الجمعة، أكتوبر 11، 2019

يوميات الغرفة 7023 ، د . عفاف جمعة ـ الفصل الأول ( ليل المستشفيات)

يوميات الغرفة 7023 ، د . عفاف جمعة 

الفصل الأول :
ـــــــــــــــــــــ

ليل المستشفيات


الفصل الأول :

ـــــــــــــــــــــــ



ليل المستشفيات



.. ليل المستشفيات ثقيل وسمج ومقبض ومخيف .


.. وفي ليل الوحشة دائماً تنهار جدران عالم الخصوصية، ويفتقر الذهن إلى الصفاء .. وبصرف النظر عن السقوط في مستنقع المخاوف يمكننا دائماً التمسك بذلك الشعاع من الرجاء السماوي، وطلب العون والرحمة من الله المعين الرحمن الرحيم .


.. ومع روائح الفجر تنقلها نسمات بحر الإسكندرية، ومع صوت الأذان تبدأ السكينة وتتجلى أيات الرحمة، وأشعر أن يد الله تشدني برفق إلى حضنه الرحب الرحيم؛ فأغفو ساعة إلى أن يبدأ نهار المستشفيات .


.. يبدأ نهار المستشفيات في الثامنة صباحاً بصخب عاملات النظافة بملابسهن شديدة الاتساخ، وأفعالهن التي تشي بحالة من الفقر المدقع في واقع الحال انعكس على المسلك والأخلاق وأسلوب الكلام وأداء العمل .. لم تتبع إحداهن أبسط القواعد في النظافة المعمول بها في تدابير مكافحة العدوى Infection Control سواء بارتداء الجاونات (العباءات) المخصصة لهن أو ارتداء القفازات Gloves الثقيلة (شديدة التحمل) أو ارتداء الأحذية البلاستيكية المحكمة أو ماسكات Masks الفم والأنف ودون التزام بقواعد تغطية الرأس أو تقليم الأظافر، كان مظهرهن ـ سامحني الله ـ ينبئ عن حالة من القذارة العفنة تسير على الأرض، وكنت أرى أنهن لا يصلحن لجمع القمامة في الشوارع لا لنظافة المستشفيات التي يعد التعقيم من أهم الألوليات فيها.


.. كنت أشفق على هؤلاء البائسات ولا أتعاطف معهن، ولا مع توظيفهن في المستشفيات، وكنت أتوجس من لزوجتهن عندما يأتين ببعض الأفعال وسرد بعضاً من الحكايات عن متاعبهن طمعاً في الحصول على بعض الهبات الغير مستحقة، وكنت أرى أنها مجرد "إشتغالات"، وأن التجاهل هو الحل الأمثل، وأنه من الأفضل في مثل هذه المواقف أن تصير الأذن سلة مهملات !!


.. فقد كنت أرى في استخدام هؤلاء النسوة البائسات دون تأهيل في هذا المكان والمجال السبب الأول وليس الأوحد لـ (عدوى المستشفيات Infection Nosocomial) وهى عدوى أو إنتان يكتسبه المريض بعد دخوله إلى المستشفى أي أن الشخص لم يكن مصاباً به عند دخوله المستشفى وتحدث عدوى المستشفيات بشكل وبائي في حال إهمال الاحتياطات اللازمة وأهمها النظافة، ولا تعلن المستشفيات أبداً عن حدوثها وتتكتم أمرها تجنباً لإثارة الهلع Panic والفوبيا Phobia التي تنقل أعراض العدوى بالإيحاء النفسي، وخوفاً من المساءلة القانونية، والإرتداد عليها بالحق المدني وطلب التعويض جبراً للضرر تتساوى في هذا المستشفيات الخاصة والحكومية !!، وهو ما سأتحدث عنه بالتفصيل في الجزء المخصص لـ (نظافة المستشفيات) .


.. لم يكن التمريض أفضل حالاً من عاملات النظافة كانت الممرضات كسولات، وكن لا يكففن عن التثاؤب والتمطي بأسلوب مثير للقرف والاشمئزاز، ولا يمللن من الثرثرة بأحاديث تافهة عن متاعب الأبناء، وجشع المعلمين، وأنواع المطبوخات ووصفات الشيفات وإحباطات الأزواج ومعاناتهن الشخصية بين أداء مقتضيات العمل والواجبات المنزلية، كان الإهمال سيد الموقف فكثيراً ما تأخر موعد تناول الدواء لعدم توافر زجاجة مياه لأن عاملة الأوفيس لم تحضر !!

.. مع بداية الساعة الحادية عشرة صباحاً يبدأ الأطباء في التوافد لتبدأ الأفعال التقليدية وردودها المعتادة حيث يمسك الطبيب بتقرير الحالة Case Report ولا يقرأه أو ينظر إليه؛ فلا وقت لديه، وكانت كلمات الممرضة تكفيه عن ذلك وتغنيه، ثم يهز رأسه قائلاً :


ـ عال .. عال .. عال ..


.. لم أعرف حتى هذه اللحظة لماذا هذه الـ (عال) ثلاثاً؛ ولا علاج ولا بوادر شفاء !!، ثم يبدأ في طلب تحاليل وصور أشعة جديدة !!






..  كان زوجي يتابع ممارسات الأطباء، وابتزاز المستشفى ومطالبات سداد الأموال التي تنتهي بالكلمات التقليدية :(يرجى سرعة السداد حتى يمكننا الاستمرار في تقديم الخدمة) التي كان زوجي يطلق عليها في سخرية مسمى"دكريتو عثمانليDecreto " أي أمر عالى لا يقبل المناقشة، ويردد  في أسى مقولة مظفر النواب : (آه من العمر في آخر العمر، والأرض محجوزة للحمير.) .. ثم يضيف عبارته المعهودة :"مع خالص الاعتذار للحمير.".


.. كنت أنتظر ساعتي الزيارة على أحر من الجمر حين يأتي زوجي فأمسك بيده، ولا أريد تركها أستمد منه القوة كان زوجي دائماً يغالب ضعفه الإنساني، ويحاول أن يبدو مرحاً، لكن دموعه وحشرجة الكلمات في صوته كانت دائماً ما تكشف عما يود أن يخفيه !! 


.. وكان ابن أختي المهندس أيمن صلاح عبد المعبود يأتي يومياً من القاهرة للإطمئنان علىّ هو وزوجته  المهذبة حنان محمد وشقيقتيه دولت وإيمان زوجة المهندس خالد حسين .. كنت أشعر مع دفء أنفاسهم  بالعزوة والمؤانسة ولطف المعاشرة، وأن الغد الآتي ـ إن شاء الله ـ أفضل .


نقل ابن أختي المهندس أيمن لأفراد أسرتي نبأ مرضي، فمنهم من جاء في لهفة وحمية ليطمئن علىّ ويعرض العون، وقابل زوجي عروضهم بالشكر والامتنان؛ فقد أخذ العهد على نفسه ألا يشاركه أحد بمليم واحد في نفقات علاجي .


.. وجاء بعض الأهل من باب إبراء العتاب التي ينطقها العامة بـ "برو العتب" بمعنى إبراء الذمة وتخليص الضمير من مسئولية الواجب فقط، واكتفى البعض بالاتصال التليفوني متعللا بالظروف ومشاغل الحياة، ومنهم من لم يفعل هذا ولا ذاك!! .. كنت على يقين أن الشدائد تفضح المودة الزائفة.. في وقت الشدة فقط تعرف من هم أحبائك ، .. ومن حثالة اختيارك .


.. في كل الأحوال كانت سعادتي .. شكراً لمن شرفني بالزيارة، والشكر موصول لمن أسعدني بالغياب؛ فلم يعد العمر يتسع لمزيداً من الأشخاص الخطأ.


.. كنت ومازلت أعتقد عن "الأشخاص الخطأ" في حياتي أنهم أشبة بالحشائش الضارة في حوض زهور تؤذي بهجة الألوان بتشوهات النفوس، وتفسد عطر الأريج بعطن الأنفاس أى أن أذاهم محقق وأكبر من نفعهم، وأن التعامل معهم يجب أن يتم وفق المبدأ الفقهي :"دفع الضرر مقدم على جلب المنفعة.".


.. ولا أعرف حين أتحدث عن "الأشخاص الخطأ" لماذا يحضرني تعبير "الترمس النيئ"؟! .. ربما لما جاء في مربعات"رباعيات" شاعر الصعيد ابن عروس :


" الندل ميت وهو حي

ما حد حاسب حسابه

طعمه كما الترمس الني

حضوره يشبة غيابه "



..  ومع ميل الشمس ناحية المغيب وانصهار أخر شعاع في ضوء النهار في الشفق الأحمر الذي سرعان ما يفقد حمرة خجله لما يحدث لنا في مستشفيات الوطن؛ فيتبدل رماديا ثم سرعان ما يكشف عن سواد قلبه ليغرقنا في ليل العتمة .. ليل المستشفيات .. تأتي الممرضة لتقول كلماتها التقليدية المحفوظة مثل ببغاء ذكي ربما دون فهم :


ـ "أي خدمة .. تصبحي على خير .".


.. وتمضي دون انتظار إجابة، ويدها على زر الكهرباء لتغرق الغرفة في العتمة، وتبدأ الهواجس والظنون والشكوك والمخاوف والخواطر، وأمسي طوال الليل وحتى الصباح أسيرة مثلث الألم والخوف والخطر، وربما اليأس أحيانا لكني لم أفقد الأمل أبداً في رحمة ربي التي وسعت كل شئ!! 


.. في ليل المستشفيات كنت دائما أتذكر قصة سيدنا يونس عليه السلام .. إحدى روائع القصص القرآني الكريم، وأتذكر كيف اجتمعت عليه الظلمات الثلاثة : ظلمة بطن الحوت وظلمة مياة البحر وظلمة الليل، وتذكرت أن نجاته عليه السلام كانت في التسبيح والاستغفار؛ فلزمت التسبيح والآستغفار .


.. كنت فيما سبق عندما كان يشكو لي أحدهم من وحشة (ليل المستشفيات) كنت أعتبر شكواه رفاهية لا تليق بمريض يتلقى العلاج .


.. طاف بذهني خاطر هو أنه ربما أصابتني دعوة مظلوم .. ربما أصابتني دعوة أحدهم .


.. أستغفر الله العظيم .. رب لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين .. ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا .. ربنا لا تحملنا ما لا طاقة لنا به واغفر لنا وارحمنا يا أرحم الراحمين .

 


عفوا .. إنها خواطر " ليل المستشفيات" !!




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق