الثلاثاء، ديسمبر 19، 2017

ياسر بكر يكتب : عسكرة الدبلوماسية .. والثقافة !!



ياسر بكر يكتب : عسكرة الدبلوماسية .. والثقافة !!

الكاتب الصحفي الأستاذ ياسر بكر

 في 10 يونيو 1916 أنطلقت رصاصة بندقية من شرفة مخدع رجل خائن في مكة وانطلقت معها مسيرة (المهرة الشقراء) الأسم الكودي في الوثائق البريطانية لمسيرة الخيانة التي أسموها "الثورة العربية"، وانطلق معها نذير الشئوم بضياع فلسطين، ومنذ ذلك التاريخ والحق العربي في فلسطين يفقد كل يوم ركناً من أركانه حتى أزال الأمريكان ركام ما بقى من أنقاضه عبر السنين بقرار الرئيس الأمريكي بشأن القدس في 6 ديسمبر 2017؛ ليسدل الستار عن النهاية المرسومة والمخطط لها وفق ما أكدته نوايا الخيانة التي تم الكشف عنها في الرسائل المتبادلة بين الخائن ومهندس الخيانة والتي عرفت باسم:"الشريف حسين – ماكماهون"، و"ماكماهون" هو المندوب الإنجليزي في مصر .. لم يحصل الخائن على شيئ مما وعدوه به ومنوه، وكانت نهايته منبوذاً منفيا في قبرص،.. وكانت سايكس ـ بيكو ثم وعد بلفور 2017، ومن بعده التظاهرة المهزومة للجيوش العربية تحت رايات الخيانة في 1948، وقادت الولايات المتحدة الأمريكية سلسلة من الإنقلابات العسكرية التي تعد إبداعاً أمريكياً خالصاً في سوريا ومصر لحماية الكيان الصهيوني الوليد، فقد زار اللوء محمد نجيب صبيحة 23 يوليو 1952 ليبلغ السفير الأمريكي جيمس كافري:"أن فلسطين لا تعني ضباط حركة يوليو في شئ" .. رغم الإعلان الدائم لقادة تلك الإنقلابات عن معادة  الكيان الصهيوني!!

.. واستمرت سياسة المهرجان والالتزام بقانون "الغرام الأمريكي"؛ فلا مانع أن يعلن قادة تلك الإنقلابات عن العداء للأمريكان رغم أن الأمريكان يملؤن بطون شعوبهم بثلثي ما يدخل إليها من أرغفة من منح القمح الأمريكي !!

.. حتى أرتأى الرئيس جونسون إنهاء اللعبة، وكانت هزيمة مصر في 5 يونيو 1967 التي دفعنا إليها دون مبرر الرئيس الجعجاع جمال عبد الناصر، والتي أسفرت عن فقد أخر شبر من أرض فلسطين، وأخيرا كارثة كامب ديفيد .

عشت في شبابي وقائع دخول الجيش المصري إلى سيناء وسط تظاهرات الدهماء وهتاف الرعاع وتصفيق الرجال وزغايد النساء، وعشت حالة الشحن المحموم لإلقاء إسرائيل في البحر، وتفاعلت مع البيانات المكذوبة من رجال تكاد تنفجر عروق رقابهم من فرط الحماس، وعشت حالة التناقض في تفريغ الشحن بعد الهزيمة بأسباب مضحكة وتبريرات هزلية!!

انهزمت الأنظمة العسكرية، وضاعت هيبتها، وتبددت أوهام القوة التي لا تقهر، وراحت تبحث عن مكسب سياسي يحفظ لها ماء وجهها؛ ولم تجد بعد أن تخلصت من أساطين الدبلوماسية، واستبدلتهم بشخصيات عسكرية ليس لها دراية بأخلاقيات العمل الدبلوماسي لكونهم من أهل الثقة لا أكثر ولا أقل؛ فبعد انقلاب 23 يوليو 1952عينت مصر 90 سفيراً من العسكريين مقابل 38 من الدبلوماسيين من أهل الخبرة، ونتيجة لغياب الخبراء تم استصدار القرار 242 الغير قابل للتنفيذ من مجلس الأمن والذي يعد قمة النصب البريطاني في الصياغة القانونية للقرارات الدولية التي تصدر "حاجة ببلاش كدة .. عشان نفرح العيال"، ولتسويق الأنظمة العميلة لدى شعوبها المخدوعة!!

ما حدث في الحقل الدبلوماسي  .. حدث في الحقل الثقافي ، والحقل الصحفي فتولى العسكر من بائسو الثقافة والموهبة تلك الأمور بعد القطيعة بين النظم العسكرية والمثقفون الموسوعيين، وما تبعها من كارثية التهميش وما أنتجته من حالة الفقر الثقافي وفقدان الهوية .

فقد النظام السياسي في مصر بعد هزيمة 1967 هيبته ولم يعد هناك ما يدعو دراويشه لاحترامه أو تصديقه، وكان على النظام إيجاد البدائل لاحتواء غضب الجماهير دون الاصطدام بكتلة الغضب في الصدور عبر التنفيس الممنهج لطاقات الغضب عبر تدريب أذرع النظام التي يقودها عسكريون سابقون (زكريا محيي الدين ـ على صبري ـ كمال رفعت ـ سامي شرف ـ أحمد كامل)، والممثلة في منظمة الشباب وطليعة الاشتراكيين بقاعات المعهد الاشتراكي على تحويل مظاهرات الشوارع إلى مؤتمرات جماهيرية سرعان ما تنقلب إلى مكلمات تستأجر فيها الأكف والحناجر وتلعب فيها المنصة دور المعلم، ويتم فيها تربيط القاعات، ودائماً تنتهي إلى اللاشئ !!

بعد 47 سنة من انتهاء الحقبة الناصرية ببممارستها في سبتمبر 1970 بتغيير شخص اللاعب ما زالت اللعبة مستمرة؛ فقد ارتأى اللاعب العسكري الجديد في حماية التيار الديني المصنوع والمدعوم من حلفائه الإخوان المسلمين (شباب الإسلام ـ التكفير والهجرة ـ الجماعة الإسلامية) ما يحفظ دعائم نظامه القائم على التسوية مع الكيان الصهيوني، ورصد الميزانيات الضخمة لتمويلهم وإعدادهم وأوكل المهمة إلى الضباط السابقين توفيق عويضة وعلوي حافظ ومحمد عثمان إسماعيل في معسكر أبو بكر الصديق ومباني المدن الجامعية في القاهرة وأسيوط والمنصورة وشبين الكوم !!

.. ودفع السادات حياته ثمناً للرقص فوق رؤوس الأفاعي !!

وجاءت الصدفة بحسني مبارك إلى الحكم وسط عاصفة من الدم واللهب، ولم يكن يمتلك رؤية لمنظور الحكم؛ فانتهج في إدارة الدولة سياسة يوم بيوم والأرزاق على الله، تكنه كان مصراً  على تفريغ عقول الشباب من أيدلوجيات الستينيات والسبعينيات؛ فكانت جماعة "حورس"  الموالية للنظام دون أن يكون لها مشروعا أو أيدلوجية فكان نظام التجنيد قائم على فرفشة الشباب من الجنسين ومنجهتم  في معسكرات تم ضبط العديد من حالات الزنا والشذوذ الجنسي الصارخة في رحلات الأقصر وأسوان !!

.. وكان هذا دليل إفلاس .. ولم يستطع نظام حسني مبارك أن يصمد لأيام في مواجهة هتاف شباب غاضب .. شباب نفخ النظام بفمه؛ فتطايرت أركانه في لحظات كهشيم تذروه الرياح في يوم عاصف !!

وبدأت اللعبة من جديد يديرها هذه المرة المجلس العسكري بنفس الكلمات والأمنيات وذات الوجوه والسلوك والسياسات .. وبدأت مواكب المجاذيب من المهوسين بالسلطة والمجانين والمهابيل والبهاليل بالشخاليل والطراطير بعد أن مد لهم المجلس العسكري الحبل على الغارب وتطويع تكنولوجيا الميديا لخدمة حالة الهوس وترسيخ الجنون في ظل الأمنيات التي أغرقهم فيها المجلس العسكري .

وفي غمرة الأماني، وأداء التحية العسكرية لأرواح الشهداء تناسى  الشباب أن العسكريين لا يقبلون شريكاً في الأداء الوطني !!

لكن القاسم المشترك في الأداء دائما هو تحويل طاقات الغضب إلى مؤتمرات الغرف المغلقة التي تنتهي إلى اللاشئ !! .. بمعنى أنها تصبح مثل الغناء في الحمام !!
وهذا ينسحب على المؤتمر الذي ينتوي رمز الأزهر إقامته من أموال فقراء الأزهريين لإبطال مشروع صهيوني عالمي تكاتفت لإنجاحة قوى دولية مدعومة بأنظمة حكم إقليمية موالية للمشروع، وهو الضعيف الذي لم يستطع حماية موظفة شريفة تصدت للفساد في جامعة الأزهر؛ فسقطت تحت  ضربات القهر أسيرة المرض!!

ولأننا دائما نخوض معاركنا بالخطابة والطبلة والربابة وكلها أسلحة ما حققت نصراً، ولا قتلت زبابة !!؛ فبعد إعلان دولة إسرائيل في 15 مايو 1948 خرج العرب للتعبير عن الغضب في الطرقات بينما كان الإسرائيليون يضعون اللمسات الأخيرة لأجهزة الدولة وإعداد نظام الحكم وأجهزة الأمن قد تسلمت مهامها والجيش الإسرائيلي جاهز والطيران الإسرائيلي على أهبة الأستعداد لتنفيذ المهام .

.. ولأن الشئ بالشئ يذكر، فبعد القرار الأمريكي بشأن القدس قامت الهيئة الوطنية للإعلام بعمل بث موحد مباشر لإذاعات مصر وفلسطين والأردن استلهم النموذج الأمريكي في التلاعب بالوعي عبر تكتيك: "التفتيت والتجزئة" بتناول بعض أعراض المشكلة على أنها معلومات في الوقت الذي لا يقترب من لب القضية المتجذر في الخيانة حتى يسهل على المتلقي العربي ابتلاع الكارثة، بينما كان الكنيست الإسرائيلي في آنذاك يناقش إصدار قانون "الهوية اليهودية"، وهو ما يعني عمليات تطهير ديني مرتقب على أرض فلسطين يقصي ويستبعد كل ما هو غير يهودي، وهو ما يعني بدء العد التنازلي للبحث عن "وطن بديل للفلسطينين".

الجمعة، ديسمبر 01، 2017

حكايات من زمن الخوف ( الجزء الثاني)

حكايات من زمن الخوف ( الجزء الثاني)


في هذا الجزء :


• فى القاهرة .. المدينة والجامعة بدأت رحلة البحث عن الذات.
• تعرضت لخداع أعضاء "نادى الصفوة" من أصحاب الياقات البيضاء فى آداب القاهرة .
• حاولت التخلص من "ثقافة الشرخ"؛ فدخلت إلى متاهة المفاهيم الغربية عن تيه النص وسيولة المعنى وخرافات "الحداثة" والبنيوية والتفكيك و"ما بعد الحداثة".
• بدأت رحلة البحث عن الهوية من خلال "الثقافة الواقية"، فسقطت فى فخاخ مروجى ثقافة "الكلونياليزم" .
• لم يستطع د. رشاد رشدي في شرحه للعمل الفني إيجاد نموذج تفسيري لما تدعيه نظرية الحداثة وزاد الغامض غموضاً .
• ولم تقدم د . سهير القلماوي سوى تصورات افتقدت المنهج البحثي !!
• "الحركة الطلابية" ودور منظمة الشباب فى غرس بذرتها وإدارة فاعليتها لصالح جناح بعينه داخل النظام .
• كيف أدار أحمد كامل محافظ الأسكندرية ورئيس منظمة الشباب حركة الطلاب، وكيف تمت مكافأته بتعيينه مدير المخابرات العامة.
• أسرار حوادث القتل الوحشى لـ 27 طالبا وطالبة فى جامعتى الإسكندرية (15) والمنصورة (12).
• كيف أصبحت اللجنة الوطنية العليا لطلاب مصر هى المتصرف فى شئون الجامعة؟!
• د. حسن إسماعيل رئيس جامعة القاهرة يتلقى الأوامر من "العيال بتوع
اللجنة الوطنية العليا لطلاب مصر"، ويصدر ما يملونه عليه من قرارات .
• كيف نشأت "الجماعة الإسلامية" ؟!
• كيف أصبح اتحاد الطلاب جامعة القاهرة الجناح السياسى والاجتماعى للجماعة الإسلامية ؟!
• حكاية الطالب أحمد عبد الله رزة (المحسوب على اليسار) والطالب عبد المنعم أبو الفتوح (المحسوب على التيار الإسلامي المصنوع بدعم حكومي).

  • نشأة نادي الفكر الناصري
  •  حكاية الطالب زيادة عودة الذي اعتنق فكر قاتل أباه
• كيف انضمت كوادر "الجماعة الإسلامية" إلى جماعة "الإخوان المسلمين"؟!
• دور عمر التلمسانى وكمال السنانيرى وعباس السيسى فى أخونة الجماعة الإسلامية ؟!

  •  لماذا رحب عمر التلمساني بانضمام محمد عبد القدوس ابن الكاتب إحسان عبد القدوس إلى الإخوان، واعتبره أفضل دعاية للإخوان !!
• فى غرفة زميل بالمدينة الجامعية قابلت على غير موعد شكرى مصطفى، وانقبضت نفسى من هيئته، فقد ذكرتنى بتشارلز ميللر مانسون زعيم الهيبز.
• حاول الدكتور يسرى طالب الطب تخفيف حدة انطباعى عن شكرى مصطفى، ولم تفلح محاولاته؟!
• حكاية تنظيم الفنية العسكرية .
• اثنان من معارفى متورطان فى تنظيم "الفنية العسكرية"(المتهم 66 والمتهم 91).
• فى ندوة الأهرام في يونية 1974 كشف الصهاينة المصريون ( هيكل ـ نجيب محفوظ ـ توفيق الحكيم ـ د. حسين فوزي ـ د. زكي نجيب محمود) عن تصوراتهم لاستنساخ المشروع الصهيونى الغربى فى فلسطين لـيكون بديلاً عن "المشروع الحضارى العربي".
• أذعن السادات للمطلب الإسرائيلى بوضع مدن القناة رهينة فى قبضة المدفعية والطيران الإسرائيلى .
• فتح السادات البلد للرأسمالية العالمية المتوحشة التى جاءت ومعها "عصابات المافيا" الدولية؛ فكانت "انتفاضة الخبز" فى يناير 1977.

• حكاية طالب قسم التاريخ توفيق عبد الحي الذي أصبح يحمل لقب "المليونير الهارب"
 
• كنت فى نوبة حراسة "كينجي" فى إحدى النقاط الحصينة على حدود سيناء المحتلة ليلة 19 نوفمبر 1977 عندما زار السادات إسرائيل لأول مرة .
• شاهدت بعينى الطلقات الضوئية التى أطلقها جنود الصهاينة فى سماء سيناء ابتهاجاً بذهاب السادات إليهم .
• بكيت بحرقة يوم استشهاد الأستاذ يوسف السباعى على أرض لارناكا؛ فقد ألبسه القتلة عار غيره .
• علمنى الأستاذ يوسف السباعى أن: "أن الرجل هو الذى يحدد سلوك خصومه، ويضع ملامح خططهم؛ لذا يجب على الرجال ألا يجهروا بالشكوى بل يعملوا فى صمت؛ ليجعلوا خصومهم يشتكون منهم لطوب الأرض".

ياسر بكر يكتب : صديقي الشهيد سليمان أبو حراز



ياسر بكر  يكتب : صديقي الشهيد سليمان أبو حراز
الكاتب الصحفي ياسر بكر وزوجته د. عفاف جمعة في ضيافة الشيخ سليمان أبو حراز

الكاتب الصحفي ياسر بكر في ضيافة الشيخ سليمان أبو حراز




.. هكذا قتل السفاحون سليمان أبو حراز الشيخ الطيب!!

ما أقسى الكتابة بمداد الوجع حين تنبت الأشواك في حروف الكلمات؛ وتفيض أوعيتها بالمرارة التي يصعب ابتلاعها أو ارتجاعها؛ فتتحول إلى غصة في الحلوق!!، وعندما تفوق الغصة قدرة الاحتمال تتضخم الحروف وتتحول إلى علامات استفهام غاضبة ومتوحشة وشرسة تخمش أظافرها في وجه من بدد الأمان في ربوع الوطن!!. 

.. وتكبر علامات التساؤل النبيل مثل كائنات أسطورية تنشر أجنحتها في سماء الوطن، وتفرض ظلالها على واقعه السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وتظل تجأر وتزأر طلباً لإجابات كثيرة أحدها: لماذا قتل هذا الشيخ؟!!، وبأي ذنب قتل؟!.

.. عن النهاية المأساوية الغاشمة لصديقي الشيخ الشهيد سليمان أبو حراز (98 سنة) مذبوحاً بسيف حملته أيدي قذرة لقتلة بلا وجوه .. عن تلك الجريمة البشعة أتحدث، ولا أستثني أحد من المسئولية حتى المشاركين بالصمت الجبان!!

لم يكن الشيخ أبو حراز أحد علماء المسلمين، ولم يُحسب يوما على الفقهاء أو المتفيقهين!! .. لم يصعد المنابر، .. ولم يعرف كيف توظف الكلمات في سياق بلاغي للوصول إلى غرض شخصي أو تلاعب بالوعي أو دعم نظام حكم يضمه إلى بطانتة ويغمره بعطاياه!! .. الرجل لم يذهب إلى مدرسة أو كُتّاب!!، ولم يعرف شكل حروف الكتابة، ولم يدري ما القراءة؟!،  ولم يغادر منطقة القصيمة على بعد 4 كيلومترات من العريش.

.. ولم يكن الشيخ أبو حراز قطباً صوفياً أو شيخاً لطريقة صوفية أو خليفة لأحد مشايخ الطرق الصوفية كما أشاع البعض زوراً لتبرير مأساة قتله!!

كان رجل بدوياً شديد البساطة يعيش في مزرعته في منطقة بين القصيمة والعويجة على طريق نخل مع أولاده وأحفاده يحلب الماعز ويفلح الأرض، وينتظر موسما جني الخوخ، وجمع الزيتون ليفرح بعرس الأحفاد من الصبيان والبنات ويزفهم إلي بيوت الشعر المصنوعة من شعر الإبل والخرفان أو الأكواخ المبنية من أغصان شجر العوسج وسعف النخيل، والعوسج نبات صحراوي تحبه الجمال وتأكله بنهم، أما الماعز فلا تأكله، ولا تأكله إلا حين تندر الأعشاب الأخرى. ويعتبر نبات العوسج حطباً جيداً للوقود لا ينبعث منه إلا قدر قليل من الدخان كما يستخدمه البدو في بناء أكواخهم.

ورث الشيخ أبو حراز عن أهله في البادية تدينا فطريا دون تزيد  .. لم يدعي لنفسه ولاية،  ولم يزعم أنه من أولياء الله الصالحين، ولم يدعى لنفسه مقاما من مقامات المقربين .. لكن المصادفة لعبت دوراً في حياة الرجل؛ فعندما احتل الصهاينة سيناء بعد هزيمة 5 يونية 1967 قبض جنود الصهاينة على الشيخ أبو حراز، ورغبوا في اقتياده إلى وحدتهم وأركبوه سيارتهم؛ فتعطلت السيارة فلما أنزلوه من السيارة زال عنها العطل، تكرر هذا الأمر مع الشيخ أبو حراز أكثر من مرة، وهذا ما جعل الجنود الصهاينة يشيعون أن في الشيخ أبو حراز سراً ، وأنه رجل مبروك !!

وسرى خبر كرامة الشيخ وسط البادية، وتوافد على بيته طلاب الحاجات، وتعب الرجل من أن ينفي عن نفسه ما أُلصق به لكن نفيه لم يكن يلقى القبول؛ فقد كان يُحمل على مأخذ التواضع !!، وأمام االإصرار كان الرجل يطيب خاطر من يقصد بابه دون أن تحمل كلماته معنى محدداً .

عندما كنت أضيق بضغوط المدن وسخافات البشر كنت أذهب إليه في مزرعته حاملاً بعض الهدايا من عبوات الشاي وأكياس السكر مساهمة في أداء حق الضيافة لبعض المترددين عليه، فقد كان ضيوفه كثيرون، والظروف لا تسمح له أحياناً بالوفاء بواجباتهم، كان دائم المداعبة لي؛ فعندما قدمت له شالاً بسيطاً قائلاً :

ـ هذا الشال من عند سيدنا الحسين بالقاهرة.

قال ضاحكاً :

ـ بنروح هناك .. وأشار بيده "فركة كعب" .

وعندما التقطت له بعض الصور .. قال :

ـ تضعها في برواز في بيتك ؟

قلت : إن شاء الله.

قال ضاحكا،ً وهو ينظر إلى زوجتي :

ـ ده مش بيتك .. ده بيت زوجتك .

عندما أصبح اللواء يوسف صبري أبو طالب محافظاً لشمال سيناء زار الشيخ أبو حراز، وتوطدت أواصر الصداقة بين الرجلين، فكانا يتبادلان الزيارة، وذات مرة حمل الشيخ أبو حراز بشارة لصديقة اللواء يوسف صبري أبو طالب وزير التنمية المحلية بأنه سيصبح قائد الجيش، ساعتها قال له اللواء يوسف صبري أبو طالب ضاحكاً :

ـ وسعت منك دي يا شيخ سليمان؛ محدش بيقلع البدلة الميري ويلبسها تاني !!

قال الشيخ بيقين :

ـ بنشوف .

.. وتحققت نبوءة الشيخ؛ فعاد اللواء يوسف صبري أبو طالب إلى الجيش وزيراً للدفاع في أبريل 1989 بعد ترقيته إلى رتبة الفريق خلفا للمشير أبو غزالة .. كان المثير للانتباة أن الفريق يوسف صبري أبو طالب هو أول وزير دفاع مصري يقسم اليمين لتولي المنصب بملابس مدنية كما تم أداء القسم في ظرف شديد التعقيد على متن طائرة الرئاسة أثناء اصطحاب الرئيس مبارك له في رحلة إلى العراق حيث فاتحه الرئيس في أمر تولي منصب وزير الدفاع، وما أن وطأت عجلات الطائرة أرض الوطن حتى أُعلن عن توليه المنصب !!

في أخر مرة التقيت به قلت وأنا أصافحه مودعاً :

ـ أشوفك عل خير .

ورد الشيخ :

ـ اللقاء نصيب .

.. ولم أفهم معنى الرسالة إلا بعد إذاعة نبأ استشهاده، ولا حول ولا قوة إلا بالله .

***

يرحم الله صديقي الشيخ سليمان أبو حراز الذي اغتالته يد الغدر .. وأخفت جثمانه حتى لا يقيم له السيناوية مقاماً .



الثلاثاء، نوفمبر 21، 2017

ياسر بكر يكتب : .. "بيضة الثعبان" في نقابة الصحفيين !!



ياسر بكر يكتب : .. "بيضة الثعبان" في نقابة الصحفيين !!

عبد المحسن سلامة

.. في مارس 2017، جاء الزميل الأستاذ عبد المحسن سلامة إلى موقع نقيب الصحفيين من فوق جسر من حماقات دُفع إليها ـ بقصد أو بغير قصد ـ النقيب السابق الزميل الأستاذ يحيى قلاش الذي أقحم النقابة في صدام له سببه الذي يحوطه الالتباس والذي كان يمكن احتوائه في إطار شرعية الفصل بين السلطات الذي يحد تغول السلطة بالسلطة، والاحتكام إلى السيد رئيس الجمهورية باعتباره الحكم بين السلطات .

.. لكن النقيب قلاش أدخل النقابة إلى حلبة صراع ليس له ما يبرره من أشكال التصعيد غير المنطقي، وغير المبرر والذي تفاقم سريعا وعلت فيه سقف مطالبات ثلة من الصحفيين المحسوبين على تيار بعينه حد مطالبة رئيس الجمهورية بالاعتذار، والمطالبة بإقالة وزير الداخلية .

.. وبدأت حالة من التوتر مع الدولة التي قدمت لنقابة الصحفيين دعماً غير مسبوق (45 مليون جنية) على مدى تاريخها منذ إنشائها بقرار رئيس الوزراء حسين سري في 31 مارس 1941.

.. وكان من الطبيعي أن يستغل بعض من تلقى ممارستهم غير المنضبطة رفضاً من الجماعة الصحفية أجواء ذلك التوتر بتأسيس ما اسموه بـ "جبهة تصحيح المسار"؛ ووجدوا فيها فرصة ليعيدوا بعث أنفسهم في واجهة المشهد النقابي من جديد، وكان على رأسهم هؤلاء الأستاذ مكرم محمد أحمد النقيب الأسبق للصحفيين الباحث عن التواجد في دائرة السلطة، والتكسب من ورائها دون مراعاة لأي اعتبار مهني أو نقابي أو أخلاقي!!

.. وسط هذه الأجواء المشحونة بالعداء من قبل بعض دوائر الحكم واتخاذ القرار للغوغائية التي استشرت في الجماعة الصحفية دون إتاحة الفرصة للعواقل وحكماء المهنة ليدلوا بدلوهم .. جاء عبد المحسن سلامة نقيباً ليهين شيوخ المهنة الذين تعهد في وعوده الانتخابية برعاية كريمة لهم، وليعبث بالقيم والأعراف النقابية في سابقة هي الأولى في تاريخ النقابة .

.. وتاريخ الزميل الأستاذ عبد المحسن سلامة نقيبنا لمن لا يعرفه من الشباب المُغرر بهم بمعسول وعوده المكذوبة، وأيضا للشيوخ المكتوين بممارسات عقوقه الوقح، ووعيه الموصوم بفقدان الحس النقابي والاجتماعي والسياسي، ويحتاجون إلى تنشيط ذاكرتهم ليعرفوا أن الزميل الأستاذ عبد المحسن سلامة نقيبنا هو "بيضة الثعبان" التي فقست في نقابة الصحفيين.

.. الزميل الأستاذ عبد المحسن سلامة نقيبنا هو أحد كوادر "الحزب الوطني" المنحل الذي قضت المحكمة الإدارية العليا بمجلس الدولة في الدعويين رقمي 20279 ، 20459 لسنة 57 قضائية عليا بعد ضمهما الى الدعوى رقم 20030 لسنة 57 ق عليا للارتباط .. قضت المحكمة في حيثيات حكمها :

"انه بعد ثورة 25 يناير 2011 تساقطت قوى الفساد التى ظلت جاسمة على البلاد اكثر من ثلاثين عاما وتكشف الكثير من الفساد والاستبداد التى ادت الى تخلف البلاد وتزايد معدلات الفقر وانتشار الرشوة والمحسوبية والزواج الاثم بين السلطة والثروة وتبنى سياسات اقتصادية خاطئة وقد لعب الحزب المذكور منذ تاسيسه عام 1978 الدور الاساسى فى اختيار الحكومات الفاسدة وتمرير القوانين المتناقضة مع الدستور وتعطيل تنفيذ الاحكام القضائية وتبنى سياسات معادية للوطن ومصالح الجماهير كما انه تسبب فى افساد الحياة السياسيه واضرار الوحدة الوطنية وبذلك يكون الحزب المشار اليه قد فقد شروط استمراره كحزب لتعارض مبادئه وأهدافه وبرامجه وسياسته واساليبه فى ممارسة نشاطه مع الدستور ومقتضيات الحفاظ على الوحدة الوطنية والسلام الاجتماعى والنظام الديقراطى مستوجبا حله وتصفية امواله ." .

من تلك الخلفية جاء عبد المحسن سلامة إلى نقابة الصحفيين ليشغل عضو مجلس النقابة ووكيلها بتزكية ودعم من مكرم محمد أحمد النقيب الأسبق الذي خرج مطروداً منها عندما حاول أن يركب الموقف كعادته، ويزايد على الجماعة الصحفية المكلومة بمشاهد مسرحية ذات طابع خطابي أثناء تشييع جنازة الزميل أحمد محمود أول شهداء الصحفيين في ثورة 25 يناير 2011.

وبأسلوب "البهلوان السياسي" الذي تدرب عليه في أقبية فساد الحزب المنحل وتعلمه على أيدي دهانقة الإفساد فيه حضر عبد المحسن سلامة أول جمعية عمومية غير عادية بعد ثورة 25 يناير 2011 والتي انعقدت في 14 فبراير 2011، والتى تهرب منها اعضاء المجلس المنتهية دورته (من الحزب الوطنى والإخوان المسلمين) ليبدي أسفه عن ما تكشف من حقائق ادعى عدم علمه بها، ويعلن  استقالته من الحزب الوطني!!

.. وبعد نشاط الثورة المضادة في 2013 ترشح عبد المحسن سلامة لمنصب نقيب الصحفيين لمرتين لم يحظى فيهما بثقة زملائه !!

.. جاء عبد المحسن سلامة نقيباً للصحفيين في مارس 2017؛ لتفقس بيضة الثعبان (الحزب الوطني) في نقابة الصحفيين وسط وعود براقة لم ينفذ منها الكثير، ومنها الرعاية الكريمة لشيوخ المهنة الذين سلكوا القنوات الشرعية بمخاطبة المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، والهيئة الوطنية للصحافة، ورئاسة مجلس الوزراء، ورئاسة الجمهورية .

.. ولأن الخلفية التي أتي من غضونها النقيب سلامة تصور لخياله أن شيوخ المهنة هم أضعف الحلقات في سلسلة الضغط النقابي لتنفيذ وعوده لكونهم لا يمتلكون "حق التصويت" في الانتخابات، لكن غاب عن فهمه القاصر عن صياغة رؤى إبداعية أن هناك وسائل كثيرة للضغط أقوى من التصويت وزخم الانتخابات و"هبل الصناديق" .. إليك بعضاً منها بعد استنفاذ سبل الحوار مع دوائر صنع القرار في الدولة منها على سبيل المثال:

ـ ذهاب بعض شيوخ الصحفيين إلي مكتبه بالأهرام لتقديم حزمة من نبات البرسيم لسيادته بدلاً من فنجان النيسكافية في محاولة للتعبير عن الاستياء من ممارساته "الاستحمارية" !!

ـ ذهاب بعض شيوخ الصحفيين إلي دائرة محل سكنه لكشف زيف وعوده أمام جيرانه الذين يمارس الإدعاء الزائف عليهم !!

ـ قيام شيوخ المهنة (1600 صحفي متقاعد) بالجلوس بكراسيهم في نهر شارع عبد الخالق ثروت في احتجاج صامت لعرض قضيتهم على الرأي العام في مصر؛ فالصحافة ليست  شأناً خاصاً بالقائمين عليها، ولكنها صحافة وطن !!

ـ إدراج اسم النقيب سلامة في "قائمة العار" باعتباره ثالث أسوأ نقيب في تاريخ النقابة بعد مكرم محمد أحمد الذي خرج من النقابة مهاناً طريداً، وصلاح جلال الذي جاء في مارس 1981 بإرهاب الحكومة، وخرج في مارس 1985 بأحذية الصحفيين .. لدرجة أن المارة في شارع عبد الخالق ثروت الذين استوقفتهم صرخاته تحت ضربات حذاء الزميلة تحية عبد الوهاب ـ متعها الله بالصحة والعافية ـ قد اعتقدوا أنه لص سرق حقيبة يدها .

.. يا سيادة النقيب .. عد إلى صوابك قبل هوانك على أساتذتك؛ فتكون على دوائر الحكم أهون .