صعبة على تقفي أثرها في رؤية المجتمعات للعالم.

 

«خداع اللغة» :

ـــــــــــــــــــــــــ

 

        إن «خداع اللغة» يعني فقدان العلاقة بين الملفوظ وسياقة الدلالي وسياقه الاجتماعي والطبقي وسياقه السياسي، وهو ليس حكراً على الأنظمة الاستبدادية والقمعية، وقوى الهيمنة الخفية من خارج الحدود لتدجين الشعوب ونهب ثرواتها واسقاطها في قيود التبعية، وتستخدم تلك القوى العناصر «الناقلة للعدوى» للترويج لها في المجتمعات المستهدفة بالتلاعب .. بل نعثر عليه في أكثر الأنظمة ليبرالية وديمقراطية، بما يولد حالة  يصطدم فيها علم السياسة بعالم اللّغة، وتتسلل الأيديولوجيا إلى بنيان الألسن لتعيد رسم معالمها، فتولد بذلك تصميما جديداً يماثل سردياتها السياسية، وباختصار هذا هو «التّلاعب اللّسانيّ Linguistic Manipulation».

 

        وهو ما يذهب إليه أيضا المفكر ناعوم تشوميسكى فى أن الإعلام التجارى يقوم بتلوين الكلمات ولىّ عنقها وإعادة تشكيلها لتنطق بمفاهيم مغايرة لحقيقة معانيها بهدف صُنع منتج من نوع جديد، المنتج هو (الجمهور) الذى يتم تشكيل مدركاته وفق معارف تحدد أنماط سلوكه، حتى يصبح سلعة سهلة البيع فى سوق الإعلانات من ناحية.

 

      وهو أيضا ما ينطبق على الإعلام الموجه فى الأنظمة المتخلفة من ناحية أخرى؛ حيث يتم إنتاج جمهور مغيب عن حقيقة واقعه المعاش، من خلال غرس قيم الخنوع والاستكانة والرضا بما تقدمه له الأنظمة الاستبدادية بحيث يصبح سلعة طيّعة التداول فى قبضة الحاكم الفرد الديكتاتور من منطلق أنه ليس فى الإمكان أفضل مما كان؛ بما يجعل من قيادته أسهل وأسلس.

 

       وأيضا لا يخفى على المتخصص استعانة القوى المعنية بالتضليل بالإستعانة بالمثقفين لا في مواقع القيادة بل لتدعيم السياسات الحكومية، ولوضع صيغ التلطف في التعبير، فصارت كلمة «الثورة» فى لغتنا وصفا يطلق على أول دبابة تصل إلى محطة الإذاعة وتعلن البيان رقم واحد !!، وصارت فى عقول الناس العاديين مرادفة لأى انقلاب عسكرى !! فأطلقنا على انقلاب 23 يوليو1952 «ثورة 23 يوليو المباركة»، وعلى هزيمة 1956 «الانتصار التاريخى على قوى العدوان الثلاثى الغاشم فى 56»، وعلى هزيمة 5 يونيو 1967 «نكسة»، وعلى نحر المختلفين مع النظام «انتحار» والرشوة «إكرامية»، والضعف «تسامح»،  والموظف المكلف بخدمة عامة «صاحب معالى وسيادة»، وغيرها من ألفاظ التفخيم والتوقير، وأيضا الاستعانة بالمثقفين في الاغتيال المعنوي للمعارضين، وللدعاية السلبية ضد الأعداء الرسميين .

 

      وهو ما أكده الباحث الفرنسى جان بولديير بقوله:

 

         «إن سيطرة شركات وسائل الإعلام (الخاضعة لنفوذ المؤسسات الصناعية والمالية الكبرى) من خلال فرض سلطتها فى اختيار القائمين على الإعلام، وما يتبعه من تقييد للمعلومات التى توجه من خلال وسائل الإعلام (المؤسسات الإعلامية) لتصنع طبقة من صانعى المنتج الإعلامى (هؤلاء يمثلون مصالح الحكومة أو الطبقة الحاكمة)، وفصلهم عن المستهلكين (المخدوعين والذين تم إدخال الغش عليهم برسائل مغلوطة من وسائل الإعلام لتقبل وجهات نظر الحكومة أو الطبقة الحاكمة) .

 

 

حركة «التصحيح اللغوي» :

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

       يرى د. أحمد ضاري حمادي (عضو مجمع اللغة العراقي) أن ظواهر كثيرة على مدى التاريخ هددت كيان الأمة بالتفكك والاضمحلال؛ لأنها هددت كيان اللغة العربية بذات المصير، إنها ظاهرة الانحراف عن سنن الفصحي والوقوع فيما اصطلح عليه بـ «اللحن»، وكان إبداع النحو العربي ميزانا للسان.

 

       وقد تصدى د.  الضاري بالبحث في أعماق التراث العربي للوقوف على مشكلة اللغة العربية الحقيقية، وكانت منذ أكثر من ألف عام وراء الخلاف المحتدم بين رجالها في كل عصر وهي :

 

      ما مدار الفصحى؟ وما العربية المطلوبة ؟ وما المقياس الثابت الدليل الذي عليه الملتقى،  وإليه المرجع عندما يشجر النزاع ؟

      قدم د. الضاري أطروحته في قسمين كبيرين :

 

    الأول : «تراث التصحيح»  الذي عرض فيه لكل مبحث تصحيحي حديث مخطوطاً كان أو مطبوعاً كتاباً أو فصلاً أو مقالاً في بابين : باب التصحيح العام (وهو يعالج لغة المجتمع عامة)، وباب التصحيح الخاص (وهو ما يعالج لغة ميدان معين) .

 

  الثاني : «معيار التصحيح»، وعرض فيه د.الضاري لمقاييس التخطئة والتصويب، وما يمكن إن يعتمد عليه الباحث وهو يحتج لرأيه أو يدفع رأى مخالف، واستعرض د . الضاري فيض من الأراء والأقوال عاد فيها إلى نصوص من كلام العرب، وأصول أحكام لغتهم على ما قرره جهابذة هذا الشأن من أئمتها الأوائل في مصنفات اللغة ومصنفات النحو والتصريف وسائر فروع اللغة العربية، وقرن ذلك كله بأراء اللغويين المعاصرين في آثار الأفراد من العلماء، وآثار الهيئات من المجامع اللغوية في كل ما يتصل بهذا ولا سيما المصطلح العلمي الحديث.*(28)

 

***

   

       كانت التغيرات الاجتماعية كثيرة ومتلاحقة، وقد ظهرت ملامحها العميقة في الازدهار أو التخلف على سطح اللغة باعتبارها مرآة المجتمع التي تعكس حقائق أموره، وتكشف أوجاعه!!

 

      وهو ما نحاول الكشف عنه للإجابة على السؤال :

 

         .. ماذا حدث، .. ويحدث للمصريين ؟!!

 

 

 

الفصل الثاني :

ــــــــــــــــــــــ

 

أزمـة اللغة  !!

 

        في الثمانينيات من القرن الماضي استرعى انتباهي مقال كتبه الأستاذ أحمد بهاء الدين بعنوان : «كلمات فقدت سمعتها فى حياة لغتنا الجميلة: الموضوعية .. العقلانية .. الواقعية .. لماذا صارت كلمات رديئة؟!»*(1).

 

     فى البداية يقول الأستاذ بهاء: إن اللغة لم تكن أبدا «محايدة»، والكلمة الواحدة قد تستخدم فى مجال يحمل كل معانى الجدية، وأحيانا تصبح من كثرة استخدامها فى غير موضعها، تحمل لدى الناس كل معانى السخرية، والكلمة فى مجال قد يكون لها وزن الذهب، وقد يكون لها وزن الريشة !!، وإذا كانت الكلمات من القاموس السياسى للغة، فهى أكثر عُرضة للتلف؛ ذلك أنها كثيرا ما تكون عُرضة للاستخدام الخاطئ المتعمد من رجال السياسة أو الكتابة أو للاستخدام فى مجرد تخدير الرأى العام .

 

     ونأخذ على ذلك أمثلة من كلمات كبيرة مثل «الوحدة» أو «الثورة» أو «الديمقراطية»، كلمات كبيرة جدا، لكن بعضها لحقه «الإجهاد» من كثرة الاستعمال اللغوي، وانعدام الاستعمال الفعلى!!

       ثم يكمل الأستاذ بهاء: «إن الشعب العربى هو الذى نزل القرآن بلغته، والقرآن أكثر كتاب مقدس وغير مقدس تحدث عن العقل والعمل والتفكير والتذكير؛ فمن المستحيل أن تكون هذه اللغة بالذات هى اللغة التى تفقد فيها هذه الكلمات سمعتها.. الغرب يتباهى علينا، ويعلمنا أنه أقام نهضته على أساس «سيادة العقل»، وكتابنا السابق على هذا كله بقرون هو أول من أقام للعقل سلطانا عظيما، وهو أول دين تجيء معجزته فى شيء واحد فقط هى : كتاب!، وأكثر ما تخاطب سطوره وآياته العقل، ويفرق بين ذوى العقول وسواهم..

 

      .. وما معنى العقلانية والموضوعية وغيرها من المصطلحات الحديثة إلا استخدام العقل ؟! أليست الموضوعية مثلا هى البدء فى كل أمر بدراسة الموضوع، وما معنى الواقعية إلا أنه يجب أن تكون دراستنا للموضوع دراسة واقعية مستندة إلى الواقع لا إلى التمنى !!».

 

        وأخيرا يقول الأستاذ بهاء : «والخضوع للواقع أمر.. وتغييره أمر آخر وفى هذا يختلف فكر الناس، ومدى همتهم وجدوى حساباتهم، وأعظم الذين غيروا وجه التاريخ كانوا أعظم الواقعيين، لأن اختراق طرق التغيير يقتضى معرفة الطريق الممهد من الطريق الوعر، ومن الطريق المسدود تماما».

 

***

      أهمية مقال الأستاذ أحمد بهاء الدين أنه وضع أيدينا ببساطة على الثالثوث الذي أفسد حياتنا وأفسد شخصية المواطن المصري وحوله إلى «فأر مركب»، وجعله لص .. لا يخجل من لصوصيته .. كذاب .. لا يحمر وجهه خجلا عندما ينكشف كذبه .. منافق .. لا يجد عاراً في نفاقه .. بل على العكس يرى أنها «قواعد الحكمة» التي اكتسبها من السنين، وأنها أساليب السلامة وأدوات العيش.

 

   .. العوامل الثلاث التي وضع الأستاذ أحمد بهاء الدين أيدينا عليها ـ دون أن يذكرها صراحة ـ هى :

 

      1 ـ حالة الـ «ثرثرة» التي تنقطع فيها علاقة الملفوظ بسياقه الدلالي والاجتماعي والسياسي .. «ثرثرة»، ولا نقول «اللغة» أو «الكلام» أو «الثقافة» .

 

      2 ـ شكل الدولة في المنطقة العربية بعد جلاء الاستعمار التقليدي، والقنوات التي شكلت النخب السياسية، وضعف الشرعية وانعدامها فيها.

 

     3 ـ بصمة القهر على الشخصية المصرية عبر التاريخ والتي انتجت شخوص مثل «الصرصور المقلوب» ـ على حد تعبير كافكا ـ يسمع ويحس لكنه غير قادر على الفعل أو إحداث التغيير، أو «إنسان زومبي» عاد إلى الحياة  بأسلوب «الخديعة»، ولا يملك من أمره شيئأ، أو «قن» من الأقنان وهب نفسه عن جهل لـ «الرسبوتينية الكهنوتية» وفكر الشيطان !!.

 

    1 ـ «الثرثرة» المتداولة :

     ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    

      لا شك أننا نمتلك قدرة هائلة على الثرثرة؛ تمتاز بالثراء والصخب الأجوف وكثرة المترادفات وصيغ المبالغة؛ فإذا ألقينا مفردة من مفرداتها أو وحدة من وحداتها فى أتون الأحداث واحترقت من فرط تكرارها دون معنى مقصود فالثرثرة تسعفنا بعشرات المترادفات، فنحن لا نخشى عجزاً ما فى هذا النوع من تلك «العملة»...؛ فوارينا سوءات واقعنا ببريق الثرثرة، وأسرفنا فى مدح ذواتنا وذم خصومنا، فالفارق كبير بين «الثرثرة» و«اللغة» و«الكلام»؛ فالمتكلم قد يكون لديه فكرة يريد أن يخرجها إلى الملأ في ثوب من الألفاظ عبر إفادة «الكلام»، ..  لكن هناك متكلمون ليست لديهم فكرة، .. وأصابهم مرض الثرثرة أى الجلبة اللفظية التي لا تنطوي على معنى؛ فما أصل هذا المرض؟ وما علاجة؟ وكيف يتحول إلى وباء؟ وماهي نتاج هذه الثرثرة الوبائية إذا اجتاحت الصحافة والثقافة والسياسة في أمة من الأمم ؟ .. تلك الفكرة تلخص حالتنا الراهنة!!

     .. على العكس من ذلك عندما تنبثق فكرة من الأفكار في خاطر الإنسان فيريد نقلها إلى أخيه الإنسان دقيقة .. شديدة الشبة بما يجول في ذهنه !! إنه ـ والفكرة ما تزال هائمة في آفاق النفس ـ لا يجد لها أبعاد محسوسة، ولا يعرف لها كنهاً مادياً يحمل تقاسيمها وتفاصيلها؛ فهى في المطلق الفكري وجود غير متجسد تستحيل الإحاطة به، وهنا يحدث ارتباط معجز بين العقل والأعصاب وبين الأعضاء الجسمانية للإنسان والأجهزة الصوتية في حنجرته وبعضها في حلقه وفمه وأنفه، وإذا بالفكرة تلبس رموزاً مسموعة بالأذن فيبدأ ترجمة المطلق الصامت إلى المحدد الصائت، هذه العملية التي يخرج فيها الفكر مسبوكاً في قالب مادي هو الصوت وتصبح بهذا الشكل كلاماً.

 

       هذه العملية المعقدة الدقيقة تميز الإنسان عن الحيوان وأفكاره المتبلورة في أصوات هى التي تكفل تقدمه الحضاري؛ فالكلمة واليد هما صانعتا الحضارة، ولا تستطيع إحداهما دون الأخرى صناعة التقدم .. فالفكرة المتبلورة في أصوات هى التي تكفل التقدم الحضاري، فالأسلاف يقدحون أفكارهم ثم يعبرون عنها باللفظ المنطوق؛ فتصبح تراثاً للأبناء يبنون عليها إبدعاتهم!!، وهكذا تتواصل الأجيال؛ فاللغة هى التواصل والتواصل هو اللغة، والثقافة هي التواصل، والتواصل هو الثقافة، والتواصل وثيق الصلة بـ «نظرية المعلومات» فلا تواصل بدون المعلومات التي تمثل الاحتياج الخامس للإنسان بعد المأكل والمشرب والملبس والمسكن.

      . . ونقيض ذلك هو الإنسان التي تتألق في ذهنه أفكار عظيمة وخواطر لا مثيل لها، ولكنه يعجز عن وضعها في الألفاظ التي تليق بها أو يفلح بعد الجهد الجهيد في إظهارها على نحو ما، وكأنها لبست ثياب ضيقة جداً، تتمزق عنها من كل جانب هذا هو «الفقر اللغوي» ذلك المرض الذي يصيب الحضارة بالتشوهات والعطب ويعطل مسيرتها ويعجل بنهايتها!!

 

 مفهوم اللغة :

ـــــــــــــــــــــــ

 

      وفي كتابه الموسوم بـ : «العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر» أبان ابن خلدون منهجه في تطبيق نظريات علم الاجتماع التي توصل إليها عبر دراسة اللغة وعلومها .. يعرف ابن خلدون اللغة بأنها وسيلة تسعى إلى ربط أبناء المجتمع الواحد، وقد ورد تعريفه للغة في بداية  فصل في مقدمته بعنوان (علم النحو)، فقد عرف اللغة قبل البدء بالكلام عن علم النحو الذي يضبط قواعد اللغة وقوانينها بشكل عام .

 

       قال ابن خلدون في تعريف اللغة :

       «اللغة هي عبارة المتكلم عن مقصوده، وتلك العبارة فعل لساني ناشئ عن القصد بإفادة الكلام، فلابد ان تصير ملكة متقررة في العضو الفاعل لها، وهو اللسان ، وهى في كل امه بحسب مصطلحاتنها»*(2)

 

     ويتضمن تعريف ابن خدوان للغة عدة قضايا أهمها :

 

    1 ـ اللغة هي الوسيلة التي تميز الإنسان عن غيره من الكائنات، وتكمن أهميتها في أنها وسيلة التواصل الأولى بين المتكلم والسامع، وتيسر لكلا الطرفين الطريق للتعبير عن الأراء والأحساسيس؛ فاللغة من وجهة نظر ابن خلدون ظاهرة فكرية إنسانية لا يمكن أن تنشأ إلا في مجتمع يحتاج أفراده إلى التعامل فيما بينهم.

 

    2 ـ اتفاق كل أمة على رموز اصطلاحية معينة لإقامة عملية التواصل والتفاهم فـ «اللسان» في كل أمة حسب اصطلاحاتها، وبذلك يعلل ابن خلدون سبب تمايز البشرية فيما بينها، ومرد هذا التمايز إلى اختلاف هذه الرموز الاصطلاحية، فهى ترتبط بمعان معينة لدى كل قوم .

 

    3 ـ من القضايا التي أثارها ابن خلدون عن اللغة أنها تستعمل للتعبير عن مواقف الإنسان من الظروف المحيطة به؛ فهي بالتالي عمل عقلي أو فعل إنساني يقوم بتأديته بلسانه، وهو ما عبر عنه ابن خلدون بعبارة :

 

«فعل لساني ناشئ عن القصد بإفادة الكلام .».

 

        وقد جمع ابن خلدون في تعريفه للغة بين طبيعتها من حيث أنها فعل لساني ناشئ عن إرادة الكلام، وبين وظيفتها من حيث أنها وسيلة للإتصال بين أبناء المجتمع الواحد؛ ولذا فقد قصر مُصطلح اللغة على الجهاز النطقي في الإنسان  في التعبير عما في نفس المتكلم تاركا طرق التعبير الأخرى التي تدخل فيها اللغة الإشارية، وهى تلك اللغة التي تستخدم فيها الإيماءات وحركات الجسد والتحديق .

 

       ويتضح أن ابن خلدون قد نظر إلى اللغة على أنها نشاط اجتماعي من حيث إنها استجابة ضرورية لحاجة الاتصال بين الناس جميعاً، وبذلك يكون ابن خلدون أول من أرسى قواعد الاتصال بين (علم اللغة) وبين (العلوم الاجتماعية)؛ فنشأ فرع من حال الجدل العلمي بينهما اصطلح على تسميته بـ (علم اللغة الاجتماعي)، ويقوم هذا العلم على أساس دراسة اللغة من خلال تفاعلها في محيطها ويتمثل هذا البعد في النظر إلى العوامل الخارجية التي تؤثر في استعمالنا للغة .

 

      ما جاء به ابن خلدون كان حجة على من قبله وظل لأكثر من 600 سنة حجة على من بعده من مدعي المعرفة من الأوربيين الذين لم يستطيعوا الإحاطة بكافة مناحي الفكر الخلدوني حتى الآن، ومنها ما جاء في (علم اللغة الاجتماعي)؛ فكل ما قدمه فردينار سوسير Ferdinand de Saussure وفرانس بواس Franz Boaz وإدوارد سابير E.Sabir  و Avram Noam Chomsky) أفرام نعوم تشكوميسكي وهدسون مجرد تغليف أوربي بالسيلوفان والشرائط الملونة اللامعة لـ «الفكر الخلدوني» .. ليردوا لنا بضاعتنا التي لم يستطعوا الزيادة أو المزايدة عليها .. !!

 

 

***

 

 

      .. كان لابد من التوسل باللغة في فهم حقائق المجتمع المصري؛ فأي محاولة لفهم مجتمع ما دون التوسل إليه بلغته هي درب من الحماقة يفضي إلى الهباء!!، وأن إية محاولة لتفسير ظواهر اللغة دون الرجوع إلى ثقافة المجتمع، وطبيعة الحكم هي محاولة عبثية!!، وأيضا كان لابد من إلقاء الضوء على بعض المفاهيم مثل : الحضارة والمدنية والثقافة !!

 

الحضارة والمدنية :

ــــــــــــــــــــــــــــــ

      

 ارتآى بعض علماء الاجتماع أن العرف جرى على اعتبار لفظي «المدنية والحضارة» مترادفين عربيين لمفهوم كلمة Civilization، ولكن العلوم الإنسانية الحديثة تقصر مصطلح المدنية على المستوى الراقي من حياة المجتمع المادية التي تتمثل في العمران وتخطيط المدن وتنظيمها وتوافر مرافقها، والتنوع والتفنن والوفرة في مطالب الحياة الضرورية والكمالية من مأكل ومشرب، وملبس، ومسكن وترويح عن النفس.

 

          أما الحضارة:  فمصطلح يطلق على النواحي الفكرية والخُلقية والاجتماعية من حياة المجتمع، التي تتمثل في العلوم والآداب والفنون ونظم الحكم ودساتير السلوك والآداب والتقاليد والأخلاق العامة والعقيدة الدينية، ولقد رأى البعض أن معنى الحضارة يشمل نتاج العقل والفكر ممثلاً في الكتب والصور والعقائد والمعارف والنظم الاجتماعية والسياسة والمعاني الضخمة الجميلة والسلوك الحميد ووسائل النقل والسفر..إلخ. ومعنى هذا أنها تشمل الدين واللغة والأخلاق والعلوم والفنون والصناعات والعادات، فهي إذن ثقافة أو طابع يتسم به جماعة كبيرة من الناس فترة من الزمان .

       ويعرف ديورانت الحضارة بأنها : «نظام اجتماعي يعين الإنسان على الزيادة من إنتاجه الثقافي، وأن الحضارة تتألف من عناصر أربعة : الموارد الاقتصادية، والنظم السياسية، والتقاليد الخلقية، ومتابعة العلوم والفنون، وهي تبدأ حيث ينتهي الاضطراب والقلق»، أو هى «نظام اجتماعي يعين الانسان على زيادة انتاجه الثقافي، وترتبط الاخيرة (الثقافة) من حيث اللفظ بالزراعة، كما ترتبط المدنية بالمدينة، إذ يعمل الاختراع، وتعمل الصناعة من اجل مضاعفة الاشياء المحسوسة وزيادة وسائل الراحة والترف وكذلك يستغني عن فئة من الناس فلا يطلب منهم صناعة الاشياء المادية، اذا يعملون على انتاج العلم والفلسفة والادب والفن .*(3)

 

         بينما يجمع الانثربولوجي إ. ب . تايلور بين مفهوم الحضارة والمدنية في سياق واحد :

 

        (الكل المركب الذي يحتوي على المعرفة والمعتقد والفن والأخلاقيات والقانون والعادة وكل القدرات والاعتبارات الاخرى يكتسبها الانسان كعضو في المجتمع) أو هى «درجة من التقدم الثقافي، تكون فيها الفنون والعلوم والحياة السياسية في درجة متقدمة».

 

الثقافة :

ــــــــــــــ

 

      وعلى ذكر الثقافة، فإن معظم الباحثين اليوم يتفقون على أن كلمة ثقافة في العربية تقابل ما يسميه الغربيون Culture فبين اللفظين شبه في أصل المعنى، وكلتاهما تعني التهذيب والتربية والتنمية، ومن هنا أصبح المدلول العام لكل من هاتين الكلمتين العربية والإفرنجية الجانب الروحي المعنوي من حياة الفرد والجماعة .

 

      بينما يرى د .هدسون في كتابه بعنوان : «تاريخ اللغة الاجتماعي»: أن الثقافة :

 

         «ذلك الشيئ الذي يملكه كل إنسان بالفطرة أو بالمعرفة المكتسبة إجتماعياً حتى يستطيع التعامل في مجتمعه بأسلوب يقبله الآخرون في مقابل «الثقافة»  التي يقتصر وجودها على الدوائر المثقفة أى في دور الأوبرا والجامعات .*(4)

 

2 ـ شكل الدولة العربية :

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

     .. بداية نؤكد أن الدولة لا يحكمها نمط واحد، كما أنها لا تكون في المجتمعات كلها بوتيرة واحدة، ولا يحكمها إطار مرجعى محدد، إلا أن التغيرات التي عرفها العالم في العقدين أو الثلاث عقود الثلاثة الماضية قربت بين هذه الصورة، أو أنها كونت قدراً من القواسم المشتركة في ما بينها لكنها على الرغم من ذلك لا تجعل منه كياناً موحداً من حيث الطبيعة والفعل، فالدولة هي نتيجة سياقات المجتمع الأقتصادية والاجتماعية والثقافية، وينشأ فيها أو عند القائمين عليها صراع في طبيعة القيم التي يجب أن تكون محددة لمسارها مثل: تأكيد مسألة الأمن والقوة والاستقرار والسيادة في مقابل قيم العدالة والمساواة والحرية .

 

        وعلى الرغم من أن بعض الأفراد يعتقد بأن الأخذ بالأول يجعل الدولة قوية ومتضخمة، إلا أن مقارنة ذلك بالشق الثاني ينحو بالدولة نحو الاستقرار ويعزز شرعيتها فإخفاق الدولة السياسي على الرغم مما قد تبدو عليه من قوة تسلطية فائقة، إلا أنه يقود إلى إخفاقات أخرى على صعيد قدرتها على إدارة الملف الاقتصادي فضلاً عن المسألة الأجتماعية والثقافية، وهى إخفاقات تعمق من أزمة شرعيتها السياسية .  

 

      كانت المعطيات التي تكونت في إطارها الدولة العربية منذ جلاء الاستعمار التقليدي مع بداية النصف الثاني من القرن العشرين وحتى الأن، والقنوات التي جرى في ظلها تكوين نخبها السياسية وصعودها، فضلاً عن ضعف عنصر شرعيتها أو تلاشيه دفع بها لتدعيم هيمنتها على المجتمع، لا لتثبيت ممارسات متسقة مع أنماط الحكم الرشيد؛ فجزء من إخفاقات بناء الدولة الحديثة في المنطقة العربية لم يتمثل في تسلط الدولة وضعف شرعيتها فحسب، وإنما تمثل في ممارستها الاستبعادية الني كانت دوماً أحد مصادر اختلال الدولة وعدم استقرارها، وتعد أولى خطوات الحكم الرشيد ومداخله هي العمل على إعادة الدولة إلى المجتمع وإدماج مكوناته في الدولة بإحداث تغيير مهم في الأسس التي وزعت وتوزع في إطارها حصص القوة في المجتمع ليكون مدخلها عنصر المواطنة الذي يكون لجميع رعاياها في إطار حقوق وواجبات متساوية في النصوص وفي الممارسة.*(5)

 

        إن قوة الدولة ونفوذها  ووظيفتها وتمفصل دورها في الداخل والخارج يجعلان تدخلها وتشابكها في الفضاء الاجتماعي والاقتصادي عميقاً ومعقداً وهي أنماط وعمليات من الفعل الذي تبسط به الدولة سلطتها بواسطة مؤسساتها وتنظيماتها وأيدلوجيتها على الناس والمكان كما تنتظم علاقات الأفراد في الدولة الحديثة بنظام حقوق وواجبات معقد، لا شخصانية المنافع والمكافآت، وهى أمور تحددها الأطر القانوية والأنظمة الدستورية التي تتحول بواسطتها مواقع الأفراد في المجتمع من رعايا للحاكم إلى مواطنين في الدولة من طريق أنظمة قانونية عامة لا شخصانية فيها .

 

        من ناحية أخرى تحدد الطبيعة الثقافية والسياسية للدولة قدرتها على تبني نهج إدماج مكوناتها المختلفة بواسطة عمليات سياسية وبرامج اقتصادية تبدعها الدولة؛ فكلما اتسعت عمليات الإدماج بمستوييها السياسي والاقتصادي، وشملت في ذلك المكونات الاجتماعية والثقافية المختلفة ضمن أطر قانونية لا شخصانية فيها واضحة المعالم استطاعت الدولة تجاوز إحدى معضلات استقرارها، وربما قدرتها على الاستمرار والتكييف .

 

       تتكون الديناميات المؤسسية في الدولة بوساطة تقاليد ودرجة قابليتها على التكييف مع المتغيرات، وطبيعة بيئة المجتمع السياسية وموقعه من النظام العالمي أو في أي نظام أقليمي آخر، كما تحدد درجة ارتباطات النظام الإقليمية والدولية درجة التغيرات الممكنة وسرعتها في هياكل الدولة وعلاقتها بمجتمعها وفي قابلية هذا المجتمع للتغيير أو الإقدام عليه !!

 

الدولة في «الفكر الخلدوني» :

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

       ينطلق ابن خلدون في دراسته  لما أطلق عليه «الوازع» بما يعني الدولة دون أن يسميها باسمها من منطلق دراسته للعصبية، وبيان الأسس الذي تقوم عليها، والدور الذي تلعبه في الحياة الاجتماعية عموما وحركة التاريخ خصوصاً، إن فكرة «الوازع» عند ابن خلدون كانت حل لتناقضين هامين هما:

 

     1 ـ «اجتماعية الإنسان»؛  فالإنسان مدني بطبعه، ولا يصح وجوده ولا تستقيم أحواله إلا بالعيش مع غيره من بني جنسه .

 

     2 ـ «الطبيعة العدوانية للبشر»؛ فمن أخلاق البشر الظلم والعدوان بعض على بعض؛ فمن امتدت عينه إلى متاع أخيه؛ امتدت يده إلى أخذه إلا أن يصده وازع*(6)

 

      إن الحاجة إلى الوازع، إذن تفرضها طبيعة الإنسان نفسه، باعتباره كائناً مجبولاً على الخير والشر معاً، وعلى التعاون والعدوان، إن قيام الحياة الاجتماعية وبالتالي بقاء الإنسان يتطلب وجود نوع من السلطة تحفظ للمجتمع تماسكه، وتعمل على تقوية التعاون بين أفراده وكبح عدوان بعضهم على بعض سواء كأفراد أو جماعات .

 

         وسواء كان ابن خلدون يقصد بـ «الوازع» السلطة المادية التي تتجسم في الدولة وأجهزتها أم أنه يقصد السلطة المعنوية التي يمارسها بعض الأفراد على بعض في أحوال خاصة فإن فكرة الوازع تنطبق على هذا وذاك !!

 

      وقد وجد علماء الغرب في النظرية الخلدونية مدخلاً مهما لفهم حقيقة الدولة العربية .. وأنها لا تزال دولة سلطانية في واقعها الآني، وقد يفسر هذا كل معضلاتها أو بعضها وتحديداً ما نسميه طردية علاقة السلطان (السلطة)  بالعصبية (القبيلة أو الجماعة الإثنية)؛ لكون قوة السلطة تكمن في عصبيتها أو كما يقول ابن خالدون :«ذلك أن الرئاسة لا تكون إلا بالغلب والغلب إنما يكون بالعصبية ؛ فلا بد للرئاسة على القوم من عصبية غالبة لعصبياتهم» .

 

       لذا فإن الدولة العربية وبفعل جذورها التاريخية، ونتيجة تعقيدات تحول مكوناتها بقيت تمثل للبعض «غنيمة» من يصل إليها يُبقي منافعها عليه كـ (جماعة) دون الآخرين، أى أن الثقافة السياسية للدولة العربية بفعل إرثها التاريخي ونخبها السياسية التقليدية والمحدثة هي ثقافة قائمة على احتكار المنافع والمزايا التي توفرها الدولة للقائمين عليها أو الممسكين بها، بما يعني أن الدولة العربية وبفعل طبيعتها «الغنائمية» دولة إقصائية يحتكر من يصل إلى سدتها جميع المنافع؛ بما يجعل علاقتها بمجتمعها تتسم بقدر من الشراسة والتسييد أو كما يسميها نزية الأيوبي «الدولة الضارية» في علاقتها الشرسة بالمجتمع غير أنها دولة ضعيفة بشكل يدعو للأسى». 

 

         يقول نزية الأيوبي :

 

        «إن معظم الدول العربية دول «صلبة» والكثير منها دول «ضارية»؛ فإن قلة قليلة منها دول «قوية» غلى الرغم من أنها تمتلك بيروقراطيات ضخمة وجيوشاً قوية وسجونا قاسية؛ فإنها ضعيفة على نحو يدعو إلى الأسى حينما تواجه مسائل من قبيل جباية الضرائب أو كسب الحروب أو تشكيل قوة هيمنة فعلاً، أو ايدلوجيا تستطيع أن تمضي بالدولة إلى أبعد من المستوى القسري و«التشاركي» ومنه إلى الميدان المناقبي والفكري .) *(7).

 

      التشاركية تعني أن المجتمع أكثر هلامية، وأقل تطوراً بما يجعل الدولة تضطر إلى دخول مرحلة الاقتصادية ـ التشاركية، ولعب دور قيادي في عملية التطور الاجتماعي، ويحدث هذا في غياب التقاليد الديمقراطية .

 

 الدولة القوية

 و «الدولة الضعيفة» :

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

       يقدم جويل مجدال تصنيفه للدولة القوية في مقابل الدولة الضعيفة في ضوء علاقتها بالمجتمع، فالدولة القوية هى التي تتغلل في مجتمعاتها وتكون قيمها السياسية والاقتصادية في مصلحة مجتمعها؛ إذ تُعلى قيم المواطنة والتضامن والثقة بين مكونات المجتمع المختلفة، كما تعلو في هذا المجتمع الروابط الأفقية القائمة على القواسم الفكرية والسياسية المشتركة، والمؤطرة في الأحزاب السياسية والنقابات وتنظيمات المجتمع المدني وتتكامل فيه تنظيمات المجتمع مع الدولة في تحقيق أهداف المجتمع ومصالحه، ولا يقوم الخلاف بين الدولة  وهذه التنظيمات على أسس شخصية أو دينية أو قبلية أو عرقية، وإنما على أساس أختلاف طبيعة البرامج والسياسات .

 

الدولة الضعيفة :

ـــــــــــــــــــــــــــــ

       الدولة الضعيفة هى الدولة العاجزة عن تنمية مجتمعها وتحقيق مصالحه، وهى في هذا تتخذ موقفاً عدائياً منه وتناهض تنظيماته المدنية وأحزابة السياسية  وتنعدم الثقة بالدولة؛ وهو ما يكوّن مجتمعاً ضعيفاً تتكرس فيه الإخفاقات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، وتنتشر فيه المحسوبية ويعمل أفراده من أجل مصالحهم الشخصية وتوزيع المنافع والخدمات في ضوء مدى قربهم من مركز السلطة أو من الممسكين بها .    

 

 «التجربة المصرية» :

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ      

 

     .. ومع الاستقلال الوطني وجلاء الاحتلال الإنجليزي عن مصر بعد 72 سنة.. حكم ضباط حركة الجيش في 23 يوليو 1952 البلاد، .. كان ضباط يوليو من صغار الرتب الذين أُتيح لهم دخول الكلية الحربية بعد معاهدة 1936، وكانوا  ينتمون إلى الطبقة المتوسطة المتوسطة، وكان أغلبهم ينتمي لأصول ريفية، وكانت تجمع بينهم الثقافة العامة المتداولة في ذلك الوقت بين طلبة المدارس الثانوية والصداقة؛ بما جعل ت. س . فاتكيوتس يطلق على تنظيم الضباط الأحرار : «تنظيم الصداقات الحميمة» .

 

       استعان ضباط يوليو في البداية ببعض قدامى السياسيين، وبعض الشخصيات من التكنوقراط إلا أنهم ارتأوا أن تلك التجربة لا تحقق الأمال المنشودة؛ فتولوا أمور الحكم، وأصبح في كل موقع ضابط من الجيش أطلقوا عليه :«مندوب قيادة».  

 

            كانت التجربة الناصرية قد اعتمدت على جهاز الدولة كمحرك لعملية التنمية في البلاد إلا أن مساهمتها في بناء المؤسسات السياسية الحيوية كان محدوداً الأمر الذي ترتب عليه ضعف المشاركة الشعبية الإيجابية في الحياة السياسية لقيام النظام الناصري باعتماد سياسة «أشتراكية بلا أشتراكيين»؛ وقد بدا هذا الوضع الخطيراً يقلق النظام، ولم تستطع القيادة الكايزمية لعبد الناصر أن تسد تلك الفجوة، مما دفع النموذج السياسي الناصري إلى ضرورة الاعتماد على المؤسسة العسكرية والمنظمات الأمنية والجماعات السرية لكن التطورات اللاحقة أوضحت مخاطر تلك التركيبة، ولم تتم ترجمة الكاريزما الناصرية إلى مؤسسات حقيقية تربط الدولة بالمجتمع*(8)  

 

       كان عبد الناصر يهدف إلى إقامة نظام يتمتع فيه العسكر بمكانة اجتماعية وسياسية مرموقة في الدولة، وهو الوضع الذي أطلق عليه فاتكيوتس اسم «دولة العسكر Stratocracy»، وكان من نتيجة ذلك تولي الضباط ممن دعوا بـ «أهل الثقة» مجموعة ضخمة من الوظائف القيادية في مجال الحكم والاقتصاد والدبلوماسية والإدارة المحلية والرياضة والثقافة وغيرها .

 

       ومن ناحية أخرى زادت الامتيازات الوظيفية والعينية لضباط القوات المسلحة التي زادت في العدد وتوسعت في التسليح، وكان مكمن الخطر في هذا الأمر التعدي على مبدأ تكافؤ الفرص لمن هم من «أهل الخبرة»، وتحويل المؤسسة العسكرية إلى جهاز سياسي !!

 

     وبعد موت عبد الناصرقام السادات بـ «حركة التصحيح» تخلص فيها من بعض رجال عبد الناصر، وبالبعض الأخر الذي أعلن الولاء له أدار سياسة التحول إلى «الاقتصاد الحر» و«الانفتاح»، ولم تظهر مؤسسات العهد الناصري أية قدرة على الحركة السياسية أو تحريك الجماهير، بل تخازلت وانهارت بسرعة لأن وضعها السياسي كأن مستمداً من وظيفتها الرسمية، ولم يكن يتعداه إلى مجالات الربط الحقيقية بين الدولة والمجتمع .

 

     .. كان ضباط يوليو بخلفيتهم العسكرية ينظرون إلى المؤسسة التي انطلقوا منها باعتبارها حامية الدولة المصرية، وكانت تلك المؤسسة قادرة عبر ستة عقود على التطور والتأقلم وتبديل تحالفاتها للإبقاء على هيمنتها على المجتمع والدولة وتوجية السياسة من وراء ستار عبر أربعة رؤساء للجمهورية (محمد نجيب، جمال عبد الناصر، أنور السادات، حسني مبارك) أتوا على خلفيات عسكرية وعبر تعيين ضباط متقاعدين في وظائف مدنية في الوزارات وإدارة المحافظات والهيئات المختلفة إضافة إلى تقنين هذه الأمور وشرعنتها عبر سلسلة من القوانين والمراسيم الرئاسية ومنح الحصانة لهؤلاء العسكريين أثناء عملهم المدني وبعد تقاعدهم هذا إلى جانب استخدام الإعلام  والخطاب الرسمي لأخراج الهيمنة العسكرية في صورة المساهمة في تنمية المجتمع، وعلى اعتبار أن العسكريين أقدر من غيرهم في الإدارة .

 

       .. والحقيقة أن المؤسسة العسكرية بما تتمتع به من خاصية «الضبط والربط» هى المؤسسة الوحيدة التي حافظت على تماسكها ونقائها وقدرتها على الإنجاز وإدارة الأزمات وظللت بمعزل عن الفساد الضارب في المجتمع.

 

     ..  ولتتجنب الدولة الصرعات القديمة  بين الجماعات الراديكالية ممثلة في الإخوان المسلمين والتيار الإسلامي من ناحية، والشيوعيين بتصنيفاتهم المختلفة من ناحية أخرى أن تم اعتقال كلا الفريقين، وتصفية هياكلها التنظيمية، واستئناس كوادرها في وظائف حكومية بمرتبات خيالية، وأخذت الدولة على عاتقها تلبية المطالب المعيشية للجماهير باعتبار أن المواطنين «عيال الدولة»، ويجب أن ترعاهم وتوفر لهم الرعاية الصحية والتعليم المجاني وتكافؤ الفرص في التوظف والترقي الاجتماعي في ظل سياسات الحزب الواحد (هيئة التحرير ـ الاتحاد القومي ـ الاتحاد الاشتراكي).

 

      .. ولكون المواطنين «عيال الدولة» مارست الدولة سلطة رعوية أبوية في رعاياتهم وصياغة أفكارهم وضبط سلوكهم؛ .. فسارعت بإنشاء التليفزيون وإذاعة صوت العرب ووكالة أنباء الشرق الأوسط والهيئة العامة للإستعلامات وجريدة الجمهورية ومؤسسة السينما، وأسرفت في الإنفاق على الثقافة الداعمة لنظامها بطباعة الكتب الاشتراكية، وكان شرط  التوظف هو الانضمام إلى عضوية الاتحاد الاشتراكي، وشرط الترقي في الوظائف العامة إلى المناصب القيادية هو الانضمام إلى منظمة الشباب أو التنظيم الطليعي أو التنظيم السري للثقافة، وكان شرط الترقية للوظائف العادية هو حفظ 5 فصول من الميثاق، والإجابة عن الأسئلة المطروحة في الحلقات النقاشية حول «برنامج 30 مارس».

      

       .. كانت المعطيات التي تكونت من خلالها الحكومات المتعاقبة لحركة يوليو ١٩٥٢، وحتى نهاية عصر الرئيس حسني مبارك في 11 فبراير 2011 والقنوات التي جرى في ظلها تكوين نخبها السياسية تنطوي على ضعف عنصر شرعيتها أو تلاشيه مما دفع بها لإحكام هيمنتها على المجتمع والتوسع في الممارسات الاستبعادية، والتوسع في تلفيق الاتهامات واغتيال السمعة و«المحاكمات الثورية» والعزل السياسي؛ وكان لابد من إعلام تعبوي يجيد التلاعب بوعي الجماهير لإقناعها بسياساتها بعدما فشلت حكومات يوليو المتعاقبة في إعادة الدولة للمجتمع وإدماج مكوناته فيها بإحداث تغيير مهم في الأسس التي وزعت وتوزع في إطارها حصص القوة في المجتمع من منطلق المواطنة للجميع في إطار حقوق وواجبات متساوية في النصوص وفي الممارسة .!!     

 

 الإعلام التعبوي

و«تدجين الجماهير» :

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

       

        وقام الإعلام الناصري التعبوي بإغراق الجماهير في تيار سلبي من المعلومات المغلوطة  تدور كلها حول أن الشعب ينام قرير الأعين ملء الجفون ليصحو في الصباح ليجد على وسادته سجل حافل من الانتصارات على الاستعمار وأعوانه وقوى الرجعية والرأسمالية حققها لهم الزعيم المُلهم جمال عبد الناصر، وهم نائمون دون أن يبذلوا جهد ودون أن تسال قطرة من عرق أو دماء!!

 

       وظل المواطن يتعاطى الوهم في مناخ لا يزدهر فيه إلا كل منافق، وأصبح الشعار هو الطاعة والولاء قبل العلم والكفاءة؛ فتدهورت القيم، وهبط الانتاج وارتفع صوت الغوغاء على كل شئ، وعاش عبد الناصر 18 عاما في ضجة إعلامية فارغة، ومشاريع دعائية واشتراكية خائبة، ثم أفاق على هزيمة تقسم الظهر، وعلى انهيار اقتصادي، وعلى مائة ألف قتيل تحت رمال سيناء، وعتاد عسكري تحول إلي خردة، وضاع البلد، .. وأفاق المواطن على «مرارة الهزيمة» و«مسرحية التنحي»!!

 

    3 ـ بصمـة القهـر على

«الشخصـية المصـرية» :

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

    .. عاش المصريون منذ سقوط الحضارة المصرية القديمة على أيدي الفرس في معزل عنصري (أبارتهيد Apartheid)، ولم يكن لهم شأن في إدارة شئون بلدهم أو فاعلية في بناء مجتمعاتهم أو اختيار مستقبل حياتهم أو مشاركة في قضية قومية تجمع بينهم يشحذون لها طاقتهم ويدافعون عنها أو وسيلة لتجميع خبراتهم الاجتماعية في ضوء مصالح مشروعة مشتركة .

 

    وتعاقب الغزاة على مصر طوال تاريخها ( فرس ـ الأغريق ـ رومان ـ عرب ـ شراكسة ـ أتراك ـ ألبان ـ فرنسيين ـ إنجليز) لهم السلطة والإدارة وعلى المصريين الطاعة والفلاحة !! حيث كان الفلاحون يمثلون السواد الأعظم من الشعب، وكانوا موضع احتقارالغزاة في تلك العصور، وقد قال ابن خلدون عن الفلاحة «إنها معاش المستضعفين ويختص أهلها بالمذلة»، وقتل فيهم روح الابتكار وأورثهم حالة من الانهيار الحضاري.

 

الانهيار الحضاري :

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

   

        الإنهيار الحضاري هو حالة الجفاف التي تصيب الحياة العقلية، والتوقف الفعلى للعقل التأملي الفعال الذي يطرح على مائدة البحث شتى معضلات الوجود الكوني والاجتماعي ويشحذ الاجتهاد المعرفي ويدفعة للإكتشاف وترجمة الكشوف العلمية والمعرفية في مبتكرات تفتح سلسلة منها قنوات ومسارات لتدفق الفعل الحضاري .

 

      .. وهى حالة من الموات تنذر بأن التاريخ الاجتماعي والمعرفي للأنسان يعاني حالة من الجدب التي تجعله غير قادر على التفكير والإبداع والابتكار والتجديد في شتى مناحي الحياة، وتقديم المبادرات الحضارية والارتياد المستمر للمجاهل للتحرر من من حالة الركود الحضاري، .. ولا تصبح للحياة العقلية قيمة تتعدى الإطناب والتفصيل والرطانة والطنطنة على هامش ما يملكة من معارف قديمة وإجابات معلبة ونماذج وقوالب جاهزة.

ثقافة الخوف :

ــــــــــــــــــــــــ

 

      المصري يعيش دائما أسيراً لعقدة الخوف سوء من المجهول الذي يعني الخطر (الغيب ـ النهر ـ الجبل ـ الليل) أو من الحاكم سواء كان مصرياً أو من الفرس أو اليونانيين أو الرومان أو العرب أو الأتراك أو المماليك، ولا يشعر ببعض من الراحة المؤقتة إلا إذا سقط جلاده تحت سنابك خيل خصم له، واضطر إلى الفرار، .. ولم تكن تلك الراحة تزيد ـ كما ذكر في موروثه الشعبي ـ عن كونها راحة الانتقال من خازوق إلى خازوق!!، .. وكان المصري ـ من منطلق المذلة وإيثار السلامة ـ يعشق التقرب للحاكم الأجنبي بالتنكر لمصريته، ويشارك في السخرية منها، ويلعن أهله وناسه لأنه لا يستطيع أن يحتمي بتاريخه ولا بأهله ولا بنفسه ولا ببني شعبه ولا بحضاراته السابقة، فإما أن يشارك  التنكر لها، والنكير بها وينسلخ عن ذاته التاريخية ليبدأ طريق الصعود الفردي متوحداً مع الخصم، وإما أن يلزم الصمت الذليل ليبقى حيث هو!!

 

     .. ومع زيادة الخوف من السلطان الأجنبي ورموزه شاعت ثقافة الرعب يتغذى عليها المصري منذ طفولته، وبات الخوف أكبر خصم، وأخطر عدو حل في المصريين يقوض كل محاولات النهوض، واستنهاض الهمم لبناء الأمة!!

 

الحملة الفرنسية :

ـــــــــــــــــــــــــــ

 

       جاءت الحملة الفرنسية إلى مصر؛ ففر المماليك هاربين، وبعد أفعال وتصرفات تنطوي على الدجل وخزعبلات «البيرق النبوي»، وقدرته على طرد الفرنسيين فر الدجال عمر مكرم هارباً إلى خارج البلاد، ووجد المصريون أنفسهم وحدهم أمام مصائرهم بعد أن نجح الفرنسيون في استئناس علماء الأزهر مقابل جُعل من المال في صورة رواتب؛ فكان من عملائهم ومستوظفيهم في صحفهم ونشراتهم الشيخ حسن العطار، والشيخ إسماعيل الخشاب الذي ربطته علاقة شذوذ بضابط فرنسي شاب فضحها الجبرتي في كتابه، لم يكن للأزهر أي دور في فورات الغضب في مصر المحروسة .. ولم تعرف المحروسة في ذلك الوقت تداول لفظ «ثورة» ؛ فقد كانت المناوشات يطلق عليها لفظ «هوجة» أو «فتنة»، ولم تدخل لفظة «ثورة» في مفردات الكلام في مصر في تدوال الأحاديث لتألفها الأسماع سمعاً والعقول فهماً إلا في عام 1895 تقريباً بعد عودة البعثات من أوربا، ونشاط حركة الترجمة، وكل ما يذكر عن دور الأزهر في الحركات الوطنية هو من قبيل تجاوزات المدرسة الوطنية في الكتابة والتأريخ التي تجنح دائما إلى الادعاء في إطار الترويج للفخار الوطني المزعوم والموروث؛ فالأزهر نشأ في كنف الحاكم ولم يزل قائما في ظله .. يلقى رعايته، ويبذل في مقابلها دعماً للحاكم في سوس الرعية وتبرير تجاوزاته ومفاسده؛.. فلم يثبت أن شيوخ الأزهر ثاروا أو حرضوا على الثورة إلا من أجل الجاماكية (الرواتب) أو الجراية (مقررات الخبز التي تصرف للطلبة والشيوخ.).

 

       .. ولزم الأباء الكهنة من النصاري اليعاقبة جدران كنائسهم وكان للبطريرك اليد العليا عليهم ـ ظاهريا ـ ملتزمين بالأية الإنجيلية : «أعطوا ما لله لله، وما لقيصر لقيصر»، معلنين أن أخطر ما يهدد كيان المسيحية بالإنحلال هو أن يهتم الكارزون في الكنيسة بموضوع أخر غير «خطيئة الإنسان»، وينشغلوا بالإنسان في حياته الاجتماعية مما يعد خروجا على المسيحية، ومقاومة لها، بينما أن الواقع كان بؤكد أن سلطة البطريرك قد تقلصت حتى انحسرت في أمور بسيطة لا تتعدى النفوذ الديني الضيق !!؛ وأنهم تركوا  أمر الطائفة لـ «الأراخنة» وأرخن كلمة يونانية تعني رئيس العائلة وقد أطلقت على وجهاء القبط وأعيانهم من قبل الكنيسة وقد لعب الأراخنة دوراً إيجابياً لصالح طائفتهم على حساب الدولة بحكم قربهم من الأمراء ورجال صنع القرار، وكان للأراخنة الكلمة العليا فيما يختص شئون الطائفة، وكان الدور القيادي للأرخن يحظى بشعبية بين عامة الأقباط كما كان يحظى بترحيب الكنيسة وتبريكها له، وصار الكهنة يدينون بالولاء للأراخنة أكثر من ولائهم لرؤسائهم الدينيين !!*(9).

 

       .. وبعد أن وطد نابليون أموره على البقاء في مصر كان من الطبيعي أن يستعين بالأقباط  للقيام ببعض الأعمال الحكومية البغيضة التي لا تلقى قبولاً من المسلمين والفرنسيين مثل الأمور المالية وأعمال البوليس وغيرها؛ لما اشتهروا به من تخصص في الشئون المالية وحسابات الدخل وتقدير الضرائب وجبايتها، ولما اشتهروا به من كفائة في علم الحساب، وكان منهم مساحوا الأراضي  والوزانون والصيارفة وكتبة الحسابات وهى وظائف تنطوي على مسئوليات هامة، ولم يرى الأقباط غضاضة في أداء تلك المهام من منطلق الاسترزاق وأكل العيش خاصة أنه جرى إسنداها لهم منذ الفتح العربي، وكان المماليك يعهدون إليهم بإدارة أموالهم الخاصة .

 

       ولم يكن تعاون الأقباط مع الحملة الفرنسية محض صدفة؛ فقد كان مخططاً له ..   ذكر ليبنيز في دراسة تقدير الموقف لغزو مصر بعنوان: «المخطوط السري لغزو مصر» والذي عوّل فيه على الأقباط في إنجاح المشروع!!

 

    .. ولم يكن للأقباط دور في مقاومة الحملة الفرنسية ولم تحظ الحكايات المختلقة عن بطولات الأقباط الوهمية بقبول من أحد مثل أن بعض الأقباط في ثورة القاهرة الثانية كان يمد الثوار بالمال واللوازم خاصة في منطقة بولاق أثناء حصار كليبر لأهالي بولاق؛ فشهادة الجبرتي تنفيها نفياً قاطعاً بقوله:

   «وأما أكابر القبط مثل جرجس الجوهري، وفلتيوس، وملطي فإنهم طلبوا الأمان من المتكلمين من المسلمين لكونهم انحصروا في دورهم، وفي وسطهم وخافوا على نهب دورهم إذا خرجوا فارين، فأرسلوا إليهم الأمان»؛ إذًا ما دورهم في مقاومة الاحتلال الفرنسي إلا الفزع والهلع وطلب الأمان؟!!، ثم صاروا العين الحارسة لمصالح الإحتلال !!.     

 

         .. وقد رصد علماء الحملة الفرنسية عدة أمور أهمها:

 

       * أن المصريين شعب شديد الكسل والخمول حتى أن الفرنسيين قالوا : «إنا لنظنهم بلهاء أو معتوهين؛ فحركاتهم وأحاديثهم وأبسط انفعالاتهم ومسراتهم تشي بعدم اكتراث مذهل لا يشغلهم طوال نهارهم سوى تدخين غلاينهم الطويلة والتي يطلقون عليها (شبكة الدخان) وشرب القهوة، ويستخدم الأغنياء تبغ اللاذقية الفاخر مخلوطاً بخلاصة أوعصارة الخشاش المطبوخ أما الفقراء فيقنعون بالتبغ المحلى مخلوطاً بنوع من عصارة القنب ـ الحشيش ـ للوصول إلى حالة من الخدر تنسيهم ألامهم ومضايقاتهم .. ويباع الأفيون في مقاهي القاهرة، والأفيون هو نوع من المعجون المخلوط بالأعشاب !! حتى يخيل للبعض أنهم شعب من البلهاء يقضون طوال أيامهم في استرخاء يدخنون الغلاين الطوليه» .

 

      * أنهم شعب لا يثور بدون أيدي تحركه أو قيادة تقوده، فقد كان المحرك لثورة القاهرة الثانية بعض عناصر تابعة للمخابرات الإنجليزية وعناصر عثمانية للضغط على الفرنسيين للجلاء عن مصر !!

 

      *انعدام  المشاركة الإيجابية في الشأن العام :

 

            فقد أجرى علماء الحملة الفرنسية اختباراً بسيطا على عينات  مختلفة من سكان الحارات للوقوف على مدى «المشاركة الإيجابية» في مجتمع القاهرة بوضع حجر كبير أمام مدخل كل حارة؛ فكان المارة يعتلون الحجر وينزلون إلى الحارة أو يلتفون حوله من أحد جوانبه ويدخلون الحارة دون أن يكلف أحدهم نفسه السؤال عن سبب وضع هذا الحجر أو محاولة تنحيته عن مدخل الحارة !!

 

         وقدر رصد علماء الحملة الفرنسية في كتاب «وصف مصر» أن المصريين يتمتعون بقدرة هائلة على (الثبات الانفعالي Emotional Constancy)، والثبات الانفعالي هو قدرة الشخص على التحكم في انفعالاته والمحافظة على الهدوء والاتزان مهما كانت الضغوط المحيطة به؛ فالمصريون لا يكشفون عن ما يعتمل في نفوسهم عن طريق قسمات ملامحهم وتعبيرات وجوههم؛ فصورة الوجة ليست مرآة لأفكارهم فشكلهم الخارجي في كل ظروف حياتهم يكاد يكون هو نفسه .. إذ تغلب عليه حالة من الموات .. إذ يحتفظون في ملامحهم بنفس الحيدة وعدم التأثر سواء حين تأكلهم الهموم أو يعضهم الندم أو كانوا في نشوة من سعادة عارمة، وسواء كانت تحطمهم تقلبات غير منتظرة أو كانت تنهشهم الغيرة والأحقاد أو يغلون داخلهم من الغضب أو يتحرقون للإنتقام، وأرجع العلماء  ذلك إلى الاعتقاد في القضاء والقدر، كما تعود إلى تعرضهم دوماً لنزوات الطغاة الذين يعم ظلمهم البلاد؛ ففي كل يوم تنشأ أخطاء وبشاعات جديدة تصبح «الغفلة» معها بالنسبة للمصريين نوعاً من الحيلة لمواجهة هذا العسف ويحاولون من خلالها أن يتفادوا الخطر .. بما يجعل المصري أمام حالة من التسليم المستعذب للألم؛ فالشكاوي والصيحات أمور لا فائدة منها أمام جبروت الطغاة !!*(10)

 

 

اللورد كرومر

و«هاتولي حبيبي»:

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

       وجاء الاحتلال الانجليزي إلى مصر ليزيد ميراث أهلها من القهر والغصب والعدوان، وجاء معه اللورد كرومر، المعتمد العام البريطاني في مصر وبأسلوب المخابرات البريطانية في العمل راح كرومر يتغلل في جميع مناحي الحياة في مصر ويمارس أختراق المجتمع بشتى الوسائل والأساليب، وحدث أن كان الرجل مدعواً لإحدى حفلات الزفاف مع الزعيم سعد زغلول، وكان مطرب الحفل عبده الحامولي يتغنى بأغنية يقول مطلعها :

 

«.. حبيبي راح هاتوه لي يا ناس..»

 

     وراح المطرب يرددها كثيراً، وبدأ الملل بتسرب إلى كرومر الذي دفعه الفضول لمعرفة معنى العبارة، وطلب ترجمتها، عندها اتخذها حجة على إقامة الدليل على أن الشعب المصري شعب خامل لا يحسن التفكير أو التدبير أو القدرة على الإنجاز؛ فحتى في العشق لا يُكلف المحب نفسه مشقة البحث عن حبيبه، طالبا من الناس ان يجيئوا به إليه!!

 

      واتخذ كرومر تلك الحكاية وسيلة يتندر بها في كل محفل لوصف طبيعة الفرد العربي بصفة عامة والمصري بصفة خاصة، والتدليل على أن موروثاته الثقافية انعكست على مواقفه السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وان الشعوب العربية إتكالية، تجيد لغة النواح، حتى تستجدي عطف الآخرين ليهبوا لنجدتها من منطلق نصرة الضعيف، لا من منطلق القناعة بأن لها حقاً ملزماً، يحتم على الآخرين الوقوف معها لاستعادته.

 

     كان كرومر قد جاء إلى مصر ومعه قناعة أنه لن تنصلح أحوال المصريين إلا بهدم ثلاث : الكعبة والقرآن والأزهر!!، وقال معقباً : إن المصريين لن يفلحوا أبداً طالما هذا الكتاب (القرآن الكريم) بأيديهم !!، وقد استعمل في هذا محمد عبده صنيعة جمال الأسدبادي (الأفغاني)، وقد بدأ محمد ابن عبده الغرابلي في الطعن في الدين بقوله  :

 

    «إننا على العهد ماضون .. نقطع رأس الدين بالدين .. وأن القصص القرآني مجرد تمثيلات لأخذ العبرة والعظة، وليس له سند من حقائق وأحداث التاريخ.».

   

       .. يقول اللورد كرومر في كتابه بعنوان :«مصر الحديثة» أن مصر تحكم بثلاث كلمات تبدأ بحرف  C اللاتيني : «الكورباج Courbash، والسخرة Corvette، والفساد Corruption».

 

             يقول كرومر: أنه عندما جاء لورد دوفرين إلى مصر كان عاقداٌ العزم على ألا يحكم هذا البلد تحت أي ظرف من الظروف باستعمال الكرباج، وأصدر  منشور بذلك، وكانت النتيجة كارثية عندما لم يعد لمنظومة السخرة التي كانت مفروضة في ظل حكم الكرباج وجود، ورفض الفلاحون الذهاب إلى الأعمال بناء على طلب المديرين، ولم يعد بالوسع إجبارهم، ولم نعد قادرين على تطهير الترع وتوصيل المياه إلى الحقول، وبدأت الزراعة تنهار، ولم يعد في مقدورنا حماية شواطئ النيل في وقت الفيضانات العالية،.. وأدركنا الحقيقة التي مفادها أن الأمر قد يحتم جلد الشعب المصري لمنعه من الموت جوعاً .

 

       وعن الفساد البنيوي يقول كرومر:

 

       « لم يحدث أن كان هناك فساد في أي بلد من البلدان مثل الفساد الذي عشش في كل أنحاء مصر .. كان المصريون يقبلون الرشاوي، ويدفعونها بدءاً من الحمّار شبة العاري الذي يصيح مطالباً بالبقشيش، ومروراً بالمطالبة بقرش أو قرشين من سائح فصل الشتاء، وانتهاء بالباشا عالى المقام الذي يمكنه الحصول على عونة عن طريق دفع مبالغ كبيرة معظمها أو كلها تقريباً على سبيل الرشوة، كان المقاول يرشي الوزير كيما يحصل على عقد بشروط مناسبة له هو، تم يقوم بعد ذلك برشوة كاتب الأشغال حتى لا يتحرى الدقة ما إذا كانت نصوص العقد قد نفذت تنفيذاً دقيقاً، .. وكان المرؤوس يرشى رئيسه طلباً للترقية، وكان مالك الأرض يرشي المهندس للحصول على المزيد من الماء لأرضه وحقوله أكثر مما يستحق، وكان القضاة يرتشون من المدعي والمدعى عليه في أى قضية من القضايا، وكان القرار يصدر لصالح ذلك الذي دفع رشوة أكبر، وكان مساحو الأراضي الحكوميون يرشون لتزوير قياسات الأرض، وكان مشايخ القرى يحصلون على رشوة نظير الإعفاء من السخرة ومن الخدمة العسكرية، وكانت الشرطة تحصل على رشوة من كل سيئ الحظ الذين تحتم عليهم الاتصال بها، وكان المسافر بالسكك الحديدية يجد أنه من الأرخص أن يدفع بقشيشاً للحارس أو المحصل بدلاً من أن يدفع ثمن التذكرة، وعلى سبيل التمهيد لرشوة المدير كيما يقوم بتحري مظلمة من المظالم كان يتحتم على الشاكي رشوة الأتباع الجياع الذين يتسكعون حول مكتب المديرية قبل إبلاغ الرجل الكبير شخصياً بالشكوى المقدمة.

 

    كان واقع الأمر أن تفشي الرشوة في المنظومة الإدارية المصرية كان بلا نهاية، وكانت الحياة الاجتماعية، والحياة الرسمية المصريتان مشبعتين بالفكرة التي مفادها أن المطالب الشخصية والمصالح الشخصية المصرية أيضا، وبغض النظر عن عدالتها لا يمكن الوفاء بها بدون دفع بقشيش !!*(11)

 

          وتلك العوامل تكشف عن أسباب الرياء الذي نجده في أفراد المجتمع؛ فالمصري يلقى الهوان في طاعة الكبار وكل صاحب سلطة؛ فالمصري يحمل بين جوانحة روحاً منكسرة تشي عن نفسها في كل حركاته وإيماءاته؛ فيتذلل ويتحسس كلماته مع كل من يخشى قوتهم ونفوذهم، وعندما تتاح له فرصة الترقي الاجتماعي أو أن يدرج في مصاف الأثرياء؛ فإنه يعمل على إشعار البؤساء الذين يأتمرون بأمره بوطأة استعلائه وتحكمه !!

 

       .. التخويف أداة الغاصب لاستمرار الهيمنه،  .. والخوف والحيلة أداة المصري للسلامة؛ فابتدع المصري في سبيل بقائه حيلة تعتبر قيمة أساسية في حياته ألا وهي التوحد مع السلطة أو الخصم ظاهراً، وإضمار السخرية منه واهانته بالنكات التي كان يطلق عليها «الأضاحيك»، ولكل من المُعلن والمُضمر دوائره ومجالاته!!؛ بما يعني نمط من الحياة ذات وجهين هو الذي غرس جذر «الفهلوة» أو «الشخصية الفهلوية» في مصر !!

 

       .. وتزخر أدبيات الشعب المصري وموروثاته الشعبية بروح تجمع بين «الفهلوة» و«الأونطة» و«الخبث» و«البلوتيكا» و«العبطية» و«الاستعباط» التي لم تحقق مردواً ذا قيمة على مدى التاريخ!!

 

      أرجع د. جمال حمدان فى كتابه «شخصية مصر» سلبيات وعيوب الشخصية المصرية إلى القهر السياسى بقوله :

 

      «إن معظم سلبيات وعيوب الشخصية المصرية إنما يعود أساسا إلى القهر السياسى، الذى تعرضت له ببشاعة وشناعة طوال التاريخ، هذه ولا سواها نقطة الابتداء والانتهاء مثلما هى نقطة الاتفاق والالتقاء، السلطة.. الحكم.. النظام .. الطغيان .. الاستبداد .. الديكتاتورية .. البطش .. التعذيب .. التنكيل .. الإرهاب .. الترويع .. التخــويف .. تلك هى الآفة الأم وأم المأساة، ومن هنا يجمع الكل على أن النغمة الأساسية أو اللحن الخفى المستمر وراء الشخصية المصرية فى علاقتها بالسلطة ومفتاح هذه العلاقة التعسة هو العداء المتبادل والريبة المتبادلة، وهى الحب المفقود والبغض الموجود بلا حدود».

 

     وينتهى جمال حمدان إلى أن : «سلبية المواطن الفرد إزاء الحكم جعلت الحكومة هى كل شيء فى مصر والمواطن نفسه لا شيء، فكانت مصر دائما هى حاكمها، وهذا أصل الطغيان الفرعونى والاستبداد الشرقى المزمن حتى اليوم أكثر مما هو نتيجة له؛ فهو بفرط الاعتدال مواطن سلس ذلول، بل رعية ومطية لينة .. لا يحسن إلا الرضوخ للحكم والحاكم، ولا يجيد سوى نفاق السلطة والعبودية للقوة، وما أسهل حينئذ أن يتحول من مواطن ذلول إلى عبد ذليل»*(12).

 

 

الفصل الثالث :

ـــــــــــــــــــــــ

 

المؤامرة على لغة القرآن !!

 

         .. للغة العربية خصوصية وظرف خاص يجعل لها استثناء لا يتوافر لأية لغة من لغات العالم؛ ذلك لأنه ارتبطت بالقرآن الكريم منذ أربعة عشر قرن، ودون بها التراث العربي الضخم الذي كان محوره القرآن الكريم في كثير من مظاهره، وقد كفل الله سبجانه وتعالى له الحفظ؛ فقال عز من قائل سبحانه وتعالى :( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) صدق الله العظيم ـ آية (9) ـ سورة الحجر؛ فالله سبحانه وتعالى شرَّف اللغة العربية فأنزل بها كتابه، وقيض له من خلقه من يتلوه صباح مساء، ووعد بحفظه على تعاقب الأزمان، ولولا كل هذا لأمست العربية الفصحى لغة أثرية، ولسادت اللهجات العربية المختلفة، وازدادت على مر الزمان بعداً عن الأصل الذي انسلخت منه.

 

      وهذا هو السبب الذي يجعلنا لا نقيس العربية الفصحى بما يحدث في اللغات الحية المعاصرة؛ فإن أقصى عمر لهذه اللغات في شكلها الحاضر لا يتعدى قرنين من الزمن؛ فهى دائمة التطور والتغيير، وعُرضة للتفاعل مع اللغات المجاورة تأخذ منها وتعطي لها، ولا تجد في ذلك حرجاً؛ لأنها لم ترتبط في فترة من فترات وجودها بكتاب مقدس كما هو الحال في اللغة العربية .

 

      .. فهذه العربية الفصحى التي استمرت حية، أربعة عشر قرناً، والتي ستستمر في حياتها إلى ما شاء الله تستمد من ارتباطها بالقرآن الكريم عنصر الحياة، وهذه القضية كانت واضحة في أذهان اللغويين العرب في الماضي .. يقول أبو حاتم الرازي (المتوفي في 322 هـ ) :

 

      «ولولا ما بالناس من الحاجة إلى معرفة لغة العرب، والاستعانة بالشعر على العلم بغريب القرآن، وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصحابة والتابعين والآئمة الماضين، لبطل الشعر وانقرض ذكر الشعراء، ولعفى الدهر على آثارهم ونسى الناس أيامهم» . 

 

    يقول العلامة الإمام أبي الحسين أحمد ابن فارس ابن زكريا الرازي اللغوي، في كتابه : «الصاحبي في فقة اللغة العربية ومسائلها وسنن العرب في كلامها» أن :

 

        « إن لغة العرب توقيف ، ودليل ذلك قول الحق سبحانه وتعالى (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ) صدق الله العظيم، سورة البقرة ـ آية 31؛ فكان ابن عباس يقول:«علمه الأسماء كلها، وهى هذه التي يتعارفها الناس من دابه وأرض وسهل وجبل وحمار وأشباة ذلك من الأمم وغيرها.» .

 

وروى خصيف عن مجاهد قال : علمه اسم كل شيء .

وقال غيرهما : إنما علمه أسماء الملائكة .

وقال آخرون : علمه أسماء ذرّيته أجمعين .

 

       والذي نذهب إليه في ذلك ما ذكرناه عن ابن عباس؛ فإن قال قائل : «لو كان ذلك كما تذهب إليه لقال : (ثم عرضهن أو عرضها)، فلما قال : (عرضهم) عُلم أن ذلك لأعيان بني آدم أو الملائكة، لأن موضوع الكناية في كلام العرب يُقال لما يُعقل «عرضهم» ولما لا يعقل «عرضها أو عرضهن» ـ قيل له : «إنما قال ذلك،  والله أعلم لأنه جمع ما يعقل وما لا يعقل؛ فغلّب ما يعقل، وهي سنة من سنن العرب، أعني (باب التغليب)، وذلك كقوله جل ثناؤه : (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ ۖ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَىٰ بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَىٰ رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَىٰ أَرْبَعٍ ۚ) صدق الله العظيم، سورة النور ـ آية 45؛ فقال (منهم) تغليباً لمن يمشي على رجلين وهم بني آدم يقول العلامة الإمام أبي الحسين أحمد ابن فارس ابن زكريا الرازي اللغوي:

 

       فإن قال: افتقولون في قولنا سيف وحسام وعَضب إلى غير ذلك من أوصافه أنه توقيف حتى لا يكون شيء منه مصطلحاً عليه؟ قيل له : كذلك نقول: «والدليل على صحة ما نذهب إليه إجماع العلماء على الاحتجاج بلغة القوم فيما يختلفون فيه أو يتفقون عليه، تم احتجاجهم بأشعارهم، ولو كانت اللغة مواضعة واصطلاحاً لم يكن أولئك في الاحتجاج بهم بأولى منا في الاحتجاج لو اصطلحنا عل لغة اليوم ولا فرق .) .

        ولعل ظاناً يظن أن اللغة التي دللنا على أنها توقيف إنما جاءت جملة واحدة في زمن واحد، وليس الأمر كذا، بل وقف الله جل وعز آدم عليه السلام على ما شاء أن يعلمه إياه مما احتاج إلى علمه في زمانه، وانتشر من ذلك ما شاء، ثم علم بعد آدم عليه السلام من عرب الأنبياء صلوات الله عليهم نبياً نبياً ما شاء أن يعلمه، حتى انتهى الأمر إلى نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم؛ فآتاه الله جل وعز من ذلك ما لم يؤته أحداً من قبله، تماماً على ما أحسنه من اللغة المتقدمة. ثم قر الأمر قراره؛ فلا نعلم لغة من بعده حدثت .».*(1)

 

       بينما يرى الأمير شكيب أرسلان في كتابه بعنوان : «القول الفصل في رد العامي إلى الأصل»  أن :

 

        «العربية ليست توقيفية كما روي عن لسان ابن عباس، وكما شرحه أحمد ابن فارس في كتابه  المعروف بـ «الصاحبي»، ولا نحسب أن الآية  يجوز إطلاق مدلولها، ولا نوافق من يقول أن الله علمه أسماء جميع المخلوفات بجميع اللغات مع أفعالها وصفاتها وحروفها، فتكلم بها، ولما تفرق آدم وأولاده أتخذ كل منهم لغة من تلك اللغات ونسى ما عداها، وتكلم بالعربية فريق منهم، ثم وقف الله الأنبياء بعئذ على ما شاء أن يعلم كلاً منهم، إلى أن جاء سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؛ فوهب الله له ما لم يهب لأحد من قبل.

 

       إننا لا نستطيع أن نأخذ من هذا الكلام إلا ما يحملنا عليه الإيمان، وهو أن ما تواضع علية العرب كان فعلاً بإذن الله ومشبئته، وما من شيء يحدث إلا بإذن الله ومشيئته؛ فإذا كان التوقيف المقصود يقتصر على هذا المفهوم؛ فنحن لا نرى غباراً عليه، أما جاء من تفصيلات أخرى فإننا لا نأخذ بها، ولا نرى لها وجهاً منطقيا نرتاح إليه .».*(2)

 

 

        ..  في كتابه بعنوان : « المزهر في علوم اللغة وأنواعها» ناقش الإمام العلامة جلال الدين السيوطي جميع الأراء المتعلقة بتلك القضية تقريبا بين من يرى أن العربية وحي وإلهام وتوقيف وبين من يراها مواضعة واصطلاح!!*(3)

 

      غير أن هذا الكتاب على ضخامته (660 صفحة من الحجم الكبير) ليس للسيوطي فيه إلا الجمع والترتيب، عدا بعض الملاحظات القليلة المبعثرة في ثنايا الكتاب، وفقرات يقدم بها ألأبواب أو يختتمها، والدليل على ذلك أن السيوطي قد ضمن مقدمة كتابه مقدمة كتاب «الصاحبي» لابن فارس، وبعد أن أوردها قال: « وبمثل هذا أقول في هذا الكتاب، وذلك حين الشروع في المقصود بعون الله المعبود» .

 

           جمع الإمام السيوطي كافة الأقوال التي ترددت بين علماء المسلمين حول هذه المسألة فلخص كلام ابن فارس وكلام المفسرين الأقدمين، وألم بمقتطفات مما قال ابن جني في كتابه (الخصائص)، ورأي الإمام فخر الدين الرازي في كتابه (المحصول)، وتاج الدين الأرموي في كتابه (الحاصل)، وسراج الدين الأرموي في كتابه (التحصيل) قائلاً :

 

        «الألفاظ تدل على المعاني بذاوتها أو بوضع الله إياها، أو بوضع الناس، أو يكون البعض بوضع الله والباقي بوضع الناس، والأول مذهب عباد ابن سليمان، والثاني مذهب الشيخ أبى الحسن الأشعري، والثالث مذهب أبي هاشم، أما الرابع : فإما أن يكون الابتداء من الناس والتتمه من الله وهو مذهب قوم، أو الابتداء من الله والتتمة من الناس، وهو مذهب إسحق الإسفرئيني، والمحققون متوقفون في الكل إلا في مذهب عبادة؛ ودليل فساده أن اللفظ لو دل بالذات  لفهم كل واحد منهم كل اللغات لعدم اختلاف الدلالة الذاتية، واللزم باطل فالملزوم كذلك .

 

        الجديد فيما نقله السيوطي هو ما يسميه «إمكانية التوزيع» أي الرأى الرابع الذي يجعل بداية اللغة تقوم على دعامتين : القدرة الإلهية من ناحية، والنشاط البشري من ناحية أخرى .

 

      وقد أخرج لنا السيوطي ما يستحق أن نتوقف عنده؛ فقد قال ابن عساكر عن ابن عباس : أن آدم عليه السلام كانت لغته في الجنة العربية؛ فلما عصى سلبه الله العربية؛ فتكلم بالسريانية؛ فلما تاب رد الله عليه العربية .».*(4)

 

    وقال نقلاً عن محمد ابن سلام الجُمحي في كتاب « طبقات الشعراء»: قال يونس ابن حبيب : «أول من تكلم بالعربية إسماعيل ابن ابراهيم عليهما السلام، ونسي لسان أبيه»*(5)

 

   وقال الشيرازي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن : «أول من فتق لسانه بالعربية المتينة إسماعيل عليه السلام، وهو ابن أربعة عشر سنة.» .*(6)

 

     وقد عرض فضيلة الشيخ محمد متولى الشعراوي في «خواطره الإيمانية» لمعنى الآية الكريمة : (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ) فقال :

      «إن الله سبحانه وتعالى علم آدم الأسماء بمدلولات مُسمياتها تعليم إلهام.»؛ فإذا قال الله؛ فقد صدق الله العظيم؛ فلا تعقيب، ولا معقب.

 

***

 

      بعد تعاظم المد الإسلامي في أوربا راح مسئولو الكنيسة الأوربية يحاولون احتواء الإسلام باعتباره ـ على حد زعمهم ـ يمثل أحد انحرافات المسيحية مثل الآريوسية، وراحو يستخدمون الخديعة والمداهنة تارة والعنف تارة أخرى فكانت حروب الفرنجة والهجرات الشعوبية إلى الشرق التي أعاقت تقدم وازدهار الحضارة العربية الإسلامية !!

 

     ثم كان ما تفتق عنه الذهن الكنسي المتواطئ مع بقايا النبلاء الذي صاروا صعاليك بدون أراضي حيث كان قانون التوريث يمنح الأرض للأبن الأكبر فقط دون بقية الأبناء خوفا على الأرض من التفتيت إضافة إلى مئات الألاف من الأقنان الذين وهبوا أنفسهم عبيدا في خدمة ألأراضي الموقوفة للقديسين .

       ..  تفتق ذهن بابوات الكنيسة وبتمويل من بعض النبلاء لإجهاض الثورة التي أوشكت على الاندلاع في أوربا؛ بإغراء هؤلاء الرعاع من ضحايا المجاعات والأوبئة بالطمع  في أرضي الشرق التي تفيض لبناً وعسلاً، فأرسلوا الجواسيس تحت مُسمى (الرحالة)، .. وكان الاستعمار الأوربي، وكان (التبشير) المسيحي الذي بلغت وقاحته تحت مظلة الامتيازات الأجنبية ممارسة نشاطه في صحن

 

الجامع الأزهر، فقد ذهب كبيرهم صموائيل زويمر إلى الأزهر، ووزع منشوراً بشرح بعض أيات القرآن الكريم من منطلق مسيحي في حلقة الشيخ سرور الذنكلوني الذي أنهى الدرس، وطلب من الطلاب ضبط النفس !!

 

        ثم كان الاستشراق ونشر ثقافة الكلونياليزم .. ولم يستطع الاستشراق النيل من متانة بناء الإسلام أو التشكيك في إعجاز القرآن أو فكر نبيه؛ فكانت المحاولات الكثيرة والمتعددة للمؤامرة على اللغة العربية ( لغة القرآن) .

 

        أدرك المستشرقون فشل محاولاتهم المتعددة والمتنوعة للطعن في القرآن الكريم، والإساءة إلى نبيه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؛ فزين لهم سوء عملهم محاولة اغتيال لغة القرآن لسد الدروب لفهم آياته، وتجفيف منابع اللغة العربية حتى لا يمكن الإبحار بين طلاوته وحلاوة لغته ورصانة بنائة، وما يستتبع ذلك من قطع العلاقة بين المسلمين وعقائدهم وتاريخهم وحضارتهم؛  فقد عرف الكهنة المنصرون أنه ما دامت اللغة العربية حية تجري على ألسنة الناس تسمعها أذانهم وتفهمها عقولهم وتعقلها نفوسهم ، فإنهم لا يزالون قادرين على فهم الإسلام، ومن هنا حاول أعداء الإسلام بكل ما أوتوا من الحيل والخداع للحط من شأنها بادعاءات ساذجة سمجة؛ فلا هم متحدثون بها ولا هم سماعون لها؛ فروجوا السخافات بأن اللغة العربية سبب تخلف الشعوب العربية، وأن الإصلاح «المزعوم» يبدأ بـ :

 

      1ـ إلغاء اللغة الفصحى وحصرها في المساجد باعتبارها لغة دينية فقط.

     2 ـ إلغاء الحرف العربي والاستعاضة عنه بالحرف اللاتيني .

     3 ـ الاهتمام بدراسة اللهجات العامية، والتراث الشعبي العامي .

     4ـ التفريق بين لغة الكلام والكتابة .

 

      وقد تنبهت لتلك الكارثة وأنا بصدد الإعداد لكتابي بعنوان: «حرب المعلومات» عندما واجهتني صعوبة نقل بعض المصطلحات اللاتينية إلى اللغة العربية ..

 

       بالطبع لم يكن العيب في اللغة العربية بما لها من حيوية وقدرة على تجديد نفسها فضلاً عن مرونتها في الاشتقاق وخصوبتها في «التوليد اللغوي» إذا ما تعهدتها عقلية جادة ذات طبيعة علمية متخصصة، وخلصت نوايا الإنجاز، وهي سمات حملت إليها الكثير من صفات الإعجاز التي ميزتها عن غيرها من اللغات، وجعلت لها اليد العليا على لغات سائر البشر، وليس أدل على ذلك من دخول عشرة آلاف كلمة عربية إلى اللغة الإنجليزية وحدها.. بينما لم تدخل إلى اللغة العربية أكثر من ألف كلمة من مختلف لغات العالم .. وأيضًا كانت العربية طوال تاريخها قادرة على التحدث بطلاقة بلغة العلم، وليس أدل على ذلك من أن العلماء المصريين قد قاموا بترجمة 86 مرجعاً في الطب، والتي انتهت تجربتهم بقرار اللورد كرومر في سنة 1903 بتغيير لغة الدراسة في مدرسة الطب من العربية إلى الإنجليزية!!

 

     .. لم يكن العيب في اللغة العربية بل كمن في خمول العقل العربي في عقوده الأخيرة عندما ابتعد عن معالجة القضايا التفكيرية والعقلية والعلمية وما استتبع ذلك من فقدان المفردات المناسبة لبعض ما يتم تداوله من المصطلحات الأجنبية في الاستعمال الشائع؛ بسبب ضعف حركة التنظير اللغوي وإعداد المعاجم والاتجاه نحو إعداد اللغة للترجمة الآلية؛ ولذا أصبح من الصعب إيجاد المصطلح الملائم للغة العربية من جهة، والقارئ العربي من جهة أخرى، وقد انقطعت محاولات التنظير اللغوي بعد محاولات جادة في نهاية القرن 19 قام بها أحمد فارس الشدياق، ومنذ ذلك الحين لم نشهد سوى بعض مبادرات مغربية في مجال التنظير اللغوي وتونسية في مجال المعجمية وسورية في مجال التعريب وبعض محاولات من مهندسي تكنولوجيا المعلومات لصك مصطلحات عربية في مقابل نظيرتها اللاتينية لكاد المشهد اللغوي لدينا يخلو من أي جديد، وقد أضافت تلك المحاولات الجادة دليلاً جديدًا لما أسس له العلماء المصريون في الطب.

 

       .. وقد جعلتني تجربتي الشديدة الخصوصية في الكتابة عن «حرب المعلومات»  أبحث في المحاولات المزعومة لتجديد اللغة العربية لعلي أجد عليها هدى مستعينًا بما أتاحته لي من دراية دراستي لـ «فقة اللغات الأوربية Philology»  في كلية الآداب جامعة القاهرة؛ فوقفت على محاولة رفاعة الطهطاوي بإدخال بعض من العامية في الفصحي تحت مسمى «ضبط العامية واستخدامها في الكتابة»!!، ومحاولة قاسم أمين باستبدال الفصحي بالعامية، وتسكين أواخر الكلمات عوضا عن الإعراب واستبدال حروف الكتابة العربية بالحروف اللاتينية بزعم عدم القدرة على تطويع الحرف العربي بما يتناسب مع منظومة الطباعة وهو ما كذبته الأحداث فاليوم نشهد مئات الأبناط والفونتات التي تستخدم جماليات الخط العربي وانسيابة وتناسقه في منظومة الطباعة، ونشهد اندماج اللغة العربية الكلي في شبكة الإنترنيت، وظهور آلاف المواقع والمعاجم الإلكترونية، واعتماد التدقيق الإملائي والترجمة الآلية، من وإلى اللغة العربية، بما يؤكد بالأدلة القاطعة والبراهين الساطعة متانة وقوة موقع اللغة العربية العلمي، الذي يجعل منها لغة العصر الحديث، كما كانت لغة العصور الغابرة، بالرغم من كل الصراعات والمؤامرات.

       .. وقد تيقنت أن تلك الأفكار التي قدمت إلينا في أثواب علمية في ظاهرها بينما باطنها يتسع للكثير من الأهداف المغرضة إنما هي «حرب فكرية»  تعد امتداداً نفسيًّا وعقليًّا للحروب المسماه زوراً بـ «الصليبية» .. حرب همها ابتلاع تاريخنا والسيطرة على مقدراتنا ونهب ثرواتنا.. حرب تسوَّد فيها النفوس بظلام الأحقاد !!، .. ولا تمت تلك الأفكار للعلم بصلة وغير مبرئة من عبث الأصابع القذرة للاستعمار والاستشراق والتبشير لإحكام السيطرة على المستعمرات وتجنيد الجواسيس والاتصال بالعوام من ناحية، ومن ناحية أخرى هدم اللغة العربية، وقطع علاقة العرب بماضيهم والقرآن الكريم وسنة النبي الكريم، وتفتييت وحدتهم اللغوية، ولم تكن مزاعم تجديد اللغة العربية سوى إعادة إنتاج لما خلفته معاهد الدراسات الشرقية في أوربا (مدرسة نابولي للدرسات الشرقية ـ 1737 ، ومدرسة القناصل في فينا ـ 1754، ومدرسة باريس للغات الشرقية الحية ـ 1759 وغيرها من المدارس في المجر وروسيا وانجلترا)، والتي تم الاستعانة فيها ببعض العرب من الشوام والمصريين، وانتجت كتاب بعنوان: «أحسن النخب في معرفة لسان العرب»  تأليف محمد عياد الطنطاوي ـ طبع ليبزج 1848، وكتاب آخر بعنوان: «الرسالة التامة في كلام العامة والمناهج في أحوال الكلام الدارج» تأليف ميخائيل الصباغ ـ طبع في استرازبورج 1886.

 

      وكانت تلك الكتب النواة لما كتبه الألماني د . ولهلم سبيتا مدير دار الكتب بالقاهرة في كتاب بعنوان : «قواعد العربية العامية في مصر» الذى ظهر عام 1880، وجهود وليم ويلكوكس مهندس الري الإنجليزي، وكتاب بعنوان:«اللهجة العربية الحديثة في مصر»  لكارل فولرس مدير دار الكتب أيضا بالقاهرة ـ سنة 1890، وكتاب بعنوان :«العربية المحكية في مصر» لسلدن مور القاضي الإنجليزي ـ 1901 وكتاب بعنوان:«المقتضب في عربية مصر» من تأليف أ . باول قاضى بالمحاكم الأهلية وزميله د. سي . فلوت أستاذ اللغات الشرقية في جامعتي كمبردج وكلكتا ـ 1906 .*(7)

 

       نثر هؤلاء بذرة النبتة الخبيثة فى تربة الوطن وراح الوكلاء عنهم comprador  ممن ابتليت بهم الأمة ممن يطلق عليهم «عملاء الصفوة» ترديد تلك المزاعم، ولم يكن هؤلاء العملاء سوى بعض الصنائع الذين يدعون لهم ويرفعون من شأن علمهم ويتظاهرون في نشر سمومهم بأنهم هم المبتكرون لما ينقلونه عن سادتهم وصانعيهم، ولم يكن هؤلاء العملاء سوى أحد صنفين، الأول : يعاني كساحاً فكريًّا ويرى في العمالة مكاسب تعوضه عن عاهته، والثاني : يرى في العمالة استجابة لعداء موروث يصرخ في دمه، ويحاول إسكاته بنشر سموم الأعداء بين أهل وطنه .

 

       دون أن يتوقف هؤلاء العملاء لبرهة للتساؤل : لماذا لا يطبق محركوهم ادعاءاتهم على لغات بلادهم؛ فالفصحى والعامية موجودتان في كل اللغات الأوربية، ومع ذلك لم نشهد محاولات لإحلال العامية في مكان الفصحى؟!!، ولماذا لم تلق الدعوة إلى «لغة الاسبرنتو» أى تجاوب من المواطن الأوربي!!

 

       وتتابعت المحاولات التي تنطوي على شبهات.. ففي سنة 1913 كتب أحمد لطفي السيد عدة مقالات في مجلة «الموسوعات»  بعنوان : «مشخصات الأمة» نادى فيها بإصلاح الحروف العربية؛ كي يقرأ القارئون اللغة قراءة صحيحة من غير أن يتعلموا النحو والصرف*(8)، وهى محاولة لا تنطوي على أي فهم لطبيعة اللغة العربية وقواعدها وأساليبها وسياقاتها اللغوية وأدواتها التعبيرية.

 

 

       وفي سنة 1943 قدم عبد العزيز باشا فهمي في كتابه بعنوان : «الحروف اللاتينية لكتابة العربية» مشروعاً ساذجا ادعى أنه محاولة لإصلاح الحروف العربية باستبدالها بالحروف اللاتينية كما حدث في تركيا *(9) تلك المؤامرة على حروف اللغة التركية التي قطعت العلاقة بين المواطن التركي وتاريخه،       والقرآن واقتلاع الدين بجعل الآذان وتلاوة الصلوات في المساجد باللغة التركية بعد ترجمة القرآن إلى التركية، .. والتي قادها مجموعة السان سيمون الأتراك، وكانت رأس حربتهم السيدة لطيفة التي تم دسها على أتاتورك بطريقة مفضوحة؛ فملكته وجعلته لعبتها ولعبة من جندوها وفقاً لخطة قضت سنوات في تعلمها والتدريب عليها في دراسة متقنة للمخطط في أقبية السربون؛ فلم يكن يُعرف عن أتاتورك سابقة اهتمام باللغة؛ فالمرأة أحد أهم وسائل تجنيد العملاء، وتطويعهم لما يُوكل إليهم من مهام والرقابة على أدائهم؛ وهو ما يفسر زواج الكثير من العناصر «الناقلة للعدوى» من أجنبيات؛ فهولاء النسوة مكلفات بالعمل لصالح مخابرات بلادهن.

 

        ففي صيف سنة 1928 أعلن أتاتورك عن «البدعة» الجديدة بكتابة التركية بالحروف اللاتينية، وشرع يطوف بأنحاء البلاد حاملاً سبورة وطباشير ليشرح طريقته الجديدة، وجلس الناس في المقاهي ومع كل منهم لوح ارتوازي يعلم بعضهم بعضا بعد أن حدد أتاتورك يوماً يصبح فيه أي متخلف عن إتقان الكتابة الجديدة عرضة لعقوبات قاسية منها الطرد من الوظيفة والتجريد من الجنسية، بل والنفي من البلاد أو الاعتقال في السجون .*(10)

 

        وتبع أحمد أمين نهج عبد العزيز باشا فهمي بكتابة مقالات في مجلة الثقافة، وإلقاء محاضرة بمجمع اللغة العربية دعى فيها لذات الدعوة التي تنطوي على شبهة بعد أن وقع في حبائل المستشرقين الذين نقل عنهم، ونال على أيديهم المكانة الوظيفية بغير استحقاق، والثروة والحضور الدائم في محافل الاستشراق، وهو ما يطلق عليه : «الغواية بالمصلحة»، وتتلخص دعوة أحمد أمين في:

       « أن نبحث أن تكون لنا لغة شعبية ننقيها من «حرافيش» الكلمات ونلتزم في أواخرها الوقف من غير إعراب وتكون هي لغة المخاطبات ولغة الكتابة للجمهور، ولا تكون اللغة الفصحي إلا لغة المثقفين ثقافة عالية من طلبة الجامعة وأشباههم .».

 

      وفي مارس 1945خرج علينا سلامه موسى بكتاب بعنوان «البلاغة العصرية واللغة العربية»، وبطـريقة تشبه «وثبات الضفدعة  Leap frogging» راح ينتقل مما زعم أنه مسلمات إلى ما توهمه نتائج دون فهم أو روية أو إدراك أنه غير مؤهل للبحث، فكل مؤهلاته هو شهادة الابتدائية من إحدى المدارس التابعة لإحدى الجمعيات المسيحية، وقدرة على المجاهرة بالسوء بالدعوة إلى الاندماج في الغرب، وقطع العلاقة بالشرق، والزواج من الأوربيات لتحسين النسل، ودعوة ابنه إلي ممارسة الفجور، وفي ذات الإطار ادعى أن تأخرنا اللغوي هو سبب من أعظم الأسباب لتأخرنا الاجتماعي، وأطلق ما اسماه بـ «السيادة اللغوية»، وأنها كانت عنصر الحسم في انتصار الإنسان الأوربي المهاجر إلى أمريكا على السكان الأصليين متخطيًا السجل الإجرامي للإنسان الأوربي في القتل والإبادات الجماعية، .. ووصم اللغة العربية بـ «اللغة الخرساء»، وأنها ليست لغة «جوية» أي أنها لا تنقل لنا جو الحديث وشبهها بلغة الكهان، وكرر دعوات من سبقوه .* (11)

       

        والحقيقة أنه يمكن تفهم دوافع شخص مثل سلامة موسى يعاني حالة من عدم القدرة على التكيف مع المجتمع الذي يعيش فيه باعترافه في مقدمة كتابه بعنوان : «تربية سلامة موسى» فيقول:

 

          «إني منعزل عن المجتمع الذي أعيش فيه لا أنساق معه في عقائده وعواطفه ورؤياه ، وعندئذ تكون هذه الترجمة التبرير لموقفي من هذا المجتمع، وهو موقف الاحتجاج والمعارضة ، فأنا أكتب لأسوى حسابي مع التاريخ.»*(12).

 

     وفي السياق ذاته خرج علينا د . لويس عوض في يناير 1981 بكتابه الصادر عن الهيئة العامة المصرية للكتاب بعنوان : «فقة اللغة العربية» الذي تمت مصادرته بحكم قضائي لمحكمة جنوب القاهرة في سبتمبر من نفس العام، .. ولم يستطع د. لويس عوض أن يقيم دليلاً علميًّا على ما أورده مكتفيا بكلام مرسل منقطع الصلة بكل ما هو علمي .. خاصة أنه أقحم نفسه في مسألة شديد الحساسة عنما ذكر في ـ ص 304 ـ من الكتاب إن لفظ «الصمد» يدل على التثليث!!.. لكون كلمة «الصمد» مأخوذة من كلمة «خمتو» المصرية القديمة التى تعنى الرقم 3، وزاد من صعوبة موقف الرجل أنه تصدي بالبحث للغتين (العربية والهيروغليفية) لا يدرى عن دقائقهما الكثير مما يؤهله لإقامة علاقة البحث!!؛ وهو ما دفع بالبعض للترويج أن د. لويس عوض لم يكتب من كتاب «فقه اللغة العربية»  إلا مقدمته وأن الكتاب من تأليف القس جورج شحاته قنواتي ومجموعة باحثين من الكاتدرائية.

 

      كان د. لويس عوض ومن ورائه يحاولون إحياء فكرة قديمة في تقليد الألمان الذين اشتهروا بدراسة «أصول اللغات» بتعمقهم وسفسطهم اعتقادا منهم بأنه لن تقوم لهم قائمة إلا إذا تعلم أطفالهم متون اللغة اللاتينية، .. وكان د. لويس عوض ومن ورائه يحاولون ذلك بهدف الدعوة إلى جعل اللغة العربية لغة دينية تراثية خاصة برجال الدين، وتستخدم للعبادة وقراءة القرآن فقط .. ونسي د. عوض ومن ورائه طبيعة اللغة العربية والفارق الشاسع بينها وبين غيرها من اللغات، ونسي أيضا ما سبق أن أعلنه إمبراطور ألمانيا في هذا الشأن وفي مواجهة مسئولي التعليم بقوله:

 

        « تباً للدرس اللاتيني إنه يضايقنا ويضيع علينا وقتنا ومن الواجب ان نبحث للتعليم عن أساس غير هذا الأساس الذي عشنا عليه قرونًا؛ لأنه إنما كان يفيد في تعلم القسس والرهبان أيام العصور الوسطى مع قليل من اليونانية» .

 

       ولم تكن دوافع د. لويس عوض بعيدة عن دوافع سلامة موسى، وتنحصر تلك الدوافع في عدم القدرة على التكيف مع المجتمع، وإن كان الرجل يغلف ممارساته الطائفية بغطاء من «ادعاء الأكاديمية»، ومن الأسباب التي أوردها د. لويس عوض في مذكراته بعنوان «سنوات التكوين»  سلبيات النشأة الأولى والتي قال عنها: إن اباه كان سكيراً ومقامراً وأنه كان دائم الإساءة إلى أمه ليستولي على مصاغها ليلعب القمار، وأن أمه قليلة الحيلة، وأن أخاه يكرهه لأنه يعتقد أنه ورث عداوته، ومع ذلك فهو الذي سيرثه لكونه بدون عقب، وأن اثنين من إخوته ناقصان في قواهم العقلية منهم أخت بلهاء «عبيطة» لم تروقها الحياة مع زوجته الفرنسية التي تعشق الخمر وقطط الشوارع؛ لذا أودع شقيقته ملجأ رعاية المسنين في إحدى الكنائس .*(13)

 

      كلمات د. لويس عوض تكشف حالة التفسخ الاجتماعي والأسري الذي ترك بصماته على حياته فضلا عن متاعبه الوظيفية في الجامعة، والتي لم يقدر على البوح بها لكونه حاصلًا على الدكتوراة من جامعة برنستون أكبر مراكز التبشير في العالم*(14)، وهو ما صبغ روح العلم لديه بما هو نفعي حمل في طياته عوامل جعلته محكوما بمنطق الصراع.

 

       هكذا أصبحت ترّهات النيل من اللغة أو محاولات اغتيالها مستمرة ومستترة بالغرض والهوى تحت ما يسمي بمزاعم التحديث من غير المختصين ومن الموتورين .. فقد حاول صانعوهم من الأوربيين تحقيق ذلك بالدم والنار تارة، وإفساد الأخلاق وبتهديم النفوس تارة أخرى، وتزوير التاريخ وإنكار الماضي ومسخه وبتسميم عقول المغلوبين، وقطع العلاقة بين العرب وماضيهم حتى يجعلوهم شجرة من غير أصل فتموت ليبقوا هم حيث بلغوا .. والغريب أن الكثيرين منا قد خدعوا بهذا الهراء!!

 

***

      لا أُنكر أننا نعاني مما يطلق عليه «الفجوة الرقمية Digital Divide»  في مجال المعرفة، وهي الفجوة بين الدول القادرة على النفاذ إلى مصادر المعلومات واستخدام تطبيقاتها في إنتاج المعرفة واستغلالها في تحقيق مصادر قوة شعوبها، وبين الدول المستهلكة لها، وهو ما يهدد بوجود فجوة حادة تفصل بين العقل العربي وعقل الآخر، .. إنها أزمة الفكر والعقل في المقام الأول التي تضفي بظلالها على اللغة وليس العكس؛ مما يجعل بعض المتشائمين يرون أن الخطاب الثقافي العربي في المستقبل لن يجد وسيلة للتواصل مع الأخر، ويهدد انتقال أمتنا العربية إلى «مجتمع المعرفة» لوجود ثلاث فجوات تمثل ثلاث عوائق أمام المهتمين هم :«فجوة العقل ـ فجوة الفكر والعلم والتكنولوجيا» و«فجوة التعلم» .. وما يتبعهما من «فجوة اللغة»، وتتزايد الفجوة اللغوية مع اتساع المعلوماتية كثيفة اللغة مثل التطبيقات التعليمية Edu- Ware والتطبيقات الثقافية CultureWare، والعيب بالتأكيد ليس في اللغة لكن في الانحراف الثقافي والخمول الحضاري الذي ألمَّ بالناطقين بها؛ فاللغة العربية لم تنجُ من الاستهداف وزراعة الأخطار وفق برامج منهجية بغيضة من داخل الأمة ومن خارجها، ..  لكن هذا ليس مبرراً كافياً لنترك الحبل على الغارب لعبث الصبيان وجرم العملاء ومحاولات الهدم.

    بمعنى أننا يجب أن نشد الرحال  إلى « التنمية اللغوية» و«الاستثمار في مجال اللغة»، ومفهوم «التنمية اللغوية» كما حدده اللغويون العرب: «يعني زيادة الثروة اللفظية عن طريق التوليد اللغوي من خلال الاشتقاق والمجاز والاقتراض اللغوي، وتطوير أساليب التعبير والتواصل في العربية.» .

     أما أهدافها فهى تشمل بشكل أساسي مواكبة العربية لمتطلبات العصر الحديث وتطوير المُعجم العربي المعاصر وتحديثه، وإكمال المواد اللغوية، وقبول الجديد من الكلمة، ومعجمة العبارات الاصطلاحية، وأيضا يجب ألا نغفل أهمية تعريب العلوم وتوطين المعرفة وتطوير لغة عربية علمية تتماشى مع متطلبات العصر؛ وذلك بتحسين طرائق تعليم العربية، ولا سيما لطلبة العلوم، وإغناء العربية بالمفردات التي أفرزتها الحياة المعاصرة، وتدريس مناهج البحث العلمي من معاجم لغوية ومتخصصة وموسوعات علمية إضافة إلى ضرورة المحافظة على عالمية اللغة العربية باعتبارها إحدى اللغات الست المعتمدة في الأمم المتحدة .

     و«الاستثمار في مجال اللغة» يعني الاهتمام بالإنسان باعتباره صانع الحضارة، واتقان اللغة من أهم العوامل في صناعة الإنسان الراقي، بما يعني الحديث عن «ثورة لغوية شاملة» تنبثق من العناية بالفصحى لأن العناية بالفصحى ضرورة وليس عبثاً، فاللغة هي واسطة العقد في منظومة المثل العليا الضرورية لنجاح الحياة الاجتماعية؛  فـ «اللغة الجيدة» هى نتاج المناخ الصحي النظيف، فالأمراض الاجتماعية تنتشر وتطغى عندما تسود لغة الرعاع والدهماء في مجتمع؛ فتغلب عليهم أخلاق الأنانية، وتحقيق المصالح الخاصة بأيسر السبل واستباحة المرافق العامة دون وجه حق، ودون الاهتمام بالصالح العام؛ فيسكت عنهم الناس خوفاً من صفاقتهم، ويصير هذا السكوت إقراراً بالخلل الذي يصعب مواجهته لاحقاً، ومن أهم وسائل الاستثمار في مجال اللغة:

   1 ـ التوسع في إنشاء مدارس تعليم العربية لغير الناطقين بها .

  2 ـ الإفادة من الإنترنت في إنشاء برامج الترجمة الألية، وبرامج التدقيق اللغوي، والتوسع في نشر المعاجم على الشبكة الدولية .

   3 ـ  تشجيع حركة الترجمة من وإلى العربية .

   4 ـ عدم منح تراخيص للمحلات التجارية التي تحمل أسماء عامية أو غير عربية.

   5 ـ إلزام قنوات الإعلام، وشركات الانتاج الفني، وشركات المصنفات الفنية بمخاطبة الجماهيربلغة رصينة، وحجب المواد التي تتضمن إسفافاً وابتذالاً.

  6 ـ رفع مستوى لغة الخطاب اليومي الشفاهي، وتقريبه من مستوى لغة الخطاب البياني الكتابي .

 

لفصل الرابع :

ــــــــــــــــــــــــ

 

الأدب الراقي في «شكاوى الفلاح الفصيح»

 

       بين يدينا وثيقتان عن الفلاح المصري .. الأولى تعود إلى زمن الفراعنة في القرن الثالث والعشرين قبل ميلاد السيد المسيح عليه السلام، وبطلها الفلاح المصري أو ساكن الحقول «خنوم أنوب»*(1)،  وتحمل عنوان : «شكاوى المصري الفصيح»، والثانية تعود إلى القرن السابع عشر الميلادي وبطلها الفلاح المصري أبو شادوف ابن لقاق بن بحلق ابن عفلق ابن عفر ابن دعموم ابن فنحس ابن خرا الحس، وقيل  أبو شادوف ابن أبو جاروف ابن بردع بن زوبع ابن بحلق ابن عفلق ابن بهدل ابن عوكل ابن عمره ابن كُل خرا، ويُقال أنه ولد في كفر شمرطاطي وتربى في تل فندروك، وتحمل عنوان:«هز القحوف في شرح قصيد أبو شادوف».

 

       الفارق الزمني بين الوثيقتين أربعون قرن تقريبا تعكس حالة الفلاح الفرعوني الذي نشأ على شاطئ النيل مسكوناً بقيم الإيمان والحق والعدل والخير، لا يخشى الحاكم الذي ارتبط معه بـ «عقد اجتماعي» كلاهما طرفاه، ومع ذلك لا يتجاوز في الخطاب معه؛ فيتحدث بأدب جم ولغة شديدة الرقي والتهذيب، وقوة لا يحيد عنها مذكراً الحاكم بمسؤوليته الأخلاقية، ويربط مصيره في الحياة الأخرى بقيامه بواجبه في تحقيق العدل تجاه الناس في الحياة الدنيا حتى يستطيع أن  يشق بقاربه بحور العدل إلى هناك حيث إله الشمش خالق العدالة دون أن ينخرق قاع قاربه أو ينكسر مجدافه أو يتمزق صاريه .. حيث يُوضع الميزان .

 

      كان الفلاح القديم يتحدث من منطلقات أخلاقية أهمها ما نطلق عليه اليوم «العدالة الاجتماعية»، و«حرية التعبير» التي يشجعها الحاكم، ويعتبرها عينه على أحوال الرعية، وأهم أدواته الرقابية للقضاء على الفساد .

 

     أعتبر البعض شكاوى الفلاح الفصيح حقيقة تاريخية لواقعة حدثت بالفعل في مجرى الزمن، واعتبرها البعض نصاً أدبياً أبدعه كاتب، .. لكن أيا كان الأمر فقد قدمت لنا صورة حقيقية لما يحدث عندما يمتلك المواطن زمام أمره في وطنه؛ فيصنع قراره، ويعمل بجد ليصنع حضارة، ويصوغ فكراً ويشارك في إنتاج ثقافة تلبي احتياجاته من الفهم والتنمية والارتقاء بسبل العيش، وصنع واقع ملائم لاحتياجانه .

 

     على عكس وثيقة «هز القحوف» التي لا يزيد فيها المواطن عن كونه فأر من «فئران الحقل» يختبئ في شقوق الطين والروث والأوحال، ويمارس شتى أنواع الرذائل والموبقات والنقائص بعد أن فقد كرامته، وأضاع حريته، ولم يعد مشاركاً في أمر، ويعيش أسير المذلة، يتكلم لغة ممسوخة، وخاوية من الفكر، وتخلو من الذوق، مراعة الأدب الاجتماعي.

 

        سنعرض لكلتي الوثيقتين في فصلين متتابعين من هذا الكتاب؛ لنقف على أهمية البيئة الجيدة والمناخ الصحي والعلاقات المتسقة القائمة على «توازن الحقوق» في صنع السياقات الاجتماعية الراقية في حياة الناس، ودورها في اكتساب «اللغة الجيدة» واستخدامها.

أولا : شكاوى «الفلاح الفصيح»:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

       

         ترجع حوادث هذه القصة إلى عهد الملك «خيتي» أحد ملوك هيراكليوبوليس ـ أهناس المدينة ـ في نهاية الألف الثالثة قبل الميلاد، والاسم الذي أطلقه عليه العلماء تجوزًا «الفلاح» حقيقته في اللغة المصرية «ساكن الحقل»، أي بطل هذه القصة أحد سكان «حقل الملح» وهو «وادي النطرون» الآن، وقد أطلق عليه في العهد المسيحي «صحراء النطرون»، وكان هذا الفلاح يسكن في مجاهل هذه البقعة، وكان يسافر من حين لآخَر إلى مصر ليبيع محصول أرضه محمَّلًا على حمير له، ولما وصل في مرة إلى مصر اعترضه أحد الموظفين المسمَّى «تحوت نخت» واغتصب منه حميره، وما عليها بحيلة دنيئة، فذهب الفلاح على إثر ذلك إلى عاصمة المقاطعة ليشكو أمره إلى «رنزي» رئيس «تحوت نخت» المغتصِب؛ فجمع «رنزي» مجلس الأشراف ليفصل في هذه القضية، غير أن أعضائه لم يعلنوا حكمهم لأسباب لم تُذكَر في القصة، فصاغ الفلاح شكايته لرنزي في أسلوب فصيح بهره وأعجب به، فرأى أن الأمر جدير بأن يُعرَض على جلالة مولاه الملك؛ نظرًا لذلك الأسلوب الأخَّاذ، وتلك البلاغة النادرة التي لم يعهد لها مثيلًا من قبلُ، ولقد أمره جلالة الملك ألَّا يبتَّ في أمر ذلك الفلاح الفصيح حتى يكرِّر الشكوى؛ فيكون ذلك مصدرَ خطبٍ بليغة أخرى يغتني بها الأدب، ويكتسب مادة وإمتاعًا، وهذا ما كان؛ إذ ألقى الفلاح تسع خطب رائعة في موضوع هذه الشكوى.

 

دراسة القصة :

ـــــــــــــــــــــ

 

      ترجع هذه القصة إلى العهد الأهناسي، وهو عهد سادت فيه الفوضى، وعم الاضطهاد؛ فالقصة مظهر لما يحتدم في نفوس الناس، ولما يشكون منه في ذلك العهد، وهي من أبلغ وأروع ما كُتِب في الأدب المصري القديم، حتى إنها كانت تُعَدُّ نموذجًا يحتذى ويقتبس منه عهد الدولة الحديثة.

     

    والقصة تتكون من مرحلتين أساسيتين:

 

   الأولى : مقدمة قصصية، والثانية خطب تسع، فأما المقدمة القصصية فإن طريقة عرضها أبدع ما رأيناه في الأدب المصري، وهي جديرة من حيث تعبيرها عن العواطف الإنسانية بأن تُوضَع جنبًا لجنب مع أية قطعة من هذا النوع وردت في التوراة، وقد قال الأستاذ برستد عن هذه المرحلة من القصة في كتابه «فجر الضمير» ما يأتي:

 

  «وهذا المشهد يُعَدُّ من أقدم الأمثلة التي تدل على المهارة الشرقية في تصوير المبادئ المعنوية في شكل مواقف ملموسة، وهي التي صُوِّرت بشكل مدهش بعد ذلك في أقوال المسيح عليه السلام.»

 

      وأما المرحلة الثانية : فتلك الخطب التسع التي أَشْهَرَ بها ذلك الفلاحُ الحربَ على ما كان يرتكبه الموظفون من الفوضى والظلم والعبث بصغار الفلاحين، فكان بخطبه من حَمَلَة الأقلام الذين طلبوا العدالة الاجتماعية، وكانت خطبه تَلقَى رواجًا لإمتاعها، ولأنها موجَّهة إلى أغنياء هذا العصر الذين اختصوا أنفسهم دون الفقراء بالثروة والمتاع، وبالرغم من بعض الغموض الذي يبدو في أسلوبها، لجهلنا باللغة المصرية ونواحي بلاغتها، ولما احتوته من استعارات قوية وتشبيهات غريبة؛ فإنها تُعتبَر أدبًا من الطراز الرفيع في عصرها وفي العصور التي تلته، ومما أكسبها ذيوعًا وانتشارًا ما تضمنته في طيَّاتها من تهكُّم لاذع يميل إليه المصريون القدماء بسليقتهم، ولو أنه كان يهدف إلى غرض خلقي سامٍ، ولا ريب أن القصة ترسم صورةً حيةً ناطقةً لميل الموظفين عن جادة العدل والحق، إذا لم يكن عليهم ملك رشيد عادل يخافون سطوته، ومن الظواهر الغريبة فيها أنها لأول مرة في تاريخ أدب العالم تشبِّه العدالة بالميزان، وتتخذ من أجزاء الميزان استعاراتٍ وأوصافًا لنواحي العدالة، ونجد هذا التشبيه الآن سائدًا كل لغات العالم، وقد ظهر بصورة واضحة في القرآن الكريم.

 

متن القصة :

ــــــــــــــــــ

 

       كان رجل اسمه «خنوم أنوب»، وهو فلاح من حقل الملح، وكان له زوجة اسمها «ماري»؛ فقال هذا الفلاح لزوجته :«انظري، إني ذاهب إلى مصر لأحضر منها طعامًا لأطفالي، فاذهبي الآن وكيلي لي القمح الذي في الجرين، وهو ما بقي من الحصاد الماضي.» ثم كالها ستة مكاييل من القمح.

 

      ثم قال هذا الفلاح لزوجته: «انظري، لقد بقي عشرون مكيالًا من القمح لتكون طعامًا لك ولأطفالك، وعليك أن تصنعي لي ستة مكاييل القمح هذه خبزًا وجعة للأيام التي سأكون فيها على سفر.»

        وعلى ذلك ذهب هذا الفلاح إلى مصر، بعد أن حمَّل حميره بالسمار ونبات «رمت» والنطرون والملح، وعصي من …(؟) و «تيو» و«قضبان» «تحو» وجلود الفهد، وفرو الذئاب، والخيزران والحصى، ونبات «تنم»، ونبات «خبرور» و«ساهوت» و«ساسكوت»، ونباتات «ميسوت»، وأحجار «سنوت»، وأحجار «عباو»، ونباتات «ابسا»، ونباتات «أنبي»، ويمام وطيور «نعرو»، وطيور «وجس»، ونباتات «وبن»، ونباتات «تبسو» و«جنجنت»، وشعر الأرض، و«أنست»، ومكيال وافٍ من كل محصولات «حقل الملح»، وسافَرَ هذا الفلاح نحو الجنوب تجاه «ننسو»، ووصل إلى جوار «برفيوفي» في شمالي «مدينت»، وهناك رأى رجلًا واقفًا على شاطئ النهر يُدعَى «تحوت نخت»، وهو ابن رجل يُدعَى «أسرى»، وهو من مستخدمي المدير العظيم للبيت المسمَّى «رنزي» بن «مرو».

 

        وقال «تحوت نخت» هذا حينما رأى حمير هذا الفلاح، وقد مال قلبه إليها: «ليت لديَّ وثنًا قويًّا؛ حتى أتمكن من سرقة متاع هذا الفلاح!»، واتَّفَقَ أن بيت «تحوت نخت» هذا كان على ممر بجانب النهر، وقد كان ضيقًا وليس بالعريض؛ إذ كان عرضه يعادل قطعة النسيج التي تستر الجسم، وكان أحد جوانب هذا الممر مغمورًا بالماء، والثاني مغطًّى بالقمح.

 

    قال «تحوت نخت» هذا لخادمه: «اذهب واحضر لي قطعة نسيج من داري.»؛ فأُحضِرت إليه في الحال، فمدها على الممر بطريقة جعلت هدبها على الماء، وطرفها على سيقان القمح، ثم سار هذا الفلاح على الطريق العام.

 

     فقال «تحوت نخت» هذا: «احترس أيها الفلاح، أتريد أن تطأ ملابسي؟»

 

    فقال هذا الفلاح: «سأفعل ما تريد، إن طريقي طريق جيد.»، وعندئذٍ سار إلى الأمام.

 

      فقال «تحوت نخت» هذا: «أتريد أن تجعل قمحي ممرًّا؟»

 

      فقال هذا الفلاح: «إن طريقي جيد، إن الجسر عالٍ وطريقنا الوحيد تحت القمح، ومع ذلك فإنك تجعل ملابسك عقبة في طريقنا، أفلا تريد أن تجعلنا نمر على الطريق؟»

 

     عندئذٍ ملأ أحد الحمير فمه بحزمة من القمح، فقال «تحوت نخت» هذا: «انظر سآخذ حمارك أيها الفلاح؛ لأنه يأكل قمحي، انظر إنه سيشتغل بسبب جرمه.».

 

        فقال هذا الفلاح: «إن طريقي حسن، ولم تُؤخَذ إلا قبضة واحدة من القمح، لقد أحضرت حماري لأنه حمول، وأنت تغتصبه لأنه ملأ فمه بحزمة من القمح! بلى، ولكني أعرف رب هذه الضيعة، فهي ملك المدير العام للبيت «رنزي» بن «مرو»، وهو الذي يكبح جماح كل لص في كل البلاد قاطبة، وهل أُسرَق في «نفس» ضيعته؟»

 

      وقال «تحوت نخت» هذا: «هل هذا هو المثل الذي على ألسنة الناس، إن اسم الرجل الفقير لا ينطق به إلا إكرامًا لسيده؟ إنني أنا الذي أتكلم إليك، وليس المدير العظيم للبيت الذي أتى على ذاكرتك!»

 

       ثم أخذ غصنًا من الأثل الأخضر، وأوجعه به ضربًا في كل جسمه، وقبض على حميره وساقها إلى ضيعته.

 

      وعندئذٍ أخذ هذا الفلاح يبكي بكاءً مرًّا من الألم الذي لحقه، وقال «تحوت نخت» هذا: «لا ترفع صوتك أيها الفلاح .. إن مصيرك سيكون مسكن «رب الصمت»

 

        فقال هذا الفلاح: «إنك تضربني وتسرق متاعي، وبعد ذلك تغتصب الشكاية من فمي! أنت يا «رب الصمت» أَعِدْ إليَّ ماشيتي؛ حتى أسكت عن الصياح الذي يزعجك!»

      وقد مكث هذا الفلاح عشرة أيام يتضرع إلى «تحوت نخت» هذا، غير أنه لم يلتفت لشكايته، وعلى ذلك سافَرَ هذا الفلاح إلى «ننسو» ليرفع ظلامته إلى المدير العظيم للبيت «رنزي» بن «مرو»، وقد وجده وهو خارج من بيته لينزل في قاربه الخاص بقاعة العدل (أي القارب الرسمي الخاص بالمحكمة).

 

     فقال هذا الفلاح: «هل تسمح لي بأن أسر قلبك بهذه القصة؟ هل من الممكن أن يحضر معي خادم حسب اختيارك حتى يحمل إليك أخبارًا مني خاصة بها.».

 

      وعلى هذا أمر المدير العظيم للبيت «رنزي» بن «مرو» خادمًا قد اختاره ليذهب أمامه، ليحمل إليه أخبارًا من هذا الفلاح خاصة بهذا الموضوع من كل وجوهه.

 

     وعندئذٍ عمل «رنزي» بن «مرو» المدير العظيم للبيت تحقيقًا ضد «تحوت نخت» أمام الحكَّام الذين كانوا معه.

 

     فقالوا له: «يجوز أنه أحد فلاحيه قد أتى إلى واحد آخَر خلافه، انظر تلك هي الطريقة التي كانوا يتَّبِعونها مع فلاحيهم عندما يذهبون إلى آخَرين خلافهم، وهل هذه قضية حتى يُعاقَب الإنسان «تحوت نخت» هذا بسبب مقدار تافه من النطرون، ومقدار ضئيل من الملح؟ مُرْهُ أن يُعطَى بدلًا منها، وعلى ذلك يمكنه أن يُعطَى بدلًا منها.»

 

   غير أن المدير العظيم للبيت «رنزي» بن «مرو» لزم السكينة، ولم يُجِبْ هؤلاء الحكَّام ولا هذا الفلاح أيضًا.

 

الشكوى الأولى :

ــــــــــــــــــــــــــ

 

   عندئذٍ أتى هذا الفلاح ليقدِّم مظلمته إلى المدير العظيم للبيت «رنزي» بن «مرو»، فقال: يا مدير البيت العظيم، يا سيدي، يا أعظم العظماء، يا حاكمًا على ما قد فني وما لم يفن! وإذا ذهبت إلى بحر العدل وسحت عليه في نسيم رخاء، فإن الهواء لن يمزِّق قِلْعك، وقاربك لن يتباطأ، ولن يحدث لصاريك أي ضرر، ومرساك لن تُكسَر، ولن يغوص قاربك  حينما ترسو على الأرض، ولن يحملك التيار بعيدًا، ولن تذوق أضرار النهر، ولن ترى وجهًا مُرتاعًا، والسمك القفاز سيأتي إليك، وستصل «يدك» إلى أسمن طائر، وذلك لأنك أب لليتيم، وزوج للأرملة، وأخ لتلك التي قد نُبذت، ومئزر لذلك الذي لا أم له،  دعني أجعل اسمك في هذه الأرض يتفق مع كل قانون عادل، فتكون حاكمًا خِلْوًا من الشره، وشريفًا بعيدًا عن الدنايا، ومهلكًا للكذب، ومشجعًا للعدل، ورجلًا يلبي نداء المستغيث. إني أتكلم، فهل لك أن تسمع؟ أقم العدل أنت يأيها الممدوح الذي يمدح بهؤلاء الذين يُمدَحون، اقضِ على فقري، إني مثقل بالحمل، جربني، إني في حيرة.

 

مقدمة الشكوى الثانية :

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

      وقد اتفق أن الفلاح قد ألقى هذه الخطبة في عهد الملك المرحوم «نبكاو رع».

 

     وقد ذهب المدير العظيم للبيت «رنزي» بن «مرو» أمام جلالته، وقال: «سيدي لقد عثرت على أحد هؤلاء الفلاحين، وفي الحق إنه فصيح، وهو رجل قد سُرِق متاعه..  إنه قد حضر ليتظَلَّم لي من أجل ذلك.»

 

     عندئذٍ قال جلالته: «بقدر ما تحب أن تراني في صحة دَعْه يمكث هنا دون أن تجيب عن أي شيء قد يقوله، ولأجل أن تجعله يستمر في الكلام الزم الصمت، ثم مُرْ بأن يُؤتَى لنا بذلك مكتوبًا حتى نسمعه، ولكن مُدَّ زوجه وأطفاله بالمئونة، لا يأتي أحد الفلاحين إلى مصر إلا بسبب فقر بيته، وزيادة على ذلك مُدَّ هذا الفلاح نفسه، فلا بد أن تأمر بإعطائه الطعام دون أن يعلم أنك أنت الذي أعطيته إياه.».

 

     وعلى ذلك أُعطي الفلاح عشرة أرغفة وإبريقين من الجعة كل يوم، وقد تعوَّدَ رب البيت العظيم «رنزي» بن «مرو» أن يعطي ذلك أحد أصدقائه، وكان هذا الصديق يعطيها للفلاح ثم إن المدير العظيم للبيت «رنزي» بن «مرو» أرسل إلى شيخ بلدة «سخت حموت» ليصنع الطعام لزوج ذلك الفلاح، ومقداره ثلاثة مكاييل من القمح (؟) كل يوم.

 

الشكوى الثانية :

ــــــــــــــــــــــــــ

 

       ثم إن هذا الفلاح أتى ليتظلَّم له مرةً ثانيةً، وقال: «يا أيها المدير العظيم للبيت، يا سيدي، يا أعظم العظماء، يا أغنى الأغنياء، يا مَن عظماؤه لهم واحد أعظم منهم، يا مَن أغنياؤه لهم واحد أغنى منهم، أنت يا سكان السماء، ومثقال ميزان الأرض، ويا خيط الميزان الذي يحمل الثقل، يأيها السكان لا تنحرف، ويا مثقال الميزان لا تمل، ويا خيط الميزان لا تتذبذب ملتويًّا: إن السيد العظيم يأخذ «فقط» مما ليس له سيد، وينهب واحدًا فقط (أي نفسه)، إن ما يحفظ أودك في بيتك : قدح من الجعة وثلاثة أرغفة، وما الذي يمكن أن تصرفه لإطعام عملائك؟ على أن الإنسان سيموت مع خدمه، وهل ستكون رجلًا مخلدًا؟

       أليس من الخطأ: ميزان يميل، وثقالة تنحرف، ورجل مستقيم يصير معوجًّا؟ تأمل، إن العدل يفلت (؟) من تحتك، وذلك لأنه أقصي من مكانه، فالحكام يشاغبون، وقاعدة الكلام تنحاز إلى جانب، والقضاة يتخاطفون ما اغتصبه (أي «رنزي»)، ومعنى ذلك أن مَن يقلب الكلام من موضع الصواب، يحرِّفه عن معناه (؟)؛ وبذلك يخور مانح النفس على الأرض، وذلك الذي يأخذ راحته يجعل الناس يلهثون، والمحكم يصير مُتلِفًا، ومبيد الحاجات يأمر بصنعها، والبلدة تكون فيضان نفسها، والمنصف يخلق المشاغبة.».

 

       ثم قال المدير العظيم للبيت «رنزي» بن «مرو»: «هل تعتقد في قلبك أن ممتلكاتك أمر أهم من أن يقصيك خادمي؟»

 

     وقال هذا الفلاح: «إن كيَّال أكوام الغلال يعمل لمصلحة نفسه، وذلك الذي يجب عليه أن يقدِّم حسابه تامًّا لآخر يسرق متاعه، وذلك الذي يجب عليه أن يحكم بمقتضى القانون يأمر بالسرقة، فمَن ذا الذي يكبح الباطل إذن؟! وذلك الذي يجب عليه أن يقضي على الفقر (؟) يعمل على العكس، ويسير الإنسان إلى الأمام في الطريق المستقيم في منحنيات، وآخَر ينال الشهرة بالضرر، فهل تجد لنفسك هنا أي شيء (؟)؟»

 

     «إن الإنصاف قصير، ولكن الضرر يمكث طويلًا، والعمل الطيب يعود ثانية إلى مكانه بالأمس، والواقع أن الحكمة تقول: «عامِلَ الناسَ بما تحب أن تُعامَل به.»، وذلك كشكر إنسان على ما يعمله، وكمنع شيء قبل تشكيله، مع أن الأمر بصنعه قد أعطي للصانع، (يتمنى الشر للأمير) ليت لحظة تخرب، فتجعل كرمك رأسًا على عقب، وتفتك بطيورك، وتودي بدواجنك المائية، فالمبصر قد غشي بصره، والمستمع قد صُمَّ، والحاكم أصبح متمردًا …

 

      تأمل إنك قوي وشديد البأس، وإنك نشيط الساعد وقلبك مفترس، وقد تَخَطَّتْكَ الرحمة، ما أعظم حزن الرجل الفقير الذي قد قضيت عليه، ومثلك كرسول من عند الإله التمساح، بل إنك تفوق «ربة الوباء»؛ فإذا كنتَ لا تملك شيئًا فهي لا تملك شيئًا أيضًا، وإذا كانت لا تدين بشيء فكذلك أنت لا تدين بشيء، وإذا كنت لا تفعلها فهي لا تفعلها أيضًا، وذلك الذي يملك خبزًا (؟) يجب أن يكون رحيمًا، ولكن المجرم قد يكون (؟) قاسيًا فظًّا، على أن السرقات أمر طبيعي لمَن لا متاع له، وكذلك خطف المجرمين لأمتعة الغير.

 

     حقًّا إنه عمل مشين، إلا أنه لا مندوحة عنه (؟)، ويجب على الإنسان ألَّا يصوب اللوم إليه؛ لأنه يبحث لنفسه، على أنك قد امتلأت بخبزك وسكرت بجعتك، وإنك غني … إن وجه مدير السكان متجه إلى الأمام، ومع ذلك (؟) فإن القارب يتجه كما يشاء، فالملك في داخل قصره، والدفة في يدك، ومع ذلك فإن المشاغبات منتشرة بجوارك! إن «عمل» الشاكي طويل، والفصل فيه يسير ببطء، وسيتساءل الناس عن هذا الرجل الذي هناك، كُنْ حاميًا حتى يصير شاطئك واضحًا، وتأمل إن مسكنك قد أصبح موبوءًا (؟) إجعل لسانك يتجه إلى الحق، ولا تضل، وإن لسان (؟) الرجل قد يكون سبب تلفه.

 

     لا تنطق كذبًا، واحترس من الحكام … إن قول الكذب عشبهم، وعلى ذلك (؟) من المحتمل أن يكون خفيفًا على قلوبهم، وأنت يا أكثر الناس تعلُّمًا، هلا تريد أن تعرف شيئًا عن أحوالي؟ وأنت يا مَن تقضي على كل حاجة (؟) للماء؛ فإني أملك مجرى ماء من غير سفينة، وأنت يا مرشد كل غارق إلى البر، نجِّ مَن غرقت سفينته، نجني …»

 

الشكوى الثالثة:

ـــــــــــــــــــــــــ

 

     ثم حضر هذا الفلاح مرة ثالثة ليشكو، فقال: «يأيها المدير العظيم للبيت، يا سيدي، إنك «رع» رب السماء، في صحبة حاشيتك، إن قوام بني الإنسان منك لأنك كالفيضان، وأنت «حعبي» (إله النيل) الذي يجعل المراعي خضراء، ويمد الأراضي القاحلة، اكبَحْ جماح السارق، دافِعْ عن الفقير، ولا تكونن فيضانًا ضد الشاكي، واحذر من قرب الآخِرة، ارغب في أن تعيش طويلًا على حسب المثل: «إن إقامة العدل هو نفس الأنف» وقع العقاب على مَن يستحق العقاب، ولن يكون هناك شيء يماثل استقامتك.. هل الميزان يتحول؟، وهل يميل لسانه إلى جهة؟ وهل يُظهِر «تحوت» تساهلًا؟

 

       فإذا كان الأمر كذلك فيمكنك أن تعمل ضررًا، واجعل نفسك معادلًا لهذه الثلاثة (يشير إلى الميزان واللسان و«تحوت»)؛ فإذا أظهرت الثلاثة لِينًا فكن ليِّنًا، ولا تُجِبْ على الخير بالشر، ولا تضعن شيئًا مكان آخَر، ما أكثر نمو الكلام من عشب خبيث! وأكثر مما يتفق مع من يشمه! أفلا تجيبن عليه، وعلى ذلك يروى الشقاق حتى يسبب نمو (؟) غطاء.

 

      وقد كان (؟) لديه ثلاث فرص (؟)، تحمله على أن يعمل (؟)، قُدِ الدفة على حسب القِلْع، وصدَّ (؟) الفضيان بعيدًا على حسب (؟) ما يقتضيه العدل، واحترس من أن تصطدم على الشاطئ (؟) مع حبل السكان (؟)، وإن أصدق وزن للبلاد هو إقامة العدل، ولا تكذبن وأنت عظيم، ولا تكونن خفيفًا وأنت رزين، ولا تقولن كذبًا فإنك الميزان، ولا تنكمش فإنك الاستقامة، إنك على مستوى واحد مع الميزان، فإذا انحرف انحرفت أيضًا، ولا تحيدن، بل أَدِر السكان، واقبض على حبل الدفة، ولا تغتصبن، بل اعمل ضد المغتصب، وذلك العظيم ليس عظيمًا ما دام جشعًا.. إن لسانك هو ثقالة الميزان، وقلبك هو ما يُوزَن به، وشفتاك هما ذراعاه، فإذا سترت وجهك أمام الشرس فمَن ذا الذي يكبح الشر؟

      تأمَّلْ، إنك غسال يشقى، وشخص جشع لإتلاف صاحبه، وهاجر شريكه من أجل عميله، وإنه لأخ له الذي قد أتى ونفَّذَ «حيلته».

 

      تأمل، إنك نوتي تعبر بمَن معه الأجر، ورجل مستقيم في معاملته، ولكن تلك الاستقامة مذبذبة.

 

    تأمل، إنك رئيس مخابز لا يسمح لأحد خلو (؟) (مفلس) أن يمر وهو مدين.

 

     تأمل، إنك صقر لعامة القوم يعيش على أحقر الطيور.

 

     تأمل، إنك مُورِّد سروره الذبح؛ إذ لا «يوقع» عليه تشويه.

 

   تأمل، إنك راعٍ، لا … وليس عليك أن تدفع؛ ولذلك يجب عليك أن تظهر الشراهة أقل من تمساح جشع؛ إذ إن الأمان قد انتزع من كل مساكن البلاد قاطبة.

 

    نت أيها السامع، إنك لا تصغي ولماذا لا تصغي؟ واليوم قد كبحت جماح المتوحش، والتمساح يتقهقر، وما الفائدة التي تعود عليك، إذا وجد سر الصدق، وظهر الكذب قد وضع على الأرض (؟)، ولكن لا تتجهز  للغد قبل أن يأتي؛ لأنه لا إنسان يعلم المتاعب التي ستكون فيه.».

 

     وقد تكلَّمَ هذا الفلاح هذا الكلام إلى المدير العظيم للبيت «رنزي» بن «مرو» عند مدخل قاعة المحاكمة ثم أمر حاجبين أن يتعهداه بسياط، وقد أسخناه ضربًا بها في كل أجزاء جسمه.

 

     عندئذٍ قال هذا الفلاح: «إن ابن «مرو» لا يزال متنكبًا في غيه، وإن حواسه قد عميت عما ينظر، وصُمَّتْ عما يسمع، وانحرفت عما يُتلَى عليه، إن مَثَلك كمَثَل بلد لا عميد له، أو جماعة لا رئيس لها، أو كسفينة لا ربان لها، أو كعصابة أشقياء لا مرشد لها.

 

     أنظر، إنك حاكم يسرق، وعميد قرية يقبل «الرشوة»، ومفتش صقع كان يجب عليه أن يقطع دابر التخريب، ولكنه أصبح مثالًا للمجرم.»

 

الشكوى الرابعة :

ــــــــــــــــــــــــ

 

        وبعد ذلك أتى هذا الفلاح ليشكو له للمرة الرابعة، ووجده خارجًا من معبد «أرسافيس»، فقال له: «أنت أيها الممدوح، ليت «أرسافيس» الذي تخرج من معبده يمدحك، لقد قضى على الخير، وليس له التئام، وحقًّا قد ألقي الكذب على الأرض ظهريًّا، هل أحضر قارب التعدية إلى البر؟ فبماذا إذن يمكن الإنسان أن يعبر؟ على أن هذا العمل لا بد أن ينفذ كرهًا على أية حال (أي التعدية) (؟) وهل عبور النهر بالنعال طريقة حسنة للعبور؟ لا، وقل لي: مَن ذا الذي ينام «الآن» حتى مطلع الفجر؟ لقد قضى عليَّ السير ليلًا، والسياحة نهارًا، والسماح للإنسان أن يتعهد قضيته الحقة، إنه لا فائدة لمَن يقول لك: «إن الرحمة قد تخطتك، فما أعظم حزن الرجل الفقير الذي قد خربته!».

 

      إنك صياد يشفي غليله، وإنسان منغمس في إرضاء ملاذه، فيصيد جاموس البحر، وتخترق «نبله» الثيران الوحشية، ويصيد السمك، ويرمي شباكه للطيور، على أنه لا يوجد إنسان متسرع في كلامه يخلو من العثار، ولا إنسان خفيف القلب يقدر أن يكون حازمًا في كبح هواه، كن صبورًا حتى يمكنك أن تصل إلى العدل، اكبح جماح اختيارك حتى إن الشخص الذي تعوَّد أن يدخل بسكون يمكنه أن يكون سعيدًا، على أنه لا يوجد إنسان طائش يتفوق في عمل، ولا متسرع تطلب مساعدته، اجعل عينيك تتأملان، وعلم قلبك، ولا تكونن قاسيًا بنسبة قوتك؛ خوف أن يحيق بك الأذى، وتغاضَ عن قضية إذن ستتضاعف «في صعوبتها»، وإن الذي يأكل هو الذي يتذوق، والذي يخاطب يجاوب، والنائم يرى الحلم، أما القاضي الذي تجب معاقبته فإنه نموذج للمجرم .. تأمَّلْ أيها الأحمق فإنك قد ضربت، وتأمل أيها المغفل فإنك استجوبت، وأنت يا مانح الماء، تأمَّلْ؛ فإنك قد أدخلت، وأنت يا مدير السكان لا تجعل قاربك يرتطم، وأنت يا معطي الحياة لا تودين بأحد، ويا مخربًا لا تسببن خراب أحد، ويأيها الفيء لا تقومن مقام الهجير، ويأيها الستر لا تجعلن التمساح يفترس، والآن هل سأقضي طول اليوم في الشكوى الرابعة؟»

 

الشكوى الخامسة:

ـــــــــــــــــــــــــ

 

       ثم أتى هذا الفلاح يشكو للمرة الخامسة وقال: «يأيها المدير العظيم للبيت، يا سيدي، (وهنا المتن غامض جدًّا، غير أننا نفهم أنه يتكلم عن كل أنواع صيد السمك، وكلها استعارات وتشبيهات غامضة، إلى أن يقول) تأمَّلْ، إنك في حالة كهذه (في كل ما سبق من الكلام الغامض، قد شبَّه فيه «رنزي» بصيادي السمك)، لا تحرمن رجلًا رقيق الحال أملاكه، وهو رجل ضعيف أنت تعرفه، فإن أملاك الرجل الفقير بمثابة النَّفَسِ له، ومَن يغتصبها يكتم أنفه، ولقد نصبت لتسمع الشكاوى وتفصل بين المتخاصمين، وتكبح جماح اللص، ولكن تأمَّلْ؛ فإن ما تفعله هو أنك تعاضد اللص، والإنسان يضع ثقته فيك، ولكنك أصبحت معتديًا، لقد نصبت سدًّا للفقير فاحترس خوف أن يغرق، ولكن تأمَّلْ، إنك تيار سريع له.».

 

الشكوى السادسة :

ــــــــــــــــــــــــــ

 

        وبعد ذلك أتى هذا الفلاح للمرة السادسة ليشكو فقال: «يأيها المدير العظيم للبيت، يا سيدي، إن كل محاكمة حقة تدحض الباطل، وتعلو بالصدق، وتشجع الحسنة، وتقضي على السيئة، كالشبع عندما يأتي يقضي على الجوع، والكساء يقضي على العري، وكالسماء تصفو بعد العاصفة الشديدة وتدفئ كل مَن شعر بالبرد، وكالنار التي تسوي النيئ، وكالماء الذي يطفئ الظمأ.. انظر بعينيك؛ إن المحكم متلاف، والمصلح موجد للحزن، ومهدئ «الخلافات» خالق للألم، والمغتصب يحط من قدر العدالة، ولكن الشخص إذا قضى بالقسطاس المستقيم فإن العدالة إذن لن يحاد عنها، ولن يبالغ (؟) في إجرائها، (ولكن) إذا أخذت فأعط زميلك أيها المشداق (؟) الخلو من الصراحة.

 

       إن حزني يفضي إلى نزاع، واتهامي يؤدي إلى تحول، والإنسان لا يعرف ما في القلب .. لا تكن خاملًا بل اهتم بالتهمة، فإذا قطعت فمَن الذي يصل؟ إن مجداف القلوب (؟) في يدك كالعمود السهل (؟) المتناول عندما يوجد الماء العميق (؟)؛ فإذا ارتطم القارب فإنه يدفع ولكن (؟) حمولته تتلف (؟) وتضيع (؟) على كل شاطئ رملي (؟). (كل العبارة غامضة.)

      «إنك متعلم، وإنك ماهر، وإنك عادل، ولكن ليس في النهب. (والآن؟) فإن مَثَلك مَثَل كل بني الإنسان، كل أعمالك ملتوية، ومفسد الأرض كلها يمشي مستقيمًا إلى الأمام (لا يرى أمامه اعوجاجًا)، وزارع الشكر (البستاني) يروي حقله بالأعمال الخاطئة حتى يجعل مزرعته تنمو بالكذب، وبذلك يرى المتاعب إلى الأبد (؟).»

 

الشكوى السابعة :

ــــــــــــــــــــــــــ

 

        وبعد ذلك أتى الفلاح ليشكو له للمرة السابعة فقال: «يأيها المدير العظيم للبيت، يا سيدي، إنك سكان البلاد قاطبة، والأرض تسبح على حسب أمرك، إنك معادل «لتحوت» تقضي دون أن تنحاز إلى جانب.. يا سيدي كن صبورًا حتى يمكن الإنسان أن يستغيث بك لقضيته العادلة، ولا تجعلن قلبك جموحًا؛ فذلك لا يليق بك، وإن الرجل البعيد النظر يكون حليمًا.. لا تفكرنَّ فيما لم يأتِ بعدُ، ولا

تفرحن بما لم يحدث بعدُ، والتحمُّل يطيل أمد الصحبة .. اقضِ على الأمر الذي مضى، والإنسان لا يعلم ما في القلب.

 

      إن منتهك حرمة القانون، وخارق المتبع من الأمور، لا يستطيع رجل فقير أن يقاوم نهبه إذا لم تواجهه العدالة .. حقًّا إن جوفي لملآن، وقلبي لمفعم، وقد طفح من جوفي تقرير عن تلك الحالة، لقد كان صدع في السد، فتدفَّق منه الماء، وقد انفتح فمي للكلام، وعندئذٍ قد أعملت مجدافي لسبر الغور، ونزحت مائي، وروحت عما في جوفي، وغسلت كتاني (ملابسي) القذر، والآن قد انتهى خطابي وانتهى بؤسي في حضرتك، فما الذي تطلبه الآن؟

 

       إن خمولك سيضلل بك، وشراهتك ستغشك، وإن عدم اكتراثك سيولد لك أعداء، ولكن هل يمكنك أن تجد فلَّاحًا آخَر مثلي؟، وهل الشاكي يقف على باب بيت الخامل؟ على أنه لا يوجد إنسان صامت قد أنطقته، ولا نائم قد أيقظته، ولا مكتئب قد نَشَّطْتُه، ولا إنسان فمه مغلق قد فتحته، ولا جاهل قد جعلته يعرف، ولا غبي قد علمته، (ومع ذلك) فإن الحكام هم الذين يقصون السوء، وأرباب الخير هم أصحاب فن ليصنعوا أي شيء كائن، ويصلوا الرءوس التي قد فصلت «عن أجسامها.».

 

الشكوى الثامنة :

ـــــــــــــــــــــــ

 

        وبعد ذلك أتى هذا الفلاح ليشكو مرة ثامنة فقال: «يأيها المدير العظيم للبيت، يا سيدي، إن الناس يتحملون السقوط البعيد بسبب الطمع، والرجل الجشع يعوزه النجاح، ولكنه ينجح في الخيبة.. إنك جشع وذلك لا ينسجم معك، إنك تسرق وذلك لا يفيدك، أنت يا مَن يجب عليه أن يسمح للإنسان أن يشرف على قضيته الحقة، ذلك لأن ما يقيم أودك في بيتك، ولأن جوفك قد ملئ، ولأن مكيال القمح قد طفح، وإذا اهتز فإن الفائض منه يبعثر على الأرض.

 

       آه أنت يا مَن يجب عليه أن يقبض على اللص، ويا مَن يبعد الحكام وقد نصبوا ليدرءوا السوء، وهم حمى الساخط، والحكام قد نصبوا ليكبحوا الكذب، وليس الخوف منك هو الذي يجعلني أشكو إليك، إنك لا تبصر (ما في) قلبي، وإنه لإنسان صامت مَن يجعله يرتد دائمًا عن توبيخك، ولا يخاف ممَّن يطالبه بحقوقه، وإن أخاه لا يؤتى به لك من قارعة الطريق.

 

      إنك تملك حقلك في الريف، ومكافأتك (أرضك) في ضياع الملك، وخبزك في المخبز، والحكام يعطونك، ومع ذلك تغتصب! هل أنت لص؟ هل يحضر إليك بجنود لتصاحبك عند تقسيم الحقول (معك).

 

    أقم العدل لرب العدل، والذي عَدْلُ عدالته موجود، وأنتَ يأيها القلم، وأنتِ يأيتها البردية، ويأيتها الدواة، ويا «تحوت» ابتعدوا عن عمل السوء، وعندما يكون الحسنُ حسنًا فالأمر إذن حسن، غير أن العدل سيكون إلى الأبد، ويذهب مع مَن يعمله إلى الجبانة، وسيدفن وتطويه الأرض، أما اسمه فلن يُمحَى من الأرض، بل سيذكر للخير، وهكذا القانون في كلمة الله، فهل هو ميزان؟ إذن لا يميل.. هل هو لسان الميزان؟ إذن لا يحيد إلى جانب (لا يزن غشًّا)، وإذا حضرتُ أو حضر غيري فخاطبه، ولا تجيبن كإنسان يخاطب رجلًا صامتًا، أو كإنسان يهاجم مَن لا يمكنه أن يهاجم، إنك لا تظهر الرحمة، إنك لا تضعف، إنك لا تَبيد (؟)، إنك لا تعطيني مكافأة على تلك الخطب التي تخرج من فم «رع» نفسه، انطق بالعدل وأقم العدل لأنه خطير وعظيم، ويعيش طويلًا، والثقة به قد عرفت، فهو يؤدي إلى العمر الطويل المحترم، هل الميزان يحيد؟ فإذا كان الأمر كذلك، فإن ذلك يكون بسبب كفتيه اللتين تحملان الأشياء، ولا يجوز وجود الظلم مع القانون، وإن العمل الحقير لا يصل إلى المدينة، على أن أصغر الأشياء (؟) سيصل إلى الريف.».

 

الشكوى التاسعة :
ـــــــــــــــــــــــــــــ

     وبعد ذلك أتى هذا الفلاح إليه للمرة التاسعة ليشكو فقال: «يأيها المدير العظيم للبيت، يا سيدي، إن لسان الناس ليس إلا لسان ميزانهم، وهو الميزان الذي يبحث عن نقائصهم، وقع العقاب على مَن يستحق العقاب، على أنه لا شيء يماثل استقامتك … والكذب قد انتهى عمله (؟) والصدق يرجع معارضًا له (الكذب) (؟)، إن الصدق هو ثروة (؟) الكذب، إنه ينمِّي (؟)، وإنه … وإذا مشى الكذب في «الخارج» فإنه يضل، ولن يعبر في قارب التعدية، ولن يقوم بأي تقدم (؟)، أما مَن تنمو ثروته به فلن يكون له أطفال، ولن يكون له وارث على الأرض، ومَن يسيح به «بضاعة» لن يصل إلى بر، وسفينته لن ترسو على مدينته.

 

     لا تكونن ثقيلًا يا مَن لست خفيفًا، ولا تتوانينَّ يا مَن لا يسرع، لا تكونن متحزبًا، ولا تصغينَّ لقلبك، ولا تسترنَّ وجهك من إنسان تعرفه، ولا تتعامينَّ عن إنسان قد رأيته، ولا تردنَّ إنسانًا يشكو إليك، واترك هذا الخمول حتى إن حكمتك (القائلة): «افعل الخير لمَن يفعله لك.» يمكن أن تُروَى إلى مسامع كل الناس، وحتى يرجع إليك الناس فيما يتعلق بمطالبهم الحقة، والخامل لا أمس له، والأصم عن العدل لا رفيق له، والرجل الجشع لا فراغ لديه (إجازة)، وذلك الذي يوجِّه إليك التهمة يصير رجلًا فقيرًا، والفقير سيصير شاكيًا، والعدو يصبح ذابحًا (للفلاح)، إني أشكو إليك وأنت لا تسمع شكواي، فسأذهب وأشكو منك إلى «أنوبيس».

 

الخاتمة:

ـــــــــــ

      وبعد ذلك أمر «رنزي» بن «مرو» المدير العظيم للبيت اثنين من الحُجَّاب ليذهبا ويحضراه ثانية، وقد خاف هذا الفلاح ظنًّا منه أن ذلك قد عُمِل لمعاقبته على الخطبة التي فاه بها.

     فقال هذا الفلاح: «مَثَل اقتراب الظمآن من الماء، ووصول الشفة التي تتحرق إلى اللبن، كمَثَل الموت الذي يتاق إلى رؤيته في مجيئه عندما يأتي متباطئًا.»،      ولكن المدير العظيم للبيت «رنزي» بن «مرو» قال: «أيها الفلاح جهِّزْ نفسك على أن تسكن معي.».

 

       فقال هذا الفلاح (؟): «هل سأعيش قائلًا دعني آكل من خبزك، وأشرب من «جعتك» إلى الأبد؟!».

 

       فقال المدير العظيم للبيت «رنزي» بن «مرو»: «لا بأس، انتظر هنا حتى يمكنك أن تسمع شكاياتك.» ثم أمر بقراءتها من ملف بردي جديد، كل شكوى على حسب محتوياتها، ثم إن المدير العظيم للبيت «رنزي» بن «مرو» أمر بإرسالها إلى جلالة الملك المرحوم «بنكاورع»، وقد سُرَّ منها جلالته أكثر من أي شيء في الأرض قاطبة، وقال جلالته: «اقضِ أنتَ بنفسكَ يابن «مرو» (في هذا الأمر).»

 

      فأمر (المدير العظيم) للبيت «رنزي» بن «مرو» اثنين من الحجاب ليذهبا ويحضرا «تحوت نخت»، فأُحضِر وأُحصِيت «كل أملاكه» … ستة أشخاص خلافًا … قمحه من الوجه القبلي وشعيره وحميره … وخنازيره وماشيته الصغيرة … وقد أُعطِي بيت «تحوت نخت» لهذا الفلاح، وكذلك كل أشياءاته… .

 

الفصل الخامس :

ــــــــــــــــــــــــــ

 

«سطوة العامية» في «هز القحوف»

 

       العامية أو لغة العامة عند القدماء هي التغيير الذي أدخلته العامة من العرب على اللغة العربية الفصحى، من لحن في الإعراب أو تغيير في بنية الكلمة الصرفية أو الصوتية أو في دلالتها، أو في بناء الجملة، وهي لا تختلف كثيراً عما يعده المحدثون عامية، ولكن إذا كان القدماء قد خلطوا بين العامي والمولد وجمعوهما في سلة واحدة، وهو خلط لا يجوز فكلاهما قائم برأسه، المولد لغة هو العربي غير المحض، وهو ما نشأ في ديار العرب من غيرهم، ومن الكلام ما لم يكن من كلام العرب، وفي الشعر هم الشعراء الذين جاؤوا بعد «عصر الاحتجاج»*(1)، وسموا بذلك لأنهم ولدوا في الكلام أي استحدثوا فيه ما لم يكن من معاني العرب وكلامها، وأولهم هو بشّار بن برد (96 هـ ـ 168هـ)، ويعد إمام الشعراء المولدين، وبهذا المفهوم فإن العامية :

 

         أي تغيير يُدخل على ما تعارف أهل اللغة على فصاحته، وأن جذور العامية قديمة في تراثنا وتمتد  إلى ما قبل عصر المولدين، ومن أبرز مظاهرها وتجلياتها :

 

     ـ ظهر في عصر النبوة في كلام الموالي والمتعربين، ومثل ذلك الذي لحن في حضرة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؛ فقال حضرته الشريفة لأصحابه:«أرشدوا أخاكم فإنه قد ضل» .

 

     ـ  وذلك الذي جاء إلى زياد والي البصرة يشكو أخاه قائلاً :«أصلح الله الأمير، توفي أبانا وترك بنونا»؛ فقال زياد:«توفي أبانا وترك بنونا!!! ادعُ لي أبا الأسود؛ فقال:«ضع للناس الذي كنت نهيتك عنه»، وكان زياد نهى أبا الأسود عن أن يضع علم النحو في إطار العداء لسيدنا على ابن أبو طالب والمكيدة لأبنائه .. كان الإمام علىّ قد وضع قواعد علم النحو، ودفع بها إلى أبي الأسود قائلاً : «انح مثل هذا.» .

 

       ومن المعروف أن اللغة العامية التي يتكلمها أهل مصر في الأونة الحاضرة هي اللغة العربية محرفة عن أصولها خارجة عن قيودها وقواعدها .

 

خصائص اللغة :

ــــــــــــــــــــــــــ

       للغة العربية خصائص وسنن مشى عليها العرب في كلامهم، وكان لها الأثر في نشوء العامية، لكن الاتساع في الجري عليها، والتسامح في الشطط فيها أديا إلى التحريف والتغيير في كثير من حروف اللغة .

 

      القلب :

     ــــــــــــ

 

      فمن سنن العرب القلب، وذلك يكون في الكلمة، ويكون في القصة فأما الكلمة فقولهم : جبذ وجذب ، ولبك وبكل، وربض ورضب على النحو الذي أفاض الإمام جلال الدين السيوطي في شرحه في كتابه : (المزهر)،  والإمام أحمد ابن فارس في كتابه : (الصاحبي)، وابن جني  في كتايه :(الخصائص) .

 

     الإبدال :

    ــــــــــــ

 

     من سنن العرب إبدال الحروف، وإقامة بعضها مقام بعض، وليس المراد بالإبدال أن العرب تتعمد تعويض حرف من حرف، وانما هى لغات مختلفة لمعان متفقة يتقارب اللفظتان في لغتين لمعنى واحد حتى لا يختلفا إلا في حرف واحد، مثل مدحه ومدهه، ورفل ورفن ، وفلق وفرق، وقال الحسن ابن الصايغ: «قلما تجد حرفاً ألا وقد جاء فيه البدل ولو نادرا» .

اتساع اللغة :

ــــــــــــــــــ

      قال أحمد ابن فارس في باب القول على لغة العرب : هل يجوز أن يُحاط بها ؟ قال بعض الفقهاء : كلام العرب لا يحيط به إلانبي؛ ما بلغنا أن أحد ممن مضى أدعى حفظ اللغة كلها .*(2)

 

       اللغة العامية المصرية :

       ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

       اللغة العامية المصرية التي نتكلمها الآن في مصر ليست بعيدة عن العربية الفصحى، وهي تبتعد عن الفصحى في أمرين : الإعراب وتركيب الحروف، أما الإعراب وهو الإبانة عن المعاني بتغيير أواخر الكلم فالرجوع إليه يكاد يكون مستحيلاً، لأن اللغة تُؤخذ بالسماع يحفظها الخلف عن السلف وتستقى بالأسماع، أما تركيب الحروف فأكثر حروف اللغة وإن أصاب بعضها تغيير قد يكون عظيما لايزال يقرب من الأصل الفصيح، وإن التغيير والتبديل الحاصلين في هذه الحروف قد يسهل في الكثير منها نسبتها إلى خصائص اللغة وسننها في اللهجات المختلفة .

     على أن أكثر الكلمات العامية التي ينفر منها الآن الذوق ويستنكرها الحس إنما كانت من أفصح الألفاظ العربية، وأدقها تعبيراً عما في النفس مطابقة لمقتضى الحال ، وأن كثير منها استعملت فيها المجازات اللطيفة والاستعارات المستملحة التي تعد أرقى أساليب الفصاحة في الكلام والكتابة .

 

       وبين أيدينا وثيقة مبتكرة كُتبت بلغة يغلب عليها العامية المصرية ما بين منثور ومشعور، وهى بعنوان: «هز القحوف في شرح قصيد أبي شادوف»*(3)،(4)،(5)، ورغم توافر أكثر من نسخة بين يدي فقد أعتمدت بشكل كامل على نسخة الطبعة الثانية التي طبعت على نفقة الشيخ محمود موسى شريف الكتبي، طبعة المطابع الأميرية ببولاق مصر المحمية ـ سنة 1308هـ ـ 1890م، ولم أتحرج من نقل «الألفاظ» التي يعدها البعض «خادشة للحياء» الواردة في ذلك النص، لكوني عددت ما جاء فيه من ألفاظ جزء من تشخيص الحالة التي يصفها الكاتب، وأن غض الطرف عنها أخطر أشكال «عقدة الإنكار» التي كلفتنا كثيراً؛ فلم نعرف واقعنا، ولا كيف نعالج سلبياته !!، وقد خطر ببالي أيضا أنه ربما لا يستطيع الباحث أو القارئ يحصل على مخطوط تلك الوثيقة أو مطبوعها فيصبح الكلام عنها ـ هنا ـ كلام في المطلق يصعب إنزاله على النص المبحوث .

 

    

       وقد صبغ الشربيني مُؤلَفه بصبغة وصفية؛ فجاءالكتاب مليءٌ بالعبارات الساخرة تعبث بالألفاظ وتستخدام الغريب منها والخارج على المألوف كأداة تنفيس عن كبت عميق لا يقدر صاحبه أن يواجه الواقع الاجتماعي بأساليب إصلاحية بناءة، ولهذا جاء المُؤلف متسمًا بصبغة وصفية تقريرية مصاغة في قالب هزلي ساخر، و«القحوف» في عنوان القصيد ليست قحوف جريد النخيل، وليست ذلك النوع من لباس الرأس الذي يشبه الطواقي الطويلة، ولكن «القحوف» تعني عظم فوق الدماغ، وما انتلف من الجمجمة، ولا يدعى قحف حتى يبين أو ينكسر منه شيء، وهي تستخدم في بعض المواضع للدلالة على قلة الفهم وغلظة الطبع وانعدام الذوق، و«أبوشادف» كناية عن الفلاح المصري؛ فالشادوف أحد أدواته لرفع المياه من مكان منخفض إلى مكان مرتفع، والعنوان في مجمله يحمل كناية : «الاقتراب من عقل الفلاح المصري» !!.

 

      والكتاب في جزأين كبيرين، الأول: خصه بتصوير حياة أهل الريف، وبيان ما هم فيه من جهل وفقر وسوء خلق، والثاني : خصه بالقصيدة التي ألفها وشرحها .

 

         يقول الشيخ يوسف الشربيني في مقدمة الجزء الأول :

 

      أن مما مر عليه من نظم شعر الأرياف الموصوف بكثافة اللفظ بلا خلاف المشابة في رصه لطين الجوالس، وجرى ذكره في بعض المجالس قصيد أبي شادوف المحاكي لبعر الخروف أو طين الجاروف؛ فوجدته قصيد ياله من قصيد كأنه عمل من حديد أو رص من قحوف الجريد؛ فالتمس من لا تسعني مخالفته، ولا يمكنني إلا طاعته أن أضع عليه شرحاً كريش الفراخ أو غبار العفاش وزوابع السباخ يحل ألفاظه السخيمة ويبين معانيه الذميمة ويكشف القناع عن وجه لغاته الفشروية ومصادرة الفشكلية ومبانية الدكيكة ومقاصده العبيطة وألفاظه الحويطة، وأن أتمه بحكايات غريبة ومسائل هباليه عجيبة وأن أتحفه بشرح لغات الأرياف التي هي في معنى ضراط النمل بلا خلاف، وأشعارهم المغترفة من بحر التخابيط، واشتقاق بعض كلماتها التي هي في الصفات تشبه الشراميط، ووقائع وقعت لبعضهم باتفاق في القاهرة ومصر وثغر بولاق، وذكر فقهائهم الجهال وعلمهم الذي يشبه ماء النخال، وفقرائهم الأجلاف وأحوال الأوباش منهم، والأطراف وذكر نسائهم عند الهراش وملاعبتهن في الفراش.»*(6)، ويذكر الشيخ الشربيني أنه قد استعان في تفسير «نظم شعر الأرياف الموصوف» بمعجم لغوي هزلي من إبداع خيالاته، وسياق مدعباته اسماه : (القاموس الأزرق والناموس الأبلق)*(7) .

 

    .. وعن القصيدة فقد بدأ الشيخ الشربيني هذا الجزء بمقدمة مطولة ترجم فيها لمؤلفها المزعوم أبي شادوف، وصنع له تاريخاً وخلق له نسبا؛ فيقول منهم من صرح أنه أبو شادوف ابن لقاق بن بحلق ابن عفلق ابن عفر ابن دعموم ابن فنحس ابن خرا الحس وقيل  أبو شادوف ابن أبو جاروف ابن بردع بن زوبع ابن بحلق ابن عفلق ابن بهدل ابن عوكل ابن عمره ابن كُل خرا*(8) ويدعي أنه ولد في كفر شمرطاطي وتربى في تل فندروك *(9)، وبعد أن أتم هذا الجزء انتقل إلى القصيدة نفسها يقف عند كل بيت من أبياتها فيشرحه شرحها مفصلا ويستشهد على ما يقول بشعر قديم أو حكايات قد يكون لها علاقة بالموضوع، والقصيدة من سبعة وأربعين بيتًا.*(10)

 

        أورد الشيخ الشربيني في مُؤلفه الكثير من فاحش القول الكثير عن  اللواط، وإتيان البهائم، وذكر أسماء أعضاء التذكير والتأنيب، وعن عاهرات المحروسة ولهوهن بالفلاحين، ومعاشرة بعض الفلاحين للقواعد من النساء العجائز، وغض الطرف عن زواج العذاري البكارى الكواعب، وإزراء الأقباط واليهود، وعن جهل الفلاحين بأمور دينهم وحقائق دنياهم وجهل وعاظ الأرياف وفقهائم، وعن فسق وزندقة بعض جهلة المتصوفة من أدعياء الكرامات، ومخازيهم في لواط بعض الغلمان بهدف منح الولاية، أو استغلال جهل الفلاحين وإدخال الغش عليهم وغفلة مؤدبي الأطفال، وهو يحكي في هذه المواضع حكايات مزرية وأشعارًا مقذعة وعبارات مقززة.

 

     كان مُؤَلف الشيخ يوسف الشربيني يجمع بين اللغة الفصحى؛ فالتزام بقواعدها أحيانا، واللغة العامية التي يتحدثها الناس في الشوارع وعلى أكوام السباخ وفي القاعات، وفي مجالس الفشر والنميمة أحيانا، وأحيانا أخري يلتزم بـ «اللغة الثالثة» أو «اللغة الوسطى» التي تقف في مسافة وسط بين الفصحى والعامية، والتي يطلق عليها «الفصيح العامي» أو «العامي المتفاصح»،  حسب تفاوت نصوصه قربًا أو بعدًا من الفصحى أو العامية .

 

      لكن الأهم من ذلك كله أن الشيخ يوسف الشربيني يضع أيدينا على مواضع السياقات الاجتماعية التي تُكتسب فيها اللغة عندما يعجز الـ «مخزون المعرفي» اللغوي عن إمداد بعض الناس بما يعبرون به عن مقاصدهم؛ فيكون التشوش والخلط؛ فمثلاً يحكي الشربيني:

      «صلى فلاح فلما كبروا أراد أن يقرأ دعاء الافتتاح فقال :«لقحت وجهي للذي شرح السموات والأرض  لأني لا حنيفاً ولا مسلماً ولا من القوم الكافرين»، فقال رجل عارف : «في أي ملة أنت قاتل الله الأبعد .».*(11)

 

      ويضرب مثالاً أخر عن تشميت العاطس :

 

       وعطس رجل منهم فقال له فقية من أهل الريف : «يرحمك اللي عطسك  ولو شاء لفطسك، وأخرج العطسة من قراقير اللى خلفك؛ فقال له الفلاح : «يا فقي لا عدت تنسانا تقرأها علينا في المسا والصباح، وأعطيك أيام المقات أربع بطيخات» .*(12)

 

      لكن رغم الهزل في أسلوب الحكي فإنه يضع أيدينا على خطورة بعض الملامح في كلام العامة من «اللحن»، و«الوضع» و«التصحيف» وما يُنتجه ذلك من أثار على الفكر والسلوك والعقيدة؛ فمثلاً يقول :

 

     وصلى آخر فلما قرأ الفاتحة وبلغ قوله سبحانه وتعالى : «اهدنا الصراط المستقيم» أبدل النون ميما، وقال اهدموا الصراط المستقيم؛ فقال له رجل عارف: «بطل وخلى الصراط المستقيم بلا هدم، قاتل الله الأبعد.»*(13) .

   وصلى فقيه ريف بجماعة فلما قرأ الفاتحة وآتى إلى آخرها قال :«ولا الضالون»؛ فقال رجل من خلفه «أمون»؛ فالتفت إليه الآمام، وقال : «لحنت!!»؛ فقال له :«بل أنت كفرت.».*(14)

     

     التصحيف :

    ـــــــــــــــــــ

 

       دخل بعض العلماء قرية من القرى وكان يوم جمعة؛ فلما قربت الصلاة توجه ليصلي فرأى أهل القرية جميعاً داخلين المسجد، وكل واحد منهم معه قفة خوص وفيها مغرفة خشب وسكين من حديد وفأر ميت معلق في عنقه؛ فتعجب من فعهلم، وقال لابد أن أسأل فقية البلد عن ذلك الأمر؛ فبينما هو متعجب من فعلهم إذا بالفقية داخل إلى المسجد للخطابة، وهو أيضا متلهم حامل قفة فيها مغرفة وخشبة وسكين ومعلق في رقبته فأر ميت، ورأهم كلهم يصلون بهذه الهيئة فتقدم إلى الخطيب، وسأله عن هذا الأمر، ومن أمر أهل القرية بهذه الفعلة؛ فقال أنا أمرتهم بذلك فقال له هذا الأمر باطل، والصلاة باطلة، وما دليلك على ذلك؛ فقال حديث قرأته في كتاب عندي واسمة كتاب «التيه»، ولفظه حدثني بختي ابن تحتي عن شعبان النوري أن النبي صلى الله علية وسلم قال:« لا تصح جمعة أحدكم إلا بقفة ومغرفة وخشبة وسكينة وفار»، فطلب منه الكتاب فرآه كتاب «التنبية» تصحفت عليه بـ «التية»، وأن النبي صلى الله علية وسلم قال لا تصح جمعة أحدكم إلا بعفة تصحفت بقفة وسكينة تصحفت بسكينة وخشية تصحفت بخشبة ومعرفة تصحفت بمغرفة ووقار تصحفت بفأر.».*(15)

 

الوضع :

ـــــــــــــ

 

       كان بعض فقهاء الريف يدرس في قرية من بعض القرى، وكلما سُئل عن مسألة أجاب عنها بسرعة نظماً أو نثرا، ولم يتوقف في الجواب لشدة جرأته في الكلام من غير معرفة إلى أن حضر مجلسه، وهو يدرس جماعة من العلماء ورأوا سرعة جوابه في المسائل واتيانه بكلام ليس هو في كتب الفقه إلا أن فيه رائحة المناسبة؛ فقالوا أمر هذا المدرس عجيب؛ فقال رجل منهم أنا أخبره لكم، وأبين لكم صدقه من كذبه .. كل منكم يأخذ حرفاً من حروف الهجاء، ونجعلها كلمة واحدة، ونسأله عنها؛ فقالوا هذا الرأي صواب فأخذوا الحروف وجمعوها فصارت «خنفشار»، ثم أنهم جلسوا حوله وقت الدرس فلما فرغ من الدرس قالوا له يا مولانا رأينا في بعض الكتب : «خذ الخنفشار»، وما عرفنا ما «الخنفشار»؛ فقال لهم هذا واضح هو نبات يطلع في أرض الصين يُعقد به اللبن قال الشاعر:

 

لقد عقدت محبتكم بقلبي *** كما عقد الحليب الخنفشار*(16)

 

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأراد أن يذكر حديثأ باطلاً؛ فقالوا له أمسك ما معك قبحك الله أما كلامك في حق الحكماء والعلماء؛ فقد سلمنا لك في الكذب عليه، وأما الكذب في الحديث فلا نسلم لك فيه .

 

***

        ينعت الشيخ يوسف الشربيتي الفلاحين بشتى أنواع النقائص والمذمات؛ فثيرانهم قد أخبرت عنهم، بأنهم من طينة واحدة .. إذا يقول:

 

 « أهل الفلاحة لا تكرمهم أبدا     ***  فإن إكرامهم في عقبة ندم

يبدو الصياح بلا ضرب ولا ألم *** سود الوجوه إذا لم يظلموا ظلموا»*(17)

    

       ويعلل الشيخ الشربيني ذلك لعدم اكتراثهم بالصلاة والدين وكل هذا من قلة عقلهم، وكثرة جهلهم، وسوء أخلاقهم، وعدم اتفاقهم، إذ كلهم في الظاهر مسلمون، والقتل عندهم مثل الديون، وأيضا عندهم قلة الوفا وعدم الأنس، لا يؤدون القرض، ولا يعرفون السنة من الفرض، إن عاملتهم أكلوك، وإن نصحتهم أبغضوك، وإن أقمت لهم الشرع رفضوك، إن ألنت لهم الجانب مقتوك، العالم عندهم حقير، والظالم عندهم كبير، أمورهم معانده؛ فعرسهم هتيكة وفرحهم مصيبة، وضيافتهم شحيحة ترحيبهم هز الأردية، وليس عندهم فوائد، عندهم قابض المال أعز من العم والخال سود الوجوة إذا رأوا معروفاً أنكروه.».   

     

      وفي موضع  آخر يقول :

 

«لا تسكن الأرياف إن رمت العلا *** إن المذلة في القرى ميراث

تسبيحهم هات العلف حط الكلف *** علق لثورك جاءك المحراث»*(18)

 

      ويرى الشيخ يوسف الشربيني أن أهل القرى لا يرحمون صغيرا،ً ولا يوقرون كبيرا، عوراتهم عند اللاستنجاء على الفساقي مكشوفه، وثيابهم بالنجاسة محفوفة يجتمعون لحساب المال في المساجد، وليس فيهم راكع ولا ساجد الرحمة فيهم قليلة والرأفة متروكة ذليلة كما أنه يكتب لطرد النحل بلا مرا ارحل أيها النمل كما رحلت الرحمة من قلوب شيوخ القرى، ومن وصايا الإمام مالك للإمام الشافعي رضي الله عنهما :«لا تسكن القرى فيضيع علمك وجاهك»، وقال سيدي عبد الوهاب الشعراني رحمه الله تعالى لبعض تلاميذه : «عليك بسكنى المدن فإن المقت إذا نزل في بلاد الريف طوفانا يكون في المدن كخلخال الرجل.».

 

    .. وعن قسوة الفلاحين وغلظتهم وخشونة طباعهم، يقول الشاعر على لسان أحدهم:

«شحطط صحيبك ورخه ألف فرقلة *** واكويه بالنار حتى يلتقي علة

حتى يلين ويبقى قرص من جلة *** قوم اطعمة عدس وبسار وبسلة»*(19)

 

    .. ويقول في موضع أخر :

 

إن اللطـــافة لم تزل *** بين الأكــابر فاشية

فهل رأيتم في الورى ** قحفا رقيق الحاشية ؟!*(20)

       ومن أبيات الغزل في المحبوبة الريفية يقول :

 

«هباب فرن ابن عمي كيف كحيلاتك *** حبل طور ابن خالي كيف دلاتك

يا من عجنتي قليبي في وحيلاتك *** ياريتني قـرص جلة بين ادياتك»*(21)

 

      .. وتشبيه كحل الحبيبة بهباب الفرن ابن العم يبين منتهى العشق لأن النسوة في الأرياف في ذلك الوقت تهوى الأفران لأجل تدميس الفول وطبيخ البيسار وتقمير البتاو وتنفيض الثياب من القمل، وكذلك تشبيه مدلاتها بحبل ثور ابن الخال، والدلات سلاسل من فضة تعلق على الأصداغ وترخى على الصدور ويجعل في أخرها من فضة وبرق !!

 

         وعن هباب كحل الحبيبة قال الشاعر في موضع أخر :

 

لقد هبهبت لما رأتني كلابها *** فقلت مجيباً قد علاني هبابها*(22)

        

     وعن حياة أهل القري في بؤسهم ومعيشتهم اليومية التي تفتقد لأبسط مقومات الأدمية يرصد عدم وجود مراحيض بقوله: «أن عوراتهم على الفساق مكشوفة وثيابهم بالنجاسة محفوفة» .. و يقول:

 

«سألت بني الأرياف ما لبيوتكم *** مراحيض قالوا لا مراحيض للقوم

فقلت ماذا تصنعوا في نسائكم *** فقالوا جميعا نحن نخرا عل الكوم »*(23)

    

      وصار الدنس والنجاسة علامة في علاقة المحبين التى لا تنفصم؛ ولو بالت الحبيبة على لحية المُحب وقفاه:

 

وقلت لها بولي عليّ وشرشري *** عريض القفا للنائبات صبور*(24)

 

     .. ولأنه عاشق قليل الهندام والذوق بليد الطبع؛ فلا يبالي من البول، ولا يضجر من النجاسة؛ فيقول :

 

أحبكم وأخرى على بابكم من فوق***بالله أعذروا العاشق الخرا عديم الذوق*(25)

 

 

    يقول الشيخ يوسف الشربيني عن نساء أهل الريف :

      

         «أما نسائهم عند الجماع فإنهن في حكم الضباع يدخلن الأفران ويضرمن فيها النار، وعبق عليهم الدخان وتظهر لهم روائح المدمس حتى يصيروا كأنهم في قلس، ثم ينضجعوا على شيء من القش، وما تيسر من القصل والعفش بعد أكلهم المدمس والبيسار حتى يصير الشخص منهم كانه حمار ثم يضم زوجنه إليه، وهي تتشقلب عليه فيظهر من الاثنين روائح الجلة والطين وتعطيه رجليها، وينظر إلى عمشة عنيها ويطرحها على جنبها؛ فتستغيث بربها وتقول : «أحيه جتك داهية .. أحيه جتك مصيبة .. أحيه جتك غارة»؛ فغنجها بلية وجماعها رزية، وربما جامع الشخص منهم زوجته في مدود الحمارة أو في الغيط جنب العبارة، وقد تمكث المرأة منهن جمعة لا تغسل من الجنابة  لمعة، وكذلك الرجل بتحقيق في أعظم الدناسة وعدم التوفيق .*(26)

 

      وعن إهمال القرويات للنظافة الشخصية وسنن تقليم الأظافر ونتف شعر العانة يقول الشيخ يوسف الشربيني :

 

ولما كشفت الذيل عن سطح (...) *** وجدت عليه الشعر أسود كالزنجي

 

فقلت لها ماذا الذي قد رأيته *** فقالت طواشي كاتب الدخل والخرج

وهذا زمان البرد والشعر ساخن *** فأسفق أيا هذا بجهد بلا حرج*(27)

 

    ويحكي الشيخ الشربيني أن أمرأة صارت كنيتها علم عليها فاشتهرت بأم معيكة من «المعك» أو «الدلك»؛ لكثرة ما تمعك شعر عانتها على جذور الشجر عند اشتداد أكلان الشعر من طوله وقلة نتفه وغليان الشهوة التي لا يطفئها إلا ملامسة الرجال، يقول الشاعر :

 

قومي أمعكي يا غطيطة شعرتك بالخيط ** لما أجيب لك طورنين مخيط

وأعطي وحياة راسى نعل من هربيط*واجي لعندك واشيل رجليك بالغيط*(28)

 

   .. وتظهر قصيدة أبي شادوف قسوة الحكم العثماني على الفلاح في جباية الملتزم لجباية الضرائب وعنف الكاشف وإلزام الفلاح بتقديم الطعام لهم والعلف لركائبهم والتكليف بالعونة «السخرة» بدون أجر:

«ولا ضــرني إلا إن ابن عمي محيلبة ***  يوم تجي الوجــبة علي يحيف

 

ومن نزلة الكُشّـَاف شابت عوارضي*** وصار لقلبي لوعــة ورجيف

يوم يجي الديوان تبطل مفاصـيلي *** وأهُرُّ على روحـي من التخــويف

ويا دوب عمري في الخراج وهمه*** تقضى ولا لي في الحصاد سعيف

ويوم تجي العونة على الناس في البلد ***  تخبيني في الفرن أم وطيف

وأهرب حدا النسوان والتف بالعبا *** ويبقى ضراطي شبه طبل عنيف»

 

      .. قدم الشيخ الشربيني صورة مؤلمة لأوضاع الريف في عصره بأدق تفاصيلها التي أمتدت إلى تفاصيل ما يحدث بين المرأة وزوجها في فراش العشق .. بلغة انفعالية بمضمون فكاهي وأسلوب ساخر سهل يخلو في مواضع كثيرة من آداب السرد، لكننا نؤكد على أهمية تلك الوثيقة التي لم نستطيع أن نعرف شيئاً عن شخص كاتبها بما يفيدنا كثيرا،ً ويجيب على أسئلتنا : لماذ هذه الوثيقة ؟!! .. وتحت أي ظرف كتبت ؟!!، ومع ذلك لا بأس بغض النظر عن تدني اللغة وإسفاف القول فهي وثيقة لها أهميتها عندما تدعمها وثائق أخرى في رسم صورة للتاريخ الاجتماعي للمصريين في الوقت الذي كتبت فيه، والذي يرجح الباحثون أنها كتبت في سنة 1098 هـ ـ 1686 م في عصر الدولة العثمانية،بينما يرى همفري ديفيز أنه كتب في حدود سنة 1660م .

 

       بدأ الشيخ الشربيني القصيد بقوله :

 

«قال الفقير يوسف بن خضر *** لله حمدي دائما وشكري

ثم الصــــلاة والسـلام أبدا *** على رسوله الكريم أحمدا

كـــذالك كـل آله وصحبه  *** ومن قفـاه بعدهم من حزبه

وبعـد إني ناظم أرجوزة *** لطيفــــة مفـــيدة وجــــــيزة

تخبر عن حال ذوي الرزالة *** كذا عوام الريف لا محالة»

 

     .. وأنهى الشيخ الشربيني قصيده بقوله :

 

«تم كتاب الهلس والتخريف *** وما جرى في وصف أهل الريف

جعلته جزأين باختصار *** فجاء كالزبلة في التيار

لكنه مع ثقل المعاني ***  وخبط عشوا يا ذوي العرفان

ولفظه الكثيف  في المقال *** وحشوه مسائل الهبال

ولفظة جاء كما الحس في الخرا *** يا وجه الأصحاب حقيق لا مرا

فليس يخلو جمعه من فائدة *** من نكتة أو قصة مشاهدة

وأصل ما ألجأني لفعله *** وشرحه ونسخه ونقله

العارف الحبر وحيد الدهر *** وعالم الإسلام زاكي الفخر

شيخ إمام مصدر الطلاب *** وروضة العلوم والآداب

ومعدن الجود مع المطلوب *** أعني الإمام أحمد السندوبي

والله يرحم من قرأ كتابي *** هذا ويرشده إلى الصواب

ومن رأى فيه عيوبا وخلل *** وسدها فالشخص معدن الزلل

ولا تلمنى فالسماح أفضل *** وأعذر أخاك مكرها يا بطل

والحمد لله على التمام *** ثم صلاة الله مع سلام

على النبي الهاشمي أحمد *** والآل والأصحاب أنجم الهدى

ما غردت ساجعة الأطيار *** أو لاح برق في دجا الأسحار»

 

***

 

        يرى بعض محققي التراث أن الشيخ يوسف الشربيني مؤلف «هز القحوف» قد أفاض في تحقير الفلاحين، بينما يرى محققون آخرون أنه رسم صورة لواقعهم بهدف الدعوة للأخذ بأيدهم لمواجهة معضلات حياتهم وإقالتهم من عثراتهم، ويبدو أن الفريق الثاني غير مُلم بطبيعة «التكوين النفسي والثقافي» الذي خلفته الحياة في مجاهل الريف في نفوس تلك العناصر التي حققت حلم الخروج من «جحيم القرية» من أمثال الشيخ الشربيني، والذين لا تراودهم أبداً فكرة العودة إليها مرة أخرى مهما كانت الظروف؛ للأخذ بأيدي من بقوا على مذاودها من «شرار البقر» يعيثون فيها فساداً، وينشرون ثقافة التخلف، ونكران حقوق الآخر!!، فضلاً عن الرفض الريفي للاستجابة للمؤثرات الحضارية باعتبارها ترفاً لا وقت ولا لزوم له !!

 

الفصل السادس :

ــــــــــــــــــــــــــ

 

دفع الإصر عن كلام أهل مصر

 

     يرجع تاريخ تأليف مخطوط : «دفع الأصر عن كلام أهل مصر» إلى فبراير 1606م أي قبل كتاب «هز القحوف في شرح قصيد أبو شادوف» بحوالي ستة عقود، الكتاب تأليف الفقيه العلامة الشيخ يوسف أبو المحاسن جمال الدين ابن زكريا ابن حرب المغربي المصري الأزهري، وشهرته:يوسف المغربي .. في هذا الشهر بدأ العالم الجليل في تصنيف معجم لغوي ضخم يرصد فيه كلام الناس في شوارع المحروسة وحواريها، مركزاً على العامية القاهرية بالأساس؛ وقد ذكر المؤلف في مقدمة مخطوطة أن الذي دفعه لتأليف الكتاب ما يوجه إلى العامية المصرية من نقد، في محاولة إثبات أن ما ينطق به أهل مصر لغة عربية صحيحة أو قريبة من الصواب، وليثبت ما اتصل من كلام الناس باللغة العربية، واستمر عمل الشيخ يوسف حتى انتهى من تصنيفه في شهر سبتمبر سنة 1606 م .

 

      .. وبعد أن انتهى من مؤلفه أسرع به فرحاً إلى البيت البكري «شيوخ السجادة» ونقباء الأشراف آنذاك، وكان البيت البكري منتدى أدبياً وعلمياً، وفيه تلقى المغربي تعليمه على أيدي كبار العلماء، واعترافاً بالفضل فقد أهدى الكتاب إلى البيت البكري ليستقر «دفع الأصر عن كلام أهل مصر» في مكتبة الأسرة البكرية، وسبب هذا يذكره الشيخ المغربي في مقدمة مخطوطة : «دفع الأصر عن كلام أهل مصر»؛ وهو ارتباط المُريد بشيخه القطب الصوفي البكري الذي يتولى الأخذ بيده في «طريق السالكين» إذ يقول :

 

     «يعرف الفرس العربي من الهجين بالصهيل، وهذا هو الإعراب، وكذلك تُميز خبيث القول من طيبه بمراعاة القواعد؛ فقصدت شفاعة النبي العربي صلى اللة عليه وسلم أن يُرتب هذا الكتاب أبهج ترتيب، ويهذب ما يقع من عوام أهل مصر بأن يرجعه للصواب، وهذا هو التعريب، مبيناً لما حكم بخطأئه أنه صواب، وسميته : «الفضل العام، وقاموس العوام».. يقول الشيخ المغربي في مقدمة مخطوطه ما معناه أن نفحة من نور شمس الولاية شيخه محيي الدين ابن عربي أصابته؛ فقام بتغيير الأسم إلى (دفع الأصرعن كلام أهل مصر)».*(1)

 

      .. و«الإصر» هو التكليف الشاق والعهد الثقيل، أو الميثاق، أو عبئ ثقيل، والإصر: الذنب الذي ليس فيه توبة و لا كفارة، والإصر: هو العهد المؤكد الذي يثبّط  ناقضه عن الخيرات والثواب، والإصر: هو عقد الشيء وحبسه بقهر.

 

       وقد اشتغلت على النسخة الوحيدة المتاحة لي، والتي حصلت عليها بشق الأنفس، وهي من تحقيق المستشرقة : اليزبيث زاك حيث أن النسخة الوحيدة من كتاب يوسف المغربي محفوظة في مكتبة جامعة بطرسبرج الحكومية في موسكو، والتي أودعت هناك عن بمعرفة اللغوي المصري محمد عياد الطنطاوي، وبفعل الزمن تعرضت للتلف وضاع منها حوالى عشر كراسات (١١٠ ورقة)، وليس بين أيدينا من المواد التي ضاعت سوى ما اثبته الشيخ محمد ابن أبى السرور البكري، ويوسف الملوي في كتابهما بعنوان : «القول المقتضب فيما وافق لغة أهل مصر من لغات العرب».*(2)

 

       وترجع حكاية محمد ابن أبي السرور إلى أنه كان أحد أطفال بيت البكري حين تأليف كتاب : (دفع الأصرعن كلام أهل مصر)؛ فلما بلغ مبلغ الرجال وصار الشيخ محمد ابن أبي السرور زين العابدين ابن محمد أبي المكارم البكري الصديقي، وبمطالعة بعض ما حوته مكتبه أجداده أمسك بهدية المغربي لأحد أجداده، وأخذ منها موقفاً نقدياً كانت نتيجته كتاباً آخر في الموضوع نفسه وبعنوان : «القول المقتضب فيما وافق لغة أهل مصر من لغات العرب»؛ فاهتم الشيخ محمد ابن أبي السرور بكتاب يوسف المغربي، وموضوعه غير أنه رأى أن المغربي قد أسهب فيه غاية الإسهاب باستطراده بعض الألفاظ اللغوية التي ليست من شرط الكتاب مع ذكره أشعاراً وحكايات من قبيل الاستطراد لا معنى لها في هذا التصنيف، ولا مدخل لها في هذا التأليف؛ فرأي البكري أن يلخص هذا الكتاب، يقول ابن أبي السرورفي مقدمته :

 

      فخطر لي أن ألخص من محاسنة والتقط دره من مكامنه، ولم أذكر فيه إلا كل لفظ أصل في اللغة العربية الناطق به أهل الديار المصرية مرتبا ذلك ترتيب المعجم وسميته : «القول المقتضب فيما وافق لغة أهل مصر من لغات العرب»

 

     وقد انتهى البكري من اختصاره في 1057 هـ ـ 1647م كما جاء خاتمة الكتاب، ويبدو أن وجهة نظر البكري لم تتفق مع وجهة ناسخ كتابه وهو الشيخ يوسف الملوي الشهير بان الوكيل؛ فعندما بدأ الملوي في نسخ «القول المقتضب» أعاد إلى نسخته كثيراً مما تركه ابن أبي السرور البكري من أصل كتاب :«دفع الأصرعن كلام أهل مصر» قائلاً :

 

    (إني لما شرعت في في كتابة هذا المنتخب منَّ الله علي، وله الحمد بأصل النسخة المنتخبه منها وهي المسماة «دفع الأصرعن كلام أهل مصر» بخط مؤلفها الإمام العلامة يوسف المغربي؛ فوجدته كتاباً مشتملاً على شفاء الصدور وبهجة النفوس ومرتباً على حروف الهجاء كترتيب القاموس، حاويا من الأشعار الرائقة والنكات الفئقة ما يشهد لصاحبه بطول اليد في اللغات واستكماله من العلوم لسائر الأدوات، وأن المرحوم الشيخ ابن أبي السرور البكري قصّر في الانتخاب ولم يثبت في كتابه إلا ما أصل في كتب اللغة خوفاً من الإسهاب.

         ورأيت ذلك أخل بالمقصود في وضع الأصل، وأن ما أتى به لا فائدة منها لوجوده في كتب اللغة المشهورة عن أهل الفضل، فأحببت أن أضم له ما تفرد به أهل مصر من اللغة التي لا يستعملها أحد من الأمم سواهم كما فعله صاحب الأصل وتوجيه ما استعملوه مما لم يوجد في النقل؛ ليكون نفعاً للمستفيد، وباعثاً لمطالعته؛ لأن النفس مولعة بكل غريب وجديد.).

 

       وهكذا أعادت نسخة الملوي كتاب «القول المقتضب» إلى أصله وأصبح لا يمكن قراءة كتاب «دفع الأصرعن كلام أهل مصر» إلا من داخل كتاب «القول المقتضب».

 

     وإذا كان كتاب المغربي «دفع الأصرعن كلام أهل مصر» لم يصل إلينا كاملاً فقد وصل إلينا مختصره الذي هو «القول المقتضب» لمؤلفه محمد ابن أبي السرور، والذي حققه الأستاذ السيد ابراهيم سالم لنواجه بإشكالية أخرى وهي أن البعض ارتأى ان تلك الطبعة قد شابها مجموعة من أوجة القصور البينة منها سقوط كثير من المواد اللغوية، ووجود نقص في بعض المواد التي نسخها المحقق بالرغم من وجودها في النسخ الخطية، وإضافة المحقق إلى نص المؤلف كثير من الإضافات، وإعادة صياغة بعض المواد بما لا يتفق مع النسخ الخطية، وإغفال كثير من المقابلات الدالة بين النص والخطبة، وقراءة بعض المواد اللغوية قراءة خاطئة رغم وضوحها في النسخ الخطية بما لا يدعو للشك،  والميل بلغة المخطوط ناحية معاجم اللغة العربية الفصحى، وهو ما يخالف طبيعة موضوع الكتاب أصلا،ً وليس له سند في النسخ الخطية، وضبط الكلمات ضبطاً يحدد طبيعة صوتية ما، وهو ما لا يرتكز على سند شكلي في النسخ الخطية ولا موضوعي في موضوع الكتاب، وكتابة الهوامش بما لا يتصل بالكلمات المشار إليها بالمتن، وعدم الاهتمام بتخريج الأيات القرآنية والأحاديث النبوية والتعريف بالأعلام، وهوعمل في صلب منهج التحقيق، بالإضافة إلى خلو التحقيق من أية فهارس عامة أو كشافات تعين القاري على الولوج إلى النص.*(3)

 

     مما حدا بالمحققين الشابين هشام عبد العزيز ،عادل العدوي إلى إعادة تحقيق الكتاب في طبعة صادرة عن أكاديمية الفنون قدم لها رئيس الأكاديمية د. مدكور ثابت .*(4)

***

       ومنذ أن وضع الشيخ يوسف المغربي مؤلفه وقد توالت المؤلفات التي تعني بلغة الناس؛ فوضع محمد ابن أبي السروركتابه :«القول المقتضب» إلى أن تأتي محاولة أحمد تيمورباشا ليقوم بوضع معجمه الكبيربعنوان:«معجم تيمور الكبير في الألفاظ العامية»*(5) بالإضافة إلى كتابه بعنوان :«الكنايات العامية»*(6)، بالإضافة إلي معجم «الأمثال العامية»*(7)، وقام حسن أفندي توفيق العدل بوضع كتابه بعنوان:«أصول الكلمات العامية»*(8)، ود. أحمد عيسى بوضع كتابه بعنوان : «المحكم في أصول الكلمات العامية»*(9) والأمير شكيب أرسلان بوضع كتابه بعنوان :«القول الفصل في رد العامي إلى الأصل»*(10) كذلك أحمد أمين بوضع كتابه بعنوان:«قاموس العادات والتقاليد والتعابيرالمصرية»*(11) وتوالت بعد ذلك الجهود ومنها محاولة د . عبد المنعم سيد عبد العال في :«معجم الألفاظ العامية ذات الحقيقة والأصول العربية .. مأخوذ من القرآن ـ الحديث ـ معاجم اللغة ومأثورها».*(12)، ومحاولة د. ممدوح محمد خسارة في: «معجم فصاح العامية من لسان العرب».*(13)

 

الفصل السابع  :

ــــــــــــــــــــــــــ

 

معاجم فصاح العامية

 

       كان تحريف الكلمات في اللغة العربية الأمر الذي اصطلح على تسميته بـ «اللحن»، وانتشار الكلمات العامية في سياقات الكلام والبيان منذ القرن الثاني الهجري، مما أثار تخوّف اللغويين من أن تنال تلك الظاهرة من مكانة الفصحى، وأن تزاحمها وهى لغة التنزيل الكريم، والجامعة للأمة، بما دفع أولئك اللغويين إلى التصدي لتك الظاهرة في محاولة للحد من ذيوعها وانتشارها؛ فكانت العديد من المؤلفات في تصحيح العامي وتفصيحه ومن أهم تلك المؤلفات :

 

1ـ كتاب ما تلحن فيه العوام للكسائي (189هـ) .

2 ـ إصلاح المنطق لابن السكيت (244هـ ) .

3 ـ كتاب أدب الكاتب لابن قتيبة  (276هـ) ,

4ـ لحن العوام للزبيدي ( 379 هـ ). *(1)

 

     وعلى الإجمال فقد أُلف في إصلاح لغة العامة، ورد اللحن حتى عام (1087هـ) نحوسبعة وخمسين كتاباً بحسب قائمة منتقاة أعدها د. رمضان عبد التواب*(2)، لكن الدكتور محمد ضاري حمادي يقول أن هناك قوائم وصل فيها العدد إلى نحو الستين*(3) .

معاجم فصاح العامية في القديم :

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

      وبعد ثلاثة قرون من حركة التصحيح اللغوي نحى اللغويون منحى جديد بـتأليف معاجم فصاح العامية بعد أن لاحظ لغويون أن بعض مصنفات التصحيح تجاوزت حدود ما هو مقبول من التصحيح إلى ما هو غير مقبول من التشدد، ومن أهم هذه المؤلفات :

1 ـ تثقيف اللسان وتلقيح الجنان لابن مكي الصقلي (501 هـ) .

2 ـ المدخل إلى تقويم اللسان، وتعليم البيان لابن هشام اللخمي (577هـ).

3 ـ بحر العوَّام فيما أصاب فيه العوام لرضي الدين الحنبلي ( 971 هـ ).

4 ـ دفع الإصر عن كلام أهل مصر للشيخ يوسف المغربي (1015 هـ).

 

معاجم فصاح العامية

في العصــر الحديث :

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

    وقد نشطت حركة التصنييف المعجمي في العصر الحديث، وكان وراء هذه الحركة دوافع مشروعة، وهي رد الاعتبار إلى الصحيح من كلام العامة مما تتحاماة الخاصة بتوهم عاميته، وتتواصى بالعدول عنه إلى بدائل أخرى، وهى حركة تصب في إطار التجديد اللغوي وتيسير التواصل، لأن «الكشف عن الألفاظ الفصيحة وتثبيتها لا يقل أهمية عن أهمية إصلاح الألفاظ الفاسدة المحرفة».

      وأهم معاجم فصاح العامية في العصر الحديث ما يلي :

       1 ـ تهذيب الألفاظ العامية للشيخ محمد على الدسوقي.

      2 ـ معجم رد العامي إلى الفصيح للشيخ أحمد رضا.

      3 ـ القول الفصل في رد العامي إلى الأصل للأمير شكيب أرسلان .

      4 ـ معجم فصاح العامية لهشام النحاس .

      5 ـ معجم فصيح العامية لأحمد أبو سعد .

      6 ـ معجم الألفاظ العامية ذات الحقيقة والأصول العربية للدكتور عبد المنعم سيد عبد العال .

     7 ـ المعجم الدلالي بين العامي والفصيح للدكتور عبد الله الجبوري .

     8 ـ معجم العامي الفصيح من كلام أهل الشام للدكتور رضوان الداية .

     9 ـ بقايا الفصاح لشفيق جبري .

   10 ـ تكملة القواميس العربية  للمستشرق دوزي

حركة التصيح اللغوي :

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

     وقد انتجت لنا حركة التصحيح اللغوي «الاحتجاج اللغوي» منذ نشأتها في القرن الثاني الهجري كماً هائلاً من المؤلفات شكلت صنفاً خاصاً من الدراسات فاق التأليف في علوم كثيرة، وقد حاول فريق من الباحثين حصر هذا اللون من التراث ووصفه، والدعوة إلى إحيائه ونشره؛ فأعد د. رمضان عبد التواب قائمة منتقاة بتلك المؤلفات قوامها سبعة وخمسين مؤلفاً :

1 ـ ما تلحن فيه العوام للكسائي 189 هـ .

2 ـ ما يلحن فيه العامة، لأبي الهيذام، من علماء القرن الثالث الهجري .

3 ـ البهاء فيما تلحن فيه العامة، للفراء 207 هـ .

4 ـ ما تلحن فيه العامة، لأبي عبيدة 208 هـ .

5 ـ ما يلحن فيه العامة، للأصمعي 216 هـ .

6 ـ ما خالفت العامة فيه لغات العرب، لأبي عبيد 224 هـ .

7 ـ  ما يلحن فيه العامة، لأبي نصر الباهلي 231 هـ .

8 ـ إصلاح المنطق لأبن السكيت 244 هـ .

9 ـ ما يلحن فيه العامة ، للمازني 249 هـ .

10 ـ ما تلحن فيه العامة، لأبي حاتم السجستاني 255 هـ .

11 ـ النحو، ومن كان يلحن من النحويين، لأبن شبة 262 هـ .

12 ـ أدب الكاتب، لأبن قتيبة الدينوري 280 هـ .

13 ـ ما يلحن فيه العامة، لأبي حنيفة الدينوري 280 هـ .

14 ـ لحن العامة ، لأبي على الدينوري 289 هـ .

15 ـ الفصيح ، لأبي العباس ثعلب 291 هـ .

16 ـ تقويم اللسان، لابن دريد الأزدي  321هـ .

17 ـ تقويم الألسنة، للديمرتي من علماء القرن الرابع الهجري .

18 ـ فائت الفصيح ، لأبي عمر الزاهد 345 هـ

19 ـ إصلاح غلط المحدثين، للخطابي 388 هـ

20 ـ تمام فصيح الكلام، لابن فارس اللغوي 395 هـ

21 ـ التنبية على حدوث التصحيف، لحمزة الإصفهاني 350 هـ

22 ـ ليس في كلام العرب،لابن خالويه 379 هـ .

23 ـ لحن العوام،لأبي بكر الزبيدي 379 هـ

24 ـ ما يلحن فيه الخواص من العلماء، لأبي أحمد العسكري 382 هـ .

25 ـ ما تلحن فيه الخاصة، لأبي هلال العسكري 395 هـ

26 ـ تثقيف اللسان وتلقيح الجنان،لابن مكي الصقلي 501 هـ .

27 ـ درة الغواص في أوهام الخواص، للحريري 516 هـ .

28 ـ ما تلحن فيالعامة، للكفرطابي 533 هـ .

29 ـ اللحن الخفي، لهارون ابن أحمد الحلبي 537 هـ .

30 ـ التكملة فيما يلحن فيه العامة، للجواليقي 539 هـ .

31 ـ المدخل إلى تقويم اللسان، لابن هشام اللخمي 577 هـ .

32 ـ غلط الضعاء من الفقهاء، لابن برى 582 هـ.

33 ـ تقويم اللسان، لابن الجوزي 597 هـ .

34 ـ ذيل فصيح ثعلب، لعبد اللطيف البغدادي 629 هـ

35 ـ تهذيب الخواص من درة الغواص،لابن منظور 711 هـ .

36 ـ لحن العوام فيما يتعلق بعلم الكلام، لأبي على التونسي 717 هـ

37 ـ الفوائد العامة في لحن العامة، لابن جزي الكلبي 741 هـ .

38 ـ تصحيح التصحيف وتحرير التحريف، للصفدي 764 هـ .

39ـ إيراد اللآل من إنشاد الضوالّ،لابن خاتمة الأنصاري حوالي770هـ.

40 ـ الجماعة في إزالة الرطانة، لابن الإمام , بعد 827 هـ .

41 ـ غلطات العوام ، المنسوب للسيوطي 911 هـ

42 ـ التنبية على غلط الجاهل والنبيه، لابن كمال باشا 940 هـ .

43 ـ عقد الخلاص في نقد كلام الخواص، لرضي الدين الحنبلي 971 هـ .

44 ـ بحر العوّام فيما أصاب فيه العوام، لرضي الدين الحنبلي 971 هـ .

45 ـ سهم الألحاظ في وهم الألفاظ، لرضي الدين الحنبلي 971 هـ .

46 ـ خير الكلام في التقصيّ عن أغلاط العوام، لعلى بن بالي القسطنطيني 992 هـ .

47 ـ نفائس عرائس الكلام، لخسرو زادة 998 هـ .

48 ـ دفع الإصر عن كلام أهل مصر، للشيخ يوسف الشربيني 1019هـ

49 ـ القول المقتضب، لأبي السرور 1087 هـ .

50 ـ أصول الكلمات العامية لحسن افندي توفيق العدل  1322 هـ .

51 ـ لغة الجرائد ، للشيخ ابراهيم اليازجي 1324 هـ .

52 ـ تهذيب الألفاظ العامية، للشيخ محمد على الدسوقي 1331 هـ .

53 ـ تذكرة الكاتب، لأسعد خليل داغر 1354 هـ .

54 ـ أخطاؤنا في الصحف والدواوين، للزعبلاوي 1358 هـ .

55 ـ المُحكم في أصول الكلمات العامية، د. أحمد عيسى بك 1365 هـ

56 ـ عثرات اللسان في اللغة، لعبد القادر المغربي 1375 هـ ,

57 ـ حول الغلط والفصيح على ألسنة الكتاب لأحمد أبي الخضر منسي، سنة 1383 هـ .

       ويرى د. محمد ضاري حمادي: أن د. رمضان عبد التواب قد جمع خمسة قوائم أخرى هى: قائمة تروبيكه ١٨٧١م، وقائمة عيسى اسكندر المعلوف ١٩٣٤م، وقائمة عزالدين التنوخي ١٩٣٦م، وقائمة د. حسين نصار1956م، وقائمة المستشرق ريزيتاو1956م، ومع هذا الجهد المحمود فات د. رمضان عدة قوائم هى : قائمة فيلهم آلورد ١٨٩٤م، وقائمة مصطفي الشهابي ١٩٦٣م، وقائمة جورج كولان ١٩٦٥م، وقائمة عبد الحميد العلوجي ١٩٦6م، وقائمة د. عبد العزيز مطر1967م، وقائمة د. ابراهيم السامرائي في نفس السنة، ومع هذا لم يقف الجهد الإحصائي في هذا المجال فظهرت بعد قائمة د. السامرائي ثلاث قوائم في سنة ١٩٧١: الأولى للدكتور حسين نصار والثانية للدكتور محمد عيد، والثالثة لوجدي رزق غالي.

***

 

    يبذل اللغويون قصارى جهودهم التي تذهب حصيلتها إلى بطون الكتب، وتظل حالة الارتباك اللساني قائمة في الشارع؛ مما حدا بعلماء الاجتماع إلى التأكيد على أن:«اللغة الجيدة» لا تكتسب ولا تستخدم إلا في بيئة جيدة ومناخ صحي نظيف يُطلق عليه «مجتمع الجودة الاجتماعية» .

 

 

 

مراجع الكتاب :

 

1 ـ  د. أحمد زكي بدوي، معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية، مكتبة لبنان ـ 1982

 

2 ـ  د. عبد العزيز نوار، تاريخ مصر الاجتماعي.. منذ فجر التاريخ حتى العصر الحديث، دارالفكرالعربي ـ االقاهرة 1988

 

3 ـ ياسر بكر، «فئران المركب».. دراسة في التاريخ الاجتماعي، E. Book ـ بلد النشر : مصر 2020

 

4 ـ د. نزيه نصيف الأيوبي، الدولة المركزية في مصر ، ط١ ـ مركز دراسات الوحدة العربية ـ بيروت ١٩٨٩

 

5 ـ إميل دوركهايم ، في تقسيم العمل الاجتماعي، ترجمة حافظ الجمالي، مجموعة الروائع الإنسانية السلسلة العربية ،بيروت ١٩٨٢

 

6 ـ د.حسن ظاظا، اللسان والإنسان.. مدخل إلى معرفة اللغة، مكتبة الدراسات اللغوية ـ عدد ١ ، دار القلم ، دمشق ـ الدار الشامية ، بيروت ـ ط٢ 1990م

 

7 ـ ب. ج. براندر، ترجمة وتقديم : هاشم أحمد محمد ، رؤية الفوضى .. استطلاعات عن انحسار الحضارة الغربية ، المركز القومي للترجمة ـ العدد 2493، ط 1  ـ مصر 2016

 

8 ـ اسماعيل مظهر ، معضلات المدنية الحديثة، الناشر مؤسسة هنداوي، المملكة المتحدة 2017

 

9 ـ أبو زيد ولى الدين عبد الرحمن بن محمد ابن خلدون ، «العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر»، طبعة مصححة اعتني بإخراجها، وألحق بها فهارس للأحاديث وللموضوعات  أبو صهيب الكرمي، بيت الأفكار الدولية ، عمان  ـ الأردن «بدون تاريخ» .

10 ـ د. رمضان عبد التواب، التطور اللغوي .. مظاهرة وعلله وقوانينه ، مكتبة الخانكي  ـ القاهرة 1997

 

11 ـ جون هيلز، جوليان لوجران، دافيد بياشو، الاستبعاد الاجتماعي، ترجمة د. محمد الجوهري، عالم المعرفة ـ العدد ٣٤٤ ـ الكويت ، اكتوبر ٢٠٠٧

12 ـ ديفيد كريستال، موت اللغة، ترجمة : فهد ابن مسعد اللهيبي

 

13 ـ د. زينب أبوالمجد ، عسكرة الأمة: الجيش والأعمال التجارية والثورة في مصر، الناشر: مطبعة جامعة كولومبيا- (E-BOOK). ـ نيويورك 2017

 

14 ـ بيترجروبر، فن العدوان :الانفعالات، والطاقات، تقييدها والسيطرة عليها ، تقديم روبرت ليه، تعريب : نوال الحنبلي ، مكتبة العبيكان ـ الرياض 2004

 

15 ـ مقال أ. د. محمود السيد ، العربيزي ظاهرة خطيرة على لغتنا العربية ، مجلة التعريب، المركز العربي للتعريب والترجمة والتأليف والنشر، العدد ٤٩ ـ دمشق ، ديسمبر ٢٠١٥

 

16 ـ ديفيد كريستال ، اللغة وشبكة المعلومات العالمية، ترجمة أحمد شفيق الخطيب، المركز اقومي للترجمة، ط١ ـ العدد ١٥٩٩ ـ القاهرة 2010

 

17 ـ د. نبيل علي ، العرب وعصر المعلومات، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت ط1، 1994

 

18 ـ ياسر بكر، أخلاقيات الصورة الصحفية ، مطابع حواس ـ القاهرة 2012

 

19 ـ باربارا ويتمر، الانماط الثقافية للعنف ، عالم المعرفة ـ العدد337، الكويت ـ مارس 2007

 

20ـ إدوارد تي. هول، اللغة الصامته ،  ترجمة : لميس فؤاد اليحيى، الأهلية للطبع والنشر ـ الأردن  2007

 

21 ـ د . إدوارد سعيد ، المثقف والسلطة ، ترجمة وتقديم : د. محمد عنان ، رؤية للنشر والتوزيع  ـ القاهرة 2006

 

22 ـ  د. محمد ضاري حمادي، حركة التصحيح اللغوي في العصر الحديث 1850 ـ 1978 م، منشورات وزارة الثقافة والإعلام بالجمهورية العراقية ـ سلسلة دراسات ، العدد ٢٣٩ ـ دار الرشيد للنشر، بغداد ١٩٨٠

 

23 ـ  مجموعة مؤلفين، جدليّات الاندماج الاجتماعي وبناء الدولة والأمة في الوطن العربي، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ط 1 ـ بيروت 2014

 

24 ـ  مؤلفون متعددون، تقديم وتحرير : محمد السيد سعيد، حكمة المصريين، مركز القاهرة لدرراسات حقوق الإنسان ـ القاهرة ٢٠٠٠

 

25 ـ  فيليب تايلور، قصف العقول .. الدعاية للحرب منذ العالم القديم حتى العصر النووي، ترجمة سامي خشبة ـ العدد 256، عالم المعرفة ـ المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ـ الكويت أبريل 2000

 

26 ـ ياسر بكر، حرب المعلومات، حواس للطبع والنشر ـ القاهرة 2017

 

27 ـ  سيرجى قرة /مورزا، التلاعب بالوعى ، ترجمة : عياد عياد، وزارة الثقافة ، الهيئة العامة السورية للكتاب، دمشق 2012

 

28 ـ هربرت . أ . شيللر، المتلاعبون بالعقول ، ترجمة عبد السلام رضوان ـ عالم المعرفة عدد 106 ـ الكويت، أكتوبر 1986

 

29 ـ دافيد إدواردز، دافيد كرومويل، حراس السلطة .. أسطورة وسائل الإعلام الليبرالية ـ ترجمة آمال الكيلاني، مكتبة الشروق الدولية، القاهرة 2007

 

30 ـ فرنسيس فوكوياما، نهاية التاريخ، وخاتم البشر، ترجمة حسين أحمد أمين، مركز الأهرام للترجمة والنشر ـ القاهرة 1993

 

31 ـ  سارة البلتاجي، الأمن الاجتماعي ـ الاقتصادي والمواطنة النشطة في المجتمع المصري، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ، ط 1ـ بيروت 2016

 

32 ـ د. أحمد يوسف، المخطوط السري لغزو مصر ، كتاب الهلال، العدد 525، سبتمبر 1994ـ دار الهلال القاهرة

 

33 ـ د. ليلى عنان، الحملة الفرنسية بين الأسطورة والحقيقة: كتاب الهلال رقم 500 أغسطس 1992، القاهرة 1992

 

34 ـ  د. ليلى عنان، الحملة الفرنسية تنوير أم تزوير، كتاب الهلال ، العدد رقم ٥٦٧،  القاهرة ـ مارس ١٩٩٨

 

35 ـ د.ليلى عنان ، الحملة الفرنسية في محكمة التاريخ، كتاب الهلال رقم 574 أكتوبر 1998 ـ الفاهرة 1998

 

36 ـ علماء الحملة الفرنسية، ترجمة زهير الشايب، وصف مصر .. المصريون المحدثون، الطبعة 3 ـ  دار الشايب ـ القاهرة 1992

 

37 ـ  أيهاب الملاح، سيرة الضمير المصري: معالم في تاريخ المصري الحديث، الرواق للنشر والتوزيع ـ القاهرة 2020

 

38 ـ  د. عبد الوهاب بكر ، مجتمع القاهرة السري (1900 ـ 1951)، العربي للنشر والتوزيع ـ القاهرة 2001

 

39 ـ  د. زينب أبو المجد،امبراطوريات متخيلة .. تاريخ الثورة في الصعيد، ترجمة أحمد زكي عثمان، المركز القومي للترجمة  ـ عدد 2968 ـ القاهرة 2018

 

40 ـ  العلامة الشيخ محمد ابن يوسف ابن عبد الجواد ابن خضر الشربيني، هز القحوف قي شرح قصيدة أبي شادوف، الطبعة الثانية ، التي طبعت على نفقة الشيخ محمود موسى شريف الكتبي،  المطابع الأميرية ببولاق مصر المحمية ـ سنة 1308هـ ـ 1890م

 

41ـ تحقيق ومقدمة :همفري تيمن ديفيز، تقديم: د. نللى حنا، هز القحوف بشرح قصيد أبي شادوف ـ بيترز ـ لوفين ـ 2005

 

42 ـ يوسف ابن محمد الشربيني، هز القحوف بشرح قصيد ابي شادوف، تحقيق همفري ديفيز، المكتبة العربية ـ معهد جامعة نيويورك ـ أبوظبي .

 

43 ـ د.نللي حنا، مصر العثمانية والتحولات العالمية 1500 ـ 1800 هـ ، ترجمة مجدي جرجس، المركز القومي للترجمة ـ عدد رقم 2805، الطبعة 1 ـ القاهرة 2016

 

44 ـ نابليون بونابرت، مذكرات نابليون.. الحملة على مصر، ترجمة : عباس أبو غزالة، المركز القومي للترجمة، العدد 2318 ـ القاهرة 2019

 

45 ـ اللورد كرومر، مصر الحديثة ، ج1 ، ط ١، ترجمة صبري محمد حسن ـ المركز القومي للترجمة ،عدد رقم ٢١٥6، القاهرة ٢٠١4

46 ـ اللورد كرومر، مصر الحديثة ، ج٢ ،ط ١، ترجمة صبري محمد حسن ـ المركز القومي للترجمة ،عدد رقم ٢١٥٧ القاهرة ٢٠١٥

 

47 ـ أحمد بهاء الدين، شرعية السلطة في العالم العربي، دار الشروق ـ القاهرة 1984، مقال بعنوان:«كلمات فقدت سمعتها فى حياة لغتنا الجميلة: الموضوعية.. العقلانية.. الواقعية.. لماذا صارت كلمات رديئة؟!»

 

48 ـ ول ديورانت : قصة الحضارة ، ترجمة زكي نجيب محمود، لجنة التأليف والترجمة والنشر ،القاهرة، ج 1، القاهرة 1949

 

49 ـ د . هدسون ، علم اللغة الاجتماعي، ترجمة : د. محمود عياد، الناشر : عالم الكتب ، القاهرة 1990 

 

50 ـ د. محمد عابد الجابري، فكر ابن خلدون في العصبية والدولة .. معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي، مركز دراسات الوحدة العربية ،ط ٦ ـ بيروت   ١٩٩٤

 

51 ـ نزيه . ن. الأيوبي، تضخيم الدولة العربية .. السياسة والمجتمع في الشرق الأوسط ، ترجمة : أمجد حسين، المنظمة العربية للترجمة، مركز دراسات الوحدة العربية ـ ط ١ ـ بيروت ٢٠١٠

 

52 ـ د. نزيه نصيف الأيوبي، الدولة المركزية في مصر، مركز دراسات الوحدة العربية، ط١ ، بيروت ـ سبتمبر  ١٩٨٩

 

53 ـ د. مجدي جرجس ، أثر الأراخنة على أوضاع القبط في القرن الثامن عشر، كتب عربية

 

54 ـ د.جمال حمدان،  شخصية مصر .. دراسة في عبقرية المكان  دار الهلال ـ القاهرة

 

55 ـ العلامة الإمام أبي الحسين أحمد ابن فارس ابن زكريا الرازي اللغوي ، الصاحبي في فقة اللغ العربية ومسائلها وسنن العرب في كلامها ، حققه وضبط نصوصه وقدم له د. عمر فاروق الطباع، ط ١، دار المعارف بيروت ١٩٩٣

 

56 ـ الأمير شكيب أرسلان، القول الفصل في رد العامي إلى الأصل، ط ٢،الدار التقدمية، بيروت ٢٠٠٨

 

57 ـ د. أحمد عيسى، المحكم في أصول الكلمات العامية، ط ١، مصطفى البابي الحلبي ـ القاهرة ١٩٣٩

 

58 ـ حسن أفندي توفيق العدل ، أصول الكلمات العامية ، ط 2، مطبعة مدرسة والدة عباس الأول ـ القاهرة 1907

 

59 ـ العلامة عبد الرحمن جلال الدين السيوطي، المزهر في علوم اللغة وأنواعها، شرحه وضبطة وعنون موضوعاته وعلق حواشيه: محمد أحمد جاد المولى بك، محمد أبو الفضل ابراهيم، على محمد البجاوي ـ طبعة البابي الحلبي ـ القاهرة  

 

60 ـ د. نفوسة زكريا سعيد، تاريخ الدعوة إلى العامية وآثارها في مصر،ط 1، دار نشر الثقافة بالأسكندرية ـ الأسكندرية 1964

 

61 ـ أحمد لطفي السيد، قصة حياتي، مؤسسة هنداوي، القاهرة 2013

 

62 ـ عبد العزيز فهمي، هذه حياتي، كتاب الهلال، العدد 145 القاهرة 1962

 

63 ـ الكابتن هـ .س .ارمسترنج، الذئب الأغبر مصطفى كمال ، كتاب الهلال، العدد 16 ـ القاهرة يوليو 1952

 

64 ـ سلامة موسى، البلاغة العصرية واللغة العربية، مؤسسة هنداوي ـ القاهرة 2012

 

65 ـ سلامة موسى، تربية سلامة موسى،مؤسسة هنداوي، القاهرة 2014 

 

66 ـ د. لويس عوض، أوراق العمر.. سنوات التكوين، مكتبة مدبولي ـ القاهرة 1989

 

67 ـ محمود شاكر، أباطيل وأسمار، مكتبة الخانكي، ط 3 ـ القاهرة 2005

 

68 ـ مايلز كوبلند، لعبة الأمم، تعريب: مروان خير، إنترناشيونال سنتر، ط1 ـ بيروت 1970

 

69 ـ  ت . س . فاتيكوس، جمال عبد الناصر وجيله، ترجمة سيد زهران، دار التضامنللطباعة والنشر والتوزيع، بيروت 1992

 

70 ـ  د. رءوف عباس، مصريون في عيون أمريكية ( بدون تاريخ أو رقم إيداع)

 

71 ـ سليم حسن، موسوعة مصر القديمة ، ج 17، الأدب المصري القديم : في القصة والحكم والأمثال والتأملات والرسائل الادبية، مؤسسة هنداوي ـ المملكة المتحدة 2017

72 ـ عبد الرحمن ابن محمد ابن خلدون، مقدمة ابن خلدون، جزءان، مهد لها ونشر الفصول والفقرات الناقصة من طبعتها، وحققها وضبط كلماتها وشرحها، وعلق عليها وعمل فهارسها د . على عبد الواحد وافي، دار نهضة مصر، ط 7 ـ القاهرة 2014

 

73 ـ جيمس هنري بريستيد، فجر الضمير، ترجمة سليم حسن ، مكتبة الأسرة ، المصريات، الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ القاهرة 2000

 

74 ـ فرانسو دوما، حضارة مصر الفرعونية، ترجمة ك ماهر جويجاتي، المشروع القومي للترجمة ، العدد 48  ـ القاهرة 1998

 

75 ـ بوسف المغربي، دفع الإصر عن كلام أهل مصر، تحقيق ودراسة : إليزابيث زاك

 

76 ـ محمد ابن أبي السرور الصديق الشافعي، القول المقتضب فيما وافق لغة أهل مصر من لغات العرب، تحقيق السيد ابراهيم سالم، دار الفكر العربي ـ القاهرة 1962

 

77 ـ د. عبد المنعم سيد عبد العال ، معجم الألفاظ العامية ذات الحقيقة والأصول العربية.. مأخوذ من القرآن ـ الحديث ـ معاجم اللغة ومأثورهاـ ط ٢ ، مكتبة الخانكي مصر ـ القاهرة ١٩٧٢

 

78 ـ تحقيق: هشام عبد العزيز،عادل العدوي، القول المقتضب فيما وافق أهل مصر من لغة العرب ، سلسلة التراث ـ عدد ١، أكاديمية الفنون ـ القاهرة ٢٠٠٦

 

79 ـ أحمد تيمور باشا، معجم تيمور الكبير في الألفاظ العامية، تأليف أحمد تيمور، تحقيق : حسين نصار، ج١، ط ٢، دار الكتب والوثائق القومية بمصر ـ مركز تحقيق التراثـ القاهرة ٢٠٠٢

 

80 ـ أحمد تيمور باشا ، الكنايات العامية، مؤسسة هنداوي ـ القاهرة ٢٠١٢

 

81 ـ  أحمد تيمور باشا، الأمثال العامية، مؤسسة هنداوي، القاهرة ٢٠١٤.

82 ـ  أحمد أمين، قاموس العادات والتقاليد والتعابيرالمصرية، مؤسسة هنداوي ـ القاهرة ٢٠١٢

83 ـ د. ممدوح محمد خسارة ، معجم فصاح العامية من لسان العرب، مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق ـ سوريا ٢٠٠٨

84 ـ د. رمضان عبد التواب، لحن العامة والتطور اللغوي، مكتبة زهراء الشرق، ط ٢، القاهرة سنة ٢٠٠٠

 

مقالات الدوريات العلمية المُحكمة :

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

       1 ـ مقال وهيب بوسعدية، حمود صبرينة بعنوان : «الأمن الثقافي في المفهوم والمهددات»، مجلة الباحث للدراسات الأكاديمية، مجلة دولية محكمة نصف سنوية، الناشر : كلية الحقوق ـ جامعة باتنة ، العدد 11 ـ الجزائر 2017

 

       2 ـ مقال د. عبد القادر على زروقي بعنوان : «الجماعات اللسانية من منظور «علم اللغة الاجتماعي» .. دراسة في المفهوم وآلية البحث»، مجلة الباحث في العلوم الإنسانية والاجتماعية، الناشر جامعى قاصدي مرباح ورقلة كلية الآداب واللغات ـ العدد 35 ـ الجزائر، سبتمبر 2018

 

   3 ـ مقال أ. د. محمود السيد بعنوان :« العربيزي ظاهرة خطيرة على لغتنا العربية»، مجلة التعريب، المركز العربي للتعريب والترجمة والتأليف والنشر، العدد ٤٩ ـ دمشق ، ديسمبر ٢٠١٥

 

   4 ـ مقال د .أميرة أحمد سليمان بعنوان :«تأثير فوضى المعلومات على مصداقية شبكات التواصل الاجتماعي ـ دراسة ميدانية على عينة من جمهور شبكات التواصل الاجتماعي»  ـ المجلة العربية للعلوم  ونشر الأبحاث (مجلة العلوم الإنسانية والاجتماعية ـ العدد 1 ـ م3 )، مركز القومي للبحوث بدولة فلسطين ـ يناير 2015

 

5 ـ مقال د. ممدوح محمد خسارة بعنوان : « معاجم فصاح العامية وأثرها في التجديد اللغوي»، مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق ـ المجلد ٨٤ الجزء ٣