الثلاثاء، ديسمبر 19، 2017

ياسر بكر يكتب : عسكرة الدبلوماسية .. والثقافة !!



ياسر بكر يكتب : عسكرة الدبلوماسية .. والثقافة !!

الكاتب الصحفي الأستاذ ياسر بكر

 في 10 يونيو 1916 أنطلقت رصاصة بندقية من شرفة مخدع رجل خائن في مكة وانطلقت معها مسيرة (المهرة الشقراء) الأسم الكودي في الوثائق البريطانية لمسيرة الخيانة التي أسموها "الثورة العربية"، وانطلق معها نذير الشئوم بضياع فلسطين، ومنذ ذلك التاريخ والحق العربي في فلسطين يفقد كل يوم ركناً من أركانه حتى أزال الأمريكان ركام ما بقى من أنقاضه عبر السنين بقرار الرئيس الأمريكي بشأن القدس في 6 ديسمبر 2017؛ ليسدل الستار عن النهاية المرسومة والمخطط لها وفق ما أكدته نوايا الخيانة التي تم الكشف عنها في الرسائل المتبادلة بين الخائن ومهندس الخيانة والتي عرفت باسم:"الشريف حسين – ماكماهون"، و"ماكماهون" هو المندوب الإنجليزي في مصر .. لم يحصل الخائن على شيئ مما وعدوه به ومنوه، وكانت نهايته منبوذاً منفيا في قبرص،.. وكانت سايكس ـ بيكو ثم وعد بلفور 2017، ومن بعده التظاهرة المهزومة للجيوش العربية تحت رايات الخيانة في 1948، وقادت الولايات المتحدة الأمريكية سلسلة من الإنقلابات العسكرية التي تعد إبداعاً أمريكياً خالصاً في سوريا ومصر لحماية الكيان الصهيوني الوليد، فقد زار اللوء محمد نجيب صبيحة 23 يوليو 1952 ليبلغ السفير الأمريكي جيمس كافري:"أن فلسطين لا تعني ضباط حركة يوليو في شئ" .. رغم الإعلان الدائم لقادة تلك الإنقلابات عن معادة  الكيان الصهيوني!!

.. واستمرت سياسة المهرجان والالتزام بقانون "الغرام الأمريكي"؛ فلا مانع أن يعلن قادة تلك الإنقلابات عن العداء للأمريكان رغم أن الأمريكان يملؤن بطون شعوبهم بثلثي ما يدخل إليها من أرغفة من منح القمح الأمريكي !!

.. حتى أرتأى الرئيس جونسون إنهاء اللعبة، وكانت هزيمة مصر في 5 يونيو 1967 التي دفعنا إليها دون مبرر الرئيس الجعجاع جمال عبد الناصر، والتي أسفرت عن فقد أخر شبر من أرض فلسطين، وأخيرا كارثة كامب ديفيد .

عشت في شبابي وقائع دخول الجيش المصري إلى سيناء وسط تظاهرات الدهماء وهتاف الرعاع وتصفيق الرجال وزغايد النساء، وعشت حالة الشحن المحموم لإلقاء إسرائيل في البحر، وتفاعلت مع البيانات المكذوبة من رجال تكاد تنفجر عروق رقابهم من فرط الحماس، وعشت حالة التناقض في تفريغ الشحن بعد الهزيمة بأسباب مضحكة وتبريرات هزلية!!

انهزمت الأنظمة العسكرية، وضاعت هيبتها، وتبددت أوهام القوة التي لا تقهر، وراحت تبحث عن مكسب سياسي يحفظ لها ماء وجهها؛ ولم تجد بعد أن تخلصت من أساطين الدبلوماسية، واستبدلتهم بشخصيات عسكرية ليس لها دراية بأخلاقيات العمل الدبلوماسي لكونهم من أهل الثقة لا أكثر ولا أقل؛ فبعد انقلاب 23 يوليو 1952عينت مصر 90 سفيراً من العسكريين مقابل 38 من الدبلوماسيين من أهل الخبرة، ونتيجة لغياب الخبراء تم استصدار القرار 242 الغير قابل للتنفيذ من مجلس الأمن والذي يعد قمة النصب البريطاني في الصياغة القانونية للقرارات الدولية التي تصدر "حاجة ببلاش كدة .. عشان نفرح العيال"، ولتسويق الأنظمة العميلة لدى شعوبها المخدوعة!!

ما حدث في الحقل الدبلوماسي  .. حدث في الحقل الثقافي ، والحقل الصحفي فتولى العسكر من بائسو الثقافة والموهبة تلك الأمور بعد القطيعة بين النظم العسكرية والمثقفون الموسوعيين، وما تبعها من كارثية التهميش وما أنتجته من حالة الفقر الثقافي وفقدان الهوية .

فقد النظام السياسي في مصر بعد هزيمة 1967 هيبته ولم يعد هناك ما يدعو دراويشه لاحترامه أو تصديقه، وكان على النظام إيجاد البدائل لاحتواء غضب الجماهير دون الاصطدام بكتلة الغضب في الصدور عبر التنفيس الممنهج لطاقات الغضب عبر تدريب أذرع النظام التي يقودها عسكريون سابقون (زكريا محيي الدين ـ على صبري ـ كمال رفعت ـ سامي شرف ـ أحمد كامل)، والممثلة في منظمة الشباب وطليعة الاشتراكيين بقاعات المعهد الاشتراكي على تحويل مظاهرات الشوارع إلى مؤتمرات جماهيرية سرعان ما تنقلب إلى مكلمات تستأجر فيها الأكف والحناجر وتلعب فيها المنصة دور المعلم، ويتم فيها تربيط القاعات، ودائماً تنتهي إلى اللاشئ !!

بعد 47 سنة من انتهاء الحقبة الناصرية ببممارستها في سبتمبر 1970 بتغيير شخص اللاعب ما زالت اللعبة مستمرة؛ فقد ارتأى اللاعب العسكري الجديد في حماية التيار الديني المصنوع والمدعوم من حلفائه الإخوان المسلمين (شباب الإسلام ـ التكفير والهجرة ـ الجماعة الإسلامية) ما يحفظ دعائم نظامه القائم على التسوية مع الكيان الصهيوني، ورصد الميزانيات الضخمة لتمويلهم وإعدادهم وأوكل المهمة إلى الضباط السابقين توفيق عويضة وعلوي حافظ ومحمد عثمان إسماعيل في معسكر أبو بكر الصديق ومباني المدن الجامعية في القاهرة وأسيوط والمنصورة وشبين الكوم !!

.. ودفع السادات حياته ثمناً للرقص فوق رؤوس الأفاعي !!

وجاءت الصدفة بحسني مبارك إلى الحكم وسط عاصفة من الدم واللهب، ولم يكن يمتلك رؤية لمنظور الحكم؛ فانتهج في إدارة الدولة سياسة يوم بيوم والأرزاق على الله، تكنه كان مصراً  على تفريغ عقول الشباب من أيدلوجيات الستينيات والسبعينيات؛ فكانت جماعة "حورس"  الموالية للنظام دون أن يكون لها مشروعا أو أيدلوجية فكان نظام التجنيد قائم على فرفشة الشباب من الجنسين ومنجهتم  في معسكرات تم ضبط العديد من حالات الزنا والشذوذ الجنسي الصارخة في رحلات الأقصر وأسوان !!

.. وكان هذا دليل إفلاس .. ولم يستطع نظام حسني مبارك أن يصمد لأيام في مواجهة هتاف شباب غاضب .. شباب نفخ النظام بفمه؛ فتطايرت أركانه في لحظات كهشيم تذروه الرياح في يوم عاصف !!

وبدأت اللعبة من جديد يديرها هذه المرة المجلس العسكري بنفس الكلمات والأمنيات وذات الوجوه والسلوك والسياسات .. وبدأت مواكب المجاذيب من المهوسين بالسلطة والمجانين والمهابيل والبهاليل بالشخاليل والطراطير بعد أن مد لهم المجلس العسكري الحبل على الغارب وتطويع تكنولوجيا الميديا لخدمة حالة الهوس وترسيخ الجنون في ظل الأمنيات التي أغرقهم فيها المجلس العسكري .

وفي غمرة الأماني، وأداء التحية العسكرية لأرواح الشهداء تناسى  الشباب أن العسكريين لا يقبلون شريكاً في الأداء الوطني !!

لكن القاسم المشترك في الأداء دائما هو تحويل طاقات الغضب إلى مؤتمرات الغرف المغلقة التي تنتهي إلى اللاشئ !! .. بمعنى أنها تصبح مثل الغناء في الحمام !!
وهذا ينسحب على المؤتمر الذي ينتوي رمز الأزهر إقامته من أموال فقراء الأزهريين لإبطال مشروع صهيوني عالمي تكاتفت لإنجاحة قوى دولية مدعومة بأنظمة حكم إقليمية موالية للمشروع، وهو الضعيف الذي لم يستطع حماية موظفة شريفة تصدت للفساد في جامعة الأزهر؛ فسقطت تحت  ضربات القهر أسيرة المرض!!

ولأننا دائما نخوض معاركنا بالخطابة والطبلة والربابة وكلها أسلحة ما حققت نصراً، ولا قتلت زبابة !!؛ فبعد إعلان دولة إسرائيل في 15 مايو 1948 خرج العرب للتعبير عن الغضب في الطرقات بينما كان الإسرائيليون يضعون اللمسات الأخيرة لأجهزة الدولة وإعداد نظام الحكم وأجهزة الأمن قد تسلمت مهامها والجيش الإسرائيلي جاهز والطيران الإسرائيلي على أهبة الأستعداد لتنفيذ المهام .

.. ولأن الشئ بالشئ يذكر، فبعد القرار الأمريكي بشأن القدس قامت الهيئة الوطنية للإعلام بعمل بث موحد مباشر لإذاعات مصر وفلسطين والأردن استلهم النموذج الأمريكي في التلاعب بالوعي عبر تكتيك: "التفتيت والتجزئة" بتناول بعض أعراض المشكلة على أنها معلومات في الوقت الذي لا يقترب من لب القضية المتجذر في الخيانة حتى يسهل على المتلقي العربي ابتلاع الكارثة، بينما كان الكنيست الإسرائيلي في آنذاك يناقش إصدار قانون "الهوية اليهودية"، وهو ما يعني عمليات تطهير ديني مرتقب على أرض فلسطين يقصي ويستبعد كل ما هو غير يهودي، وهو ما يعني بدء العد التنازلي للبحث عن "وطن بديل للفلسطينين".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق