السبت، أغسطس 05، 2017

ياسر بكر يكتب : أيام التفاريح وليالي "الظيطة" !!



ياسر بكر يكتب : أيام التفاريح وليالي "الظيطة" !!

الشاعر فتحي سليمان

كانت أيام وليالي الأعياد أيضا لحظات مختلسة من "زمن الخوف" ففي احتفالات المولد النبوي الشريف كان يوم المولد هو اليوم السنوي لتناول الحلوي المشكلة في صورة عروسة للبنات وصورة حصان للأولاد، كان المستورون من أهل القرية يطهون في تلك المناسبة أطباق الأرز باللبن والمهلبية وشطائر الزبدة والسكر، والزلابية والبقلاوة والعصيدة .

فإذا كانت أحوال القرية تشي بحالة مواتية من الرخاء، ووفرة المحصول قام بعض المتنطعين بجمع أموالاً من بيوت القرية لإحياء ليلة المولد "لزوم التفاريح" يدعون إليها الشاعر فتحي سليمان، والشاعر فتحي سليمان فلاح من قرية "زاوية جروان" مركز الباجور، وكان يحفظ السيرة الهلالية، ويجيد العزف على الربابة، وقد عاش طوال حياته فلاحاً يزرع أرضه، ورغم شهرته لم يعتبر روايته للسيرة الهلالية مهنته، بل هوايته .

كان الشاعر فتحي سليمان يرتدي الزي الأزهري العمامة والفراجية في أناقة يفتقدها عمدة قريتنا الحاج محمود أبو سليمان أخر العمد المحترمين في تاريخ قريتنا .

كان الشاعر فتحي سليمان يجلس على أريكة في جرن المولد عند كوبري السرود، ويبدأ الإنشاد معرفاً نفسه للمتلقي قائلاً: 

" أنا الشاعر فتحي سليمان
لا بحب هيصة، ولا كتر كلام
يا سامع كلامي
خلي بالك معايا
حا أقولك نصيحة غالية في الأسعار
يقول الراوي:
يا سادة يا كرام
لكل مقام مقال
.. ولكل حدث حديث .
***
يقول الشاعر أبو سليمان :
أنا اللي ح غني
وأروي لكم أشهر الحكايات
وأبدأ كلامي بالصلاة على النبي
.. ما عليك ملام يا اللي تصلي على النبي
اللهم صلي على البدر التمام
مصباح الظلام ورسول الله الملك العلام
ابن زمزم المقام والمشاعر العظام
من كان يصلي بالليل والناس نيام
حتى تورمت منه الأقدام عليه أفضل الصلاة وأتم السلام
.. العلماء العاملين وأولياء الله الصالحين وحملة العرش أجمعين
والخضر وإلياس والمرسي أبو العباس
وأولياء الله من مشارق الأرض إلى مغاربها .. لهم منا الفاتحة
من قرأ الفاتحة فتح الله عليه
ببركة بسم الله الرحمن الرحيم .

.. ويبدأ في رواية السيرة الهلالية .. لكن أهل القرية سرعان ما عزفوا عن الشاعر؛ إذا يبدو أن رواياته التي ترسم صورة البطل حامل القيم القديمة عن البطولة والفروسية وإرادة المقاومة لم تعد تستهويهم في "زمن الخوف"؛ فانصرفوا عنه إلى لون أخر من الغناء، وأصبح المطرب محمد فايد مغنيهم المفضل بما تحمله أغانية من قيم بديلة.

وقد أثر الشاعر فتحى سليمان على العديد من أدباء وشعراء المنوفية الذين كان يحضرون حفلاته وهم فى مرحلة الصبا والشباب ومن هؤلاء الشاعر محمد عفيفى مطر الذى تحدث عن شخصية الشاعر فتحى سليمان وتأثيره بإعجاب شديد فى أكثر من موضع، لكن تأثير الشاعر على الروائى فتحى إمبابي فاق حدود الاستمتاع بالسيرة الهلالية برواية الشاعر إلى حدود توظيف رواية الشاعر فتحى سليمان فنيَّاً فى بنائه الروائى الذي يتناول "تغريبة المصريين" فى ليبيا فى سبعينيات القرن الماضى فى روايته بعنوان : "مراعى القتل"، حين اختار بطل الرواية عبد الله من مريدى الشاعر فتحى سليمان، وممن تلبستهم البطولة الهلالية التى رباهم عليها بينما كانوا يعيشون في ظروف أقرب للمذلة والمهانة منها للعزة والكرامة!!

من حسن الطالع أن إحدى شركات الكاسيت بطنطا ـ محافظة الغربية حفظت لنا 36 ساعة من تسجيلات الشاعر فتحي سليمان مكنت الباحث سيد اسماعيل ضيف من إعداد دراسته الماتعة بعنوان : "آليات السرد بين الشفاهية والكتابية.. دراسة في السيرة الهلالية ومراعي القتل".

كان يسبق "ليلة التفاريح" انتهاء أهل القرية من أعمال موسم الزراعة، فتطبخ ربات البيوت وجبة دسمة يكون الظفر "الطير المطهو" أهم مكوناتها، وغالبا ما يكون البط (باعتباره من عطايا النهر) تمشياً مع الموروث التاريخي لاختلاط الحضارات المرسوم على المعابد الفرعونية، ويسمون ذلك اليوم "يوم مسح السلب"، والمقصود بـ "السلب" هنا الأمعاء التي يتم تغذيتها بطعام دسم بعد فترة من الطعام الجاف والخشن المكون من البتاو المقمر والمش والبصل أو طبيخ الخبيزة والبصارة والرجلة الفلاحي "نبات عشوائي ينبت بين المزروعات" .

.. كان أهالي القرية يطلقون على مساء يوم الخميس .. ليلة الجمعة .. "ليلة الزيطة"؛ فيتجمع شباب القرية في منطقة كوبري السرود حيث توجد حوانيت البقالة؛ فيشترون منها الحلاوة الطحينية والسميذ والعسلية والفول السوداني ولوازم الكيف من قراطيس الشاي والسكر وأكياس الدخان والسعوط وعلب المعسل والسجائر المكن بنظام الفرط أو بالعلبة، وما يلزمهم من باعة القصب وباعة البرتقال أوالبلح الأمهات والتين البرشومي وغيرها من فواكة الموسم، ويعودون إلى ذويهم لقضاء ليلة هنية، وقبل الفجر تخرج النسوة تتغندرن لملئ الجرار لزوم حمام الهناء، وتستقبل الترعة الجارية أفواجاً من الرجال عراة يغطسون في مياهها ليتطهرون ثم يصلون الفجر؛ لتنتهي "ليلة الزيطة"؛ وتشرق شمس يوم جديد .

.. قبيل رمضان تنتفض القرية من ركودها، بالإستعداد لرمضان بشراء الياميش الذي كان مقصوراً على صنفين فقط هما البلح  الأبريمي، والفول السوداني، كانت مظاهر البهجة في رمضان مقصورة على لهو الصغار بالفوانيس الصفيح المضاءة بالشموع، وأداء الكبار لصلاة التراويح.

.. كنت لا أعرف حتى عقدين من سنوات مضت لماذا عندما يأتي شهر رمضان أو يرد على خاطري في غير أيامه تستدعي الذاكرة صورة فانوس من الصفيح بابه مخلوع، .. وشمعته مطفأة بفعل الريح، وظلت تلك الصورة تفزعني بشكل متكرر لسنوات في كوابيس منامي !!

في لقاء مع الصديق الأستاذ الدكتور عادل صادق أستاذ الطب النفسي بجامعة عين شمس حكيت له عن ذلك الكابوس؛ فقال لي :

ـ "أن ذلك الحلم يعني سيطرة حالة من الخوف نتيجة فقدان أحد أشكال الحماية، وأن تلك الحالة مرتبطة بحدث وقع في شهر رمضان".

وقلت : 

ـ " توفى والدي في يوم الثلاثاء 10 رمضان 1376 الموافق 9 أبريل 1957".

قال الأستاذ الدكتور عادل صادق :

ـ "لقد وضعت يدك على العقدة .. لن يعاودك ذلك الكابوس مرة ثانية" .

قلت ضاحكاً:

ـ "جعلتها عقدة يا دكتور!!"

قال الأستاذ الدكتور عادل صادق بجدية وحزم:

ـ ".. ومن منا لا يخلو من بعض العقد أو بعض المرض العقلي؛ فالنفس البشرية خضم هائل، ولن يستطيع باحث أو الطبيب أن يغوص في أعماقها أو يثبر أغوارها طالما أنه بشر." .

.. وبالفعل لم يعاودني ذلك الكابوس.

في طفولتي بدأت معاناتي بوفاة والدي، وبدأت معها معاناة الأهل معي في شهر رمضان؛ فقد بكيت وأصررت أن أرى "السحور" ولما أيقظتني أمي في ساعة السحور .. أنكرت عليها ذلك قائلاً :

ـ " ده مش السحور !! ده أكل !!".

وتفتق ذهن أمي عن حيلة تجعل من شخصية المسحراتي ما يقرب إلىّ فهم معنى السحور؛ فعندما جاء مسحراتي شارعنا الشيخ عفيفي أبو النور.. قالت أمي:

ـ "ده السحور ."

واعترضت على خداع الأم ، وقلت :

ـ " ده عم الشيخ عفيفي .. مش السحور!!".

واسقط في يد أمي، وضاق صدرها ؛ فصفعتني .. وبكيت، وانتزعني أخي الكبير كامل من بين يديها، وراح يسترضيني ويحاول أن يقرب لي بين صور الأشياء، ويقارب لي بين ما أعرف وما لا أعرف ..

كان أخي كامل مقبلاً على الحياة متفاعلاً مع أيامه رغم قسوتها؛ فقد اضطر لترك دراسته في كلية العلوم ـ جامعة القاهرة، والتخلي عن حلمه في أن يصبح كيمائي والالتحاق بمعهد المعلمين المتوسط بعد وفاة والدي؛ ليصبح أحد معلمي التعليم الابتدائي .

ولأن أخي كامل ممن يصنفون تحت مسمى "شخصية فعالة بصورة زائدة hyperactive"؛ فقد التحق بهيئة التحرير، وانضم إلى الحرس الوطني وأصبح له سمت وهيئة الضباط .

كان  للعيد في قريتنا مذاق خاص؛ فأيامه ساعات مختلسة من "زمن الخوف" .. كنا نسهر أمام دكان الحلاق عبد الفتاح عمار في انتظار الدور لنحلق حلاقة العيد، ونجلس أمام دكان الخياط عم طايع في انتظار استلام ثوب العيد، كان بعض الصبية يتوددون للخياط للحصول على أولوية في استلام الثوب بمساعدته في تركيب الأزرار .

في ليلة العيد كنا نحتضن ثوب العيد والحذاء القماش الذي اشتريناه من باتا بسبع قروش في انتظار نسمات العيد وسماع تكبيراته؛.. ليبدأ يوم من أيام "التفاريح" .



.. لكني كنت لا أستطيع أن أتفهم لماذا يصر الرجال في قريتنا على زيارة المقابر؟! .. وأخيراً توصلت إلى أنها حالة من الانحياز الأبلة ضد الذات من خلال خلط الحزن بساعات الفرح، واستحضار الموت إلى قلب الحياة !!
 

***

أوراق من كتابي : "حكايات من زمن الخوف"

 

الثلاثاء، أغسطس 01، 2017

ياسر بكر يكتب : "فن الحزن" الجميل !!



ياسر بكر يكتب : "فن الحزن" الجميل !!

إحدي حلقات "الندب" في الجنائز

    .. في رحم اليتم نشأت، .. عانيت من وخزات الوجع التي يحدثها في القلب، والتي ظلت تداهمني علي غير موعد ولا ساعة انتظار؛ فتوقظ ألاما وتهيج أحزاناً، وتترك في القلب ندبات من بؤر الشقاء التي تتدفق في نهر اللا شعور لتنبئ عن حالة الفقد .. وتجعل الحواس أكثر تفتحاً وتفهماً وتفاعلاً مع معاني الفراق أيا كانت أداته أو وسائله سواء كانت كلمة في غنوة، أو نغمة في لحن، أو جملة بصرية في صورة او رسم أو نقش.

.. إنها حالة شديدة الخصوصية قد لا يحسها إلا من عاش التجربة!!

.. كانت الجنائز في قريتنا لا تقل صخباً وضجيجا عن الأفراح، وتعكس حالة من الفقر الثقافي والتدني الاجتماعي والانحطاط الحضاري، .. وتبدأ مراسم الجنائز حسب العرف الريفي من ساعة العلم بحدوث الوفاة؛ فتبدأ النسوة اللائي تلقين "الصدمة الأولى" بالعويل و"الندب"، والندب هو لطم الخـدود، وشق الملابس، والضرب بشدة على الصدر، وتتزيد بعض النسوة فتهيل التراب علي رأسها، وتلطخ وجهها بالطين أو النيلة الزرقاء أو زهرة الغسيل تعبيرا عن عمق الفاجعة . 

تصاحب عملية الندب حالة من الغنـــاء البكائي الذي يطلق عليه:"العدودة" والاهتزاز العنيف في حركة هيستيرية أقرب إلى رقص الزار، وتشبه إلى حد كبير حركة الطائر الذبيح، لكنها في كل الأحوال تمثل شكلاً من أشكال الفنون يتم التعبير عنه بالكلمة والحركة وغيرها من المؤثرات الأخري مثل إهالة التراب على الرأس، وتلطيخ الوجه بالطين وغيرها من الأفعال التي تكشف عن لوعة النفس وانكسار القلب اللتان خلفتهما حالة فقد عزيز .

والعدودة  جزء من الموروث الشعبي التشافهي المجهول المؤلف والمتوارث لذا فهى تتسم بالمرونة، والميوعة؛ فتخضع للحذف والإضافة حسب مقتضى الحال شرط الاحتفاظ بالوزن، والإمساك بالقافية التي غالباً ما تكون بالتنوين بالكسر، .. فضلاً عن كونها إبداعاً نسائياً خالصاً تخصصت فيه النساء لأنهن أكثر لوعة، وإحساساً بالفقد من الرجال.

والعدودة تشبهة السيمفونية فكلاهما يتكون من عدة أجزاء أو حركات؛ فالسيمفونية أربعة حركات، والعدودة ثلاث حركات، الحركة الأولى في العدودة : هي مرحلة "الاستهلال" وتبدأ هادئة حيث تبدأ المعددة القائد (الشلاية) في وصف الحال بأسلوب رصين، وتبيان حال المتوفى (رجل ـ امرأة ـ طفل ـ شاب ـ فتاة ـ كهل ـ عجوز)، ثم تبدأ المرحلة الثانية: وهي "الشبشة" وتتسم بالسرعة وعلو الصوت ويزداد الانفعال ويزداد الهياج العصبي، وتندلع لواعج النفس لتعبر عن حرقة القلب ولوعة الفراق، ثم تنتقل المعددة القائد (الشلاية) إلى المرحلة الثالثة: وهى "التطويحة" وتتسم تلك المرحلة بمد حروف الكلمات تمهيداً للانتهاء .

كانت المعددة القائد (الشلاية) في قريتنا هي فرح بنت حليمة كودية الزار.. هكذا كنا ندعوها منسوبة لأمها فلم يعرف لها أحد من أهل القرية أباً .. كانت فرح بنت حليمة أمرأة حبشية شديدة السواد، وكانت ترتدي ملابس أقرب إلى ملابس الرجال، ولم يكن يظهر من ملامح وجهها سوى بياض عينيها وأسنانها إذا ضحكت أو تكلمت .. كنت أخافها وأهرب عندما أراها .. جاءت المرأة إلى دارنا أكثر مرة في محاولة لاستمالتي بقطع الحلوي، لكني موقناً إنها أمنا الغولة التي حكت لي خالتي فاطمة البربري عنها في الحدوتة، خالتي فاطمة البربري هى زوجة عمي على بكر .

ضحكت  فرح بنت حليمة، ولم يزدني ضحكها إلا نفوراً منها !!

.. ولأن المصائب تجمعن المصابين؛ فسرعان ما ينضم للنسوة من أهل الميت نساء القرية المكلومات من الحزانى والثكالى والأيامى والأرامل في حلبة "الندب" ويشكلن دوائر تلتف حول بعضها في تداخل غير مدروس وكأنها لوحة لتابلوة من الغناء البكائي والرقص الحزين !! 

وتعد أكثر أنماط العديد ذيوعاً تلك التي ترددها المعددات المحترفات وتنحصر في ثلاثة أنماط :

1 ـ عدودة تخاطب الميت، وتبين حال اهله من بعده.
2 ـ عدودة تسدي النصح للأرملة التي مات زوجها حتى تتخطى فاجعتها .
3 ـ عدودة تصف حال اليتيم الذي فقد ملاذ الأب وعزه.

.. ومن نمط العدوة التي تخاطب الميت وتصف تأثير حال فقده :

"القبر قال له انزل وانا اتلقاك
آنستني وقَطعت باللي وراك
القبر قال له يا مرحبا يا زين
انت صغير، وانا ضلامي شين
القبر قال له يا مرحبا يا حُرْ
انت صغير وانا ضلامي مُرْ"

والنمط الثاني من العدودة يتمثل في إسداء النصح للأرملة التي مات عنها زوجها حتى تعبر أوجاعها وتصل بأولادها إلى بر الأمان:

" يا صغيرة  يا أم تُلِّيه (التلية : الطرحة الشفافة)
بدري عليكي  م الهُجُوليه (الهُجُوليه : حالة الترمل)
يا صغيره يا عاقده الأكمام
بدري عليكي من شبكة الايتام
ربِّي اليتامى ووسـعي كمامك
وخدي الحديت والطعن ف جناِبك
واتجَّلدي لما يكـبروا اولادك" 

والنمط الثالث من العدودة ذلك الذي يصف حال اليتيم :

"والله اليتامى وَردهم دبلان
وقعادهم وسط الصغار بيبان
والله اليتامى وردهم مــايل 
وقعادهم وسط العيال باين
والله اليتامى وردهم  قطفـــوه
وقعادهم وسط الصغار عِرفُوه
والله اليتامي وردهم مقطـــوف
وقعادهم وسط الصغار معروف" 

كما توجد أنماط أخرى من "العدودة" عن فقدان الكبير ولو كان عضم في قفة، والفراغ الذي يخلفه خلو مكانه بما يحمله من غياب الحكمة وافتقاد المشورة الصائبة، وكذلك "العدودة" عن فقدان الأم وما يستتبعه من افتقاد الملاذ والحضن الدافئ والمحبة الصادقة، كما كانت توجد بعض أنماط العديد عن أحوال بعينها مثل حال المرأة المتوفاة التي لم تنجب حيث تقول المعددة القائد (الشلاية):

"مال الولية نعشها مايل"
فترد عليها النساء مولولات :
"ملهاش ولد وسط الرجال شايل"

وأيضا كان التعبير عن الضعف الإنساني للرجال مسموحاً به؛ فالموروث الثقافي في قريتنا يرسخ لمفهوم أن :"ساعة الفراق الحجر بيلين"؛ فكان من المألوف أن تجد رجل يجهش بالبكاء، أو يجعر في ألم بعزم الصوت!! 

كان عم مغربي الناعي يطوف شوارع القرية ليعلن عن الوفاة بصوته فيما يشبة النعي الذي تنشره الصحف معلنا ومعدداً صلات القرابة والنسب التي تربط الأحياء بالمتوفى، فإذا لم يكن للمتوفى عزوة اختتم النعي بالعبارة:"وقريب جميع عائلات تلوانة" .

.. كنت أتعجب من ذلك؛ فالفقير والمقطوع من شجرة الذي لم يهتم أحد بأمره يوماً، والغريب الذي عاش بيننا مثل عشب الشوك في حقل قمح يصبح قريبا لجميع عائلات تلوانة يوم يتغمده الله برحمته، .. وكنت أستشعر أن تلك العبارة بمثابة اعتذار غير مجدي لذلك المتوفى عن قسوة قلوبنا، وإهمالنا له في حياته .

وبعد دفن المتوفى، تقوم بيوت المستورين من أهل القرية بإخراج صواني الطعام للمعزيين المنتقلين من القرى المجاورة، وبعد الغداء وصلاة العصر تبدأ مراسم العزاء بتلاوة آيات القرآن الكريم في دور العزاء الخاصة بكل مجموعة من العائلات التي تربطها وشائج القربى أو علاقة الجيرة أو الشراكة، ويبلغ عددها في قريتنا 9 دور منها 6 في الناحية الشرقية مسماة بأسماء الدروب التي تقع فيها :

الدوار البحري، ودوار السجاعية، ودوار الحتايتة، ودوار الأربعين، ودوار البراشمة، ودوار الشرم، وثلاثة في الناحية الغربية مسماة بأسماء مواقعها أو العائلة التي تملكها :
 
دوار الدرب الكبير، ودوار أبو عمارة، ودوار درب خير.

بعد الانتهاء من العزاء تبدأ مرحلة الحداد التي قد تستمر لمدة سنة تُحرم فيها كل مظاهر البهجة فالملابس سوداء، وتُحّرم الملابس الملونة، ويقتصر الطعام على البتاو والمش وقطع البصل، ويُحرّم تماماً طبخ الملوخية الخضراء، وملفوف الكرنب، والأرز باللبن، والعصيدة، والفطائر بأنواعها؛ لكونها في العرف الريفي أطعمة معبرة عن الفرحة!! 

.. كان مناط الأمل ومعقد الرجاء في تغيير ذلك الواقع المزري هم خطباء المساجد عبر الخطاب الديني القويم؛ فالعواقل معاقل .. لكن كان هؤلاء كانوا مخيبين للرجاء؛ فهم أقرب إلى الشخصيات الفلكلورية التي تصلح للإضحاك، وليس الوعظ !!


 كان في القرية أربعة مساجد، اثنان في الناحية الغربية وهما  المسجد الغربي، ومسجد سيدي محمد الحجازي، واثنان في الناحية الشرقية وهما مسجد سيدي محمد الأربعين، ومسجد سيدي يوسف أبو الحجاج.


.. كان خطيب  المسجد الغربي الشيخ محمد درغام، ولم يكن الرجل مؤهلاً للوعظ، وكان ضعيف البصر.. كان مصدر وعظه ذلك الخطاب المستقى من الكتب القديمة الصفراء؛ لذا لم يكن مستغرباً أن يدعو في نهاية خطبة الجمعة لسلطان المسلمين جلالة السلطان عبد الحميد الثاني أو شقيقه السلطان عبد العزيز، ولم يكن مستغربا أن يتعثر في قراءة كلمة غير واضحة الحروف في الورقة التي أعدها له ولده، فيتلعثم مخاطباً نفسه هامساً:"الله يخيبك يا غريب يا ابني .. بقى دي كتابة، ولا ده خط يا وله!!"، ثم يتخطى الجملة؛ تاركاً فجوة في السياق؛ فيصير الخطاب مفككا فاقداً للمعنى والمضمون .


ولم يكن مسجد سيدي محمد الحجازي الذي تم ضمه للأوقاف أحسن حالاً؛ فقد حالت ميزانية الأوقاف دون توظيف خطيب للمسجد؛ فتتابع عليه خطباء من كل حدب وصوب يعملون بالمكافأة من غير المؤهلين، ولكل كانت سقطاته !!


كان خطيب مسجد الأربعين الشيخ عبد الحكيم المرسي، ولم يكن الرجل مؤهلاً، وكان خطابه فكاهياً ومعاداً ومكرراً، ومن خطابه المتكرر والذي يغلب عليه الزجر:


"أتزحزحون البتن (الحدود الفاصلة بين الأراضي الزراعية) عن الحديدة(علامات المساحة)، وتريدون أن تدخلوا الجنة .. يا أخي هوووووه 

.. أتدخنون الحشيش، وتريدون أن تدخلوا الجنة .. يا أخي هوووووه"


وقد كان الخطاب يأتي دائما خالياً من الأحكام !!


أما خطيب  مسجد سيدي يوسف أبو الحجاج فكان الشيخ طه حسن، ولم يكن مؤهلاً، وكان خطابه منقولا من كراسات جدي لأمي الشيخ أحمد عبد الله (يرحمه الله) الخطيب السابق للمسجد .


كان الشيخ طه حسن يمثل حالة من العوار في الخطاب الديني؛ فقد كان الرجل كفيفاً ومزواجاً، ومدمناً لمخدر الحشيش، وتحت تأثير "السطل" كانت تحدث المفارقات التي تبلغ حد المهازل، وتصل أحيانا إلى ذروة المساخر.

***


.. كان الخطاب الديني متخلفاً وساقطاً، وكان خليطاً من الفكر الديني والأساطير والحواديت والخرافات والقبوريات، .. وظل ينحدر من سئ لأسوء، وبلغ ذروة الانحطاط في خطاب "أمراء التكفير". 


أوراق من كتابي  : "حكايات من زمن الخوف"