الجمعة، ديسمبر 06، 2019

ياسر بكر يكتب :الاستشراق .. والمستشرقين .. والمشارقة !! (الحلقة السابعة)


ياسر بكر يكتب :الاستشراق .. والمستشرقين .. والمشارقة !!

( الحلقة السابعة)


يحاول البعض إلصاق بعض افتراءات الاستشراق بالأقباط، وتحميلهم بعضاً من أوزاره كما لو كانوا هم صانعوا الاستشراق وناسجوا أكاذيبه .. فالاستشراق ثمرة من ثمار بعض القوى والأنشطة السياسية، وهو مدرسة من مدارس التفسير جعلت مادتها الشرق وحضارته وشعوبه، ولكننا أيضا لا نعفي بعض المثقفين الأقباط وبعض رجال الكنيسة من السقوط في فخ الاستشراق وترديد مزاعمه وخزعبلاته وترهاته حتى صاروا مستشرقين بالتبعية أو التبني أوالانتماء Affiliation ـ بقصد أو بغير قصد ـ، .. وأيضا إننا لا ندين الاستشراق بصفة عامة، ولا نتهم المستشرقين جميعا؛ فبعض المستشرقين أنتج أعمال بحثية ذات قيمة، ووضعوا أسس الدراسات العربية الحديثة التي بنت عليها أجيال من الباحثين المخلصين الجادين، لكننا ندين الإطار الفكري والثقافي  العام للإستشراق والذي يندر أن يخرج عنه، وكشف الغطاء عما يتخفى بقناع الثقافة والدراسات العلمية، وبيان خداع ما يكتسي بالمظهر العلمي وهو في حقيقته عنصري إلى جانب تأجيج الطمع الإستعماري ونهب ثروات الشعوب وإذلالها وطلب السلطان على حساب كرامتها وإنسانياتها، وكلها تقريباً تمثل فى حقيقتها النوازع البشرية المنحطة فى أبشع صورها وتبث الخوف الدفين من تهديد الشرق القائم على بقايا إحساس أبناء أوربا بالجهل، والذي جعل المستشرقين يسرفون بدون ضوابط في اطلاق صفة "الشرقي" على كل ما يرى فيه أبناء الغرب اختلافاً عن الحضارة الغربية، والتذرع بهذه التسمية أو الصفة  للقول بما يجافي الحقيقة والواقع من نسبة خصائص جوهرية أو عناصر إنسانية تمثل جوهر الشرق باعتبارها نقيضا للغرب!! 


.. "الاستشراق" أسلوباً في الخطاب أى التفكير والكلام يقوم  على التمييز الوجودى والمعرفى بين الشرق والغرب تدعمه مؤسسات ومفردات وبحوث علمية وصور ومذاهب فكرية وبيرقراطيات استعمارية وأساليب استعمارية .. أسلوب غربى للهيمنة على الشرق وإعادة بنائه والتسلط عليه ونهب ثراوته، ولم يكن الشرق بسبب القيود التى يفرضها  الاستشراق  مجالاً لحرية الفكر والعمل، .. ومن المخادعة الاعتقاد بأن الخيال وحده قد فرض صورة الشرق، أى جعله يتخذ الصورة التى رسمها المستشرقون، ولكنه يتجاوزه إلى اكتشاف إخضاع الشرق لتلك الصورة!!، قد تتفاوت هذه الفكرة بشكل نسبي من كاتب إلى آخر لكنها تتميز بموقف أساسي يرجع إلى ارتباط المعرفة بالسلطة، واعتماد كل منهما على الآخر، فالسلطة بشتى اشكالها ـ السياسية والعسكرية والمالية والعلمية ـ تحدد نوع المعرفة كما أن المعرفة لازمة لقيام السلطة واستمرارها !!، وما تبع ذلك مما وقع فيه كبار المبدعين من تزييف لحقائق الواقع بسبب غلبة الإطار الفكرى الذى أقامة كبار  المستشرقون بدعوى العلم والمعرفة.

.. الفكرة فى "الاستشراق" عندما يعرض لمواجهة الوعى الغربى مع الآخر (الشرق) يرى أن الشرق يمثل وعياً غاصباً، فالمستشرق يحاول احتواء الآخر (الشرق) باعتباره فرعاً منه مثلما اعتبر بعض المستشرقين الإسلام صورة منحرفة من صور المسيحية مثل مذهب التوحيد الآريوسي (المنسوب إلى الراهب أريوس في أواخر القرن الثالث الميلادي، وأوائل القرن الرابع الميلادي)، والتي تنص على أن " الله واحد فرد غير مولود، لا يشاركه شيء في ذاته تعالى؛ فكل ما كان خارجاٌ عن الله الأحد إنما هو مخلوق من لا شيء وبإرادة الله ومشيئته"، وهذا يعني أن السيد المسيح ـ عليه السلام ـ وفق هذا التعريف بشر مخلوق، ثم من بعده "مذهب الوحدانية" اليعقوبي في القرن الخامس الميلادي الذي تقوم على أساسه الكنيسة الأرثوذكسية القبطية نسبة إلى الراهب يعقوب البرادعي (المونوفيزية (Monophysitism القائل بوجود طبيعة واحدة للسيد المسيح عليه السلام . 

.. اختارت أوربا لنفسها بعد تحديد كيانها الجغرافي مُسمى الأنا The Ego وأطلقت على غيرها لفظ الآخر The Other وراحت تكيل لنفسها بأكثر من مكيال عندما يتعلق الأمر بالذات The Egoism وبمعايير مختلفة عن المعايير الصارمة والصادمة عندما يرتبط الأمر بالأخر The Otherness وهو ما حدا بإدوار سعيد في كتابه بعنوان: "الاستشراق" إلى السخرية من هذا التصنيف بقوله :


"البلد الأخر هو مكان وجود الآخرية إنه االمكان البعيد عن الوطن وقد يكون الفضاء المتخيل الذي نعكس فيه رغباتنا ومخاوفنا .".


.. وكان وصف ادوارد سعيد لـ "الاستشراق" دقيقا حين قال:


"بأن "الاستشراق" استجاب في معظم الأحوال للثقافة التي أنتجته أكثر مما استجاب لموضوعه المزعوم".


نشأة "الاستشراق" :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اختلف المؤرخون في تحديد تاريخ بدء "الاستشراق"؛ فمنهم من أرجعه إلى السنوات الأخيرة من القرن العاشر، ومنهم من أرجعه إلى القرن الثاني عشر عندما أمر بطرس "المبجل"Peter The Venèrable بوضع اللبنة الأولى للحركة الاستشراقية بأن أمر روبرت الكيتوني Robert Of Ketoun بترجمة القرآن إلى اللغة اللاتينية، الأمر الذي تحقق عام 1143م.

..لم يكن رئيس رهبان دير كلوني بطرس"المبجل" يهدف  من وراء هذه "الترجمة" إلى الاطلاع على كتاب المسلمين و معرفة تعاليم ديانتهم، و إنما كان الهدف تنصيريا بحتا، لذلك جاءت تلك "الترجمة" مشوهة ليس فيها من القرآن إلا اسمه، لما فيها من حذف وإضافة وأخطاء مقصودة؛ فهي " لم تكن ترجمة فقط و إنما أضيف إليها هجوم و قدح في الإسلام و القرآن الكريم في شكل مساجلات كانت تقحم أثناء الترجمة، وقد كانت لا تلتزم بدقة وحرفية بالنص، ولا تلتزم بترتيب الجملة في الأصل العربي وإنما تستخلص المعنى العام في أجزاء السورة الواحدة ثم تعبر عن هذا بترتيب من عند المترجم، ويعترف صموئيل زويمر اليهودي أن هذه الترجمة تمت بدافع تنصيري، وتحت تأثير الروح التنصيرية لدى بطرس"المبجل".


  بينما يرى البعض أن "الاستشراق" بدأ بمحاولات بعض الباحثين ورجال اللاهوت الأوربييين المسيحيين بدراستهم لترجمات القرآن وسير النبي محمد صلى الله عليه وسلم لتفنيد الإسلام باعتباره ديناً مزيفاً وهرطقة ولا يتفق مع العقيدة المسيحية، وكانوا يأملون في أن يوقفوا بهذه الأعمال تحول المسيحيين في الأراضي التي يحكمها المسلمون إلى الإسلام، وفي نفس الوقت فتح الطريق للتحول النهائي للمسلمين، ولم تزد محاولاتهم إلا في انتاج ما أصبح في النهاية أدباً جدليا؛ فلم يقنع ما قالوه المسلمين فنقدهم للإسلام كان معتمداً على اللاهوت المسيحي، وكان بلا معنى بالنسبة للمسلمين!!

بينما يرى البعض أن الاستشراق بدأ مع عصر النهضة كحقل من حقول المعرفة إلى جانب كونه نشاطاً تبشيريا وتنصيريا كمحاولة جادة للبحث عن طوق نجاة في الحضارة العربية والإسلامية يخرج أوربا من مستنقع الجهل والتخلف الذي فرضته الكنيسة والاهتداء بأضوائها المبهرة للخروج من عتمة القرون الوسطى!!


بين نورمان دانييل فى دراسته بعنوان : "الإسلام والغرب" أن من القيود التى قيدت  تفكير المفكرين المسيحيين الذين حاولوا فهم الإسلام قيد القياس أو التشبية، فلما كان المسيح أساس الديانة المسيحية، افترض هؤلاء ـ وكانوا مخطئين ـ أن محمد يمثل للإسلام ما يمثله المسيح للمسيحية ـ وفقا للفهم الشائع فى الكنيسة ـ ومن ثم اطلقوا على الإسلام التسمية المهينة "المحمدية"، وألصقوا بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وصف  "الدجال"!!.

ويؤكد نورمان دانييل على :"ضعف الثقافة الغربية بحيث أنها لا تستطيع تقديم القرآن والسنة فى شكل قادر على إقناع المسيحيين بما يزعمون".

يُجمع المفكرون الأوربيون في القرن العشرين في كتاباتهم أن نتيجة حروب الإفرنج وغزو الفرنجة للشرق لم يحدث انتقال ثقافي ملحوظ بين الشرق والغرب، لكنهم دائماً لا يذكرون السبب خجلاً؛ وهو أن هذه الحملات لم يشارك فيها إلا الرعاع والأقنان والموامس وعدد قليل من الفرسان .

.. وكانت نتائج الهزائم المتتالية لحروب الإفرنج التي أرهقت أوربا أن حاول بعض المفكرين الأوربيين دون فهم لمكون العقيدة الإسلامية احتواء الشرق على نحو ما بين ر. و. سذرن فى كتابه "نظرة الغرب إلى الإسلام": اتضح للمفكرين الأوربيين الجادين، أنه لابد من اتخاذ إجراء جاد بصدد الإسلام الذى وصل إلى شرق أوربا، ويقص سذرن قصة مثيرة وقعت بين عامى 1450، 1460م عندما حاول أربعة من العلماء هم جون السيجوفى، ونيكولاس االقوصى، وجان جيرمين، وابنياس سلفيوس (البابا بيوس الثانى) التصدى للإسلام من خلال مؤتمر خاص كان الأول  صاحب الفكرة  التى تقضى بعقد مؤتمر مع الإسلام يحاول فيه المسيحيون تحويل المسلمين جملة عن عقيدتهم، وكان يرى فى المؤتمر أداة لها وظيفتها  السياسية إلى جانب  وظيفتها الدينية الخالصة، وبتعبير تستجيب له صدور المحدثين صاح قائلاً : "إن المؤتمر لو استمر عشر سنوات فسوف يكون أقل تكلفة وأقل ضرراً من الحرب"، وفشل الباحثون فى معالجة مشكلتهم مع الإسلام  فقد اخفقوا فى الوصول إلى الحل الذى يطلبونه ويرغبون فيه؛ فالإسلام ليس لديه مشكلة مع الآخر لكنهم أنشأوا عادات فى التفكير وطاقات على الفهم  لاتزال جديرة بالنجاح لو توافرت لغيرهم ممن لم يعيشوا أسرى مفاهيم قديمة، وهو ما جعل الجهل الغربى يزداد تعقيداً وبعداً عن البساطة ولم تزد المعرفة الغربية حجماً ولا دقة فالأكاذيب لها منطقها الخاص وجدليتها الخاصة فى النمو أو التدهور؛ كهذا كانت هيمنة رجال الكنيسة على مختلف شؤون الحياة، باعتبارهم علماء في الدين ومختلف شئون الحياة، فحاربوا المفكرين، وحاكموهم بقسوة، واحتكروا زعامة المجتمع، فتفشت فيه الخرافات وعم الجهل، وكان المجتمع الأوروبي متخلفاً ويئن تحت وطأة الإقطاع، ويعاني من ويلات الحروب الإقطاعية والتجزئة السياسية، يقول ريمون شواب في كتابه بعنوان "عصر النهضة والاستشراق": ومع بداية عصر النهضة وفي القرنين ١٥ ، ١٦ بدأت أوربا إعادة اكتشاف نفسها من جديد وتمثيلها أمام ذاتها ولم تجد إلا ثقافة ضحلة تفتقر إلى فهم ما هو خارج حيزها المكاني كما أنها لا تقدم فهماً متكاملاً لما هو داخل حدودها، وتاريخ هامشي لا يستحق الدراسة، ولم تجد إلا تمثيلات متناقضة تمثل التاريخ الممزق لأوربا !! .


وبدأ الباحثون الأوربيين يدركون أن العالم الإسلامي يمتلك ثروات فكرية عظيمة تستطيع الثقافة الأوربية الفقيرة أن تستفيد منها، وأدركوا أنهم لن يستطيعوا إعادة تعريف ذاتهم من خلال مرآة الشرق؛ فحاولوا استقطار واستخلاص ما يمكن استخلاصه من هذه الثقافة المركبة والمعقدة التي كانت مغرية ومخيفة في الوقت ذاته، وهكذا بدأت أوربا خطواتها لفهم ذاتها ومعرفتها من جديد عبر هذه النصوص حضارة عظيمة؛ فبدأوا بمساعدة المسلمين والمسيحيين واليهود الأسبان في ترجمة ونشر الكتابات العربية الضخمة في الطب والفلك والرياضيات والفلسفة التي وجدها في المساجد والمحاكم الأسبانية، وكانت تلك الوسيلة التي اتصل بها الأوربيون للمرة الأولي بكثير من أعمال الأغريق القدامى التي فقدت في الغرب والتي حافظ عليها العرب في ترجمات عربية وفي سياق ذلك صادفوا كتابات عربية لمفكرين مسلمين كانوا قد استوعبوا أعمال الإغريق وتجاوزوها ليفتحوا مسالك جديدة في الطب والفلسفة والعلم والرياضيات والأدب، وقد ترك الاشتباك مع النصوص اثراً عميقاًعلى عديد من مجالات الحياة العقلية في أوربا؛ فقد استخدمت الكتابات العربية المترجمة في الطب والفلسفة والعلم والرياضيات والأدب في العصور الوسطى لعدة قرون وقرئت كتابات ابن سينا وابن رشد، ويؤكد التأثير القوي للعلم العربي العدد الكبير من المصطلحات العلمية والرياضية في الغات الأوربية المشتقة من المصطلحات أو الأسماء العربية .


لكن أوربا للأسف أعادت صياغة دونيتها أمام هذه الثقافة العربية العظيمة في شكل من أشكال الاستعلاء والفوقية ودون أن تلقي بالاً لـ "المشترك الإنساني" .


وفي الفترة من 1840-1967 بدأ طور جديد من أطوار الاستشراق وصارت باريس عاصمة للعالم الاستشراقى، ونجحت المؤسسات الاستشراقية في استبناء بعض المعطوبين أخلاقياً واجتماعياً الذين يعانون مشكلات مع مجتمعاتهم و والذين تأثروا بآراء المستشرقين من أبناء الثقافية الشرقية، وتجنيدهم لبث سموم "الاستشراق" أمثال رفاعة الطهاوي، ومحمد عبده، وقاسم أمين، وأحمد لطفي السيد، وأحمد فتحي زغلول، وطه حسين، وعلى عبد الرازق، ومصطفى عبد الرازق، وأحمد أمين، ومنصور فهمي، وعباس محمود العقاد، وسليمان مظهر، وأمين الخولي، ومحمد أحمد خلف، وعبد العزيز الأهواني، ولويس عوض، وسلامة موسى، وتوفيق الحكيم، وزكي نجيب محمود، وحسين فوزي، وجابر عصفور، ونصر حامد أبو زيد، ووائل غالي وغيرهم كثيرين!! .


.. وفي زمن الحركات التحررية التي عمت أجزاء كبيرة من العالم مع نهاية فترة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي وانحسار ثقافة الكلونيالية كثرت الكتابات الوطنية (ما بعد الكلونيالية) التي تنتقد الاستشراق وتفند أكاذيبه، وبرز من بين أبناء البلدان المحررة نماذج رفيعة للمثقف الإنساني المتأهب للتغريد خارج السرب والإنشقاق عن الخطاب السائد، مثقف يمتلك أدواته البحثية لنقد مختلف خطابات التسييد التي باتت من المسلمات التي لا يجوز مناقشتها !!، ومن ثم أصبح للإستشراق تبعات سيئة بعدما انكشفت عوراته وانفضحت حقيقة أهدافه ومراميه.


وفي أغسطس 1973 أعلن المؤتمر العام للاستشراق في باريس نهاية "عصر الاستشراق"، وأن هذا آخر مؤتمر دولي يحمل هذه التسمية، لتصبح التسمية الجديدة "مؤتمرات العلوم الإسلامية الخاصة بمناطق العالم الإسلامي"، وصار المستشرقون الجدد يعملون تحت مظلة: "مراكز الأبحاث Think Tank"، ويحملون مُسمى "خبراء المناطق"، واتبعت كل مدرسة غربية أسلوبها الخاص في صياغة العلاقة الجديدة بين "الاستشراق" والعلوم الأخرى، فالفرنسيون جعلوا منه علوماً اجتماعية إنسانية بينما حاول الألمان تطوير الاستشراق بربطه بتطوير الفيلولوجيا واللاهوت، واهتمَّ الاستشراق البريطاني بدراسةِ العقائد الإسلامية والدين الإسلامي في حين بقي آخرون متمسكين بالفهم والوظيفة التقليديين للاستشراق، وذهب الأمريكان بهذه المراكز إلى مستنقع الاستشارات السياسية والاقتصادية تحت عنوان "دراسات المنطقة" أو "الدراسات المناطقية"، وأصبحت هذه المراكز في واقع حالها "اوكار للجواسيس" حيث يتواجد في امريكا والاتّحاد الأوروبي ما يزيد على 5650 باحثاً ومتخصّصاً من أصول عربية يمثلون واجهة فكرية للوبي الإسرائيلي في مراكز بحثية يشرف عليها ويمولها أنصار إسرائيل العتاه بهدف الخلط بين القضايا البحثية والنزعات السياسية بما يخدم أغراض الممولين ويدعم سياستهم عبر صيغ تم طبخها بإتقان واحترافية لتلقى رضاء الباحث وقبول المتلقي، لكنها في واقع الأمر إساءات إلى شرف العلم !!


لم تتغير التسمية فقط، وإنما تغيرت مواضيع البحث أيضا؛ فانصب اهتمام "المستشرقين الجدد" على القضايا المعاصرة كالصحوة الإسلامية (الأصولية الإسلامية حسب تعبيرهم) أو "التطرف الإسلامي"، والأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في العالم الإسلامي لقد توارى الاستشراق التقليدي وراء هذا التوجه الجديد، دون أن يعني هذا أن هناك إغفالا تماما للقضايا الاستشراقية التقليدية كدراسة العلوم الإسلامية المختلفة، كالقرآن الكريم، والحديث النبوي الشريف، والفقه الإسلامي، والتاريخ الإسلامي واللغة العربية وآدابها… إلا أن حضور هذه القضايا في الاستشراق المعاصر لم يكون بأبحاث جديدة إنما بتعبئة مادة الاستشراق التقليدي في أوعية مختلفة الأشكال ومتنوعة الألوان !! ..


وبرزت في الساحة أسماء بعض المستشرقين الجدد مثل توماس فريدمان، دانييل بايبس، مارتن كرامر، جوديث ميلر، جيم هوجلاند، تشارلز كروثماثر، جين كيرباتريك، إميرسون،  وغيرهم من المحسوبين على طبقة الخبراء المتخصصين في دراسة الإسلام والعالم الإسلامي، وهم في حقيقتهم من العاملين في مراكز البحث المأجورة للإدارة الأمريكية وجماعات الضغط في الولايات المتحدة، و جميعهم تقريباً تلامذة في مدرسة المستشرق الصهيوني برنارد لويس، صاحب المقال الشهير"جذور السعار الإسلامي"، والذي أسس لنزعة الإسلامو فوبيا الجديدة التي تحذر من "الخطر الإسلامي". 


***

لمزيد من المعلومات اقرأ :



الخميس، نوفمبر 28، 2019

ياسر بكر يكتب :نابليون وروزفلت .. وموالد أهل مصر !!( الحلقة السادسة)


ياسر بكر يكتب :
نابليون وروزفلت .. وموالد أهل مصر !!

السفير الأمريكي ريتشارد دوني يشارك الطرق الصوفية احتفالها بمولد السيد البدوي


أفاد نابليون من دراسة تقدير الموقف التي أعدها ليبنيز للملك لويس الرابع عشر بعنوان :" المخطوط السري لغزو مصر"، وفهم قبل أن تطأ قدميه أرض مصر "اللعبة" مبكراً لعبة (الإسلام والسياسة)، وفهم أن الطريق إلى قلوب المصريين وعقولهم يبدأ من المسجد وينتهي بالضريح؛ فأعلن أنه من أولياء الله،.. وأنه من أصفياء الله .. لكنه بينه وبين نفسه كان موقناً أنه دجال وكتب في مذكراته : "أن ما فعله في مصر دجل من أعلى طراز"، ثم استطرد :"أن على الإنسان أن يصطنع الدجل في هذه الدنيا لأنه السبيل الوحيد للنجاح .".

كان وصول نابليون إلى القاهرة في يوم الأربعاء 15 أغسطس .. قال الجبرتي ففي يوم الجمعة خاصة أمر صاري عسكر بالإستعداد وتزيين العقبة كالعادة، وكذلك زينوا عدة مراكب وغلايين ونادوا على الناس بالخروج إلى النزهة في النيل والمقياس والروضة على عاداتهم، وكتب نابليون إلى أرباب الديوان والمتولين المناصب وغيرهم بالحضور في يوم السبت ١٨ أغسطس، وركب نابليون بموكبه وزينته وعساكره وطبوله وزموره إلى قصر قنطرة السد وكسروا الجسر بحضرتهم، وعملوا شنك مدافع ونفوطاً أي أطلقوا المدافع والصواريخ حتى جرى الماء في الخليج، وركب هو وصحبته حتى رجع داره".

قال كتاب الفرنسيين أن :"المشايخ جمعوا بين الدعاء لنابليون وباركوه وبجلوه"، لكن الجبرتي غض الطرف عن ذكر ما فعل المشايخ وقال عن أهل البلد:

"أما أهل البلد فلم يخرج أحد منهم في تلك الليلة للتنزة في المراكب على العادة سوى النصارى الشوام والقبط والأروام وألإفرنج البلديين ونسائهم وقليل من الناس البطالين.".

ويبدو أن نابليون سرته نتيجة ذلك الاحتفال فأخذ يسأل عن الموالد والأعياد؛ فعلم أن المولد النبوي يقع في العاشر من ربيع الأول، فاستدعى السيد خليل البكري وقلده نقابة الأشراف بدلاً من عمر مكرم الذي هرب إلى غزة، ثم سأل صاري عسكر خليل البكري عن المولد النبوي ولماذا لم يعملوه كعادتهم؛ فاعتذر بتعطيل الأمور وتوقف الأحوال، فلم يقبل نابليون، وقال لابد من ذلك وأعطى له ثلاثمائة ريال فرنسية معاونة (في الوثائق الفرنسية ألف وثلثمائة ريال فرنسية) وأمر بتعليق تعاليق وأحبال وقناديل، واجتمع الفرنساوية يوم المولد ولعبوا ميادينهم وضربوا طبولهم ودبادبهم، وأرسل نابليون الطبلخانة الكبيرة "الجوقة الموسيقية العسكرية" إلى بيت الشيخ البكري، واستمروا يقرعونها بطول النهار والليل، وعملوا حراقة نفوط مختلفة وصواريخ تصعد في الهواء .".

يقول الجبرتي :

"كان المولد عند أهل الإقليم موسماً لا يتخلفون عنه إما للزيارة أو للتجارة أو للنزهة أو الفسوق .".

وفي رواية الكتاب الفرنسيين أن :"نابليون ذهب إلى منزل الشيخ البكري حيث جلس إلى جوار المنشدين الذين أخذو في تلاوة القصة النبوية، وكان يهتز كأنما هو مشارك لهم في التلاوة والنغمات، ثم مدت الموائد.".

.. وبدأت زفة "البيرق النبوي" و"زفة الدوسة"، كان نابليون يهدف إلى خلق أجواء احتفالية بغرض الإلهاء وترسيخ "ثقافة التخلف"، وقد استمرت تلك الممارسات إلى يومنا هذا وليس من قبيل المبالغة أن مصر تقع في المرتبة الأولى بين الدول في احتفاليات الموالد، وهي المعنية بفكرة "الولاية" دائماً، وبمن يطلق عليهم "الأولياء"؛ فالولي في التراث الشعبي المصري يرعى مريده روحيا بعد وفاته؛ لذا فهم يجتمعون للاحتفال بمولده طلباً لبركته وعطاياه، إذ هو في معتقدهم ـ كما في فكر مريديه ـ يستمع لطلباتهم ويلبي احتياجاتهم، فهو مات جسداً لكنه حي بروحه، وهو ليس بغائب عنهم بل حاضر في مولده والاحتفال المقام له.

        .. وتضفي مصر صبغة من ثقافتها غير الدينية (ثقافة البزراميط)، على كافة الاحتفالات التي قد تبدو في إطار من التأصيل الديني، ويبدو ذلك جلياً في حجم وكم أعداد الأولياء، الذي يصل في أقل تقدير إلى خمسة عشر ألفاً من الأولياء؛ حسب ما جاء في أطلس الفلكلور المصري وكلها ـ تقريباً ـ يحتفى بها في شكل موالد سنوية لها صفة الثبات الدوري.. الطريف أن إحدى قرى محافظة الشرقية تضم 153 ضريحاً للأولياء في حين يبلغ تعداد سكانها في حدود 22 ألف نسمة .

        وتشير الشواهد التاريخية الواردة في وثائق المؤرخين إلى التأصيل التاريخي لمعظم الشخصيات التي يحتفي بها من خلال الموالد الدورية، والتي تثبت أن العديد من هذه الأسماء كانت بعيدة كل البعد عن التقديس الديني، والدليل على ذلك أسماء المماليك والأمراء والصعاليك ممن تقام لهم موالد حتى الآن خاصة في منطقة القاهرة المعزية.

وتتشابة أحتفالية المولد في مصر بما يؤكد أنه طقس ثقافي سواء كان متعلقاً بمولد ولي مسلم أو بمولد قديس قبطي في مظاهرها العامة والجزئية حتى تكاد أن تتطابق فيما عدا الاختلاف اللفظي في إنشاد زفة البيرق للإعلان عن بدء المولد وأناشيد الحضرة والأذكار والأوراد الإسلامية من ناحية أو زفة الأيقونة والتراتيل والترانيم القبطية من ناحية أخرى لكن الملاحظ أنه يجمع بينهما تشابة واضح في الإيقاعات الموسيقية ذات التيمات التراثية الشعبية


 وفي زمن الموالد تكثر حركة الناس، خصوصاً أهل الجهة التي به المولد، وتروج البضائع، سيما الحلوى والحمص والفول السوداني والترمس والبسبوسة والبليلة، وأصناف المأكولات من الكشري والفول والفلافل وفواكة اللحوم والسميذ والبيض والجبنة والكوارع والفشة والمونبار، وينتفع بعض الفقراء وطوائف المشعوذين كالحواة والبهاليل وقارئي الكف وقارئي خطوط الرمال وضاربي الودع ومشخصاتية الأراجوز وخيال ظل وألعاب اللهو المراجحية وألعاب الفتوة والقوة ونحو ذلك، وتنال خدمة الأضرحة في تلك الأيام من النذور والصدقات أضعاف ما تناله في غيرها، ويكثر ذلك ويقل تبعاً لاتساع شهرة المولد، وكثرة الواردين وقلتهم من الرواد من أهالي القاهرة وضواحيها .

        والعادة في تلك الأيام أن أكثر السكان المجاورين لمحل المولد يعملون وقدات وختمات وأذكار وولائم، يدعون فيها من أرادوا من اصحبهم أحبابهم .

  وفي الموالد الكبيرة مثل مولد النبي صلى الله عليه وسلم ومولد سيدنا الحسين والسيدة زينب والسيدة نفيسة والسيدة سكينة والسيدة رقية والإمام الشافعي، والسيد البدوي وسيدي إبراهيم الدسوقي وسيدي شبل وسيدي أبوالحجاج الأقصري، وسيدي أبو العباس المرسي وسيدي الإمام البوصيري وسيدي ياقوت العرش تكثر الحركة في جميع البلد، وتتسع دائرة اكتساب الخدمة من من الباعة والحلاقين والحجامين والمزينين ويعم ذلك الشوارع الكبيرة، حتى يتخيل الناظر أن المدينة مزينة وينشأ عن ذلك التفريح العام والسرور التام) .. تتساوى في هذا موالد المسلمين وموالد الأقباط (مولد القديسة دميانة في البراري ـ موالد السيدة العذراء في جبل الطير ودرنكة وموالد مارجرجس في ميت دمسيس والرزيقات ومولد الأنبا برسوم بحلوان) التي تعد تطوراً وامتداداً طبيعياً للاحتفالات المصرية القديمة . وقد يرجع انتشار الموالد القبطية في مصر، وتبوؤها هذه المكانة في الحياة الاجتماعية والروحية إلى أسباب كثيرة أهمها ما تحمله الشخصية المصرية بشكل عام والقبطية بوجه خاص من طبيعة وصفات قدماء المصريين الذين نشأوا على الاعتقاد في القوى العلوية وتقديسها، احتراماً لها أو خوفاً منها، بالإضافة على موقع مصر الفريد جغرافياً وتاريخياً وروحياً، الأمر الذي أدى إلى تواجد العديد من القديسين بالفعل داخل حدود مصر الجغرافية، فهم داخل الوجدان الإيماني والروحي للأقباط يتمثلون بهم ويلجأون لهم ويحتمون فيهم، وساعد على ذلك ما يوفره الإطار العقيدي للكنيسة القبطية، وما يفرضه الإطار الاجتماعي للأقباط في مصر، وينتهز الأقباط فرصة احتفالية موالد القديسين لتعميد الأطفال ودق وشم الصلبان ورسم وشوم برسوم القديسين على أجسادهم!!

.. وتشير بعض الدراسات الميدانية الواردة في البيانت الحصرية لأطلس الفلكلور المصري أنها قد رصدت منذ أكثر من ربع قرن تحول عدد كبير من "الأضرحة الوهمية" إلى مستوى أولياء التي يحتفى بها سنوياً، وقد أرجعت بعض الدراسات تلك الظاهرة إلى تفشي البطالة، وسوء الأحوال الاقتصادية، فكان لجوء البعض  منهم بأن يدعي أن "سيدي فلان" صاحب الضريح الفلاني ـ والضريح هنا كثيراً ما يعني وجود زير أو سبيل ماء تحت شجرة على ممر زراعي) ـ أتاه في المنام وطلب منه أن يقيم له مولداً بشرط أن يقوم "صاحب هذه الرؤية المنامية المزعومة" على خدمته، وبالتالي يكون حارساً على صندوق نذوره !!!




        وفي ذلك ما يفسر ازدياد عدد الأولياء التي يصنع من حولها العديد من القصص المزعومة والبطولات والقدرات الخارقة، والجماعة الشعبية المصرية تعيش على ارض خصبة لتقبل ذلك؛ فانتشرت جرائم النصب والقتل والدعارة في هذه السوق الرائجة .

يرى عالم الاجتماع الراحل د. سيد عويس في كتابه بعنوان:  (قراءات في موسوعة المجتمع المصري ـ الصادر سنة 1988) : 

" أن الموالد أحد أشكال (الفرح الجماعي) في حياة المصريين، وأنها نتاج حالة من "الوجد" الذي تبثه الطرق الصوفية وتلقى قبولاً وهوى بين مريديها، وهذا الهوى لا يأتي من لا شيء، فهو بالضرورة نتاج ثقافة المجتمع."، ويضيف: "أن مصر تضم حوالي 2850 مولدا* للأولياء الصالحين، يحضرها أكثر من نصف سكان الدولة"، ولا يتقيد أهالي كل قرية ومدينة بوليهم المحلي، حيث أسقط المصريون حاجز المكان، فمثلاً بتوجه سكان أسوان إلى طنطا للاحتفال بمولد "السيد البدوي"، ويتوجه سكان الإسكندرية للاحتفال بمولد "سيدي أبو الحجاج" بالأقصر، وسكان حلوان للاحتفال بمولد القديسة دميانة بالبحيرة، وسكان البحيرة للاحتفال بمولد سيدي برسوم العريان بالقاهرة ولأنها ظاهرة اجتماعية دينية هامة .


.. ويرى د. علي فهمي الباحث بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية في كتابه بعنوان :(دين الحرافيش في مصر المحروسة .. دراسة في الفهم السوسيولوجي الشعبي للدين) أن:

 "مواسم الموالد ترتبط في الأقاليم المصرية بمواسم تصريف محاصيل زراعية بعينها، وتقترن مواعيدها بمواعيد الانتهاء من جني المحصول الذي يشتهر به الإقليم الذي يقام فيه المولد"، ويضيف :"ولو تصورنا أن بعض الموالد يشارك فيها ما يقارب نصف مليون إلى مليوني شخص لأدركنا الحرص على الاستفادة التجارية من الإبقاء على هذه الموالد، وهذا بخلاف تجارة الملاهي والغناء والفرق الاستعراضية التي أصبحت مرتبطة بالموالد برغم أنها لا علاقة بينها وبين الأولياء!!  

        .. وفي ظل رواج خرافات التدين الشعبي للمسلمين والأقباط راجت تجارة الموالد والأضرحة، لما تدره من أرباح للقائمين على الأضرحة والمحال التجارية والتجار القريبين منها، فحرصوا على تنميتها عبر الترويج لـ "كرامات" أولياء هذه الأضرحة، وبث تلك الأساطير والأكاذيب بين الجهلة وضعاف الدين وأصحاب المواجع من العاقرات والعاطلين والباحثين عن حلول لمشكلاتهم المستعصية حتي أصبح أكثر زوار هذه الاضرحة والمترددين على الموالد والمشعوذين من الطبقات الغنية والمتعلمة والمثقفة.

"الذخائر المقدسة"
و" تجـارة البركة ":
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

راجت تجارة "الذخائر المقدسة" أثناء حملات الفرنجة على الشرق و"الذخائر المقدسة" هي رفات القديسين وملابسهم وأدواتهم الشخصية .. حتى أن بعضهم أدعى أنه عثر على خشبة الصليب المقدس التي صلب عليها السيد المسيح، ولم تكن هذه الأشياء سوى تذكارات مزيفة !!

وقد راجت في السنوات الأخيرة ما يُسمى بـ "تجارة البركة" بين شعب الكنيسة المصرية!!

إننا لا نناقش "بركة الكنيسة" .. لكننا ضد من يتخذها وسيلة للتلاعب بالفقراء والمهمشين والمتعبين وثقيلي الأحمال وتغييب وعيهم وإبعادهم عما جاء به السيد المسيح من تعاليم وإدخال البدع على المسيحية التي تخدم هذه التجارة ومنفعة القائمين عليها دون أدنى تقدير للعواقب الوخيمة لهذه الممارسات التي تحمل طابع الدجل والتجارة المشبوهة والتربح الحرام ولا علاقة لها بالعقيدة؛ فمع زيارة الأقباط للأديرة وزيارة مقابر القديسين والتماس بركتهم ابتدعت كل كنيسة تذكار لتك البركة بعض الكنائس تكتفي بإعطاء زيوت البركة والبعض يعطي مياه مجهولة المصدر وأخرى تعطي الحنوط والمخبوزات وأخرى تعطي البخور وأخرون يعطون رمالاً من قبر القديس ومن الطرائف التي رواها لى أحد الأخوة أنه في قبر القديس يسى ميخائيل قد فرغ الرمل من قبره فأصبحت الكنيسة تضع أمام القبر أجولة من الرمال الصفراء ليأخذ منها طالبي البركة ما يريدون مجانا مكتفية بما تقوم الكنيسة بتحصيلة من النذور والعشور والبواكير !!

ونظرا لأن "تجارة البركة" من التجارات الرائجة فقد تفنن تجارها في استيراد التذكارات التي تم تصنيعها لتوافق عقائد الكنيسة اليعقوبية من صور وأقلام وأباجورات وأيقونات وساعات وابليكات واكسسوار موبيلات بل واستيراد تماثيل بالحجم الطبيعي لتوضع في مداخل قصور الأثرياء وحدائقهم .

***

تجربة نابليون في اللعب بورقة (الدين والسياسة)  في مصر لم تضع هباء، فقد وجدت من يستوعبها ويستنسخها ويعيدها ويستعملها في صياغة الواقع الديني والسياسي في مصر؛ فقد استنسختها المخابرات الإنجليزية بعد احتلال إنجلترا لمصر، فأنشئت تنظيم "الأمة القبطية" السري في سنة 1919 على يد راهب يدعى انطونيوس أي قبل نشأة تنظيم "الإخوان المسلمين" بتسعة سنوات في سنة 1928، وكان من أبرز رموز تنظيم "الأمة القبطية" السري القمص سرجيوس وقبل إشهاره رسمياً علي يد المحامي ابراهيم هلال في 14 سبتمبر 1952 .. القمص سرجيوس المعروف فى تاريخ ثورة 1919 وصاحب صحيفة (المنارة المرقصية) ثم (المنارة المصرية)، والذي خدع المصريين باعتلائه منبر الأزهر وخطبه الرنانة وهو يخفي الغدر وراء ظهره بأحاديثه عن :"دين الله، .. ووطن الجميع"، ومنهم أيضا عازر يوسف عطا والذى اصبح فيما بعد البابا (كيرلس السادس) وكان يعمل فى مجال السياحة وهى أبعد مجال عن الاهتمامات الدينية وكان أحد تلامذة رهبان جماعة الامة القبطية .. ومنهم الدكتور سعد عزيز (الأب متى المسكين) فيما بعد والذى كان بعيدا عن الدين وكان منجذب للفكر الشيوعى ويعمل صيدلى ويمتلك صيدلية بمدينة دمنهور، .. واعتنق فكر الجماعة .. ومنهم نظير جيد (الانبا شنودة) بابا الاقباط السابق، وهو احد التلامذة التسع للاب متى المسكين فى دير السريان وهو خريج كلية الآداب قسم تاريخ.

كلا التنظيمين :"الأمة القبطية" و"الإخوان المسلمين" كانا من إبداع المخابرات الإنجليزية؛ لذا فليس من المستغرب أن يتوافق ويتطابق شعاراهما ليجمع كلا الشعاريين بين الطائفية والعنصرية وانتهاج العنف وطلب الموت؛ فرفعت "الأمة القبطية"  شعار:

" الله ربنا، ومصر وطننا، والإنجيل شريعتنا، والصليب علامتنا، والقبطية لغتنا، والشهادة فى سبيل المسيح غايتنا.".

ورفعت"الإخوان المسلمين" شعار :

"الله غايتنا والرسول زعيمنا والقرآن دستورنا والجهاد سبيلنا والموت في سبيل الله أسمى أمانينا .".

ويرى د. غالي شكري أن تنظيم "الأمة القبطية" يمثل انشقاقاً للجناح المتطرف لما يسمى بـ "مدارس الأحد" في مصر والتي تكتفي بتعليم الدين للناشئين، لكنها رغم ذلك تغلغلت بسرعة في أنحاء المدن والأقاليم.

وبعد أن غربت شمس الإمبراطورية البريطانية وورثت مخلفاتها إمبراطورية "اليانكي الوقح".. كانت المهمة الأولى لكرميت روزفلت مدير C.I.A. والتي شرحها مايلز كولاند في كتابه بعنوان :(اللاعب واللعبة) هى البحث عن زعيم مسلم ويكون رجل أمريكا في مصر بشرط ألا تواجه المشاعر الدينية تجاه الغرب ولا تجاه إسرائيل ولأنه لابد من وجهة للمشاعر الدينية كان لابد من تحريك مشاعر الجماهير العدائية ضد الشيوعية ذلك الهدف الذي اختارته المخابرات الأمريكية ليكون العدو البديل الذي يبعد الأنظار عن خطر إسرائيل وأمريكا معاً!!

كان روزفلت قد اقنع الملك فاروق بتقديم مبالغ كبيرة من المال إلى "الاخوان المسلمين" ليأمن عدائهم وفي ذات الوقت أقنع "الاخوان المسلمين" بضرورة الإطاحة بالملك فاروق لأنه فاسد وملحد ويرشو الأتقياء لاستمرار فساده، واستخدم الـ "الاخوان المسلمين" أموال الرشوة لدعم ضباط الجيش في الانقلاب على النظام الملكي، وهذا ما يفسر لنا : لماذا لم يكن هناك ضابط واحد قبطي في تنظيم الضباط الأحرار ؟!!

يقول روبرت دريفوس في كتابه بعنوان : "لعبة الشيطان .. دور الولايات المتحدة في نشأة التطرف الإسلامي" أن منظمة المؤتمر الإسلامي، ومجلس الكنائس العالمي ما هما إلا من مؤسسات C.I.A..

***

هكذا لعبت الأيدي القذرة في اللعبة القذرة بورقة (الدين والسياسة)!!

لمزيد من المعلومات اقرأ  :