السبت، أبريل 09، 2016

ياسر بكر يكتب : محاولات العملاء للقضاء على اللغة العربية !! ( الحلقة الثالثة )



ياسر بكر يكتب : محاولات العملاء للقضاء على اللغة العربية   !!

( الحلقة الثالثة )
ــــــــــــــــــــــ

عندما كنت بصدد الإعداد لكتابي الأخير بعنوان : " حرب المعلومات" واجهتني صعوبة نقل بعض المصطلحات اللاتينية إلى اللغة العربية .. بالطبع لم يكن العيب في اللغة العربية بما لها من حيوية وقدرة على تجديد نفسها فضلاً عن مرونتها في الاشتقاق وخصوبتها في التوليد اللغوي إذا ما تعهدتها عقلية جادة ذات طبيعة علمية متخصصة، وخلصت نوايا الإنجاز، وهي سمات حملت إليها الكثير من صفات الإعجاز التي ميزتها عن غيرها من اللغات وجعلت لها اليد العليا على لغات سائر البشر وليس أدل على ذلك من دخول عشرة آلاف كلمة عربية إلى اللغة الإنجليزية وحدها، .. بينما لم تدخل إلى اللغة العربية أكثر من ألف كلمة من مختلف لغات العالم .. وأيضا كانت العربية طوال تاريخها قادرة على التحدث بطلاقة بلغة العلم وليس أدل على ذلك من أن العلماء المصريين قد قاموا بترجمة 86 مرجعاً في الطب والتي انتهت تجربتهم بقرار اللورد كرومر في سنة 1903 بتغيير لغة الدراسة في مدرسة الطب من العربية إلى الإنجليزية!!

 .. لم يكن العيب في اللغة العربية بل كمن في خمول العقل العربي في عقوده الأخيرةعندما ابتعد عن معالجة القضايا التفكيرية والعقلية والعلمية وما أستتبع ذلك من فقدان المفردات المناسبة لبعض ما يتم تداوله من المصطلحات الأجنبية في الاستعمال الشائع؛ بسبب ضعف حركة التنظير اللغوي وإعداد المعاجم والاتجاه نحو إعداد اللغة للترجمة الآلية؛ ولذا أصبح من الصعب إيجاد المصطلح الملائم للغة العربية من جهة، والقارئ العربي من جهة أخرى، وقد انقطعت محاولات التنظير اللغوي بعد محاولات جادة في نهاية القرن 19 قام بها أحمد فارس الشدياق، ومنذ ذلك الحين لم نشهد سوى بعض مبادرات  مغربية في مجال التنظير اللغوي وتونسية في مجال المعجمية وسورية في مجال التعريب وبعض محاولات من مهندسي تكنولوجيا المعلومات لصك مصطلحات عربية في مقابل نظيرتها اللاتينية لكاد المشهد اللغوي لدينا يخلو من أي جديد وقد أضافت تلك المحاولات الجادة دليلاً جديدا لما أسس له العلماء المصريون في الطب .

.. وقد جعلتني تجربتي الشديدة الخصوصية في الكتابة عن " حرب المعلومات " أبحث في المحاولات المزعومة لتجديد اللغة العربية لعلي أجد عليها هدى مستعينا بما أتاحته لي من دراية دراستي لـ " فقة اللغات الأوربية Philology" في كلية الآداب جامعة القاهرة؛ فوقفت على محاولة رفاعة الطهطاوي بإدخال بعضا من العامية في الفصحي تحت مسمى " ضبط العامية واستخدامها في الكتابة"!!، ومحاولة قاسم أمين باستبدال الفصحي بالعامية، وتسكين أواخر الكلمات عوضا عن الإعراب واستبدال حروف الكتابة العربية بالحروف اللاتينية بزعم عدم القدرة على تطويع الحرف العربي بما يتناسب مع منظومة الطباعة وهو ما كذبته الأحداث فاليوم نشهد مئات الأبناط والفونتات التي تستخدم جماليات الخط العربي وانسيابة وتناسقه في منظومة الطباعة .

.. وقد تيقنت أن تلك الأفكار التي قدمت إلينا في أثواب علمية في ظاهرها بينما باطنها يتسع للكثير من الأهداف المغرضة إنما هي " حرب فكرية " تعد امتداداً نفسياً وعقلياً للحروب المسماه زوراً بـ "الصليبية" .. حرب همها ابتلاع تاريخنا والسيطرة على مقدراتنا ونهب ثرواتنا.. حرب تسود فيها النفوس بظلام الأحقاد !!، .. ولا تمت تلك الأفكار للعلم بصلة وغير مبرئة من عبث الأصابع القذرة للإستعمار والاستشراق والتبشير لإحكام السيطرة على المستعمرات وتجنيد الجواسيس والاتصال بالعوام من ناحية، ومن ناحية أخرى هدم اللغة العربية، وقطع علاقة العرب بماضيهم والقرآن الكريم وسنة النبي الكريم، وتفتييت وحدتهم اللغوية، ولم تكن مزاعم تجديد اللغة العربية سوى إعادة إنتاج لما خلفته معاهد الدراسات الشرقية في أوربا (مدرسة نابولي للدرسات الشرقية ـ 1737 ، ومدرسة القناصل في فينا ـ 1754، ومدرسة باريس للغات الشرقية الحية ـ 1759 وغيرها من المدارس في المجر وروسيا وانجلترا) والتي تم الاستعانة فيها ببعض العرب من الشوام والمصريين، وانتجت كتاب بعنوان : " أحسن النخب في معرفة لسان العرب " تأليف محمد عياد الطنطاوي ـ طبع ليبزج 1848، وكتاب آخر بعنوان : " الرسالة التامة في كلام العامة والمناهج في أحوال الكلام الدارج " تأليف مخائيل الصباغ ـ طبع في استرازبورج 1886.

وكانت تلك الكتب النواة لما كتبه الألماني د . ولهلم سبيتا مدير دار الكتب بالقاهرة في كتاب بعنوان : "قواعد العربية العامية في مصر " الذى ظهر عام 1880، وجهود وليم ويلكوكس مهندس الري الإنجليزي، وكتاب بعنوان :"اللهجة العربية الحديثة في مصر "  لكارل فولرس مدير دار الكتب أيضا بالقاهرة ـ سنة 1890"، وكتاب بعنوان : "العربية المحكية في مصر " لسلدن مور القاضي الإنجليزي ـ 1901 وكتاب بعنوان:"المقتضب في عربية مصر " من تأليف أ . باول قاضى بالمحاكم الأهلية وزميله د. سي . فلوت أستاذ اللغات الشرقية في جامعتي كمبردج وكلكتا ـ 1906


نثر هؤلاء بذرة النبتة الخبيثة فى تربة الوطن وراح الوكلاء عنهمcomprador  ممن ابتليت بهم الأمة ممن يطلق عليهم " عملاء الصفوة " ترديد تلك المزاعم، ولم يكن هؤلاء العملاء سوى بعض الصنائع الذين يدعون لهم ويرفعون من شأن علمهم ويتظاهرون في نشر سمومهم بأنهم هم المبتكرون لما ينقلونه عن سادتهم وصانعيهم، ولم يكن هؤلاء العملاء سوى أحد صنفين ، الأول يعاني كساحاً فكرياً ويرى في العمالة مكاسب تعوضه عن عاهته، والثاني يرى في العمالة  استجابة لعداء موروث يصرخ في دمه، ويحاول إسكاته بنشر سموم الأعداء بين أهل وطنه .


 دون أن يتوقف هؤلاء العملاء لبرهة للتساؤل : لماذا لا يطبق محركوهم ادعائاتهم على لغات بلادهم؛ فالفصحى والعامية موجودتان في كل اللغات الأوربية، ومع ذلك لم نشهد محاولات لإحلال العامية في مكان الفصحى؟!!، ولماذا لم تلقى الدعوة إلى لغة الاسبرنتو أى تجاوب من المواطن الأوربي !!


وتتابعت المحاولات التي تنطوي على شبهات.. ففي سنة 1913 كتب أحمد لطفي السيد عدة مقالات في مجلة "الموسوعات " بعنوان : "مشخصات الأمة" نادى فيها بإصلاح الحروف العربية؛ كي يقرأ القارئون اللغة قراءة صحيحة من غير أن يتعلموا النحو والصرف ، وهى محاولة لا تنطوي على أي فهم لطبيعة اللغة العربية وقواعدها وأساليبها وسياقاتها اللغوية وأدواتها التعبيرية.

وفي سنة 1943 قدم عبد العزيز باشا فهمي في كتابه بعنوان : "الحروف اللاتينية لكتابة العربية" مشروعاً ساذجا أدعى أنه محاولة لإصلاح الحروف العربية باستبدالها بالحروف اللاتينية كما حدث في تركيا(32) تلك المؤامرة على حروف اللغة التركية التي قطعت العلاقة بين المواطن التركي وتاريخه والقرآن واقتلاع الدين بجعل الآذان وتلاوة الصلوات في المساجد باللغة التركية بعد ترجمة القرآن إلى التركية .. والتي قادها مجموعة السان سيمون الأتراك، وكانت رأس حربتهم السيدة لطيفة  التي تم دسها على أتاتورك بطريقة مفضوحة؛ فملكته ووجعلته لعبتها ولعبتهم بعده أن قضت سنوات في دراسة متقنة للمخطط في أقبية السربون، فلم يكن يُعرف عن أتاتورك سابقة اهتمام باللغة؛ فالمرأة أحد أهم وسائل تجنيد العملاء، وتطويعهم لما يُوكل إليهم من مهام والرقابة علي آدائهم؛ وهو ما يفسر زواج الكثير من العناصر "الناقلة للعدوى " من أجنبيات؛ فهولاء النسوة مكلفات بالعمل لصالح مخابرات بلادهن .

ففي صيف سنة 1928 أعلن أتاتورك عن " البدعة " الجديدة بكتابة التركية بالحرف اللاتيني وشرع يطوف بأنحاء البلاد حاملاً سبورة وطباشير ليشرح طريقته الجديدة، وجلس الناس في المقاهي ومع كل منهم لوح إرتوازي يعلم بعضهم بعضا بعد أن حدد أتاتورك يوماً يصبح فيه أي متخلف عن اتقان الكتابة الجديدة عرضة لعقوبات قاسية منها الطرد من الوظيفة والتجريد من الجنسية بل والنفي من البلاد أو الاعتقال في السجون .

وتبع أحمد أمين نهج عبد العزيز باشا فهمي بكتابة مقالات في مجلة الثقافة، وإلقاء محاضرة بمجمع اللغة العربية دعى فيها لذات الدعوة التي تنطوي على شبهة بعد أن وقع في حبائل المستشرقين الذين نقل عنهم، ونال على أيديهم المكانة الوظيفية بغير استحقاق والثروة والحضور الدائم في محافل الاستشراق، وهو ما يطلق عليه : " الغواية بالمصلحة "، وتتلخص دعوة أحمد أمين في :

" أن نبحث أن تكون لنا لغة شعبية ننقيها من "حرافيش" الكلمات ونلتزم في اواخرها الوقف من غير إعراب وتكون هي لغة المخاطبات ولغة الكتابة للجمهورولا تكون اللغة الفصحي إلا لغة المثقفين ثقافة عالية من طلبة الجامعة وأشباههم"

وفي مارس 1945 خرج علينا سلامه موسى بكتاب بعنوان  : "البلاغة العصرية واللغة العربية "، وبطريقة " وثبات الضفدعةLeapfrogging  " راح ينتقل مما زعم أنه مسلمات إلى ما توهمه نتائج دون فهم أو روية أو إدراك أنه غير مؤهل للبحث فكل مؤهلاته هو شهادة الابتدائية من إحدى المدارس التابعة لإحدى الجمعيات المسيحية، وقدرة على المجاهرة بالسوء بالدعوة إلى الإندماج في الغرب وقطع العلاقة بالشرق، والزواج من الأوربيات لتحسين النسل، ودعوة إبنه إلي ممارسة الفجور وفي ذات الإطار أدعى أن تأخرنا اللغوي هو سبب من أعظم الأسباب لتأخرنا الاجتماعي، وأطلق ما اسماه بـ " السيادة اللغوية" وأنها كانت عنصر الحسم في انتصار الإنسان الأوربي المهاجر إلى أمريكا على السكان الأصليين متخطياً السجل الإجرامي للإنسان الأوربي في القتل والإبادات الجماعية، ..  ووصم اللغة العربية بـ "اللغة الخرساء"، وأنها ليست لغة " جوية " أي أنها لا تنقل لنا جو الحديث وشبهها بلغة الكهان، وكرر دعوات  من سبقوه  .


والحقيقة أنه يمكن تفهم دوافع شخص مثل سلامة موسى يعاني حالة من عدم القدرة على التكيف مع المجتمع الذي يعيش فيه باعترافه في مقدمة كتابه بعنوان : " تربية سلامة موسى " فيقول :

" إني منعزل عن المجتمع الذي أعيش فيه لا أنساق معه في عقائده وعواطفه ورؤياه ، وعندئذ تكون هذه الترجمة التبرير لموقفي من هذا المجتمع وهو موقف الاحتجاج والمعارضة ، فأنا أكتب أسوى حسابي مع التاريخ"

.. وفي السياق ذاته خرج علينا د . لويس عوض في يناير 1981 بكتابه الصادر عن الهيئة العامة المصرية للكتاب بعنوان : " فقة اللغة العربية " الذي تمت مصادرته بحكم قضائي لمحكمة جنوب القاهرة في سبتمبر من نفس العام، .. ولم يستطع د. لويس عوض  أن يقيم دليلاً علمياً على ما أورده مكتفيا بكلام مرسل منقطع الصلة بكل ما هو علمي .. خاصة أنه أقحم نفسه في مسألة شديد الحساسة عنما ذكر في ـ ص 304 ـ من الكتاب إن لفظ "الصمد" يدل على التثليث!!.. لكون كلمة "الصمد"مأخوذة من "خمتو" المصرية القديمة التى تعنى الرقم 3، وزاد من صعوبة موقف الرجل أنه تصدي بالبحث للغتين ( العربية والهيروغليفية ) لا يدرى عن دقائقهما  الكثير مما يؤهله لإقامة علاقة البحث!!؛ وهو ما دفع بالبعض للترويج  أن د. لويس. عوض لم يكتب من كتاب " فقه اللغة العربية " إلا مقدمته وأن الكتاب من تأليف القس جورج شحاته قنواتي ومجموعة باحثين من الكاتدرائية.
كان د. لويس عوض ومن ورائه يحاولون إحياء فكرة قديمة في تقليد الألمان الذين اشتهروا بدراسة "أصول اللغات" بتعمقهم وسفسطهم إعتقادا منهم بأنه لن لن تقوم لهم قائمة لا إذا تعلم أطفالهم متون اللغة اللاتينية .. و كان د. لويس عوض ومن ورائه يحاولون ذلك بهدف الدعوة إلى جعل اللغة العربية لغة دينية تراثية خاصة برجال الدين وتستخدم للعبادة وقراءة القرآن فقط .. ونسي د. عوض ومن ورائه طبيعة اللغة والفارق الشاسع بينها وبين غيرها من اللغات، ونسي أيضا ما سبق أن أعلنه أمبراطور ألمانيا في هذا الشأن وفي مواجهة مسئولي التعليم بقوله:
" تباً للدرس اللاتيني إنه يضايقنا ويضيع علينا وقتنا ومن الواجب ان نبحث للتعليم عن أساس غير هذا الأساس الذي عشنا عليه قرون لأنه إنما كان يفيد في تعلم القسس والرهبان أيام العصور الوسطىمع قليل من اليونانية "
ولم تكن دوافع د. لويس عوض بعيدة عن دوافع سلامة موسى، وتنحصر تلك الدوافع في عدم القدرة على التكيف مع المجتمع وإن كان الرجل يغلف ممارساته بغطاء من "ادعاء الأكاديمية " ومن الأسباب التي أوردها د. لويس عوض في مذكراته بعنوان "سنوات التكوين " سلبيات النشأة الأولى والتي قال عنها أن ابوه كان سكيراً ومقامراً وأنه كان دائم الإساءة إلى أمه ليستولي على مصاغها ليلعب القمار، وأن أمه قليلة الحيلة، وأن أخوه يكرهه لأنه يعتقد أنه ورث عدواته ومع ذلك فهو الذي سيرثه لكونه بدون عقب، وأن اثنان من إخوته ناقصان في قواهم العقلية منهم أخت بلهاء " عبيطة " لم تروقها الحياة مع زوجته الفرنسية التي تعشق الخمر وقطط الشوارع؛ لذا أودع شقيقته ملجأ رعاية المسنين في إحدى الكنائس .

كلمات د. لويس عوض تكشف حالة التفسخ الاجتماعي والأسري الذي ترك بصماته على حياته فضلا عن متاعبه الوظيفية في الجامعة والتي لم يقدر على البوح بها  لكونه حاصل على الدكتوراة من جامعة برنستون أكبر مراكز التبشير في العالم وهو ما صبغ روح العلم لديه بما هو نفعي حمل في طياته عوامل جعلته محكوما بمنطق الصراع.
هكذا أصبحت ترّهات النيل من اللغة أو محاولات إغتيالها مستمرة ومستترة بالغرض والهوى تحت ما يسمي بمزاعم التحديث من غير المختصين ومن الموتورين .. فقد حاول صانعوهم من الأوربيين تحقيق ذلك بالدم والنارتارة، وافساد الأخلاق وبتهديم النفوس تارة أخرى، وتزوير التاريخ وانكار الماضي ومسخه وبتسميم عقول المغلوبين، وقطع العلاقة بين العرب وماضيهم حتى يجعلوهم شجرة من غير اصل فتموت ليبقوا هم حيث بلغوا .. والغريب أن الكثيرين منا قد خدعوا بهذا الهراء !!


لا أُنكر أننا نعاني مما يطلق عليه "الفجوة الرقمية Digital Divide" في مجال المعرفة وهي الفجوة بين الدول القادرة على النفاذ إلى مصادر المعلومات واستخدام تطبيقاتها في إنتاج المعرفة واستغلالها في تحقيق مصادر قوة شعوبها، وبين الدول المستهلكة لها، وهو ما يهدد بوجود فجوة حادة تفصل بين العقل العربي وعقل الآخر .. إنها أزمة الفكر والعقل في المقام الأول التي تضفي بظلالها على اللغة وليس العكس مما يجعل بعض المتشائمين يرون أن الخطاب الثقافي العربي في المستقبل لن يجد وسيلة للوصول للآخر ويهدد انتقال أمتنا العربية إلى " مجتمع المعرفة " لوجود ثلاث فجوات تمثل ثلاث عوائق أمام المهتمين هم "فجوة العقل ـ فجوة الفكر والعلم والتكنولوجيا" و"فجوة التعلم" .. ويسستبعهما من "فجوة اللغة"  وتزايد الفجوة اللغوية مع اتساع المعلوماتية كثيفة اللغة مثل التطبيقات التعليمية Edu- Ware والتطبيقات الثقافية Culture – Ware .. لكن ليس هذا مبرراً كافياً لنترك الأمر لعبث العملاء ومحاولات الهدم.

الحلقة القادمة : طه حسين عارياً من زيف الاستشراق !!

الخميس، مارس 31، 2016

ياسر بكر يكتب : إحسان عبد القدوس وثقافة العهر !! ( الحلقة الثانية )



ياسر بكر يكتب : إحسان عبد القدوس وثقافة العهر !!
( الحلقة الثانية )
قد يتبادر إلى ذهن البعض خطأ أنني أقصد بـ " ثقافة العهر " كتابات البورنو Porno الإباحية التي دأب عليها إحسان عبد القدوس في أغلب أعماله تقريباً وبرع فيها وذاع صيته وحقق من ورائها الشهرة والثروة؛ فهذا جزء من كل، وقليل من كثير، .. ولكنني قصدت  بـ " ثقافة العهر " حالة بعينها تتخلى فيها الكتابة عن شرفها؛ فتهتك عرض الكلمات، فتخرج مدرجة بدماء الأحبار السوداء؛ فتصنع الأباطيل وتروج للأكاذيب وتزيف الحقائق ويزور التاريخ ويصبح الكاتب مجرد "شماشرجي" .. تحت الطلب ورهن إشارة من يدفع أو يملك استطاعة الوعد أو يمتلك القدرة على الوعيد !!

ليس معنى هذا أنني أقر ذلك النوع من كتابات "البورنو Porno " الإباحية التي تفوق مخازي الشيخ " صادومة " في انتهاك مكمن العفة؛ لكونها تعلو أرفف المكتبات في وضح النهار وتنتقل عبر التكنولوجيا إلي البيوتات ويحظي مروجوها بشتى أشكال التكريم والحماية تحت ما يسمى كذباً بـ " حرية التعبير "!! .. ولا يعني هذا أنني راض عنها.. تلك الكتابات التي يغلب عليها إثارة الغزائز ومخاطبة الشهوات وتسليع بضاعة الزنا والترويج لطرائقه والتي تعد أحد أهم أساليب الإلهاء للتلاعب بوعي الشعوب وإحكام السيطرة على مقدراتها كأحد أضلاع الثالوث : المال ، الجنس، المخدرات !!

.. ولا أُنكر أيضا أنني قد قرأت معظم كتابات إحسان عبد القدوس في سنوات مراهقتي، وإلا لما كان هذا المقال، ولا أُنكر أيضا أن تلك الكتابات بقدر ما أسهمت في إنعاش أحلام صحوي ويقظتي النهارية بقدر ما أمرضتني بعشق مضاجعة عرائس الخيال !!، وكانت عونا للشيطان على ضعفي الإنساني في أضغاث منامي، .. كان الفراغ قاتلاً في بلدتي تلوانة إحدي القرى المهملة في جنوب المنوفية، وكان النهار سمجاً مثل تنطع القرويين، والليالي حبلى بكل أنواع المخاوف والمخاطر والمواجع، .. وكان حلم الخلاص من ذلك الواقع المُزري يبدو رمادياً شائهاً، يلوح تارة في الأفق ويختفي تارة وراء الغمام أو يغطس في ثنايا البؤس تارات .. كانت بطلة عرائس الخيال ونداهة "الفانتاسي Fantasy " دائما "شادية" المُهرة الريفية البيضاء !!

قد يقول قائل أن الجنس أحد مكونات حياة البشر، ومن الطبيعي أن تبدو مخايلاته في الآداب الإنسانية كأحد أساليب البناء والتصاعد الدرامي للوصول إلي ذروة الحدث،  وهذا حق فأنا لست توظيف الجنس لنقل المعلومة وتحقيق المعرفة دونما سقوط في مستنقع سوقية اللفظ وإسفاف المعني لمن أراد الأدب، فالأدب أحد اشتقاقات فعل التأديب وليس الإباحية وكتابات البورنو Porno، وليس هناك أرقي وأعلى من التعبير القرآني في الآية الكريمة : (نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلاَقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ) ـ آية 223 البقرة ـ ، وكما علمنا الكبار : "أن نكتب ما تقرأه العذراء في خدرها فلا يقبح عليها"، وقد تعامل التراث بحرية ووعي وانفتاح مع تلك الأمور دون إسفاف وابتذال سقط فيه مروجي الإباحية الذين يحبون أن تشيع الفاحشة بين شبابنا فنجد على سبيل المثال كتاب في القرن التاسع الميلادي بعنوان: "رجوع الشيخ إلى صباه في القوة على الباه " لأحمد ابن سليمان باشا الشهير بإبن كمال باشا الذي يتناول فيه قضية الجنس وفقا للمعارف المتاحة في عصره ويبدأ كتابه بتقديم جاء فيه : " لم أقصد به إعانة المتمتع الذي يرتكب المعاصي، بل قصدت إعانة من قصرت شهوته عن بلوغ نيته في الحلال الذي هو سبب لعمارة الدنيا " ، وفي السياق ذاته يأتي كتاب الإمام جلال الدين السيوطي بعنوان : " الرحمة في الطب والحكمة " وفقاً لعلوم زمانه ومعارف أوانه، ويندرج تحتها أيضا كتاب أبي حامد الغزالي بعنوان: " إحياء علوم الدين " في فصله المعنون بـ "كتاب آداب النكاح" .

إحسان عبد القدوس
لم يكن إحسان عبد القدوس يوماً مُبرأ من " ثقافة العهر " فقد كان موصوماً دائما بما أحاطت به شبهات كثيرة؛ فقد ورد أسمه ضمن سجلات "المصاريف السرية " لحكومات ما قبل انقلاب 23 يوليو 1952 هو والسيدة والدته والزوج الثالث للسيدة والدته قاسم أمين !! تلك السجلات التي كشف عنها الصاغ صلاح سالم وزير الإرشاد!! 

ولم يكن عبد القدوس بعيداً عن شبهات طوقت عنقه حول دعم الإرهاب لحساب "الحرس الحديدي " والإقرار الفعلي للاغتيال السياسي أحقر الوسائل لحسم الخلافات في الأفكار والأراء ووجهات النظر المتباينة رغم التشدق بدعاوى الديمقراطية بإيواء المشبوة حسين توفيق في منزله وفي قلب غرفة نومه، وهو ما صاغة في روايته بعنوان : "في بيتنا رجل " وأقر به صراحة في كتاب بعنوان : " إحسان عبد القدوس .. يتذكر " للدكتورة أميرة أبو الفتوح ، يقول عبد القدوس : 

" ولم يعتبر حسين نفسه في بيته فحسب ، بل وجد نفسه شريكاً في أقدس مكان بالنسبة لكل زوج ... لقد تحول إلى شريك لي ـ برضاى الكامل ـ في حجرة نومي .. !! " ص 90 ، 91 .

.. والحقيقة أنه لم يكن وراء مقتل أمين عثمان باشا دوافع وطنية كما ادعى إعلام القتلة، ولم يكن الرجل بالسوء الذي صوروه به، وكان مقتله ضمن عمليات تصفية حسابات لحساب القصر والملك تمت بنجاح بينما فشلت ثلاث محاولات مماثلة لقنص النحاس باشا ولنفس الأسباب قام بإحداها المشبوة حسين توفيق وبالثانية ذئب الحرس الحديدي أنور السادات وبالثالثة مصطفى كمال صدقي وعبد الرءوف نور الدين ضباطا الحرس الحديدي بتفجير سيارة ملغومة بجوار مسكنه.

يروي محمد ابراهيم كامل وزير الخارجية الأسبق وأحد المتهمين في قضية اغتيال أمين عثمان المقيدة برقم 1129 لسنة 1946 عابدين في كتابه بعنوان : " السلام الضائع في كامب ديفيد " كيف تم اختراق جماعة حسين توفيق بمعرفة ذئب الحرس الحديدي أنور السادات، وتحويل مشاعره من مقاومة الإنجليز إلى قتل أبناء وطنه يقول محمد ابراهيم كامل:

" عرض عمر أبو عليّ على حسين توفيق أن نتقابل مع بعض ممثلي الجمعيات الأخرى، للتفاهم حول كيفية تحقيق التعاون بيننا، ولم تمض أيام قلائل حتى تم اللقاء في أحد المقاهي الكائنة بميدان الأوبرا وقابلنا أنا وحسين توفيق عمر أبو علي الذي قدم لنا شاباً كان يرافقه لفت نظري أنه يكبرنا في السن، كان أسمر اللون ممشوق القوام ذا شارب ضخم وصوت أجش عميق النبرات إلا أنه كان يلبس ثياباً غريبة إذ كان يرتدي بدلة رمادية داكنة وتحتها صديري فاتح به مربعات حمراء وربطة عنق فاقعة اللون وقدمه لنا عمر أبوعلي بأسم  أنور السادات .

أدخل السادات على تفكيرنا تعديلاً لم يكن واردا، وهو أن الطريقة الفعالة لتحقيق أهدافنا هي القضاء على الزعماء المصريين المتعاونين مع الإنجليز، وأننا إذا تمكنا من اغتيال عدد منهم فسيأتي اليوم الذي لن يجد الأنجليز مصريا واحدا يتعاون معهم في حكم البلاد . "

بقية القصة يكملها سيد جاد ضابط الحرس الحديدي في كتابه بعنوان: " الحرس الحديدي، كيف كان الملك فاروق يتخلص من خصومه" يقول سيد جاد :

" تم تهريب حسين عن طريق أحد ضباط الحرس الحديدي ( عبد الرءوف نور الدين ) الذي أعطاه سترته الرسمية ليرحل بها " ص 153

يعني العملية كلها تمت لحساب " الحرس الحديدي " ولم تكن لدوافع وطنية ولا يحزنون وأن الحرس الحديدي هو الذي دبر عملية القتل لحساب القصر والملك وهو الذي قام بتهريب القاتل وإعداد صكوك تبرئة الباقين عن طريق خطف أوراق القضية وتمزيق صفحاتها، وهذا يقدم لنا تفسيرا : لماذا لم يكرم السادات المستشار محمد صادق حمدي الذي برئه في الوقت الذي كرم فيه كل من جاء اسمه في مسيرته التي خلط بينها وبين تاريخ الوطن بداية من سائق قرية نبروه وانتهاء بعبد الستار أبو حسين قهوجي قرية سنتريس؟! ويفك الخيوط المتشابكة عن علاقة عبد القدوس بالحرس الحديدي وتنظيم الضباط الأحرار أحد امتدادته، وأيضا علاقته بالحزب الشيوعي المصري الذي قام سعد كامل أحد أعضائه بنقل المشبوة حسين توفيق فور هروبه إلي منزل عبد القدوس .. سعد كامل زوج ماري روزنتال اليهودية الإيطالية التي أسمت نفسها ـ فيما بعد ـ نائلة كامل شقيقة جوزيف روزنتال مؤسس الحزب الذي أرسى مبادئه هنري كورييل الذي رفع شعار : " إجذب بالجنس وجند بالنظرية " وهو الدور الحقيقي الذي مارسه عبد القدوس في كتاباته طوال حياته لإلهاء الشباب المصريين والتغرير بهم لصالح الصهيونية العالمية وإقامة دولة إسرائيل .

.. تبقى كذبة " الأسلحة الفاسدة " التي بنى عليها خادعاً مجده الصحفي الزائف، ورغم أن صناع الكذبة من ضباط انقلاب 23 يوليو 1952 قد  تخلوا عن افتراءاتهم وعدلوا عنها في شهاداتهم للتاريخ كما جاء في كتابات اللواء محمد نجيب واللواء جمال حماد وأحمد حمروش وخالد محيي الدين وعبد اللطيف البغدادي وثروت عكاشة والصاغ حسين حمودة والفريق حافظ إسماعيل مستشار الأمن القومي الأسبق .

.. إلا أن عبد القدوس ظل متمسكاً بأهداب الكذب حتى آخر لحظة في حياته دون مراعاة لحرمة التاريخ .. وأورث الكذبة لابنيه يتفاخران بها في المحافل، .. فلم يستطع عبد القدوس  في تحقيقات النيابة أن يقدم سنداً ولا مستنداً على ما ادعاه !! .. ولم يكن أمامه وقد صار بلبوصاً من أي سند قانوني سوى أن يدعي أنه تعرض لمحاولة أغتيال بينما كان خارجاً من مطعم الأريتاج وألمح بالاتهام إلى أبن عم الملك النبيل عباس حليم، ولم يجد الرجل رداً على افتراءات الكذاب سوى زيارته بعد العدوان المزعوم .. وامعاناً في السخرية منه ومن أكاذيبه حمل إليه هدية صينية فضية فاخرة محملة بحلوى " مارون جلسية " قدمها له وهو يضحك ساخراً  : " المجرم الخطير جاي يطمئن على البطل الخطير .. !!" .

وفي المحكمة التي انعقدت بعد انقلاب 23 يوليو 1952 لم يجد عبد القدوس  ما يبرربه كذبته سوى تطعيمها بالجوانب الوطنية مثل ادعاء الكذب للحض على كراهية نظام الحكم وصولاً إلى الانقلاب عليه من أجل ما يعتقد أنه الأفضل والذي عبر عنه بقول ساقط لخصه فيما يلي :
" أني أثرت هذه القضية حتى أصل إلى الثورة وقد قامت الثورة وأعتبر أن القضية قد انتهت لذلك فأني أعتذر للقضاء عن إعادة سرد التفاصيل التي سبق أن أدليت بها أمام النيابة "

.. ويأتي ضمن مسلسل 
زكي طليمات في المحفل الماسوني وإلى جواره كمال الشناوي وأحمد علام
استمرار الأكاذيب تأليف عبد القدوس  لقصة فيلم " الله معنا " عن الأسلحة الفاسدة في حرب فلسطين الذي أخرجه زكي طليمات رئيس شعبة الفنانين في المحفل الماسوني والزوج الثاني للسيدة والدته .

كانت السمة الغالبة على كتابات عبد القدوس  روح إدانة الجميع ، وإلصاق النقائص بهم؛ .. فقد كانت  نقطة الوجع في حياة عبد القدوس هي السيدة روز اليوسف النصرانية المارونية التي اصطنعت لنفسها تاريخاً لا يركن إلي سند أو مستند لتصبح فاطمة اليوسف المسلمة، .. ورغم كونها لم تدخل مدرسة في حياتها ولم تحصل على شهادة، وظلت أمية لا تعرف القراءة والكتابة حتى لقيت وجه الله .. إلا أن "صناع الأكاذيب" قد جعلوا منها الممثلة القديرة وسارة برنار الشرق، والكاتبة العظيمة وسيدة الصحافة العربية، .. والسيدة بعيدة عن ذلك كل البعد فقد كانت الشهادة التي حصلت عليها عندما وطأت بقدميها بر مصر هو ترخيص من الإدارة المحلية بمقتضى المادة 16 من لائحة النسوة العاهرات الصادرة بقرار نظارة الداخلية وتصديق مجلس النظار عليها في أول يونية لسنة 1885م .. والذي أعاد نشر صورته على الصفحة الأولي من جريدة المسرح المصري يوسف بك وهبي عندما اشتد الخلاف بينهما( التي صدر منها عدد واحد فقط بتاريخ 6 مارس ـ 22 مارس 1931) والتي كان يترأس تحريرها الأستاذ عليّ أحمد بليغ، وقد أشار إليه الزميل الأستاذ إبراهيم عيسى ضمن مقال بجريد الدستور في إصدارها الأول بترخيص أجنبي عام 1995، .. والتي عبر عن فحواها الشاعر عبد الحميد الديب في هجائه لعباس محمود العقاد عندما أسرف في نقده بمجلة "روز اليوسف"  بقوله :

أيا قواد غانية *** إذا ضمت ( ... )
مت جوعــــاً

.. ولم تسطع الحياة المضطربة لمحمد عبد القدوس الأب أن تشكل حماية لإحسان .. بل كان الأب متهماً من وجهة نظر إحسان ومطالباً بالتبرير، ففى الرسائل المتبادلة بينهما والتي قدمت بعضها لمجلة "المصور " السيدة نرمين القوسيني سكرتيرة إحسان وابنة أخت زوجته، يقول عبد القدوس  الأب لإحسان :

" أنك ابن حلال صرف ، فلم أدخل بأمك إلا بعد العقد عليها، وقد ذهبت بها إلي أحد أصدقائي بشبين الكوم الذي استدعى مأذون بندر شبين الكوم الذي قام بإجراءات العقد، وقد مكثنا عند هذا الصديق ثلاثة أيام ثم استئذنا في السفر " .

.. أورثت سلبيات النشأة إحسان عبد القدوس عدوانية تجاه المجتمع والتي بدت ظواهرها في أحداث زواجه من قرينته السيدة لواحظ المهيلمي الشهيرة بـ " لولا " يقول إحسان :

" كانت نظرة أسرتها لي لم تكن نظرة الرضا فضلاً عن الإعجاب أو الترحيب .. ووجدنا الحل في فرض الأمر الواقع على الجميع ، وفي عصر أحد أيام نوفمبر 1943 دخل المأذون إلى بيت محمد التابعي ليعقد قراني سراً على زوجتي .

وبعد ثلاثة أشهر اكتشفت أخوات " لولا " الحقيقة وكان عليهن أن يعترفن بالأمر الواقع ولكي تبدو الأمور طبيعية أمام الناس عملن كتب كتاب صوري وأحضروا نفس المأذون الذي عقد قراننا ، ووقفنا لالتقاط الصور كأي عروسين ".

وعندما أراد عبد القدوس أن يجد ذاته متوهما أنه أحد صناع انقلاب 23 يوليو 1952 ، وأحد الشركاء في إدارة تداعياته؛ فكتب مقالاً بعنوان : " الجمعية السرية التي تحكم مصر " ، وترتب على المقال القبض عليه واعتقاله ودخوله السجن الحربي الذي لقي فيه من هوان الرجال، وبعد خروجه منه في 31 يوليو 1954 ، وما أن وصل إلى بيته حتى دق جرس التليفون يحمل صوت البكباشي جمال عبد الناصر شريكه في كذبة "الأسلحة الفاسدة " وهو يقول له :

" هيه اتربيت.. ولا لسه يا إحسان ؟! طيب تعال افطر معايا .. ما تتأخرش أنا منتظرك "

.. كان عبد الناصر ينظر إليه نظرات ذات مغزى، وكان إحسان الذي بدا منكسراً لا يقوى على ابتلاع طعامه، ومنذ ذلك اليوم راح يكتب روايات الجنس والفراش مبتعداً عن السياسة، .. ولما عاد إليها بقرار شفهي من الرئيس السادات كانت مقالاته في مجلة " أكتوبر بعنوان : " على مقهى في الشارع السياسي " دعماً لرأي السادات في مواجهة خصومه والرأي العام الغاضب من سياساته !!

كان هتك أعراض الرجال أحد أساليب ضباط انقلاب 23 يوليو  1952 لكسر أنوف معارضيهم؛ فقد حدث أن أبدى فضيلة الشيخ محمد المجدوب إمام وخطيب أحد المساجد الصغيرة المجاورة للجامع الأزهر استيائه من دخول الضباط إلى المساجد وسط صخب العامة وفلاشات الكاميرات .. وزاد من الأمر سوء أن أحد القراء كان يقرأ من سورة النمل : " وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ "ـ النمل آية 6 ـ .. وأخد القارئ يعيد كلمة " ولكم فيها جمال " أكثر من عشر مرات، ولم يتوقف حتى أشار إليه البكباشي جمال عبد الناصر مبتسما بما يعني أن رسالته قد وصلت !! .. لم يعجب الأمر فضيلة الشيخ محمد المجدوب وأسهب في نقده؛ فقبض عليه ليخرج بعد أيام من سجنه مشلولاً لا يكف عن البكاء حتى مات، ولم يفضي بسره إلا للشيخ الباقوري الذي نقل ما حدث للشيخ الجليل للبكباشي جمال عبد الناصر الذي علق قائلاً :

" هما عملوها الأشقياء .. أحسن عشان يبطل كلام . "

.. قد يكون لنا بعض العذر في أننا في سبيل كشف العام قد اضطررنا لنبش الخاص .. ولكن العملاء لم يتركوا لنا خياراً فقد خلطوا الخاص بالعام باحترافية ليقدموا لنا في النهاية " طبخة مسمومة " .. لكنهم نسوا أن للتاريخ أنياب وأظافر تستطيع نزع الأقنعة وخمش الوجوه وتمزيق الثياب وتعرية العورات وشق الصدور وكسر الرؤس وتحطيم القماقم وإخراج الحقائق سافرة عارية من كل زيف، فلا يدخل التاريخ إلا من يستحق .. وليظل نهر التاريخ صافياً رقراقاً .. يتدفق عبر الأيام رائقاً من أكاذيب العملاء.
.. وللحديث شجون وبقية ..

***

الحلقة القادمة : محاولات العملاء للقضاء على اللغة العربية !!