الجمعة، يوليو 07، 2017

ياسر بكر يكتب : الوجد الصوفي .. وأنشودة البساطة !!



ياسر بكر يكتب : الوجد الصوفي .. وأنشودة البساطة !!

صورة من أقدم مخطوطة من بردة البوصيري بقسم المخطوطات بجامعة الملك سعود

في تلوانة .. وفي ليلة الجمعة من كل أسبوع، وبعد صلاة العشاء في مسجد سيدي محمد الحجازي كان الرجال يجتمعون تحت سقف قبة مقام سيدي جعفر بالدرب الكبير حيث يتحلقون في صحن يؤدي إلى غرفة الضريح يقرأون إحدى الصيغ السبعة في الصلاة على أشرف الخلق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من كتاب: "دلائل الخيرات وشوارق الأنوار في ذكر الصلاة على النبي المختار" لأبي عبد الله محمد ابن سليمان الجزولي المتوفي في سنة 870 هـ، ثم يشفعونها بأبيات من قصيدة "الكواكب الدرية في مدح خير البرية صلى الله عليه وسلم" للإمام محمد بن سعيد البوصيري المنسوب إلى بلدته أبو صير بين الفيوم وبني سويف بمصر، والمولود سنة 608 هـ ، وكان لتلك القصيدة أسماء أخرى منها "البرأة"؛ لأن البوصيري كما يزعمون برئ بها من علة الفالج، وكذلك سميت بـ "قصيدة الشدائد" ؛ وذلك لأنها - حسب زعمهم - تقرأ لتفريج الشدائد، وتيسير كل أمر عسير .

في طفولتي كانت تأسرني كلمات "دلائل الخيرات" و"نهج البردة"، كانت قرون من الزمان تفصل بيني وبين المؤلفين لكن كان الوجد متصلاً؛ فتنساب من عيني العبرات، وكنت أسعد لأمرين، كان أحدهما عندما علمت أن سيدنا رسول الله هو الذي أكمل الشطر الثاني من البيت : "مــولاي صـلي وسـلم دائماً أبدا" الذي أنشأه البوصيري، وأُغلق عليه فلم يتمه؛ فنام مهموما؛ فجاءه سيد الخلق صلى الله عليه وسلم في رؤيا وقال له :

"أكمل يا بوصيري الشطر الثاني للبيت، وقل: .. على حبيبك خير الخلق كلهم".

.. وكان ثانيهما : 

عندما قال لي أحد العارفين في سياق المواساة : أن الله سبحانه وتعالى قد منَ علىّ بجزء من "ميراث النبوة" وهو "اليتم في الصغر".. كنت أبكي بحرقة فقدان أبي، وأشتاق إليه، .. وكنت موقناً أن موته قد قصم ظهري وأنني فقدت ملاذ الأب وعزه، وأنني سقطت برحيله في مثلث الضعف الإنساني : اليتم والفقر والقرية؛ فصرت بعد تلك البشارة صابراً محتسباً .. أنتظر عطاء الله .. كنت أرى في كلمات سورة الضحى خطاباً يحمل إلىّ في ثناياه الكثير من رحمة ربي.. وكنت في ساعات الضيق كثيراً ما أهمس في نفسي:

ـ أين عطائي يا رب الكون ؟!

.. ثم سرعان ما أستدرك خطأ اللسان، .. وخطيئة القلب؛ فألهج بالأستغفار .

.. وكان فضل الله عظيما .. فكان الإيواء من بعد اليتم .. وكان الغنى من بعد العيلة .. وكانت الهداية من بعد الضلال .. وكان العطاء حتى الرضا .. وفي مقام النبي صلى الله عليه وسلم صليت الظهر قبل أن أغادر المدينة المنورة .. وأنا أردد : " رضيت يا رب .. رضيت يا رب".

.. في مقام سيدي جعفر كان الرجال بعد قراءة ورد الصلاة على أشرف الخلق وأبيات من نهج البردة يقفون في شكل حزمة تتمايل مثل رؤوس النخيل في اليوم العاصف شديد الريح مرددين أسماء الله في ثلاث طبقات تبدأ بطبقة : "لا إله إلا الله" حيث يقول الحادي : "لا إله إلا الله" فيردد الذاكرون : "لا معبود بحق إلا الله" وتتوسطها طبقة : "هو" حيث يقول الحادي : "هو" فيردد الذاكرون: "حاضر لا يغيب"،  وفي ختامها طبقة "حي".. حيث يقول الحادي: "حي" فيردد الذاكرون :"دائم الحياة". 

كان الرجال إذا غنّاهم الحادي يسمعون منه التذكار، فتعلوا همتهم في الأذكار، فتحلق أرواحهم في دنيا الوجد الصوفي، وتطيب نفوسهم بالقرب من بوارق الإخلاص؛ فترى أن أحدهم كالغائب على حال الحاضر، وكالحاضر على حال الغائب، .. وكنا صغار .. كان بعضنا يقلد الكبار بأسلوب أقرب طرائق القرود والنسانيس، وكان أخرون يحاولون أن يرتدوا ثوب الرجال قبل موعده .

.. كان الرجال يبدأون في تلاوة بعض صيغ الصلوات على خير البرية، والتغني بالإنشاد في فضله صلى الله عليه وسلم بالأبيات:



ما سامني الدهر ضيماً واستجرت به *** إلا ونلت جــــواراً منه لم يُضــَم
مــولاي صـلي وسـلم دائماً أبدا      *** عــلى حبيبك خــير الخــلق كلـهم
ولا التمست غني الدارين من يده *** إلا اسـتلمت الندي من خــير مستلم
      مــولاي صـلي وســلم دائماً أبدا    *** عـلى حـبيبك خــير الخـــلق كلـهم

ثم ينتقلون إلى أبيات التوسل بحضرته الشريفة :

يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به *** سواك عند حلول الحادث العــمم
مــولاي صـلي وسـلم دائماً أبدا *** عــلى حبيبك خــير الخــلق كلـهم
       ولن يضيق رسول الله جاهك بي *** إذا الكـــريم تحــــلى باسم منتقم
مــولاي صـلي وسـلم دائماً أبدا *** عــلى حبيبك خــير الخــلق كلـهم
فإن من جـودك الدنيا وضـرتها *** ومن علومك عـلم اللــوح والقـلم
مــولاي صـلي وسـلم دائماً أبدا *** عــلى حبيبك خــير الخــلق كلـهم


.. وما أن يصل الحادي والذاكرون إلى الدعاء :

"يارب سامح لنا كلنا من غاب منا، ومن قد حضر، وبالوالدين فكن راحماً، والطف بنا في القضاء والقدر" . 

حتى تدخل النساء بقصعات وطسوت الأرز باللبن، ويبدأ تناول طعام "الحضرة" الذي كان يطلق عليه اسم "النفحة" .. كانت أيدينا الصغيرة تقصر عن الوصول إلى الأرز في القصعات والطسوت؛ فكنا نقفز على كتفي القطب الصوفي الشيخ محمد عبد المقصود ( يرحمة الله) قائلين :

ـ أكلنا يا عم الشيخ محمد .

كان الشيخ محمد يُجلس هذا على ساقه .. ويحمل هذا على كتفه .. ويطعم هذه .. ويمسح بطرف ثوبه أنف هذا .. ويربت بيده على ضفيرة تلك .. ويمسح رأس ذلك الطفل الباكي وعينيه، ويسترضيه بقطعة من الحلوى اشتراها بـ "كوز" ذرة، وهو يردد أنشودته العذبة :

" أمدد يديك يا طويل الكبشة ..  أمدد يديك يا طويل الكبشة "

ليحث الرجال على تناول طعام البركة .

كان الرجل لا يكف عن الذكر .. كان صوته يزلزل في شوارع القرية يشق ساعات القيلولة ويمزق سكون الليل بنداء التوحيد، وفي مفترق الطرقات وفي مقابر القرية يزعق بالصوت العالي بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.. ناصر الحق بالحق، والهادي إلى صراط مستقيم؛ لأنه بالصلاة على النبي يرحم الله الجميع بارهم وفاجرهم .

كان هذا حال الشيخ محمد عند الرضا .. لكن كان له حال آخر عن الخوف عندما يجتلب القلب الخواطر المزمومة .. فكان يحمل نعله فوق رأسه ومن فوقه التراب يطوف شوارع القرية في ذله وهلع، ويطلب الصفح من محبوبه فحسب عهود الوجد والعشق الصوفي:

" لا صغيرة إذا قابلك عدله، ولا كبيرة إذا واجهك فضله"

.. وفي حال الرجاء .. كان للرجل شأن آخر .. يرفع يديه وناظريه إلى السماء تضرعاً وخيفة .

***

.. وفي سنوات الغياب .. انتقل الرجل (يرحمة الله) إلى جوار ربه، ولم يتثن لي معرفة في أي حال كان، .. ولا أي مقام بلغ، .. وساد الصمت الصوفي، .. وغابت البهجة عن المكان، .. وفسد الهواء في جنباته، .. وانتشرت علاقات الضلال، .. وتشابكت مصالح الزور، .. وغرقت تلوانة في تلال القمامة، وطفح بيارات الصرف الصحي، .. وصارت "فتاوى التنطاعات" هى الفكر الحاكم لأهلها تبثه فيهم قطعان "المتأسلمين الجدد".

من كتابي " حكايات من زمن الخوف " 








ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق