الاثنين، نوفمبر 11، 2019

ياسر بكر يكتب : شيوخ الأزهر .. بين الموالسة والتدليس !! ( الحلقة الثالثة )


ياسر بكر يكتب : شيوخ الأزهر .. بين الموالسة والتدليس !!
  
(الحلقة الثالثة)

وثيقة شيوخ الأزهر في موالسة بونابرت والتدليس على أهل المحروسة



دخل نابليون المحروسة بعد أن ساعده الخائن محمد كريم في تدبير وسائل مواصلاته من الخيول والهجين، وعقد له الاتفاق مع عرب البحيرة لتأمين طريق سيره، ولم يلق نابليون أي مقاومة تذكر باستثناء بعض المناوشات الصغيرة عند قرية أم دينار في الجيزة انتصرت فيها طلقات البارود الفرنسي على الأسلحة المتخلفة للقرويين من العصي والسكاكين والفؤوس والمناجل!!

.. وبعد أن استقر المقام لنابليون بدار الألفي بك ناحية الأزبكية، اجتمع بمشايخ الأزهر وثبتهم في أماكنهم، وأعطاهم من الامتيازات ما لم يحلموا به طوال حياتهم، وطلب منهم كتابة مكتوب يحث العامة على الطاعة وقد فعلوا، وجاء في المنشور:

"   
نصيحة من كافة علماء الإسلام بمصر المحروسة : نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، ونبرأ إلى الله من الساعين في الأرض بالفساد، ونعرف أهل إقليم الأسكندرية أنه حصل بعض فتنة وذلك بمدينة مصر من بعض الجعيدية وأشرار الناس تحركوا بالشر بين الرعايا والفرنسيين بسبب يتصل بقتل جملة من المسلمين ونهب بعض البيوت، ولكن حصلت ألطاف الله الخفية، وسكنت الفتنة بسرعة وانخمدت الشرور بتشفاعتنا عند صاري عسكر أمير الجيوش بونابرته، وقد قبل شفاعتنا ومنع عسكره من حرق البلد ونهبها، بأنه رجل كامل العقل وعنده شفقة ورحمة بالمسلمين ومحبة للفقراء والمساكين، ولولاه لهلك أهل مصر أجمعين، فأنتم لا تحركوا الفتن لتكونوا في أوطانكم مطمئنين، ولا تطيعوا أمر المفسدين ولا تسمعوا كلام المنافقين، ولا تكونوا مع الخاسرين سفهاء العقول الذين لا يقدرون العواقب، فإن الله يؤتي ملكه من يشاء ويحكم ما يريد، والذين حركوا الفتنة قتلوا عن آخرهم، وأراح الله منهم العباد والبلاد، قد نصحنا لكم؛ لتسلموا من الوقوع في البلية، وأن تهتموا لمهمات معاشكم وطاعتكم الدينية والدين النصيحة والسلام ختام". .

  
وقد وقَّع عليه الشيوخ :

  
مصطفى الصاوي، محمد المهدي، سليمان الفيومي، عبدالله الشرقاوي، خليل البكري، محمد أبا جبرة، محمد الأمير، محمد الدواخلي، يوسف الشبراخيتي، مصطفى الدمنهوري، أحمد العريشي، موسى السرسي .

  
يقول نابليون عن هؤلاء المشايخ الذين قبلوا العمالة وخيانة بني وطنهم في الوثيقة رقم 4188 في 19 يونيو 1799 من وثائق جيش الشرق Document n ° 4188 du 19 juin 1799 de l'armée de l'Est :

 "  الشيوخ: البكري، والشرقاوي، والسادات، والمهدي، والصاوي ألزموا أنفسهم بأفضل سلوك كنت أريده، بشَّروا باسمنا كل يوم في المساجد، وكان لتعاليمهم أعظم تأثير على الأقاليم، أغلبهم كانوا من سلالة الخلفاء الأوائل، ويتمتعون باحترام الشعب."

ثمن الخيانة معطف:

ـــــــــــــــــــــــــــــ

    في الوثيقة رقم 4362 في 16 أغسطس 1799 من وثائق جيش الشرق  Document N ° 4362 du 16 août 1799 de l'armée de l'Est : 

 
"أراد القائد العام أن يبرهن على رضائه عن الشيخ الغرياني حاكم الإسكندرية والشيخ المسيري رئيس ديوان الإسكندرية؛ فألبس كلا منهما معطفاً عظيم القيمة " .

العلم الفرنسي
على رءوس المشايخ :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  
بدأ نابليون ممارسة السلطة بجعل أعضاء الديوان "لابسين من عنده"، و" الإلباس" يعني قرار تقليد السلطة الذي يسمى في العرف الدستوري الأوربي Investiture  وصورته في العربية عندما أرسي نابليون مبدأ انتخاب رئيس السلطة القضائية، وانتخب الشيخ أحمد العريشي، ألبسه نابليون فروة مثمنة وسار به المشايخ إلى المحكمة الكبيرة في بين القصرين.

  
كان نابليون يرى أن تلبيس الزعماء المصريين تأكيداً لوضعه بوصفه السلطة العليا في البلاد، يقول الجبرتي :

 
فلما دخل المشايخ على بونابرته، نهض من المجلس ورجع وبيده طيلسانات ملونة بثلاثة ألوان كل ثلاثة طيلسان عروض (أبيض وأحمر وكحلي)، ووضع واحدا على كتف الشيخ الشرقاوي فرمى به إلى الأرض، واستعفى وتغير لونه وقال بونابرته : "إن لم يكن ذلك فلازم من وضعكم الجوكارد على صدوركم"، ـ الجوكارد وسام فرنسي ذو دوائر ثلاث متداخلة بألوان العلم الفرنسي ـ قالوا: "إن قدرنا يضيع عند إخواننا المسلمين"، وقالوا : "أمهلونا حتى نتروى في ذلك واتفقوا على اثني عشر يوما ."..   بعدها أفتى الشيخ السادات الذي أهدى إليه نابليون خاتما من الماس أن: " ذلك لا يخل بالدين "، وظهرت العمامة الأزهرية بألوان الطيلسان الثلاثة ( أبيض وأحمر وكحلي) .. ومازالت على ذلك الحال حتى الآن .

شيوخ الأزهر
والتلاعب بوعي الجماهير:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


 
   لم يكن المستشرق المحارب بونابرت وحده هو المتلاعب بوعي المصريين  فقد شاركه شيوخ الأزهر في اللعبة، وهم واعون بأبعادها؛ ولذا لا يمكن بأي حال من الأحوال اعتبارهم ضحايا لعملية التلاعب بالوعي بل يمكن اعتبارهم "الجانب المقزز" فيها!!؛ ففي الوقت الذي قام فيه كبار شيوخ الأزهر بتشكيل الديوان الذي تولى مسئولية الحكم الصوري بعد استبدال العمامة الأزهرية بعمامة حملت ألوان العلم الفرنسي وتعليق الجوكارد La Médaille Jocard في عروة الفراجيات، وتلقي العطايا من بونابرت .. ورغم محاولات هؤلاء الشيوخ لتأنيب وتحذير المتمردين؛ فإنها لم تأت بنتيجة واستمرت المقاومة، وظلت خطب الجمعة في كثير من المساجد تدعو إلى محاربة الغازي، واجتمع نابليون بالشيوخ العشرة المقربين إليه (السابق ذكرهم وتوقيعاتهم على الوثيقة)، وقال لهم :

 
"من الضروري أن نضع نهاية لهذا الشغب، يجب أن أحصل على فتوى من الجامع الأزهر تلزم الناس بأن يقسموا يمين الولاء ".

..   وبهت الشيوخ واصفرت وجوههم، وعكست ملامحهم الحزن والرعب الذي في قلوبهم خوفا من العامة، وتحدث كبيرهم الشيخ الشرقاوي مخاطباً بونابرت:

"
أنت تريد أن تنال حماية الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وهو يحبك، أنت تريد أن تحشد المسلمين العرب تحت أعلامك، أنت تريد أن تحمي أمجاد الأمة العربية، وأنت لست وثنياً، كن مسلماً .. 100 ألف مصري، وأيضا 100 ألف عربي سوف يأتون من شبه الجزيرة العربية من مكة والمدينة؛ ليصطفوا حولك تحت قيادتك، وتنظمهم بوسائلك، سوف يغزون الشرق، وسوف تعيد أنت بناء وطن الرسول صلى الله عليه وسلم بكل عظمته .".


..
 وذهل بونابرت وأجابهم :

 
"توجد صعوبتان عظميان تعارضان تحولي أنا وجيشى إلى الإسلام، الأولى هي:  الختان، والثانية : هي النبيذ .. جنودي تعودوا على النبيذ منذ طفولتهم، لن أستطيع أبداً أن أقنعهم بالتخلي عنه  ".

  
إلي هنا والأمر لا يخرج عن دور الشيوخ في الدعوة إلى الإسلام، أو القيام بمناورة سياسية لمقتضى الحال في مواجهة غازٍ مُتغلب بالشوكة، لكن ما حدث بعد ذلك هو "الجانب المقزز" لسببين:


السبب الأول : التلاعب بوعي الجماهير لتحقيق مصالحهم الشخصية عبر موالسة نابليون والتدليس وإدخال الغش على الجماهير، وتحقيق مأرب نابليون في  مصر .


السبب الثاني : امتهان الشريعة وابتذال العلم الشرعي .

   
حيث اقترح الشيخ المهدي (يُقال إن الشيخ المهدي من أصول يهودية، وتولى منصب شيخ الأزهر في عهد محمد عليّ) أن يقوم شيوخ الأزهر الستون بدراسة عن هذا الموضوع، وفي الوقت ذاته قام الشيوخ بتسريب شائعة انتشرت عبر المساجد وساهم في ترويجها الوعاظ ومقيمو الشعائر وفحواها :  

   
)   
أن الشيوخ منهمكون في تدريس مبادئ الشريعة لبونابرت، وكبار الجنرالات، وأن بونابرت يحفظ القرآن عن ظهر قلب، وأن الشيخين العظيمين السادات والبكري يعتبرانه مسلماً، وقال البعض إنه أسمى نفسه "عليّ بونابرت"، وقال آخرون إنه أسمى نفسه : "محمد بونابرت" ، وأنه ينتوي الحج هذا العام، وأنه وعد أن يبني جامعاً كبيراً، وأن شيوخ الأزهر يدرسون إصدار فتوى تسهل إسلام جيش بونابرت بأكمله) .

   
وقد أفادت تلك الشائعات الفرنسيين؛ فلم يعد ينطبق عليهم ما جاء في آيات الجهاد في القرآن الكريم، وأحاديث النبي محمد صلى الله عليه وسلم .. أبطل شيوخ الأزهر فريضة الجهاد، وأسقطوا حد السيف دفاعاً عن الوطن!!



سلاح الفُتيا:
ـــــــــــــــــــــــــــ



   ..
ولكون "الفتيا الدينية" أخطر وسائل غسيل الأدمغة، وأكثرها حسماً في" التحكم في العقول"، وقد تمثلت فاعليتها في العملية أجاكس في طهران 1953من خلال فتاوى الآيات والملالي، وأثرها في تغيير السلوك امتثالاً لأمر الله، وتقرباً إليه لكونها تقوم على سند من الشريعة؛ واجتمع شيوخ الفتيا ووضعوا الفتوى ووقعوا عليها وقالوا فيها: إن الختان هو طهارة وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشرعه بل أوصى به فقط؛ ولهذا يستطيع الإنسان أن يكون مسلماً بدون ختان، أما بالنسبة للموضوع الثاني، قالت الفتوى إن الإنسان يستطيع أن يشرب النبيذ ويظل مسلماً ولكنه في هذه الحالة يكون مذنبا .

   
أبدى بونابرت سروره من الجزء الأول من الفتوى، وأبدى أسفه على الجزء الثاني منها، وقال: " كيف يستطيع أن يقنع جنوده باعتناق دين يجدون فيه أنفسهم مغضوبا عليهم، وفي وضع عصيان للأوامر الإلهية؟!" .  

   
وبعد مناقشات أفتى الشيخ المهدي بأن تقتصر الفتوى على نصفها الأول، ويؤجل الجزء الثاني إلى نقاش لاحق، وقامت المساجد في خطبة الجمعة بشرح الفتوى، وتحدث الوعاظ بقوة وفي وقت واحد لصالح الجيش الفرنسي !!

  
الجزء الثاني كان موضوع مناقشات انتهت إلى أن شيوخ الإفتاء قاموا بوضع فتوى قالوا فيها:


"   
إن من يتحول إلى الإسلام حديثاً يمكنهم شرب النبيذ مع بقائهم مسلمين، شريطة أن يكفروا عن هذا الإثم بالأعمال الصالحة وأعمال الإحسان" .

   ..
وخرج نابليون ومن بعده جيشه مدحوراً، وبقيت أعمال الشيوخ عارا معلقا فوق رؤوسهم التي قبلت أن يعتليها العلم الفرنسي في صورة عمامة مازالت باقية إلى يومنا هذا.

لم يكن للأزهر أي دور في ثورات القاهرة .. ولم تعرف المحروسة قي ذلك الوقت تداول لفظ "ثورة" ؛ فقد كانت المناوشات يطلق عليها لفظ "هوجة"، ولم تدخل لفظة "ثورة" في تدوال الأحاديث لتألفها الأسماع سمعاً والعقول فهماً إلا في عام 1895 تقريباً، وكل ما يذكر عن دور الأزهر في الحركات الوطنية هو من قبيل تجاوزات المدرسة الوطنية في الكتابة والتأريخ التي تجنح دائما إلى الادعاء في إطار الترويج للفخار الوطني المزعوم والموروث؛ فالأزهر نشأ في كنف الحاكم ولم يزل قائما في ظله .. يلقى رعايته، ويبذل في مقابلها دعماً للحاكم في سوس الرعية وتبرير تجاوزاته ومفاسده؛  .. فلم يثبت أن شيوخ الأزهر ثاروا أو حرضوا على الثورة إلا من أجل الجاماكية ( الرواتب ) أو الجراية ( مقررات الخبز التي تصرف للطلبة والشيوخ.).
 
  
حكى الجبرتي على صفحات كتابه بعنوان : "عجائب الآثار في التراجم والأخبار" وقائع الثورة ضد الفرنسيين، يقول الجبرتي : "فتجمع الكثير من الغوغاء من غير رئيس يسوسهم ولا قائد يقودهم، وأصبحوا يوم الأحد متحزبين وعلى الجهاد عازمين، وأبرزوا ما كانوا أخفوه من السلاح وآلات الحرب والكفاح، وحضر السيد بدر وصحبته حشرات الحسينية وزعر الحارات البرانية، ولهم صياح عظيم وهول جسيم، وذهبت تلك الجموع إلى بيت القاضي؛ ليخرج معهم إلى بونابرت لمطالبته بإلغاء الضرائب الجديدة إلا أنه خاف عاقبة الهوجة، فرجمه الثائرون بالحجارة والطوب، ولم يتمكن من الهرب من أيدي تلك الحشود"  . .

يقول الجبرتي عن هؤلاء المشايخ : "وقد زالت هيبتهم ووقارهم من النفوس وانهمكوا في الأمور الدنيوية والحظوظ النفسانية والوساوس الشيطانية ومشاركة الجهال في المآثم والمسارعة إلى الولائم في الأفراح والمآتم يتكالبون على الأسمطة كالبهائم فتراهم في كل دعوة ذاهبين وعلى الخوانات راكعين وللكباب والمحمرات خاطفين وعلى ما وجب عليهم من النصح تاركين‏"



.. إنه التاريخ الذي لا تسقط الأوراق من كتابه .


لمزيد من المعلومات اقرأ : 


الجمعة، نوفمبر 01، 2019

ياسر بكر يكتب : خيانة المعلم يعقوب .. وخيانة محمد كريم !! (الحلقة الثانية)


ياسر بكر يكتب : خيانة المعلم يعقوب .. وخيانة محمد كريم!!

(الحلقة الثانية)

كلا الرجلين يعقوب ابن حنا ومحمد كريم خانا أمانة الوطن، وكلاهما سدد طعنة الغدر إلى ظهر بلده وأهله!! لكن الفرق بين إدانة خيانة الرجلين في الوعي الجمعي المصري كبير!!؛ فالمعلم يعقوب موصوم بالخيانة الدامغة لأسباب طائفية، ومحمد كريم تم استبدال سجل خيانته بسجل زائف من الفخار عن الكفاح الوطني المزعوم لذات الأسباب حتى صار رمزاً من رموز مقاومة الأعداء على غير الحقيقة التي يدرسها طلاب المدارس حتى الأن!!

.. المعلم يعقوب ابن حنا لا يذكره المصريون إلا ملحوقاً بسيل من اللعنات والشتائم والسخائم، .. بينما محمد كريم لا يذكره المصريون مسبوقاً بلقب:"السيد" رغم أنه لم يحصّل من سمات السيادة شيئا لا بالإنتساب ولا بالإكتساب؛ فهو ليس من الأشراف المنتمين لآل البيت النبوي الشريف، ولم يحصل على قدر من العلم يرفعه إلى مرتبة السيادة، أو يقدم من الأفعال ما يمنحه شرفاً !! .. لكنها العادة المصرية المذمومة في التعاطف مع "المغلوبين"، ولو كانوا من عتاة المجرمين أو خونة الأوطان!!

.. قد يكون للمعلم يعقوب القبطي بعض العذر؛ فقد نشأ الرجل في صعيد مصر بملوي محافظة المنيا في مجتمع شديد التخلف يمارس ثقافة التمييز بكافة أشكاله البغيضة، وقاسى كثير من أثار التمييز السلبي غير المبرر بينه وبين أقرانه؛ فقد فرض عليه لبس العمائم السوداء أوالزرقاء، ومنع من ارتداء العمامة البيضاء مثل أترابه في كتاب القرية، ورأى الإجحاف يمارس ضد أهله بإلزامهم بالسير أضيق الطرق ومنعهم من ركوب الخيل وإجبارهم على حلق لحاهم، وإلزامهم بالنزول على ظهر الحمير إذا صادفهم أحد أعيان المسلمين، والتضييق عليهم في دور عبادتهم وفي ممارسة شعائرهم !!

واستمر ذلك التمييز عندما صار يعقوب أحد الشلبية (جامعي الضرائب للخزينة العثمانية)، وكان عليه أن يواجه سلبيات النشأة الأولى بالبحث عن أسباب القوة؛ فانضم إلى جنود المماليك وأجاد فنون القتال . 

ولما جاءت الحملة الفرنسية وجد الفرنسيون في المعلم يعقوب ضالتهم للإيهام بأن بعض المصريين يرحبون بهم ويرغبون في وجودهم، وتفتق ذهنهم عن تكوين فرقة عسكرية من شباب الأقباط وكان يعقوب أداتهم المنفذة .

 .. وكان الغرض من تسمية عصابة يعقوب بالفيلق القبطى إثارة الفتنة الطائفية وكان هذا الفيلق يضم مجرمين سابقين من المسلمين والمرتزقة من أرمن وأأتراك وانه ضم على حد قول الجبرتى الذعر والحرافيش من المنسر إلى جانب شواذ النصارى الوافدين .

.. ويروى يعقوب نخلة روفيلة في فصل كامل من كتابه بعنوان:"تاريخ الأمة القبطية" عن علاقة يعقوب بالمماليك ثم الفرنسيين، وينفرد روفيلة بخبر حرمان الكنيسة للمعلم يعقوب من التناول لأنه خرج عن تعاليم الكنيسة، واتخذ له جارية غير زوجته تشبهاً بالمماليك فضلا عن الشكاوى التى كانت تقدم للكنيسة من رعايها من سوء معاملته .

.. كما يتفرد روفيلة بموقف الكنيسة الواضح من يعقوب بعد تشكيل الفيلق القبطى، والذى اعتبرته تعاون مع ممثل الكنيسة الكاثوليكية نابليون والذى ترى فية الكنيسة انه خروج على تعاليمها .

.. لكن الحقيقة أن سبب غضب الكنيسة هو دخول المعلم يعقوب إلى الكنيسة على ظهر جواده شاهراً سيفه طالباً للأفخريستا "سر التناول" أحد الأسرار السبعة للكنيسة، وهو ما رفضه الكاهن القائم على الأمر .. أى أن غضبة الكنيسة على المعلم يعقوب لم تكن لأسباب وطنية بل لأسباب كنسية .


.. لزم الأباء الكهنة من النصاري اليعاقبة جدران كنائسهم وكان للبطريرك اليد العليا عليهم ملتزمين بالأية الإنجيلية :"أعطوا ما لله لله، وما لقيصر لقيصر"، موقنين أن أخطر ما يهدد كيان المسيحية بالإنحلال هو أن يهتم الكازون في الكنيسة بموضوع أخر غير "خطية الإنسان"، وينشغلوا بالإنسان في حياته الاجتماعية مما يعد خروجا على المسيحية، ومقاومة لها .
  


.. وبعد أن وطد نابليون أموره على البقاء في مصر كان من الطبيعي أن يستعين بالأقباط  للقيام ببعض الأعمال الحكومية البغيضة التي لا تلقى قبولاً من المسلمين والفرنسيين مثل الأمور المالية وأعمال البوليس وغيرها؛ لما اشتهروا به من تخصص في الشئون المالية وحسابات الدخل وتقدير الضرائب وجبايتها، ولما اشتهروا به من كفائة في علم الحساب وكان منهم مساحو الأراضي  والوزانون والصيارفة وكتبة الحسابات وهى وظائف تنطوي على مسئوليات هامة، ولم يرى الأقباط غضاضة في أداء تلك المهام من منطلق الاسترزاق وأكل العيش خاصة أنه جرى إسنداها لهم منذ الفتح العربي وكان المماليك يعهدون إليهم بإدارة أموالهم الخاصة .


رفع د . لويس عوض في كتابه بعنوان :"تاريخ الفكر المصري الحديث" المعلم يعقوب إلى مصاف الأبطال رغم توافر الوثائق الفرنسية لديه، وحاول ان يصوره للأجيال كرائد من الرواد صاحب رؤية ونظرية ترى إمكانية التحالف مع الفرنسيين لإدخال العدالة والديقراطية على المجتمع المصري ورفع الظلم عن المصريين، ومن الغريب أن ينزلق إلى ذات المستنقع في تبرير الخيانة بأسباب لا تنطلي على أحد مؤرخ بحجم د. محمد شفيق غربال لأسباب تتعلق بالولاء الغرب؛ فقال في كتابه بعنوان:"الجنرال يعقوب والفارس لاسكاريس .. مشروع استقلال مصر في سنة 1801": "سبب تأييد يعقوب للتدخل الغربي هو تخليص وطنه من حكم لا هو عثماني ولا هو مملوكي"، وهو كلام مرسل لا سند له من الحقيقة أو التاريخ، ولا يتفق مع طبائع الأمور ولا يستقيم معها.

.. يحاول البعض الغمز في علاقة منحرفة جمعت بين المعلم يعقوب والضابط الفرنسي ديسيه، والتي يصفها البعض أنها تجاوزت حدود الصداقة إلى حالة العشق والوله، وهو ما لا نستطيع أن نجزم به يقيناً، لكن الثابت أن كتاب الجبرتي قد حفل بذكر علاقات مؤثمة بين بعض المصريين وبعض الفرنسيين أثناء الحملة وفي مقدمتها ما ذكرة عن علاقة صديقة الأديب المعروف الشيخ اسماعيل الخشاب بشاب من ضباط الجيش الفرنسي !!

الخيانة لا دين لها .. وشرك السقوط  في فخ الخيانة دائما لضعاف النفوس هو "الغواية بالمصلحة" التي تهون في مقابلها مصالح الأوطان؛ خان المعلم يعقوب ابن حنا القبطي .. وكانت خيانة محمد كريم المسلم !!

كان محمد كريم أحد قاطني الإسكندرية من أصل مغربي وعمل في الجمارك حتي صار رئيساً لها، وعندما جاءت الحملة الفرنسية والس الفرنسيين فعينه نابليون قومندانا للبوليس في الثغر .

.. وتعود بداية قصة الخيانة إلى ليلة نزول الجنود الفرنسيين إلى بر الأسكندرية أسرع بدوي على فرسه، وأبلغ محمد كريم الخبر؛ فأخذ معه نحو عشرين نفر من المماليك الإنكشارية فالتقت هذه القوة الصغيرة بطليعة من الجيش الفرنسي، وقتلوا ضابطها وقطعوا رأسه، وعادوا به ظافرين إلى شوارع الإسكندرية ليقيموا زفة اسكندراني !! .. لم تكن الإسكندرية محصنة ولم يكن فيها جيش كاف للدفاع عنها لا من جانب الدولة ولا جانب المماليك؛ فلم يأت ظهر ذلك اليوم حتى كانت الأسكندرية في قبضة نابليون الذي نزل في دار القنصل الفرنسي، .. واختفى محمد كريم أما الأهالي فقد سلموا .. ودارت المخابرات بين محمد كريم من مخبأه ونابليون، وانتهى الأمر بأن جاء هو ومن معه مستسلمين؛ فقبل محمد كريم أعتاب نابليون وقال :

"أنه أصبح عبده ومولاه، وخطب بين يديه؛ فرضي عنه نابليون وطلب منه أن يكون خادما للجمهورية الفرنسية، ومساعداً لها على إبادة المماليك وتأييد سلطان خليفة المسلمين، سلطان آل عثمان !! فأجابه محمد كريم إلى ما طلب فعينه قومندانا للبوليس في الثغر فقام بواجبه خير قيام، إذ أعاد النظام وجمع السلاح وقدم للجيش الغازي كل ما يحتاجه ".

.. كان نابليون قد أحضر معه 680 جواداً فقط مع أن معه أربعة ألاف جندي من الخيالة، ولم ينس أن يحضر معه السروج والأعنة والأدوات اللازمة لكل جواد،  لم يكن في الإسكندرية ما يكفي من الخيول فاستعان بمحمد كريم لشراء الخيول اللازمة من عرب البحيرة وتوسط كريم لدى شيوخ قبائل الهنادي وأولاد على وبني يونس لعقد اتفاق بينهم وبين نابليون يأمنوا له بمقتضاه الطريق من الإسكندرية إلى دمنهور، وأن يوردوا له 300 حصان وخمسائة جمل هجين وأن يطلقوا سراح 12 جندي فرنسي تم القبض عليهم في مناوشات قرب الإسكندرية .

عمل محمد كريم عميلاً مزدوجاً للفرنسيين والمماليك بغرض أخذ الحيطة لنفسه وإبقاء خط الرجعة مع الطرف المنتصر خاصة أن الفرنسيين غلوا يده عن كثير من المكاسب والمظالم في الإسكندرية، واكتشف الفرنسيون خيانته لهم بعد أن عثروا في قصر أحد المماليك على مكاتبات بخط يده عرفوا منها أنه خانهم وكاتب المماليك ومالآهم وتجسس لهم ؛ فقبضوا عليه وحاكموه وقضوا عليه بالإعدام، وإمعانا في إذلاله وكشف الذين خانهم من أجله عرضوا عليه افتداء نفسه بالمال، فقال لهم أمهلوني؛ فأمهلوه اثنتي عشرة ساعة؛ فلما أصبح أرسل إلى المشايخ فحضر إليه بعضهم فترجاهم وصار يقول :"اشتروني يا مسلمين"؛ فلم يجبه أحد، وانقضى الأجل فأركبوه حماراً وذهبوا به إلى ميدان الرميلة وكتفوه وربطوه وضربوا عليه بالبنادق ثم قطعوا رأسه وطافوا بها الميدان .

أثار التمثيل بجثمان محمد كريم وقطع رأسه بعد قتله تعاطفاً شعبياً جعل العامة يعتبرونه شهيداً ورمزاً من رموز الكفاح الوطني، وهو في حقيقة أمره رجل تأمر مع الجميع ضد الجميع ولعب على جميع الحبال وأكل على كل موائد الخيانة، ولا يختلف كثيراً عن المعلم يعقوب ابن حنا .

لمزيد من المعلومات اقرأ :