الأحد، يناير 03، 2016

ياسر بكر يكتب : .. مذكرات شمس بدران !!



ياسر بكر يكتب : .. مذكرات شمس بدران !!

حضرات السادة كتبة المذكرات والمتاجرين بها، من فضلكم .. دقيقة سكوت لله !! ..؛ فقد شاءت إرادة الله التي حملتني على أعتاب تاريخي أن أهتم بما يحاك للمواطن العربي بليل عبر أساليب التلاعب بوعيه من خلال الغوغائية الثقافية المتفشية والتي تستهدفه ليل نهار .. وقد شاءت إرادة الله أن تحمل أرفف المكتبة العربية عنوانين يحملان اسمي هما " صناعة الكذب ـ حرب المعلومات " من ضمن 6 مؤلفات لي في مجال الميديا ووسائطها وتطبيقاتها .
.. ولكوني مهتما بعمليات التلاعب وما تقوم عليه من عمليات تزييف التاريخ عبر الترويج لقصص ما وارء القصص،  أو القصص من داخل القصص بغرض تسمم القيم وانفضاض الضمير واستلاب الهوية فكان من الطبيعي أن أهتم بالمصادر الأولية للمعلومات التي تعد البروفة الأولية المنطبعة للتاريخ وأن أتحري الوثائق التاريخية سواء الوثائق المنحازة أو غير المنحازة أو الوثائق المعدة لغرض ما؛ فالوثائق هي "صوت السلطة" منذ أن عرفت الإنسانية نشأة الدولة ومنذ اختراع الكتابة في سالف العصور !!
.. وقد اهتممت بتسجيل الشهادات الحية وكانت تلك الشهادات أشبة ببصمات الأصابع قد تحمل في بعض خطوطها تشابهاً لكنها لا تتطابق أبداً؛ فهناك أسباب كثيرة للإختلاف أهمها موقع الرؤية ومنظورها واتساع زاويتها .. فضلاً عن هوى النفس .
وكان الاهتمام بالمذكرات السياسية باعتبارها شهادات أصحابها لكني لم أًدخلها في تصنيف الوثائق أبداً فهي مجرد شهادات لا تمثل إلا وجة نظر أصحابها ، وتحتمل الصدق وتحتمل الكذب لذاته .
قضيت الكثير من سنوات العمر بين صفحات تلك المذكرات من أول مذكرات عرابي : " كشف الأسرار في النهضة المصرية المشهورة بالثورة العرابية " لأجدها في أغلب حوادثها من شطحات خياله وأن الحقيقة أنه سلم مصر مقابل حصة من سندات آل روتشيلد، وذهب ليسلم سيفه إلى القائد الانجليزي جنرال لو الذي نظر إليه باحتقار وأشار بطرف حذائه إلى عسكري المرسلة ليأخذ منه السيف ويقبض عليه!!.. ، وقد ظلت تلك الترهات مهملة إلى أن جاء ضابط انقلاب يوليو 1952 ليبعثوا فيها الحياة ليوعوزا من طرف خفي للرأي العام المنادي برجوعهم لثكناتهم أن ما آتوه ليس بدعاً .. وإن الجيش كان ضالعاً في الحياة السياسية، .. وانتهاء بمذكرات السيدة تحية كاظم زوجة الرئيس عبد الناصر؛ لأكتشف أن الأرضية المشتركة لتلك المذكرات هو غسيل السمعة والتنصل من جرائم في حق البلاد والعباد وادعاء البطولات لإشباع حالة البرانويا لدي بعض المهوسين بها ، كما أن بعضها بمثابة " مرافعات سابقة التجهيز " أمام محكمة التاريخ، لكن أهم هذه المذكرات وأخطرها هو الذي يحتوي على "تمرير رسائل" ذات مغزى إلى الجماهير للدفع بها في اتجاه إختيارات محددة !!
تحت هذا النوع الأخير تصنف مذكرات : " العقيد شمس بدران "، الذي تسبب مع آخرين في هزيمة يونيو 67 ولم يرتعش له جفن بل راح يمزح قائلاً لعبد اللطيف البغدادي ـ حسب روايته ـ ده إحنا اتخمينا حتة دين خمة!! .. ما لكم قعدين كده ليه؟!.. أنتم في عزاء، أجيب لكم قهوة سادة !!
كان العقيد شمس بدران يعيش نشوة اللحظة التي اقترب فيها من كرسي الرئاسة بعد أن أمضي ليلتي 7 و8 يونيو حاكماً فعليا لمصر بعد اتفاق تم بين عبد الناصر وعامر على أن يعلن عبد الناصر في خطاب التنحي ـ تنحيه هو والمشير عامر ـ وإسناد الأمر إلى العقيد شمس بدران .. وأن لحظات الصعود إلي مكتب رئيس الجمهورية قد باتت وشيكة، فليس بين الحاكم الجديد، واللحظة السعيدة سوى جثة وطن أثخنته جراح الهزائم !!
غير ان الذي لم يفهمه العقيد شمس بدران شمس أن قنوات سرية كانت تحمل رغبات إسرائيلية لم تكن تريد التفريط في عبد الناصر .. يقول علوي حافظ في كتابه بعنوان : " مهمتي السرية بين عبد الناصر وأمريكا" :
( وبلهفة قرات البرقية .. من مستر صديقي .. وحللت الشفرة .. الرئيس جونسون يرجوك أن تبلغ عبد الناصرألا يتنحي . الموضوع يعاد بحثه بواسطة الأصدقاء هنا .. إنتظر برقية أخرى ).
وفي اليوم التالي تلقيت برقية أخرى تؤكد نفس المعنى .
كان بقاء عبد الناصر مطلبا إسرائيلياً؛ فقد كان ليفي أشكول رئيس وزراء إسرائيل يزور البيت الأبيض وقد سأله الرئيس جونسون :" أيهما تفضل أن يتم التفاهم مع وجود ناصر،  أو أن يتم بلا ناصر ؟!"
فقال أشكول : " مع وجود ناصر .. لأن النتائج ستكون أكثر ضمانا ، والمواقف ستصبح أكثر استقراراً " .
.. وأمتثل عبد الناصر لرغبة الأمريكان خوفاً من محاكمته، وقلب المائدة على الجميع وأعلن تنحيه ولم يذكر تنحي المشير وأعلن تنازله عن الحكم لزكريا محيي الدين، ولم يأت ذكر للعقيد بدران من قريب أو بعيد !! ليجد بدران نفسه بعد أيام نزيلاً في أحد السجون .
وخرج من السجن في ظروف شديدة الريبة ليسافر من مطار القاهرة عبر صلة كبار الزوار وبجواز سفر ديبلوماسي بعد أن تم إعداده ليشارك بدور قذر فيما كان يخطط له الرئيس السادات، والذي انتهي في كامب ديفيد.
في كتابه بعنوان : (عمر فى العاصفة.. سيرة ذاتية) للكاتب الأستاذ أحمد عباس صالح يقول :
"أن شمس بدران صارحه برغبته فى كتابة مذكراته، وبيعها لصحيفة إنجليزية تقوم بنشرها، ثم يتم نشر ترجمتها بعد ذلك فى جريدة عربية، ويضيف أحمد عباس صالح أنه أنبهر بالفكرة وفى ذهنه أن ظهور مذكرات لشخصية بالغة الأهمية فى عهد الرئيس عبد الناصر مثل شمس بدران ستحتوى على العديد من الأسرار والمعلومات الكاشفة لتاريخ مصر المعاصر، خاصة وأنه كان يعتقد أن أنصار المشير عامر قد قاموا بتهريب وثائق ذات شأن عن تاريخ وتفاصيل العلاقة بين الرئيس و المشير، وأن شمس بدران بالذات لعمق صلته بالمشير  عامر هو الذى يمتلك هذا الملف الخطير من وثائق تلك الحقبة.
يقول أحمد عباس صالح أنه سأل شمس بدران عن الوثائق التى يمتلكها ومذكرات المشير عامر التى بحوزته لكى يتم الاستعانة بهما فى كتابة مذكراته، وهنا فوجئ أن شمس بدران يصارحه أنه لا يمتلك أى وثائق ولا توجد مذكرات للمشير عامر معه ، ويشير له إلى رأسه ، ويقول: " المعلومات كلها فى رأسى"، وهنا يعبر أحمد عباس صالح عن دهشته وخيبة أمله وانعدام حماسه لكتابة مذكرات شمس بدران بعدما أدرك أنه لا توجد وثائق ولا مذكرات للمشير عبد الحكيم عامر مع شمس بدران" .
وفي سنة 2010 أوعزت إحدي الجهات لمؤسسة الأهرام بإنتاج مذكرات شمس بدران لأسباب سياسية رأت تغليفها بواجهة تجارية .. ولم تكذب الأهرام خبرا فتعاقدت مع مؤسسة " دار الخيال " التي يمتلكها زميلي وصديقي الأستاذ محمد الصباغ على إتمام العمل مقابل 2 مليون جنية، وبدأ الأستاذ الصباغ في تشكيل فريق العمل .. تم ارتأت الأهرام أنه يجب استكمال بعض الجوانب واستيضاح بعض النقاط وقد كان .. إلى أنهم لم يجدوا تحت قبة العقيد شمس بدران سوى فأراً ميتاً..، وساد الخرس.. ولم يعرف مسئولوا الأهرام كيفية الخروج من المأزق !!
الزميل الصباغ يطالب بنشر مصنفه .. والأهرام على لسان رئيسها السابق الزميل الأستاذ ممدوح الولى يقول : " أنت قبضت فلوسك ، النشر ده يخصنا " ، .. لتبدأ سلسلة من المماحاكات القضائية بين الأهرام والأستاذ الصباغ، وبين الزميل الأستاذ حمدي الحسيني، وللحقيقة أنا لم ألتق بالزميل الأستاذ حمدي الحسيني سوى عبر مكالمة هاتفية طلب مني فيها نسخة من روايتي بعنوان : " حنظلة .. صديقي رئيس التحرير " لأنه قرأ عنها ولم يتثنى له الحصول على نسخة لنفاذها من الأسواق، وأرسلت له نسخة ممهوره بإهداء وأتصل بي ليشكرني علي الرواية والإهداء .
إلى أن وجدت في المكتبات كتاب الزميل الأستاذ حمدي الحسيني بعنوان : " مذكرات شمس بدران .. أسرار الحياة الخاصة لـناصر وسعاد ـ السادات وهمت" .. وهنا أدركت لماذا يستخرجون مومياء العقيد بدران من مواخير التاريخ .. لا يزعم أحدنا أن عبد الناصر كان ملاكاً .. فهو بشر وهو الآن بين يدي الله .. والتاريخ الجنسى له يعرفه الكثيرون بداية من علاقات بالبنات اليهوديات في حارة خميس عدس بالخرنفش ، وأنتهاء بـالسيدة "سوسو"، و السيدة "شوشو "، وقد حكت لي الزميلة الأستاذة أماني فريد الصحفية بمجلة حواء ( يرحمها الله ) جانبا منها لكونها كانت مكلفة من مجلة الاثنين لتغطية أخبار مجلس قيادة الثورة.. أما ذمته المالية؛ فيكفي ما كتبه الأستاذ جلال الحمامصي وأثبتت صحته التحقيقات السرية التي أجراها المستشار مصطفي أبو زيد فهمي المدعي العام الاشتراكي، أما محاولة ترويج صورة عنه بأن أجهزة المخابرات في العالم كانت دائمة الرصد له فلم تسجل عليه نقيصة واحدة؛ فهي لعبة مخابراتية تجيدها المخابرات الأمريكية تحت ما يسمى بـ "أسطورة تأليه الحكام " عبر مايسمى في علوم الدعاية بـ " شهادة الأعداء "، وذلك ليس دعماً للشخص في ذاته بقدر ما هو ترويج لنموذج يمكن استنساخه لاحقا .
محاولات الأخوة الناصريين لإرهاب كل من يحاول الاقتراب من تضاريس النسيج البشري لعبد الناصر مجرد سفة .. وأيضا الادعاء بأن الشعب المصري سيضرب بالأحذية كل من يقترب من سيرة ناصر مجرد وهم مرضي من مرتزقة أجراء احترفوا حراسة الأوثان؛ فلم يطرح الأمر على الشعب المصري للإستفتاء ولم يعطي الشعب المصري توكيلاً للناصريين ليتحدثوا باسمه، وجر الناس في هذا التوقيت للتلاسن حول: هل كان عبد الناصر فاسقاً أم نصف نبي هو نوع من الإلهاء لصرف الانتباه عما هو أهم !!.
يا سادة نحن الآن أمام حالة من التشابك بين أجنحة متنازعة محكومة بالصراع على المصالح؛ حول مذكرات لم تتضح معالمها بطرحها علنية في صورتها النهائية.. ولم تتحدد بعد قيمتها العلمية والتاريخية .. ولم يعرف بعد المردود العائد على مؤسسة قومية دفعت 2 مليون جنية من أموال الشعب لتسجيلها ؛ .. لذا من منطلق الحرص الوطني على عدم المساس بحرمة التاريخ أقترح أن تضع كل الأطراف ما بحوذتها أمام مركز دراسة التاريخ بجامعة القاهرة لتبدأ عملها مع نهاية عام 2017 (أي بعد مرور 50 سنة علي الأحداث حسب القانون بما يسمح باستنطاق الوثائق التاريخية )، ويكون لمختصوه القول الفصل في القيمة العلمية والتاريخية لتلك المذكرات بعيداً عن تأليه حاكم أو رعونة مسئول أو شذوذ شخص مراوغ مثل العقيد بدران!!.. أم أنها مجرد "حكاوي قهاوي !!"



الثلاثاء، ديسمبر 29، 2015

ياسر بكر يكتب : دعوة للاحتفال بـ " يوم العار " !!

ياسر بكر يكتب : دعوة للاحتفال بـ " يوم العار " !!

قبل أن تنقضى سنة 2015 .. قررت أن أحتفل بـ " يوم العار " على طريقة "أسيادنا الأمريكان"؛ .. "أسيادنا الأمريكان" يحتفلون بالانتصارات كما يحتفلون أيضا بالهزائم .. ويحتفلون بالبطولات كما يحتفلون بالسفالات لكن على طريقتهم بعد تغليف كل حالة بالغلاف المناسب والإطار اللائق .. ولا مانع من تزييف التاريخ ونسج الأساطير واختلاق الأكاذيب وادعاء النبل الإنساني؛ وتتولى هوليود الإخراج المناسب لتجميل "وجه الذئب "؛ فلدى السيد "رامبو" الحجج المقنعة والحلول لجميع المشكلات !!
.. في 7 ديسمبر 1941 قام اليابانيون بتحطيم الاسطول الأمريكي في معركة بيرل هاربر وبدأ "أسيادنا الأمريكان"  طقوس الاحتفال بهذا اليوم باعتباره "يوم العار" في العقل الجمعي الأمريكي، وبدأ الإعداد لـ "غسل العار بالعار" فكانت القنبلتين الذريتين على هيروشيما ونجازكي في أغسطس 1945 .. ساعتها قال البعض : "إن هذا ليس عملاً أخلاقياً " ورد أسيادنا الأمريكان: " وهل كان تدمير الأسطول الأمريكي عملاً أخلاقيا ؟!" .
ولذا .. ولأنني لم أجد يوما للعار في تاريخ مصر الذي تعيه ذاكرتي أكثر من يوم السبت الأسود 26 ديسمبر 2015 عندما نجح الأثيوبيون في تحويل مجري النيل ليمر عبر سدهم !!
.. ربما نكون قد أخطأنا بالترك والإهمال فيما لا يمكن تدارك تبعاته وعواقبه!! .. وربما تكون سوابقنا من الخروقات حجة علينا لا لنا !!؛  .. ففي كثير من الأحيان تعد السوابق ثوابت يحتذى بها في تحويل مجرى التاريخ لصالحنا أو لصالح الخصم على طريقة : "اللي تغلب به إلعب به .. "والتي لعب بها السيد الأثيوبي عندما وقف وزير الخارجية الأثيوبي قائلا: " وهل طلبتم مشورتنا عندما أبرمتم إتفاقية توصيل مياه النيل إلى النقب في إسرائيل؟!، حتى نطلب منكم المشورة عندما نبني سداً على أرضنا !! "، ربما يكون السيد الأثيوبي محقاً بعض الشيء، لكنه سيدرك مدى زيف ادعائه عندما يراجع نفسه ويرجع إلي يوميات "السخط الشعبي المصري" على تلك الفكرة المشئومة التي طرحها الرئيس السادات، والتي انتهت بقتله دون أن يحصل الصهاينة على قطرة مياه من نيلنا .. ولأن معالجة الخطأ بخطأ لا يصنع صوابا؛ فلم يعد أمامنا سوى أن ننشد الصواب ونبتغي الخلاص في ظل ظروف تاريخية شديدة الالتباس والتعقيد نُصبت لنا فيها" الخية " بإحكام، ولن ينجينا من جنون الانتحار الجماعي في الوطن سوى أن نتذرع بالحكمة ونأخذ بأماراتها، .. فليس هذا وقت التلاوم أو تصفية الحسابات أو البحث عن كبش فداء.
ورحت أتسأل : متى نبدأ الإعداد لغسل العار بشرف وتحضر، وليس بغسل " العار بالعار " على طريقة "أسيادنا الأمريكان " ؟! .. وهل تستطيع مصر الصامتة الصابرة على سنوات الجوع أن تصبر على سنوات العطش؟! .. لقد أكتمل الحصار ولم يعد أمامنا سوى أن نرى بأعيننا صحراء النقب وقد أصبحت جزءا من وادي النيل !! ولم يعد أمام القوي العاملة في مصر سوى الذهاب إلى هناك طلباً لفرصة عمل ذليلة أو لقمة عيش مغموسة في " العار التاريخي " !!
.. ورحت ابحث عن الحل في وجوه أهلنا الحائريين المشتتين والمهمشين الذين رقصوا بطيبة وعفوية على أغنية " تسلم الأيادي"، وبعدها تبين لهم الأيادي التي أسرف في الدعاء لها لم تخرج من جيوب المعاطف أو البذات لتقدم عونا للنهر ينقذه من قراصنة الحياة والجغرافيا والتاريخ،  وتمايل البعض منهم وزغردت النساء على أغنية " بشرة خير"، بل أن البعض قد جعلها نغمة لرنين هواتفهم، .. ولم يأت الخير؛ فقد غلبتهم "جمهورية الخوف والجوع ومصادرة الحريات" ؟! .. ولم يجدوا ملاذاً سوي السماء يرفعون أعينهم ويشيرون إليها بأصابعهم وهم بين اليأس والرجاء!!
أصبح الصمت الوجل سمة ملامحهم .. الصمت الخانع والخائف هو ملمح المشهد برمته .. صمت لم أره في أصعب أوقات الهزيمة في 5 يونيو 1967 .. ساعتها لم ينكسر الشعب بل أختزل أسباب هزيمته العسكرية في نكته بذيئة ترى أن هزيمته مجرد حالة اعتداء جنسي علي قادته الذين أذلوه وقهروه وضللوه .. وكان النيل جزء من المشهد في متن جريان النكتة ؛ فقد ضبط الشعب قادته يغسلون مؤاخراتهم في النيل لـ "إزالة أثار العدوان" !! .. ولم يجد الرئيس عبد الناصر أمام نزيف الوجع اليومي أمام طعنات النكات من ملاذاً سوى الذهاب إلى مجلس الأمة ليطلب من الجماهير في خطاب شهير الكف عن ترديد مثل هذه النكات لأن ـ حسب زعمه ـ المستفيد الأول منها هو إسرائيل .. ولم تنجح أجهزة القهر الناصري في مطاردة النكته؛ فالنكتة طلقة رصاص طائشة مجهولة المصدر !!
ولم يكن قادة الهزيمة أسعد حالاً من القيادة السياسية، فانتشرت الأغنية الشعبية الشهيرة في القرى والنجوع بكلماتها الهزلية اللاذعة : "يا بت يا أم زكي .. زكي بيعيط .. لبسته البدلة الكاكي، قلعته البدلة الكاكي .. قعدته على ( ... ) ماله بيعيط !!"، ولم يكن الجنود يضيقون بتلك الأغاني بل كانوا يشاركون الجماهير في غنائها باعتبارها أحد ملامح الفكاهة المصرية، وكانوا يتغنون بها في أسمارهم التي تعد أحد مفردات عملية الخداع  الاستراتيجي في حرب أكتوبر.
وكان صوت الألم وطعم المرارة في أشعار نجيب سرور : " وقلنا ننضف بقة .. قالوا بلا وكسة .. والله لنتنكس بدل النكسة ميت نكسة " .
.. وكانت أشعار أحمد فؤاد نجم علي نسخة تشافهية من حنجرة الشيخ إمام عيسى، والتي يتناقلها الهواة على مسجلاتهم الشخصية تشخص الحالة وتصف لها العلاج عبر أبيات تنشج بصوت المذبوح المبحوح : " أشعار تمجد وتماين حتى الخاين .. عبد الجبار، وإن شا الله يخربها مداين .. عبد الجبار " .. كان عبد الجبار هذا هو الرئيس عبد الناصر!!
كان شعب مصر يهذر .. ويصخب وتتعالى ضحكاته ساعة الهزيمة لأنه كان يدرك أنها مجرد حادث عابر في ظروف عابرة قصمت ظهره لكنها لم تقضي عليه، أصابته بالوجع لكن علاج الوجع ليس مستحيلاً .. أما اليوم فقد أصابه الخرس لأنه يعرف مدى العار ويدرك مدى الجرم عندما ترك أمر " النيل .. واهب الخُلد للزمن " لافتكاسات الصغار وعبث الغلمان .. وأصبح على شفا الحرمان من شربة ماء في زمن لم يعد فيه وجود لنموذج عم محمد أبوسويلم أوعبد الهادي أوالشيخ حسونة ( أبطال فيلم الأرض ) أوأغنيتهم الشهيرة : " الأرض لو عطشانة .. نرويها بدمانا"، وغياب ثقافة موروثة كانت تضع الأرض والنهر في مقام العرض .
.. فيأهلنا في مصر:   تعالوا نخرج من "حالة الخرس الجماعي " التي ابتلعتنا دوامتها؛ لنبدأ جميعاً في احتفالية بـ " يوم العار " في مشهد جنائزي مقدس ونبيل؛ لعله يكون البداية الحقيقة لمواجهة الذات وممارسة النقد الذاتي الشجاع لتصحيح المسار والبدء في خطوات جادة وعاقلة لـ "غسيل العار " .

الأحد، ديسمبر 27، 2015

" حرب المعلومات " .. نهاية عصر القوة





 "  أسوأ ما في الحرب أننا نستخدم أفضل ما لدينا لنقوم بأسوإ ما نستطيع "
                                                                                                     هنري فوسديك


الفصل الأول :
ــــــــــــــــــــــ
نهاية عصر القوة

مع الشهور الأولى من بداية الحرب العالمية الثانية ( 1 سبتمبر 1939) بدأ الهمس بين بعض قادة الجيوش الميدانية، وبعض القادة السياسين وبعض الأكاديميين عن ما اسماه البعض بـ " أفول عصر القوة" و "تدني فائدة الحرب " ؛ نظراً للتكاليف الباهظة جداً للحروب التقليدية قياساً بالمردود المتوقع حتى في حالات الانتصار، فالحرب التقليدية واسعة النطاق ـ أى الحرب على نحو ما تراها حاليا القوى العسكرية الرئيسية ـ تلفظ بالفعل آخر أنفاسها كرجل أصيب بطلق ناري في رأسه ومازال يحاول وهو يترنح بضع خطوات، ومع الهزيمة المدوية في معركة بيرل هاربر ( 7 ديسمبر 1941 ) وبدأ يتسرب إلى العقل الجمعي الأمريكي أن يوم بيرل هاربر هو "يوم العار" ودخل إلى القاموس العسكري مصطلحات ذو دلالة وصفت حالة التسليح في الحروب التقليدية بأنها "المارد من قش"*(1 ) ..  بمعنى أنه يسهل إشعال النيران فيها فتتحول في لحظات إلى رماد تذروه الرياح مثلما حدث مع الأسطول الأمريكي الذي تحول في دقائق إلي قطع من الحطام المحترق الغارق في قاع المحيط !!


للمزيد من المعلومات .. راجع كتاب : " حرب المعلومات "

توزيع " أخبار اليوم "

الأربعاء، ديسمبر 23، 2015

ياسر بكر يكتب : سد النهضة و أغنية " هاتولي حبيبي " !!



ياسر بكر يكتب : سد النهضة وأغنية " هاتولي حبيبي " !!

.. على طريقة الأغنية المصرية: "يا مين يجيب لي حبيبي " التي سخر منها اللورد كرومر في كتابه بعنوان : " مصر الحديثة " والتي أعتبرها أحد أنماط الخطاب الذي يعكس حالة الكسل والخمول في الفكر والسلوك .. على نمط الأغنية راحت بعض قنوات" كايدة العزال أنا من يومي " الفضائية والتي تُعلي قيم "المكايدة الدعائية " على قيم الموضوعية في التناول بإغراق المتلقي المصري في تيار سلبي من المعلومات انحصرت فيها رموز الخطاب وغائية الصور في ثلاثة محاور :

المحور الأول : أن مصر محروسة بعناية الله، وأن ما من أحد أرادها بسوء إلا قصمه الله، في إشارة إلا ما يحدث من اضطرابات في أثيوبيا، وهو كلام من ساقط القول، فالله سبحانة وتعالى لا ينحاز للكسالى والخاملين الذين لم يأخذوا بالأسباب الحياتية التي شرعها لهم في كتابه الكريم، وفصلتها تفصيلاً سنة نبيه الكريم عليه الصلاة والسلام .

المحور الثاني : أن بعض قيادات تلك الاضطرابات راحت تستغيث بقيادة مصر التي اعتبرته رمزاً قومياً أفريقياً، وراحت تقطع الطرق المؤدية إلى سد النهضة في محاولة لتحطيمه؛ لإصلاح ما أفسدته الشركات متعددة الجنسيات ومن يقف ورائها من حكومات وأجهزة استخبارات !!.

المحور الثالث : هو محاولة الإيحاء لمزاً أحيانا، وغمزاً أخرى وتلميحاً ثالثة أن وراء تلك الاضطرابات أصابع مصرية لأجهزه تملك قدرات معلوماتية عالية وإمكانات ضخمة لتحريك المنتفضين لتعويق مراحل إنشاء " سد النهضة" المتبقية؛ لتعود أثيوبيا وحلفائها إلي دولتي المصب لـ " تبوس القدم، وتبدي الندم على غلطتها في حقها !! " .

.. والحقيقة أن هذه المناهج من التفكير، وتلك الأنماط المًعلبة من التناول الإعلامي لا تمثل إلا حالة مرضية من "الهستريا الخبيثة"، تلك الحالة التي تختلط فيها الهستريا بجنون العظمة !!

والحقيقة الثابتة أيضا أن معاناة المنتفضين الأثيوبين من "الأورومو" تعود لسنوات طويلة سابقة على " سد النهضة " ومتغيرات الأوضاع في أفريقيا؛ فقد خضع هؤلاء لإجراءات اعتباطية من الاضطهاد والاعتقال والتعذيب والتوقيف لمدد طويلة دون سند من قانون إضافة إلي الحرمان من تولي الوظائف العامة.. ثم كانت القشة التي قصمت ظهر البعير بنزع ملكية أراضيهم .. مصدر رزقهم لصالح سياسات " الشركات المتعددة الجنسيات " وتتويجاً لما حققته تلك الشركات من انتصارات في مجال "حرب المياه"  بإقامة سدود ومشاريع ري لتخدم آلاف الأفدنة المستأجرة من أغنياء  العالم من أراضي دول فقيرة، ونقل المحصول مباشرة لدولهم أو بيعه في السوق العالمي .  

"حرب المياة" بدأت في أواخر الخمسينيات مع بدء إسرائيل في تحويل مجرى نهر الأردن ( 1958 ـ 1968 ) ومع نهاية التحويل الكامل لمجرى النهر تحول الجزء السفلي من المجرى إلي مصرف، .. وتبعتها تركيا في مشروع الكاب على نهري دجلة والفرات لتتحول العراق أغني مناطق العالم من حيث المياه إلى منطقة فقر مائي يهدد أهله بكارثة بيئية .

وبالطبع لم تكن مصر ونيلها غائبين عن المخطط الشيطاني؛ .. ففي مارس 1974 نشرت مجلة " أوت " مقالاً بعنوان : " مياه السلام " للمهندس اليشع كلي مدير التخطيط طويل المدى في شركة تاحال وهي شركة مساهمة إسرائيلية تمتلك الحكومة الإسرائيلية 52 % من اسهمها، ويمتلك الباقي مناصفة الوكالة اليهودية والصندوق القومي اليهودي،  كتب اليشع كلي : "لحل مشكلة المياه التي ستضر اسرائيل لمواجهتها لبضع سنوات قادمة ، ورأى اليشع أن الحل في إحضار مياه من نهر النيل إلى النقب الشمالي " ، وفي إبريل 1974 ومع أول زيارة لمندوب صندوق النقد الدولي لمصر لعرض حزمة من وسائل "الاغتيال الاقتصادي" لمصر، كانت هناك زيارة أخرى متزامنة مع الزيارة المصرية لدولة أثيوبيا لعرض حزمة من  الإجراءات عصبها "بيع المياه" لدول حوض النيل وإسرائيل.
.. وتحققت أولى خطوات الحلم الإسرائيلي في السيطرة على مياه النيل وتحويلها لصالح اسرائيل؛ بإعلان الرئيس السادات في يوم الثلاثاء 27 نوفمبر 1979 أثناء إعطاء إشارة البدء في حفر  ترعة السلام فيما بين فارسكور والتينة عند الكيلو 25 طريق الإسماعيلية ـ بورسعيد.
.. لكن السخط الشعبي حال دون تنفيذ مشاريع السادات وسياسته وانتهى الأمر باغتياله وتعثر إقامة تلك المشاريع؛ وسعت إسرائيل بكل ما أوتيت من وسائل للسيطرة على منابع النيل؛ وكانت تنتظر قيام دولة جنوب السودان لتباشر شراء مياه النيل منها لتصل إسرائيل عن طريق مصر بعد دفع رسوم مرور المياه المقررة لذلك (4 سنت عن كل متر مكعب )، وقد لعب البنك الدولي دورًا مشبوهاً في تنفيذ هذا المخطط؛ حيث سعى إلى تسهيل المخطط لتوصيل المياه إلى إسرائيل وبصورة قانونية ولما حالت مصر دون تحقيق هذا الأمر لجأت إسرائيل إلى ورقة ضغط أخرى هي "سد النهضة" الإثيوبي لخنق مصر .
أصبح " سد النهضة " حقيقة واقعة والمساس بمنشأته هو بمثابة إعلان لحرب عالمية ، ولا عزاء لإعلام " كايدة العزال أنا من يومي " في استخدام "خداع اللغة " للترويج لمعاني زائفة كطرح مصطلح (الأنهار العابرة للحدود) بدلاً من (الأنهار الدولية) و (الاستخدام الأمثل والتوزيع المنصف والمعقول) بدلاً من (توزيع الحصص) ومصطلح (المياه المتصرفة) بدلاً عن (المياه المتدفقة)، وتخدير الجماهير بالترويج لرفاهية الخيال عن "نيل المطالب بالتمني" على طريقة الأغنية الشعبية "يا مين يجيب لي حبيبي " !!