الاثنين، نوفمبر 11، 2013

ياسر بكر يكتب : د. لويس عوض و "فقه اللغة العربية "!!

غلاف كتاب " مقدمة في فقه اللغة العربية "



في الثمانينيات من القرن الماضي .. وبالتحديد في مارس 1985 كنت مكلفاً من قبل إدارة النشر في دار الهلال بإعداد الإخراج الفني لكتاب " من المسرح العالمي " للأستاذ الدكتور لويس عوض والذي قام بتصميم غلافه الزميل الفنان بهجت عثمان الشهير "ببهجاتيوس العظيم" رئيس "جمهورية بهجاتيا " .. وبعد إنجاز العمل كانت مادة الكتاب فد تجاوزت عدد الصفحات المقررة للكتاب والتي أعدت إدارة النشر  دراسة الجدوى بناء على عددها وحددت سعر بيع الكتاب ، وأبرمت التعاقد مع المؤلف؛ ووقع مسئول إدارة النشر في مأزق فإما أن يزيد في عدد الصفحات وتصبح الخسارة مؤكدة، .. وإما أن يقوم المؤلف بالاختصار المطلوب .

.. وذهبت إلى الدكتور لويس عوض في منزله بالشقة رقم 16 بالعمارة 44 شارع القصر العيني لأعرض الأمر ورفض الدكتور لويس قاطعاً مجرد مناقشته ، وارتأى الزملاء في قسم النشر أن هذا عنت منه ، وكنت أرى أن الرجل قد يكون محقاً ؛ فثلاث خبطات في الرأس كفيلة بتهشيمه .. لا أن توجعه ، كما يقول المثل الشعبي المصري ؛ .. فما بالك برجل يرى بعينيه نذر "الخبطة الرابعة" ، وقد كانت ممثله في قرار إدارة النشر بدار الهلال بالامتناع عن نشر كتابه " من المسرح العالمي" ، وأصر الأستاذ بهجت وأنا معه على الحصول على مستحقاتنا المالية .. واعتذرت إدارة النشر بزعم أن الكتاب لم يصدر ، واحتكمنا إلى إدارة الشئون القانونية التي قضت بأننا أنجزنا ما كلفنا به من أعمال وأننا لسنا مسئولين عن سوء تقدير الإدارة ؛ وحصلنا على مكافأة هزيلة !!

كانت " الخبطة الأولى " عندما اعتذرت جريدة الأهرام عن نشر حلقات كتابه بعنوان : " الإيراني الغامض في مصر " .. بعد أن نشرت الجريدة ثلاث حلقات منه .. لم تكلف الأهرام  أحد من المختصين بمناقشة علمية للرجل فيما توصل إليه في بحثه أو الوثائق التي استند عليها .. واكتفت بالاعتذار والمنع ، .. ورفضت الجريدة أن ترد إليه أصول الكتاب بعذر هو أقبح من الذنب وهو : "أنها فقدت "!!، .. ومع المرارة الشديدة في حلق الرجل كانت " الخبطة الثانية " عندما قدم استقالته من الجريدة وتعاقد على نشر كتابه في بيروت، .. وبدأت حلقه جديدة من مسلسل التجريح الشخصي للرجل .. والتشويه المتعمد لإنتاجه العلمي والبحثي، واكتفى الدكتور لويس بالصمت قائلاُ قولته الشهيرة : " أنا لا أناقش من هم دوني .. وليسوا لي أنداداً " .

وكانت الخبطة الثالثة هي صدور كتابه  " مقدمة في فقه اللغة العربية "عن الهيئة العامة للكتاب في يناير 1981 .. وارتأى الرجل في هذا تعويضا عن بعض خسارته .. لكن ذلك الإحساس لم يعش طويلاً  ففى 6 سبتمبر من نفس العام  أرسل مجمع البحوث الإسلامية مذكرة إلى مباحث أمن الدولة تطالب بالتحفظ على الكتاب ومساءلة مؤلفه ومن جانبها طالبت المباحث الهيئة بمنع الكتاب لحين الفصل في أمره بمعرفة قاضى الأمور المستعجلة .

وفى ديسمبر تحددت جلسة أمام محكمة جنوب القاهرة ودفع الأستاذ أحمد شوقي الخطيب محامى الدكتور لويس عوض بأن هذه قضية لغوية تحتاج لتحكيم مجمع اللغة العربية لا إلى مجمع البحوث الإسلامية ، واستجابت المحكمة وشكلت لجنة من د. توفيق الطويل وأحمد حسن الباقوري وعبد الرحمن الشرقاوي ولكن الأزهر رفض هذه اللجنة وقال الشيخ عبد المهيمن الفقي سكرتير المجمع أنه جهة الاختصاص وامتثل القاضي فقد كانت ظروف القضية أحد بؤر التوتر التي تمر بالبلاد بعد اغتيال السادات بما يستلزم بعض الموائمات على حساب حرية البحث العلمي وحق الاجتهاد !!

وحكمت المحكمة بمصادرة الكتاب وتزامن قرار المصادرة مع سريان شائعة مفادها أن د. لويس لم يكتب من كتاب " فقه اللغة العربية " إلا مقدمته وأن الكتاب كتبه القس جورج عطية قنواتي ومجموعة باحثين من الكاتدرائية وهى شائعة تنطوي على سخف الافتراء بحق مفكر مصري شديد الصلابة في دفاعه عن رأيه وحقه في البحث العلمي ولم يثبت عليه يوما أنه قبل الدنية في علمه .. لكن ما ليد حيلة فتراثنا الموروث الذي سنته تجربة ضباط انقلاب يوليو في الاغتيال النفسي لكل من اختلف معنا أو اختلفنا معه !!


.. كنت أرى في شموخ الرجل وصمته وصلابته دروساً لمن أختار الكتابة طريقاً ؛ فالحرف والموقف وجهان لعملة واحدة هي الاختيار .. والاختيار يعني الحرية .. والحرية تعني أنك وضعت لنفسك مقعداً بين صفوف السادة وبين سطور كتاب التاريخ . . كنت أستشعر أن الرجل قد ظلم !! فالرجل قد قال كلمته ، وأن المنطق يقتضى فهم أصول العجز التي تنتباب ما قاله، وفى المقابل طرح المسألة الحقيقية طرحاً محكماً تجريح لشخص الرجل أو إهانته .


تعلمت الدرس من الدكتور لويس ، ـ رغم اختلافي معه فى الكثير ـ، .. وأصبحت مدينا له .. تعلمت أن أحترم عملي ولا أقبل المساس بهيئته التى ارضيتها له وبالصورة التى أخرجته بها ليلقى الجماهير مهما كانت الضغوط والصعوبات والإغراءات والمبررات، واليوم ـ بهذا المقال ـ أرد للرجل دينه وإن كان منقوصاُ دون مجاملة له فى خطأ تورط فيه في مسلسل عثراته الكثيرة.. فعذرا يا أستاذنا على ما قصرنا ولكن كما يقول المصريون : " اليد قصيرة والعين بصيرة " .

قضية " فقه اللغة ":
ـــــــــــــــــــــــــــــــ

القضية التي أثارها د . لويس عوض تفترض أن اللغة العربية كغيرها من كافة لغات العالم مكونة من طبقات شبيهه بالطبقات الجيولوجية والتي اندمجت وتكاملت مع نفسها وانصهرت في هذه البوتقة وخرجت منها هذه اللغة التي نسميها اللغة العربية .
والعرب أنفسهم كان لديهم إحساس غامض بما كان سلفهم يسمونها بالجاهلية الأولى وينسبونها إلى آل جرهم 
والرأي السائد بين علماء اللغة ولاسيما منذ فاندرييس، أنه ليست هناك لغة تحل من الفراغ، فكل شعب يعطى لغته لشعب أخر إنما يعطيه هذه اللغة مع امتصاص بقايا اللغة الأصلية التي يتكلمها هذا الشعب .

المنهج :
ـــــــــــــــ

يعتمد لويس منهج يعتمد على ضرورة امتحان اللغة العربية بتطبيق كافة قوانين الفونوطيقيا ( علم الصوتيات ) ، والمورفولوجيا ( علم الصرف أو علم صور الكلمات ) ، وقوانين الاستيمولوجيا ( قوانين الاشتقاق )، وهذه كلها فرغ علماء اللغة فى أوربا فى إرساء قواعدها في القرن التاسع عشر والثلث الأول من القرن العشرين ، بحيث أن أي دارس للفلولولوجيا ( فقه اللغة ) بحيث يكون مسلحاً بهذه القوانين .

فمثلاً فى اللغتين الانجليزية  والفرنسية تجد كلمتي Day  و Jour وتعنى " يوم " تنتهي إلى أصل واحد رغم التباعد الصوتي بينهم وهذا الأصل هو كلمة Dies اللاتينية بمعنى يوم ، فخرجت كلمة Day في خط مستقيم ، أما كلمة Jour فخرجت من أحد تصريفات كلمةDies  وهو Djurnus أى يومي باللاتينية وسقطت نهاية الكلمة لأنها علامة التنوين وبقيت الكلمة Jour .
ويتوصل لويس في نتائج بحثه إلى أن العلاقة بين اللغة العربية ومجموعة اللغات الهندية ـ الأوربية ليست علاقة ألفاظ مستعارة كما كنا نتعلم عن الألفاظ الأعجمية في القرآن ، ويؤكد أن السبب ليس الاستعارة ولكن ـ حسب قوله ـ وحدة في الأصل بين المجموعة السامية والمجموعة الهندية الأوربية والمجموعة السامية ممثلة فى أصغر بناتها وهى اللغة العربية حيث أن الكثير من الألفاظ تتوافر فيها وحدة الأصل كأسماء الأعداد والقرابة ووحدة الأصل هذه سابقة على عصور الهجرات من الموطن الأسيوي للمجموعة السامية والمجموعة الهندية ـ الأوربية .

 وأن اللغة العربية مبنية على طبقات جيولوجية أي سبيكة من تراكمات أربعة آلاف سنة حتى قبل استيطان العرب لشبة الجزيرة العربية .  

وينتهي د . لويس إلى أن فقه اللغة العربية قد مضى في منطق علمي إلى وقوع المعركة بين السنة والأشاعرة من جهة وبين المعتزلة من جهة أخرى وهى المعركة المعروفة بقدم القرآن كما يقول الفريق الأول وخلق القرآن كما يقول الفريق الثاني ، ولأن المعتزلة يقولون ذلك فقد قالوا أيضا أن اللغة العربية مخلوقة والفارق كبير بين تقديس اللغة لدى القائلين بقدمها وبشرية اللغة عند القائلين بخلقها ، وقد انبنى على القول بقدم اللغة في اللوح المحفوظ القول باستحالة أن تكون هناك وشائج بينها وبين أية لغة أخرى من لغات العالم اللهم إذا كانت هي مصدر تلك اللغات، وأن هذه اللغات قد أخذت منها وليس العكس .
ويخلص المؤلف أن هذا غير ثابت علمياً، وهو الأمر الذي أثار اعتراض مجمع البحوث الإسلامية لكونه طعنا ـ على حد رأى المجمع ـ في القرآن الكريم والسنة الشريفة .

بناء نظرية كبيرة 
على خطـــأ صغير:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ


هذا لا يعفى الدكتور لويس عوض ( أستاذ الأدب الانجليزى ) من أنه تصدى لموضوع بحث لم يمتلك أدواته ؛ فاللغة العربية من اللغات الصعبة التى لا تفضي بدقائق أسرارها لغير أبنائها من المختصين ؛  لذا بقي المستشرقين الذين حاولوا الدخول إلى علوم الشرق عبرها خارجين عن حدود الشرق بثقافته ومفاهيمه ، وبقي الشرق عصياً عليهم؛  .. فضمن طرح لم يخرج عن الأطر التقليدية للإستشراق في تسعة مقالات نشرت في جريدة الأهرام سنة 1964 بعنوان : " على هامش الغفران ـ شيء من التاريخ " ينسب الدكتور لويس عوض إلى أبى العلاء المعري أنه طاف بين حلب وأنطاكية واللاَّذقية وطرابلس، يتعلم على أيدي الرهبان يثقفونه باليونانيات من أدب وفلسفة وأنه لقي بدير الفاروس بأنطاكية راهبا درس له الفلسفة وعلوم الأوائل، فأخذ عنه ما شكَّكه في دينه وفي غيره من الدِّيانات"، ـ وهذا ليس عيباً ـ لكنه لم يحدث ولم يستطع د. لويس عوض أن يقيم عليه دليلاً، .. ثم فى سبيل المضى في خطة بحثه وفقا لما خطط لها يعود مرَّة أخرى إلى قصيدة "سقط الزند"، التي أخذ منها بيتا من خلال أبيات يذكر فيها شيخ المعرة الإبل، ويصف ما لاقته نهارا في البيداء من هَجير وظمأ، وما رعت ليلا من صِلِّيَان (وهو نبت له جذور ضخمة في الأرض، تجتثها الإبل بأفواها فتكلها مِن شدة حبها لها، فإذا كانت رطبة أساغتها، وإذا كانت يابسة غصت بها؛ أي: شرقت)، فلم ير  به إلا "الصُّلبان" جمع "صليب" "تغص بها حلب" فكتب البيت هكذا:

صَلِيَتْ جَمْرَةَ الْهَجِيرِ نَهَارًا        ثُمَّ بَاتَتْ تَغَصُّ بِالصُّلْبَانِ 
استبدل  الدكتور لويس عوض كلمة  " الصليان " بـ " الصلبان " وبنى نظريته  الضخمة على هذا الخطأ  التافة !!

المعلم يعقوب : 
ـــــــــــــــــــــــ


.. وأيضا حاول لدكتور لويس عوض في كتابة بعنوان : "تاريخ الفكر المصرى الحديث " أن يمحو عن المعلم يعقوب وصمة الخيانة للأمة المصرية وخطيئة العمالة للاحتلال الفرنسي، فحاول أن يلبسه ثوب الفرسان وأن يجعل منه صاحب رؤية ونظرية وداعية من دعاة الاستقلال عن المماليك والعثمانيين جميعًا، عن طريق تكوين جيش مصري مدرب على الطراز الغربي يكون أداة لاستقلال مصر.


وهي محاولة لا تقوم على سند صحيح من التاريخ، وتصور يناقض كل روايات المؤرخين المعاصرين للحملة الفرنسية، سواء كانوا من المصريين أو الفرنسيين أنفسهم المحفوظة في قسم وثائق " جيش الشرق " في محفوظات الحربية الفرنسية؛ فالمعلم يعقوب في ضوء كل الروايات قبطي خائن .. كما أن المؤرخ القبطي يعقوب نخلة روفيلة في كتابه بعنوان : " تاريخ الأمة القبطية" يروى عن غضبة البطريرك من ومنععه من التناول لأسباب تتعلق بالأنتماء الديني ومخالفة تعاليم الكنيسة ، ولا علاقة لها من قريب أو بعيد بالأنتماء الوطني كما يحاول بعض الكتاب الأقباط الترويج لها زوراً تحت عنوان : " الدور الوطني للكنيسة " !!


"الصمد " تعنى "التثليث "!! :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفى السياق ذاته .. زعم  الدكتور لويس عوض في كتابه بعنوان:   " مقدمة في فقه اللغة العربية "ـ ص 304 ـ إن لفظ "الصمد" يدل على التثليث!!.. لكون كلمة "الصمد"مأخوذة من "خمتو" المصرية القديمة التى تعنى الرقم 3 ، وأن معظم الأرقام متقاربة بين العربية والمصرية القديمة، ويدلل على ذلك بأن "وع" تقابل الرقم واحد، وسنو تقابل الرقم اثنان، وسفح تقابل الرقم سبعة ..وهو طعن صريح في الآية الكريمة : " قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ { 1 } اللَّهُ الصَّمَدُ { 2 } لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ { 3 } وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ { 4}" ،ولم يستطع  الدكتور لويس عوض أن يقيم دليلاً على ما أورده أو يبين وجه الشبة بين  كلمة "الصمد"وكلمة "خمتو"..  مكتفيا بكلام مرسل منقطع الصلة بكل ما هو علمي .. كان هذا مأزق الرجل أنه أقحم نفسه في مسألة شديد الحساسة .. ولغتين ( العربية والهيروغليفية ) لا يدرى عن دقائقهما  الكثير ما يؤهله لإقامة علاقة البحث!!

الافتراء على الرجل :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
.. سقط الدكتور لويس عوض كثيراً في مأزق المغالطة التي اوردنا بعضا منها سواء كان ذلك بالغواية أو الغفلة أو الجهالة أو نقل الجهالة ، وسقط خصومة أحيانا ًفي شرك الافتراء على الرجل الذي بدا واضحاً لعدة أسباب :

1 ـ أن الرجل لم يقل أن القول : " بقدم اللغة ، والقول باستحالة أن تكون هناك وشائج بينها وبين أية لغة أخرى من لغات العالم اللهم إذا كانت هي مصدر تلك اللغات، وأن هذه اللغات قد أخذت منها وليس العكس" خطأ .. ولكنه قال : " لم يثبت علميا "، وكلنا ندرك أن ما يثبت علمياً اليوم ، قد يثبت غداً ، فنحن لا نعلم بما يحدث بعد برهة ..وأيضا قد لا يثبت أبداً !!

2 ـ  أنه ليس من حق مجمع البحوث الإسلامية طلب مصادرة كتاب؛ فالقانون الذي يحكم نشاط الأزهر هو القانون رقم 103 لسنة 1967 بشان إعادة تنظيم الأزهر والهيئات التي يشملها ولائحته التنفيذية الصادرة بقرار رئيس الجمهورية رقم 250 لسنة 1975 ، وهذا القانون لا يخول للأزهر بكل هيئاته أي حق في طلب مصادرة أي كتاب أو عمل فني، وكل ما لمجمع البحوث الإسلامية ـ إحدى هيئات الأزهر ـ طبقا للفقرة 7 من المادة رقم 17 من اللائحة التنفيذية هو : " تتبع ما ينشر عن الإسلام والتراث الإسلامي من بحوث ودراسات في الداخل والخارج للانتفاع بها وبما فيها من رأي صحيح أو مواجهتها بالتصحيح والرد " .
فالكتاب يرد عليه بكتاب ، والبحث يفند ببحث، والمقال يناقش بمقال .

3 ـ كانت أسباب المحكمة قاصرة عندما رضخت لإرادة ممثل مجمع البحوث الإسلامية بما جعل منه خصما وحكماً ينفرد بكتابة تقرير المصادرة ، أي أن المحكمة أسندت مهمة خبراء وزارة العدل إلي الخصم .

4 ـ أن محامي دكتور لويس عوض وقع تحت إرهاب جنرالات التطرف؛ فآثر السلامة فلم يستأنف الحكم .

***

يرحم الله الأستاذ الدكتور لويس عوض .. فقد أجتهد وأخطأ ، فليحظى بأجر المجتهد الذي لم يصادفه التوفيق، ولنترك نواياه لخالقه،  .. وأن نقرأ كتابه في مساجلة علمية مكانها الجامعات وليس ساحات المحاكم .



الخميس، أكتوبر 31، 2013

ياسر بكر يكتب : أريد آلا أريد

يقول الشيخ الأكبرمحيى الدين بن عربى :" الطارق مفارق " .

أى من يريد أن يطرق باب الله يدير ظهره عن شواغل الدنيا ، وهو ما فسره سيدى عبد القادر الجيلانى بمقولة :

قلت يا رب، أريد أن آت إليك
قال : اترك نفسك وتعال
فلما اتيت إليه، قال : كيف أتيت؟
قلت : تركت الدنيا وراء ظهرى.
قال : هى عندى لا تساوى جناح بعوضة، ماذا تريد ؟
قلت : أريد آلا أريد

***

يا رب ، أنت رب المستضعفين وربى، أريد آلا أريد، .. اللهم قدر لى الخير وبارك لى فيه ورضنى به، اللهم ارحم غربتى فى الدنيا ووحشتى فى القبر ووقفتى بين يديك يوم يقوم الحساب ..آمين

ياسر بكر يكتب : الأولياء .. النظرة برَجُل !!

الأولياء ، هم رجال الله .. صدقوه ما عاهدوا عليه .

فسلكوا الطريق إليه ، وفى مدارج السالكين الكثير من أسرار أهل التمكين، التى تجتذب أهل البداية؛ ولأن الإنسان عجولا وظلوماً جهولا؛ فالأسرار تثير الفضول، والفضول طريق الغواية .. الغواية طريق الضلال ؛ .. وما منا إلا وله مكان معلوم ،.. فإذا أردت أن تعرف مقامك، فانظر أين أقامك ؛  فأهل التمكين إذا اقتربوا  من نبع النور ، عبوا منه ، وسبحوا، واخترقوا ، ولو اقترب أهل البداية لفنوا واحترقوا ..

.. وانعكاس النور على صفحة وجوه أهل التمكين عظيم لذا كانت المقولة الصوفية فى تحذير المتنطعين من أهل الفضول : " النظرة برجل " .. أى الموت أو الجنون جزاء كل من لم يحفظ أدب النبوة، ولم يستطيع صبرا، واجترء على ما لم يحط به خبرا من أسرار الألوهية ..، لذا عاقب الولىّ النبى بالطرد من حضرته بقوله : هذا فراق بينى وبينك .

لدينا من الحكايات ثلاث..

الحكاية الأولى :
ـــــــــــــــــــــــــ

عندما قَدِم سيدى عبد القادر الجيلاتى إلى بغداد ، سأل عن أهل العلم والولاية ، فدلوه على سيدى حماد الدباس، فذهب إليه، فلما طرق بابه ، وفتح الدباس،  وقع نظر الجيلانى على وجه الشيخ ، خر الجيلانى مغشياً عليه، .. فلما أفاق ظل خمسة عشر عاما هائماً على وجهه فى الأحراش والقفار تائهاً فى بحار الجذب تتلاطمه أمواجه كقشة فى اليم حتى أتى أمر الله، فعاد إلى المدينة والتزم مجلسه فى حلقة الدرس، ولم يفتح فاه، ولم يبح بسر، فإفشاء سر الألوهية عند المتصوفة كفر .

فكما يقول سيدى أبو اليزيد البسطامى :


قد كان ما كان  لكن لست أذكره *** فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر


وكما يقول سيدى شهاب الدين السُهروردى ( المقتول )  :


إن بحت بالسر ، يباح دمى *** وكذا دماء العاشقين تباح



الحكاية الثانية :
ـــــــــــــــــــــــــ

اغتر أحد أهل البداية بما رأى من " البروق اللامعة "، والبروق اللامعة مبادئ ظهور أنوار التجليات على أهل البداية؛ فذهب الرجل إلى سيدى أحمد البدوى الذى كان يحرص على أن يضع لثاماً على وجهه حتى لقب بالملثم وقال : " دعنى أرى وجهك " ، فقال البدوى :

" النظرة برجل .. هل تريد أن ترى وجهى ؟ ".

رد الرجل بالإيجاب، .. أماط البدوى بعضاً من اللثام  فسقط الرجل ميتا . 

الحكاية الثالثة :
ـــــــــــــــــــــــــ

قال بعض أصحاب سيدى أبى اليزيد البسطامى : " كان عندى شاب صغير ملازم الخلوة فقلت له : هل رأيت أبا يزيد ؟ "

ـ قال : " رأيت الله فأغنانى عن أبى يزيد . "

فكررت عليه القول .. فخرجنا نطلب أبا يزيد، وإذا به قد خرج من النهر، وفروة مقلوبة على كتفه، فلما رأه الشاب صاح ومات، فقلت لأبى يزيد :

ـ ما هذا ذكر أنه يرى الله وما مات ، يراك يموت !! "

ـ قال : " نعم ، كان يرى الله على قدر حاله، فلما نظر إلىّ رأى الله على قدر حالى ، فلم يثبت ومات . "

***

يا سبحان الله .. فكم لله من لطف خفى  لمن لم يقدروا الله حق قدره وهو سبحانه أقرب إليهم من حبل الوريد

ياسر بكر يكتب : .. مَجَانِيـنُ عَلى أعْتَابِهم يَسْجُدُ العَقْلُ

هل أنت من المصلين ؟!

كثيرون يحرصون على أداء الصلاة فى أوقاتها .. لكنهم ليسوا من المصلين !!

إن الله طيب لا يقبل إلا طيب، وليس بظلام للعبيد ، .. فامتحن نفسك واتهم عملك !!

.. ففى هذه الواقعة الإجابة .. تلك الواقعة التى دارت مجرياتها بين سيدى أحمد البدوى وشيخ الإسلام ابن دقيق العيد .

***

كان الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد قاضي القضاة بالديار المصرية قد سمع من العوام بالشيخ أحمد البدوى وأحواله وكراماته، فسافر إلى طندتا ليقف بنفسه على حقيقة الرجل ، فلما التقاه أفزعه احمرار عينى الرجل كأنهما بركتين من الدم وحدثته نفسه : " أنه ربما بهذا الرجل  مس من الجنون " !!

وقبل أن يفيق من حديث النفس فوجئ بالبدوى يقول :


مَجَانِيـنُ إِلا أنَّ سِـرَّ جُنُونِهـمْ  *** عَجِيبٌ عَلى أعْتَابِهم يَسْجُدُ العَقْلُ


وأمام هذه الحال من الكشف ، قال ابن دقيق العيد : يا أحمد! هذا الحال الذي أنت فيه مخالف للشريعة ، فإنك لا تُصلّي، ولا تحضر الجماعة! 

فرد البدوى : .. وهل انت من المصلين ؟!

ـ ابن دقيق العيد : نعم

ـ البدوى :هل قرأت قوله تعالى :" إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (23) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ (24) لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25)  ..فهل أنت من المصلين ؟! 

ـ ابن دقيق العيد : احسبنى منهم .

ـ البدوى : لست منهم ، فقد طلب إليك أحد تلاميذك ثوبا يستر بدنه وفى خزانة ثيابك أربعون جبة، فلم تعطه سوى خرقة تأكلت أطرافها، فهل أنت من المصلين ؟! .. اذهب يارجل وانشغل بحالك عن أحوال الخلق ، وداوى عيب نفسك ، ولا تنسى أن تصلح خطئين فى نسخة مصحفك.

***
وجد بن دقيق العيد نفسه فى حضرة رجل يكشف له ما خفى عنه من أحواله ولولا أدب الولاية لفضحه ، وعندما عاد إلى القاهرة تفحص مصحفه ليكتشف خطئين وقع فيهما الناسخ .... يا سبحان الله ، طوبى لمن شغلته أحواله عن أحوال الخلق .

السبت، أكتوبر 26، 2013

ياسر بكر يكتب: .. تأملات فى سورة الكهف


  • من هو فتى موسى ؟ .. ومن هو العبد الصالح ؟
  • .. وهل الولى أعلى مكانة من النبى حتى أصبح الولى معلم النبى ؟!.. وهل معارف الأولياء أرقى وأعمق من معارف الأنبياء ؟!

صباح الخير .. أوصانا سيد الخلق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بقراءة سورة الكهف فى ليلة الجمعة أو نهارها.. ولأنه الرحمة المهداة فكل ما صدر عنه  من قول أو فعل أو تقرير حمل للبشرية الخير كله ، وبواعثه،؛ ففى سورة الكهف دروس كثيرة منها :

ـ إن أتاك الله علماً ؛ فاحذر فتنة العلم، فلا تغتر ؛ فإن فوق كل ذى علم عليم .

ـ ..وإن أصابك مكروه فلا تجزع، وعليك بالتسليم بالقضاء والرضاء بالقدر كله خيره وشره لأنه كم فى قضاء الله من لطف خفى .. وكم من محنة فى ظاهرها هى فى حقيقتها منحة، وكم من منحة هى فى محنة .. فأحيانا يكون المنع عطاء .. والعطايا بلاء .. ولا يعلم غيب ربك إلا هو  ، وكان قدر الله سبحانه وتعالى قدراً مقدورا .

***

.. ولنبدأ بالتوقف عند الآية الكريمة :


"فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَٰذَا نَصَبًا "

.. فتى موسى هو يوشع بن نون وقد ارتضى صحبة سيدنا موسى يخدمه ويتلقى عنه العلم  .. وكان سيدنا موسى قد وقف فى بنى إسرائيل خطيبا ..فأفصح فى كلامه ردا على سؤال أحدهم : أنه أعلم أهل الأرض،  فبعث الله جبرائيل إليه فقال :  إن الله يقول :

وما يدريك أين أضع علمى ؟ بلى على شط البحر رجلاً أعلم منك.

  وبدأت رحلة سيدنا موسى وفتاه فى البحث عن من هو أعلم منه بالتوجه إلى المكان المحدد.. وفى هذه الرحلة كان سيدنا موسى متبوعاً،.. ولكن بعد أن ألتقى  بالعبد الصالح تتبدل الأدوار فيختفى فتى موسى من المشهد ويصبح موسى " فتى " تابعاً للعبد الصالح ،  ..وهنا يضعنا القصص القرآنى أمام حالة من الإثارة والعجب ؛ فجوهر العملية التعليمية دائما وأبدا تقوم على علاقة جدلية بين المعلم والمتعلم وتبدأ بالسؤال وتنتهى بالجواب، وأهم وسائل إنجاحها أن جرأة  التلميذ على السؤال فيما غم أو أشكل عليه ، وقدرة المعلم على الإجابة، و حث تلاميذه  على التساؤل عما يجهلون .. ولكننا هنا أمام حالة يشترط فيها المعلم على المتعلم  شرطاً يبدو غريباً بقدر فهمنا البشرى لطبائع الأمور :

"قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا"

ولكننا نتجاوز هذا الشرط ؛ فسيجيب القصص القرآنى عليه فى تسلسل السياق،  ونتوقف مع الآية الكريمة :


" فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا"


وكلمة (رحمة ) فهذه الآية الكريمة تعنى (النبوة ) .. ويقول سيدنا ابن عباس رضى الله عنه وأرضاه عن رحلة سيدنا موسى وفتاه للقاء العبد الصالح :

"لما ظهر موسى وقومه على مصر نزل قومه مصر ، فلما استقرت بهم الدار أنزل اللَّه عليه أن:

{ ذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّه }

فخطب موسى فى قومه، فذكر ما الله أتاهم من الخير والنعمة وذكرهم إذ نجاهم الله من آل فرعون وذكرهم هلاك عدوهم وما استخلفهم الله فى الأرض وقال : كلم الله نبيكم، تكليما واصطفانى لنفسه،  وانزل على محبة من عنده، وأتاكم كل ما سألتموه ، فنبيكم أفضل أهل الأرض، وأنتم تقرأون التوراة ، فلم يترك نعمة أنعمها الله عليهم إلا ذكرها وعرفها إياهم ، فقال له رجل من بنى إسرائيل : هم كذلك يانبى الله قد عرفنا الذى تقول، فهل على الأرض أحد أعلم منك يانبى الله؟، فقال : لا

فبعث الله جبرائيل إليه فقال :  إن الله يقول : وما يدريك أين أضع علمى ؟ بلى على شط البحر رجلاً أعلم منك.


روى البخاري، عن أُبي بن كعب رضي اللّه عنه، أنه سمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: (إن موسى قام خطيباً في بني إسرائيل، فسئل أي الناس أعلم؟ قال: أنا، فعتب اللّه عليه إذ لم يرد العلم إليه، فأوحى اللّه إليه إن لي عبداً بمجمع البحرين، هو أعلم منك. قال موسى: يا رب كيف لي به؟ قال: تأخذ معك حوتاً فتجعله بمكتل فحيثما فقدت الحوت فهو ثم، فأخذ حوتاً فجعله بمكتل وانطلق معه فتاه يوشع بن نون عليه السلام، حتى إذا أتيا الصخرة وضعا رءوسهما فناما، واضطرب الحوت في المكتل فخرج منه فسقط في البحر، فاتخذ سبيله في البحر سرباً، وأمسك اللّه عن الحوت جرية الماء، فصار عليه مثل الطاق. فلما استيقظ نسي صاحبه أن يخبره بالحوت، فانطلقا بقية يومهما وليلتهما، حتى إذا كان من الغد قال موسى لفتاه: { آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا} ، ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمره اللّه به، قال له فتاه: { أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا} ، قال فكان للحوت سرباً، ولموسى وفتاه عجباً، فقال: { ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا} قال، فرجعا يقصان أثرهما حتى انتهيا إلى الصخرة، فإذا رجل مسجى بثوب، فسلم عليه موسى، فقال الخضر: وأنى بأرضك السلام؟ فقال: أنا موسى، فقال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم، قال أتيتك لتعلمني مما علمت رشداً { قال إنك لن تستطيع معي صبرا} يا موسى، إني على علم من علم اللّه علمنيه لا تعلمه أنت، وأنت على علم من اللّه علمكه اللّه لا أعلمه.


من هو العبد الصالح :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

هو : يليا بن ملكان بن فالخ بن غابر بن شالخ بن ارفخشند بن سام بن نوح عليه السلام وهو المسمى بـ (المخصوص المعمر ) وذلك لأنه شرب من ماء عين الحياة ، وسمى بالخضر لأنه ما صلى على أرض إلا اهتزت واخضرت .

ويطلق عليه المتصوفة : " الوتد " و " مداوى المكلوم " .

الولى والنبى :
ـــــــــــــــــــــــ

وتلك القصة من القصص القرآنى . . دفعت البعض إلى التساؤل : " هل الولى أعلى مكانة من النبى، حتى أصبح الولى معلم النبى ؟!.. وهل معارف الأولياء أرقى وأعمق من معارف الأنبياء ؟!

..والإجابة المتعجلة لبعض البسطاء من عامة المتصوفة غالباً ما تكون بالإيجاب ..!! ،فكلهم بغير استثناء يرى شيخه قطب الوقت الذى يتجرى بأنفاسه الدهور ...وفى الإجابة ما ينطوى على الخطأ؛ فكيف يكون الولى أعلى مرتبة من النبى الذى شرح الله له صدره فعب من عباب المعرفة .. والحقيقة التى يغفل عنها هؤلاء أن الأنبياء والرسل من أول سيدنا آدم إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم يمثل كل منهم حقيقتين متلازمتين ، حقيقة كونه نبى ورسولا مهمته إبلاغ رسالته للبشر بلغة مفهومة للبشر على تفاوت مستوياتهم فى الفهم ، والحقيقة الثانية كونهم أولياءعارفين يتلقون معارف قلبية لا يستطيعون كشفها ، مكتفين بأداء الرسالة التى كلفوا بأدائها للبشر وفى حدود ما يعيه عقل البشر .. فالكلام فى مقام النبوة والرسالة لا يكون إلا فى الوقت المعلوم وبإذن من الله لقوله سبحانه وتعالى :

"فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ "

ولقوله سبحانه وتعالى :

"وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ۚ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَىٰ أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَٰذَا رَشَدًا "

وسبب نزول هذه الآية هى قول النبي صلى اللّه عليه وسلم لما سئل عن قصة أصحاب الكهف: (غداً أجيبكم)، ولم يقل إن شاء الله ؛ فتأخر الوحي خمسة عشر يوماً.

..وفى مقام الولاية ، يقول الشيخ الأكبر محى الدين بن عربى : أن كشف الولى يكون على حد قدره ، لا على حد قدر الحقيقة فى ذاتها ..ويقول الشيخ أيضا فى شرح الآية الكريمة : "إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ " إنه حديث الولى فى غير الوقت المعلوم وبغير إذن .. فيصبح إنكاراً للمعلوم بما يجعله منكراً كصوت الحمار أوله شهيق وآخره زفير؛ بما يوقع الولى بما فاه تحت سيف الشريعة مثلما هو الحال فى حالة الحلاج.

وهو ما أوجزه العبد الصالح عند فراق سيدنا موسى فى تفسير شرط عدم السؤال .. الذى أرجعه لانفراد كل واحد منهما بمقامه الذى هو عليه بقوله : " يا موسى، إني على علم من علم اللّه علمنيه، لا تعلمه أنت، وأنت على علم من اللّه علمكه اللّه، لا أعلمه."

.. وفى هذا المعنى يقول فضيلة الشيخ الشعراوى فى خواطره الإيمانية أن الخضر قال لسيدنا موسى ما معناه :".. فهذا عِلْم ليس عندك، فعِلْمي من كيس الولاية، وعلمك من كيس الرسل، وهما في الحقيقة لا يتعارضان، وإنْ كان لعلم الولاية عِلَل باطنة، ولعلم الرسالة عِلَل ظاهرة."



الأحد، أغسطس 04، 2013

ياسر بكر يكتب : عندما نواجه بالجنون !!


بالعقل .. وبهدوء .. ومن غير زعل .. ( وفى حدود المعلومات المتاحة ، فليس لأحدنا أن يدعى أنه : أبو العُرّيف ) !!

الأخوة الأصدقاء :تعالوا إلى كلمة سواء ألا نُعلى سوى مصلحة الوطن؛ فعندما نواجه بالجنون؛ فلا خيار أمامنا سوى أن نتذرع بالحكمة.

.. الجيش قام بانقلاب يوم 3 يوليو احتجاجا على سياسات الرئيس المنتخب الأستاذ الدكتور محمد مرسى ، .. الجيش لم ينجح فى توفبر غطاء من إرادة شعبية لانقلابه فاستعان ببعض الأرتيستات ، وبعض رجال الأعمال من الفلول وعمال مصانعهم ، ودفع بالعديد من جنود الأمن المركزى وعساكر الجيش فى ملابس مدنية، .. ولكى تكتمل الصورة أرسل الفريق السيسى طائرة حربية لتحضر شيخ الأزهر من بلدته القُرنة ، محافظة الأقصر، ولم يكذب الرجل الطيب خبراً، وخرج علينا مؤيداً للانقلاب بزعم أن خُيير بين ضرريين فاختار أيسرهما!! .. ولم يمضى سوى يومين فقط ..، وارتكب السيسى مجزرة الحرس الجمهورى ( المجزرة الأولى )، ففطن الشيخ المخدوع إلى أنه وقع فى خطأ اختيار أغلظ الضررين ؛ وأنه سلم عمامته الشريفة للعسكر يلعبون بها الكرة ويركلونها بأحذيتهم ليحرزوا أهدافاً فى مرمى الفتنة !! ؛ فأعلن اعتكافه فى داره ، ولكنه لم يفعل، ولن يفعل !!!!!!!، .. ثم كانت مجزرة الساجدين فى صلاة الفجر فى رابعة العدوية ( المجزرة الثانية ) ، ولم يعتكف شيخ الفتنة، ولن يفعل !!!!!!!؛ فعلى قدر أهل العزم تأتى العزائم ... وعلى قدر أهل الفساد تأتى المفاسد .

.. ثم وفجأة وبدون سابق إنذار يخرج علينا شيخ الفتنة معلنا أن يتبنى بدعة أسماها ( المصالحة الوطنية ) متناسياً أن الشروط الشرعية للمصالحة هى رد المظالم، واستعادة الحقوق المغتصبة، والحفاظ على المواقع الشرعية والقانونية لكل أطراف النزاع ، وإذا لزم الأمر قتال الفئة الباغية حتى تفيئ إلى أمر الله !!

.. واستعان السيسى  وبتوصية أمريكية ببطريرك الكنيسة لدعم فاعليات الانقلاب والذى أمر بدوره الموتورين من المسيحيين الحالمين بطمس هوية مصر التاريخية الإسلامية بالنزول إلى التحرير، كما استعان السيسى بحزب النور المُقّيد على أوراق الكفالة  السعودية باعتبار المملكة هى الدولة العربية الأولى الداعمة والممولة للانقلاب .. والتى بادرت فى فورة هلعها بعد ثورة 25 يناير 2011 إلى دعم ذلك الحزب لنشر تخلف المذهب الوهابى القادم من فجاج البادية إلى  مصر .. 

.. وبالطبع لم تبخل إسرائيل بتقديم الدعم الفنى وإسداء النصح، .. ولا مانع من ارسال ملك الأردن مبعوثاً خاصاً للموساد ببعض التوصيات العاجلة التى لا تحتمل التأخير!!

.. المُهم ما علينا .. تعالوا إلى بيت القصيد .

.. طيب ، الجيش عمل الانقلاب واللى كان كان .. راحت السكرة ، وجت الفكرة .

.. هل قدم الجيش بدائل لتلك السياسات التى انقلب عليها، والتى من المفترض كونها خاطئة ؟! ، الإجابة : بالطبع  لا ، .. الجيش حتى الآن لم يقدم مشروعاً وطنياً لحل مشاكل مصر الاقتصادية والسياسية ، ولا يملك ..!!؛ فازدادت الأمور سوءا وتعقيدا !! .. ، وبالتأكيد لن يستطيع فى القريب العاجل ، وهو ما سيعرضه لحتمية انقلاب الجماهير عليه ، بما ينذر بما لا يحمد عقباه ويستغرق سنوات لإعادة بنائه خاصة مع انهيار القطاع العام الداعم الرئيس فى بناء القوات المسلحة بعد هزيمة يونيو 1967!!

.. ولم يسعى الجيش إلى امتلاك المفاتيح الحقيقة للسلطة من خلال الاستعانة بالخبراء من ذى الكفاءة وعمق البصر ونفاذ البصيرة وتوظيفهم فى تحقيق بعض مطالب الجماهير ( التى تئن ولم تجد من يحنو عليها أو يرفق بها حسب ما جاء فى بيان الانقلاب ) بهدف خلق قاعدة مؤيدة للانقلاب .. بل ـ للأسف ـ بالغ فى استكمال مظاهر وديكور مسرح الانقلاب ،فأتى برئيس جمهورية من الدار للنار .. راجل طيب وطوع " ولا بيهش ، ولا بينش ، ولا حد بيسمع له صوت !! " ، وزاد الطين بلة وجاب رئيس وزراء لا يملك أية قدرة على الإبداع أو تقديم حلول مبتكرة، .. وثبت فشله فى وزارة سابقة ، وأعضاء وزارته لا يصلحون لإدارة محل فول وطعمية ؛ فتأخر صرف العلاوة الاجتماعية الدورية للموظفين ، وتم خفض نسبة 15% التى قررتها الحكومة السابقة  زيادة فى المعاشات إلى 10% فقط وهى بادرة لا تبشر بخير .. ومع ذلك بلع أخونا اليسارى البدرى فرغلى لسانه ولم ينطق ببنت شفة ولعل المانع خير !! ، .. وتأخر صرف المقررات التموينية ويتم الاقتراض اليومى لتسيير الأعمال مع تناقص رصيد النقد الأجنبى !!

..وزاد من ارتباك المشهد تنامى الرفض الشعبى للانقلاب من التيارات الإسلامية ، وبعض طوائف الشعب المصرى التى تؤمن بقيم الحق والعدل والديمقراطية ، وأن لرئيس المنتخب ليس عامل باليومية لتتم محاسبته أخر النهار ، ولكنه مثل غيره من الرؤساء فى كل الدول التى تنتهج قيم ومعايير الديمقراطية الراسخة تتم محاسبة الرئيس فى أخر المدة بإعادة انتخابه أو إسقاطه !!

ويبقى السؤال : أيهما أجدى فى ظل هذا الوضع المزرى ، أن يتراجع الجيش عما ارتكبه من حماقة .. أو يتمسك بمقولة جنرالاته :  لا عودة إلى الوراء وأنه وعلى طريقة ( صولات المِخلة ) لن يرجع فى أمر أصدره ولو كان خطأ ؟!!، صدقونى يا سادة : إذا لم تفطنوا لحقيقة الواقع على الأرض ستكونوا أنتم الوراء !!، .. من قبل أعطى الأمريكان لصدام حسين الضوء الأخضر لغزو الكويت وعند الجد تركوه لقدره .. اليوم فى مصر أعطى الأمريكان السيسى الضوء الأخضر للإنقلاب ، والأن تركوه لمصيره فى مواجهة شعب يطالب بحقه فى الحياة .. مصير السيسى ستكشف عنه الأيام القادمة بإذن الله .

 أخيراً وليس أخراً

  .. اترك لكم الحكم .. أقصد اترك لكم حرية اتخاذ القرار حتى لا يفهمنى أحدكم خطأ ؛ فيسطو على صفحتى مستعينا بخبرات الفريق السيسى فى السطو المسلح والهمجية وإراقة الدماء!!