الجمعة، أبريل 07، 2017

ياسربكر يكتب : المذكرات " الملفقة" للمشير أحمد إسماعيل !!

ياسربكر يكتب : المذكرات " الملفقة" للمشير أحمد إسماعيل !!



تعد مذكرات المشير أحمد إسماعيل التي صدرت بعنوان : "مشير النصر" النموذج الأمثل لـ "المذكرات الملفقة" والتي تعد الأقرب إلى "نشاط تجار الورق"، .. فقد صدرت بدون مناسبة بعد حرب أكتوبر ووفات الرجل بما يقرب من 40 سنة (سبتمبر 2013)، ولم تحمل في صفحاتها فكراً جديداً يضاف إلى ما كتبه زملاؤه من رفاق السلاح في مذكراتهم أو معلومة يمكن الوثوق بها فقد جاءت أقرب إلى الرمال الناعمة تنساب من بين أصابعنا .

لمذكرات المشير أحمد إسماعيل حكاية ..؛ فلم تتح الفرصة للرجل لكتابة مذكراته .. ولم يكن لديه فسحة من الوقت لعمل ذلك؛  فقد كان مريضاً وسافر إلى لندن للعلاج من سرطان الغدد الليمفاوية في منتصف سنة 1974 (يونية 1974) أي بعد انتهاء الحرب وفض الاشتباك الأول بثلاث شهور تقريبا .. ووفاته المنية هناك في مستشفى ولنجتون في نهار يوم 25 ديسمبر 1974.

 بعد وفاة الرجل استدعت السيدة زوجته سماح الشلقاني الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل، وأبلغته برغبة الأسرة في كتابة، ونشر مذكرات الفقيد، ولما سألها عن المذكرات قالت : "إنه لم يكتبها !!، .. ولكنه أحتفظ بمادتها التي يمكن توظيفها في كتابة تلك المذكرات"، وأشارت له إلى 13 جربندية "شدة قتال" بها أوراق، إضافة إلى مفكرة صغيرة وجدت في درج مكتبه مدوناً بها بعض الملاحظات ".

 طلب الأستاذ هيكل مهلة لفحص الأوراق، وبالفعل تم نقلها إلى مكتبه، ومرت الشهور، وتوالت الاتصالات .. وأخيرا أبلغ الأستاذ هيكل الأسرة أن ما تسلمه منهم لا يصلح أن يكون قواماً لكتابة مذكرات الفقيد، .. ولم يردها إليهم!!

 إعتراف ناشر " مشير النصر" يؤكد لنا أننا أمام "مذكرات منتحلة" منسوبة إلى المشير أحمد إسماعيل فقد قال الناشر في تقديمه للمذكرات ص 15 :

 

" ومهما كانت قلة الكلمات التي تركها لنا في مذكراته التي صاغها بيده فإننا نشعر بمسئولية توثيق سيرة هذا الرجل "؛ .. بما يعني أننا أمام مصنف عن الرجل وليس مذكرات !!

المذكرات المنتحلة المنسوبة إلى المشير أحمد إسماعيل تجعلنا نتوقف في عدة محطات على صفحاتها :

 المحطة الأولى : يقول المشير أحمد إسماعيل في مقدمة المذكرات "المنتحلة":

"بدأت في كتابة هذه المذكرات بعد أن تركت الخدمة بأربعة أشهر".

يلاحظ أن المذكرات قد خلت من معلومات عن تلك المرحلة .. وكان أحمد إسماعيل في تلك الفترة التي كان يحمل فيها رتبة اللواء متقاعد ويتقاضى معاش حكومي لا يكفيه بالكاد مما اضطره للعمل في بعض الأنشطة التجارية لتعويض ما فقده من راتب بمشاركة أصهاره في تجارة الماشية وتوريد اللحوم البلدية لبعض المنشأت الفندقية والمتعهدين .

المحطة الثانية: هى محطة مرض المشير أحمد اسماعيل؛ فقصة مرضه تعود إلى ما قبل عودته إلى الخدمة مديراً للمخابرت في 14 مايو 1971 باعترافه .. تقول المذكرات على لسان المشير أحمد اسماعيل :

 "كنت في منزلي أشاهد التليفزيون مع زوجتي، ودق جرس التليفون، وفوجئت بمدير مكتب الرئيس يتصل طالباً أن أذهب إليه على الفور كان الوقت متأخراً وكانت الساعة الحادية عشر ليلاً، وكنت عائداً من المستشفى وما زلت في فترة النقاهة وأمرني الطبيب بعد قيادة السيارة ".

 .. كان المشير أحمد إسماعيل مريضاً والسادات كان يعلم ذلك وقد سجل أطباء مستشفى ولنجتون في لندن في تقريرهم الطبي أن إصابته بهذا المرض لا بد أنها كانت واضحة وظاهرة قبل ذلك بثلاث سنوات على الأقل .. وفي إحدى خطبه اعترف السادات في سنة 1977 بأنه كان  يعلم بمرض المشير أحمد إسماعيل وأن الأطباء أخبروه بأن حالته الصحية لا تسمح له باتخاذ القرارات .

المحطة الثالثة : وفيها تتحدث "المذكرات المنتحلة" عن الثغرة بكلام يفتقد الصلة بالفكر العسكري بما يعني أن "منتحل المذكرات" لا علاقة له بالعسكرية .. تقول المذكرات :

"وفي 29 أكتوبر 1973 بدأنا نخطط لتدمير العدو في هذا الجيب (يقصد الثغرة)، وأود أن أوضح أولا أن نقط ضعف الجيب كانت أساساً : عنقه الضيق (6 كيلو مترات فقط) وحجمه الذي يشبه "القنينة" بحيث يمكن تقطيعه، وأنه كان بعيداً عن خطوط تموينه وإمدادته . وأن قواتنا القريبة من تموينها وإمدادها كانت تفوقه عدداً وعدة وتحيط به من كل جانب".

وهو كلام يتناقض مع كل الشهادات تقريبا باستثناء شهادة الرئيس السادات في"البحث عن الذات" والتي كشف انعدام مصداقيتها الأستاذ يوسف إدريس في كتابه بعنوان : "البحث عن السادات"*، وأكثر تلك الشهادات وضوحاً هي شهادة الفريق عبد المنعم واصل عن حوار دار بينه وبين المشير أحمد اسماعيل .. يقول واصل في كتابه بعنوان: "الصراع العربي الإسرائيلي "   :

 "وتم استدعائي إلى مركز القيادة؛ لبحث أسلوب إمداد القوات المحاصرة في رأس الكوبري شرق القناة، واقترح الفريق أول أحمد إسماعيل دفع 150 جملا إلى قوات الشرق، فقلت له: " إن هذا غير ممكن، فماذا يمكن أن تحمله قافلة من 150 جملا، وكيف تصل والعدو يسيطر على طريق السويس؟ " ؛ فاقترح أن يكون الإمداد عبر الوديان والدروب في جبل عتاقة، فقلت له: "إن هذا غير ممكن حيث إن القوات الإسرائيلية تسيطر على كافة القطاعات من الأدبية حتى منطقة نفيشة في جنوب الإسماعيلية " .

وتطورت الفكرة إلى دفع قول مجنزر يحمل الإمدادات إلى القوات المحاصرة على أن تقوم الفرقة 4 مدرعة بحمايته، فقلت له "وهذا أيضا غير ممكن حيث سيتم اكتشافه بسهولة وتدميره أو الاستيلاء عليه" وهنا احتد الوزير وقال: " هو أنا كل ما أقول لك حاجة تقول لي ما ينفعش"، فقلت له: " أنا مستعد لتنفيذ أى مهمة، ولكن يجب أن تكون مهمة صحيحة، ولا تتسبب في مزيد من التدمير لقواتنا ".

.. ويقول أمين هويدي ساخراً في كتابه بعنوان: "الفرص الضائعة" تعليقاً على ما كتبه الجمسي من أن القوات الإسرائيلية غرب القناة كانت فريسة لقواتنا وهو نفس المعنى الذي جاء في "المذكرات المنتحلة" لقائده :

"لأول مرة نسمع أن الفريسة ـ كما يصورها الجمسي موقف إسرائيل على الضفة الغربية ـ هي التي بيدها السماح بمرور الأكل إلى الصياد .. ولأول مرة أيضا نسمع أن الفريسة يمكنها أن تضغط على الصياد حتى تبكيه !!!"

أدخل الرئيس السادات الغش على المصريين في فاصل هزلي من تاريخ الوطن عندما قدم تمثيلة في مجلس الشعب في فبراير 1974، شاركه في أدائها اللواء أحمد بدوي وتخلص مشهدها في هذا الحوار :

السادات : الجيش الثالث كان محاصراً يا بدوي ؟

 بدوي : لا يا أفندم .

 السادات : الأكل كان بيوصلكم بانتظام يا بدوي .

بدوي : أيوه يا أفندم

وقد تناسى كل من السادات وبدوي أن ربع قوة الجيش الثالث ( 45 ألف مقاتل) قد نزلت من الميدان في أجازة وأن الهمس يدور في جنبات البيوت والمنتديات حول كارثة حصار الجيش الثالث التى تعد الأولى من نوعها في تاريخ الجيوش .

.. أخيراً .. عفوا يا سادة فتاريخ العسكرية المصرية ليس مجالاً لعبث الصغار؛ فـ " المذكرات المنتحلة " والمنسوبة للمشير أحمد إسماعيل إساءة بالغة إلى تاريخ وفكر الرجل، وإهانة لشرف الجندية المصرية في أعظم لحظات التاريخ بالحديث عنها بسطحية وتفاهة .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق