الاثنين، فبراير 20، 2012

ياسر بكر يكتب : صعود الصورة ـ الفصل الثالث

الفصل الثالث :

صعود الصورة

لم تكن الكلمة أبداً محايدة فالحياد وهم، لأننا بشر ؛ نرصد الإنسان بأحاسيسنا وانفعالاتنا ونتفاعل معه حبا أو كرها، حماسا أو فتورا، فإذا ما أضفنا إلى ذلك عوامل الالتباس فى اللغة والاستبداد السياسى وفساد بعض الذمم الصحفية؛ لبدا شق الكلمة مائلا إلى هبوط فى مواجهة شق الصورة، وهو ما أوضحه الشيخ محمد عبده فى أن الصورة : "... قد حفظت من أحوال الأشخاص فى الشئون المختلفة ومن أحوال الجماعات فى المواقع المتنوعة ما تستحق به أن تسمى ديوان الهيئات والأحوال البشرية، يصورون الإنسان والحيوان فى حال الفرح والرضا والطمأنينة والتسليم، وهذه المعانى المدرجة فى هذه الألفاظ متقاربة لا يسهل عليك تمييز بعضها عن بعض ولكنك تنظر فى رسوم مختلفة فتجد الفرق ظاهرا وباهرا".
وقد اتفق ما قاله الشيخ محمد عبده مع ما ذهب إليه خبراء الإعلام من أن الصورة هى عبارة عن: "جملة مرئية مفيدة تسجيليا أو إبداعيا أو الاثنين معا كتبت ضوئيا كنص مرئى" من خلال لغة بصرية يقرؤها جميع البشر دون استثناء، لأنها تتجاوز حدود اللغات وحواجز الثقافات، فهى بذاتها أبجدية كونية، تقرؤها العين دون وسيط. ولا تحتاج إلى المصاحبة اللغوية كى تنفذ إلى إدراك المتلقى، فهى بحد ذاتها خطاب ناجز مكتمل، يملك سائر مقومات التأثير الفعال فى مستقبليه، ويغنى عن ساعات من الكلام، وبعبارة أخرى أصبحت الصورة لغة الاسبرانتو* Esperanto البصرية.
وهو ما أكدته دراسات أهمية الصورة من نتائج، والتى خلصت إلى أن البصر يلعب دوراً رئيسياً فى عملية الإدراك حيث يمد البصر الإنسان بكمية غير محدودة من المعلومات عن العالم المحيط به؛ فالبصر هو الحاسة المهيمنة عند الإنسان؛ فهو غالباً ما يميل إلى تصديق ما يراه إذا ما تعارضت المعلومات الحسية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* لغة الاسبرانتو Esperanto : هى لغة دولية مبتكرة بنيت على أساس من الكلمات المشتركة فى اللغات الأوربية الرئيسية ـ د. شريف درويش اللبان تكنولوجيا النشر الصحفى الاتجاهات الحديثة ـ الدار المصرية اللبنانية ـ القاهرة ـ الطبعة الثانية 2007

تعريف الصورة :
ــــــــــــــ

الصورة فى أول تعريف لها عام 1918 فى فتوى الشيخ أحمد خطيب بن عبد المطلب ـ الجاوى منشأ والشافعى مذهباً ـ والمقيم فى البلد الحرام : "أنها من قبيل الصورة التى تُرى فى المرآة وتوصلوا إلى حبسها ".
وهو نفس المعنى الذى تمت إعادة صياغته بمعرفة خبراء الإعلام للوصول إلى أن الصورة : "هى عزل وتسجيل وتجميد لحظة من الزمن ؛ باعتبارها أيقونة حاملة للتشابة مع الأصل الذى تم تصـويره، ومن ناحية أخرى هى مؤشــــر يدل على أثر ما تبقى من لحظــة وواقعة ما مرت وانقضت ويصعب استعادتها ".


التصوير الصحفى " PHOTOJOURALISM " نمط من أنماط الصحافة يتم من خلاله إنتاج الصور للتعبير كلية و بشكل جزئى عن القصص الخبرية إلى جانب الحروف والكلمات، ويشير تعبير الصورة الصحفية عادة إلى الصور الثابتة " Still Image " فى حين أنه يشمل فى الواقع التصوير من أجل النشر الفيديوى.

وفى التصوير الصحفى يعتمد المــؤلف " AUTHOR " المحـــرر EDITOR " " على الكاميرا فى رصد وتحرير الموضوعات بواسطة النص المرئى لنقل رسالته للمتلقى. ويتراوح ذلك التناول بين صورة واحدة لحدث أو ظاهرة ومجموعة متتالية من الصور لموضوع واحد "NOVEL" بغرض التوثيق أو الإخبار؛ فإذا كانت الكلمة المكتوبة هى أول مسودة للتاريخ، فإن الصورة الصحفية المنشورة هى أول بروفة مطبوعة له.

والصورة الصحفية الجيدة هى التى تضيف من رموزها وبياناتها وتفاصيلها إلى النص المصاحب لها معانى ودلالات تعجز الكلمات عن وصفها، وتكمل لنا الحدث أو القصة التى نقرأها كأننا شاهديها بالعيان ، ولا تكرر ما جاء بالنص .

وهو ما ذهب إليه جان لوك جودار : " أن خطاب الصورة يحتوى على جانبين متعارضين ومتكاملين هما:
أ ــ الجانب الدلالى أى ما يقال.
ب ــ الجانب الجمالى وهو ما يتضمنه الخطاب دون قوله بشكل مباشر بل هو منغرس فى ثنايا الخطاب ورموزه الموحية.
ومن هنا كان احتلال الصورة مكانة فى التواصل البشرى أهم من الكلمة وأصبحت المفتاح السحرى فى النظام الثقافى.

تعريف المصور الصحفى:
ــــــــــــــــــــ

المصور الصحفى " NEWS PHOTOGRAPHER " هو محرر صحفى يعتمد على آلة الكاميرا فى تحرير الموضوعات الصحفية على مساحة الكادر المتاحة لتسجيل الصورة لديه، وبمعزل عن توجيهات محرر النص المكتوب حرفاً ولكن وفق خطة " SCRIPT " تعدها الأقسام المختصة بالصحيفة أو المجلة أو القناة أو الموقع الإلكترونى.
والمصور الصحفى يجمع بين مهارات المحرر الصحفى، إضافة إلى القدرات الفنية والإبداعية المتوافرة لدية بالموهبة والتأهيل الأكاديمى والتدريب العملى المنهجى لنقل الحدث أو جزء منه بلغة مرئية.

نشأة التصوير الصحفى:
ــــــــــــــــــــ

بدأ التصوير الصحفى عام 1835، على يد المحامى البريطانى روجر فنتون، الذى ذهب إلى المنطقة الواقعة بين الحدود الروسية التركية لتصوير أحداث حرب القرم، التى استمرت من عام 1853 حتى 1856 والذى عاد من رحلته وفى جعبته ما يزيد على 300 صورة شمسية لجنود قتلى وبعض الأسلحة ووسائل وأساليب التنقل أثناء الحرب.

التأثيرات الجسمية
المصاحبة للصورة:
ـــــــــــــــــ

فى الدراسة التى أجراها ليفساى وبورتر J.R. Livesay&T.Porter للتعرف على التأثيرات الجسمية المصاحبة لصور ونصوص ذات تأثيرات عاطفية لعينة من 12 مراهقاً تم تعريضهم لصور بعضها ملون وبعضها لأبيض وأسود تشتمل على تأثيرات عاطفية، ومصاحبة لقصص صحفية بعضها يتضمن أحداثاً مثيرة وبعضها أحداثا محايدة، وتم قياس تأثير الصور على جسد أفراد العينة من خلال :
• قياس معدلات تقلصات عضلة الحاجب، وعضلات الشفة العليا.
• درجة حرارة سطح البشرة والجسم.
• معدل نبضات القلب.
وقد أشارت النتائج إلى علاقة إيجابية بين معدلات انقباض العضلات خلال عرض الصور سواء الملونة أو الأبيض والأسود، وأن هذه المعدلات تتصاعد بتصاعد الإثارة الناتجة عن الأحداث التى تحتويها الصورة بصرف النظر عن النصوص المصاحبة لها من عدمه.

عصر الصورة:
ـــــــــــــــــــــ

إذا كان القرن التاسع عشر هو عصر التنوير فإن القرن العشرين هو عصر الصورة؛ فالصورة الصحفية أصبحت صانعة الخبر، وصاحبة اليد العليا على الكلمات؛ لما لها من مكانة كأداة إعلامية لأسباب عديدة أكدتها الأبحاث التى أشارت إلى أن:
• 75 % من قراء الصحف يلاحظون الصورة.
• وأكثر من 50 % يلاحظون العناوين.
• وأن 29 % يلفت نظرهم كلام الصور.
• بينما لا تلفت المادة التحريرية سوى انتباه 25 % من القراء.

كما أكدت الدراسات أن:
ـــــــــــــــــــــ

• القراء الذين يستطيعون رؤية الصور الخاصة بالأفراد الذين يرد ذكرهم فى القصص الإخبارية، يكونون أسرع فى التعرف على السمات الشخصية لهؤلاء الأشخاص أكثر من القراء، الذين لم يروا مطلقاً أى صور لهؤلاء الأشخاص.
• الصور الصحفية تفقد مضمونها وتأثيرها الفعال على القارئ بعد تكرار مشاهدتها.
• وأن الصور التى لا تقدم جديداً وتفتقر للتفاصيل والمعانى
تكون صوراً بلا قيمة.

وقد عزت الدراسات ذلك إلى علاقات إيجابية بين حداثة الصورة وعناصر تفضيل مشاهدتها وزيادة زمن المشاهدة وقوة الذاكرة بشأن استعادتها وزيادة معدلات الاهتمام بها.
وهو ما أثبتته وقائع ودلائل عدة منها:
• فى 9 إبريل 2003، لم يكن المتلقى من خلال شاشات التلفاز ليصدق أن بغداد قد سقطت إلا بعد أن شاهد بعينى رأسه صورة سقوط تمثال صدام فى ساحة "الفردوس"، التى تم إعلان احتلال بغداد من خلالها فى عملية إعلامية متقنة حشدت لها وسائل الإعـلام الأمريكى فـريق إنتــــاج سينمائى من هوليود لتصــويرها وإخراجها.

وقد حقق هذا الإخراج الإعلامى للصورة نتائج سياسية وعسكرية باهرة لم تكن متوقعة، وحقق الانهيار الإدراكى المفاجئ للمتلقى وعجّل باستسلام القوات العراقية دون قتال، وسهّل انهيار أوصال التماسك للدولة العراقية، وأنهى صفحة الهجوم قبل أوانها على الأقل إعلاميا ورسميا، وأكد أهمية ودور الحرب الإعلامية فى تحقيق مكاسب عسكرية وسياسية لا تقل تأثيرا عن حرب المدافع.

• فى 14 يوليو2006 لم يكن المتلقى من خلال شاشات التلفاز ليصدق أن حزب الله يمتلك هذه القدرات العسكرية، لولا أن شاهد بعينيه السيد حسن نصر الله بملابسه التقليدية، يملأ شاشة قناة "المنار" (فى خطاب متلفز)، وكأنه يعلق على إحدى مباريات الكرة قائلاً: "المفاجآت التى وعدتكم بها ستبدأ من الآن... البارجة العسكرية التى اعتدت على بنيتنا التحتية... انظروا إليها تحترق وستغرق ومعها عشرات الجنود الصهاينة."، خلا الخطاب من البلاغة الرنانة، وسار وفق ما تتطلبه المرحلة، التى لا تعتمد إلا على الفعل قبل القول البليغ مع الالتزام بكل المقاييس العلمية، التى تتماشى وثقافة الصورة.

فقد استطاع إعلام حزب الله على مدى 33 يوماً ( الحرب الإسرائيلية على لبنان فى يوليو أغسطس 2006(، من خلال الصور عبر الفضائيات، أن يعيد للمواطن العربى الضمير المنتصر، وهو ما لم تستطع القصائد الحماسية الخطابة البلاغية التى خدعتنا فى الماضى فعله، والتى انتهت فى عصر الصورة.

• فى 3 أغسطس 2011 لم يكن الشارع المصرى الذى توجس الظنون وعششت فى رأسه الشكوك، ليصدق أن محاكمة الرئيس السابق مبارك قد بدأت فاعليتها لولا أن شاهد بعينيه إجراءاتها على شاشة تلفاز الدولة، ورأى الطاغية مستلقياً على قفاه خلف القضبان، وشاهد ارتعاش وجهه فيما كانت أصابعه تعبث فى أنفه تارة وفى فمه تارة أخرى، ثم جاء صوته رداً على القاضى : "أفندم، أنا موجود".

• فى 22 أغسطس 2011 أعلن المجلس الوطنى الانتقالى الليبى القبض على سيف الإسلام القذافى، وبعد أقل من الساعة ظهر المذكور على شاشات، ليكذب الخبر مما أسهم فى اهتزاز مصداقية المجلس، وأضفى ظلالاً من التشكيك على تصريحاته، وأشاع حالة من الإحباط فى الشارع الليبى آنذاك.

وعند القبض عليه فعلاً فى 19 نوفمبر 2011 ؛ حرص المجلس الوطنى الانتقالى الليبى على تأكيد الخبر عند إعلانه من خلال مقطع فيديو صوّرته مراسلة وكالة أنباء رويترز، وهو فى قبضة ثوار مدينة الزنتان الذين ألقوا القبض عليه، بينما كان على يحاول البحث عن طريق آمن مع عدد من أعوانه فى منطقة أوبارى بالجنوب الليبى، يتمكن من خلاله إلى الفرار خارج ليبيا.

• فى 19 أكتوبر 2011 لم يكن الشارع العربى يصدق أن أسطورة القذافى التى استمرت 42 عاماً قد انتهت، لولا أن شاهد بعينى رأسه القذافى مقبوضاً عليه وهو يخرج من أحد الأنابيب والدماء تغطى وجهه وهو يقول: "لا تطلقوا النار"، وبعد ساعة أعلنت صورة جثمانه نبأ وفاته.

***

دور الصورة الفوتوغرافية
فى تكوين الصورة الذهنية:
ـــــــــــــــــــــــ

الصورة الذهنية Image ـ طبقا لما جاء فى المعجم الإعلامى *هى مفهوم عقلى شائع بين مجموعة معينه يشير إلى اتجاه الجماعة الأساسى نحو شخص معين أو نظام ما أو طبقة بعينها أو جنس بعينة أو فلسفة سياسية أو قومية معينة أو شئ آخر .
وثمة رأى أخر فى الصورة الذهنية بأنها استحضار العقل أو التوليد العقلى لما سبق إدراكه بالحواس، وليست بالضرورة أن يكون ذلك المدرك مرئياً وإنما قد يكون مسموعاً أو مشموماً أو متذوقاً أو ملموساً وهذا الاستحضار أو التوليد للمدركات الحسية مجال الاختلاف بين البشر تبعاً لاختلافهم فى أنواع التجارب مع الأشياء الحسية التى مر بها كل منهم والتى يتألف رصيده النفسى الذى يستثار عند حضور الدال ، وهو الكلمة أو التعبير أو الحدث ، والأفراد لا يختلفون فيما بينهم فى أنماط الصور التى يستخدمونها فحسب إنما هم يختلفون أكثر من ذلك فى طبيعة الصور الجزئية التى يولدونها .
ويرى "روبينسون" و " باولو" أن كلمة Image تشبة إلى حد كبير كلمة Stereotype " النمـط الجــامد" وأنها ترتبط مثلـها بالتمييز Prejudice تلك الكلمة التى تعنى فى أصلها اللاتينى الحكم المسبق Prejudging أو الحكم قبل توافر الأدلة .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* المعجم الإعلامى ، د. محمد منير حجاب ـ دار الفجر للنشر والتوزيع ـ القاهرة 2004

أى إنها الصورة المنطبعة فى أذهان الناس عن شيء أو سلعة أو شخص ما سواء كان نجم سينما أو رئيس دولة أو حدثا أو مكانا سواء رسموها بأنفسهم أو رسمها لهم المحيطون بهم، أو هيأتها الظروف التى وجدوا فيها أو صنعها لهم الخبراء من صناع الصورة الذهنية، الذين يطلق عليهم "خبراء الصورة" أو"صناع النجوم"، أو كما يسمونهم فى بريطانيا "أطباء التجميل"Skin Doctors وهم بالطبع ليسوا أطباء ولكنهم يقومون بدور الأطباء فى تجميل الصورة وجعلها أفضل وأكثر قبولاً، إنهم عباقرة الظل الذين يصنعون من الفسيخ شربات، ومن البوصة عروسة، ومن المتعوس وخائب الرجاء فارس زمانه وسلطان عصره وأوانه.
فالمقصود بالصورة الذهنية هو كيف ترى عيون العقل العالم، وهى منتج عملية الإدراك والتقاء المعرفة بالواقع فى إطار التفاعل بين الصور، التى يتم استقبالها عن طريق الحواس وبين المعرفة المختزنة ذات العلاقة، والتى يستعين بها المتلقى، والتى تختلف من فرد لآخر، والتى تتغير بالنسبة للفرد نفسه بتغيير المواقع والأدوار والخصائص والسمات العامة والاجتماعية للفرد نفسه.
وتلعب الصورة الصحفية دورا هاماً فى خلق الصورة الذهنية باعتبار أن الحكم على الشئ فرع من تصوره ، وهو ما جعل كثيرا من الرؤساء يخضعون لخبراء الصورة؛ ينفذون أوامرهم بدقة مهما كلفهم الأمر، فحينما قالوا لبلير رئيس وزراء بريطانيا إن صورته تحتاج لتعديل ؛ فالشعر يجب أن يكون أكثر تهذيباً، وأن عليه أن يرتدى البدلة القاتمة ليبدو وجهه أكثر وضوحاً وابتسامته أكثر إشراقاً، وقد امتثلت مارجريت تاتشر حينما أراد خبراء الصورة أن تكون نموذجاً للمرأة القوية، التى تحرص على اكتساب الاحترام بمظهرها القوى الجاد؛ إذ أريد لها أن تكون بحق المرأة الحديدية، فتم تغيير أسلوب ملابسها، فلم تعد ترتدى إلا التاييرات من الألوان السادة فقط، كما خضعت لعملية تقويم أسنانها والحديث بشكل أبطأ وبلغة أكثر رصانة حتى لا تبدو فى رعونة الأمريكيات، أما ما حدث مع جون ميجور فكان لافتاً للنظر إذ جعله خبراء الصورة يرتدى الصديرى ذا الصفين من الأزرار والكرافتة الرفيعة ثم البابيون، رغم أن هذه الصورة قربته من أن يكون جرسونا فى فندق أكثر منه رئيس وزراء.
وقد نجحت ألاعيب خبراء الصورة فى إقناع الجماهير بانتخاب شخص غبى فارغ الرأس والدفع به إلى البيت الأبيض، وهو ما كلف أمريكا والعالم الكثير من الخسائر المالية والبشرية فى حروب لم تحقق انتصاراً وهو بوش الابن، ذلك السكير المدمن، والذى لم يكن يمر أسبوع دون أن تستوقفه دورية بوليس وتسحب رخصة قيادته لمخالفة القوانين وقيادته سيارة مسرعة فى حالة سكر، ووصل الحال ببعض نوادى تكساس إلى حد منعه من دخولها لإثارته المتاعب والمشاجرات دون مبرر.
بدأت ألاعيب خبراء الصورة فى تقديم بوش فى صورة المتحول من شخص عابث سكير إلى مؤمن شديد الإيمان ونادم على الذنب وشديد الولاء لكنيسته، بل ذهبوا إلى ما هو أبعد من ذلك من خلال الاستعانة بتصريحات خبير فى السلالات فى تأكيد وإبراز سمات وملامح معينة أسهمت فى صناعة الصورة : أهمها أنه ينحدر من أصول ملكية ورئاسية، وأنه سيفوز بالرئاسة لمجرد أن الدماء الملكية تجرى فى عروقه، وأنه منذ عهد جورج واشنطن أول رئيس للولايات المتحدة، كان الفائز فى السباق إلى البيت الأبيض دائما هو المرشح الذى تربطه علاقة أوثق بالدماء الملكية؛ ولذلك فإن بوش الابن هو الأقرب للفوز لأنه ينحدر مباشرة من سلالة ملوك أوربا، فهو من عائلة نبيلة من ولاية نيو إنجلند فى شمال شرق الولايات المتحدة.
.. لم يكن هؤلاء فقط هم الذين سلموا أنفسهم لعباقرة من صناع الصورة فقد خضعت الملكة إليزابيث لأوامر خبراء الصورة، الذين أسهموا فى إطالة عمر العائلة المالكة بعد مقتل ديانا، وقد نحا الخبراء نحو جعل الأسرة المالكة ذات مظهر إنسانى متجاوب مع مشاعر الناس من خلال نشر صور صحفية للملكة فى الشارع وهى تضحك وتصافح الناس وتبكى على ديانا.*
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* د. عزة عزت ـ صورة الرئيس.

الصورة الذهنية
لرؤســــاء مصر:
ـــــــــــــــ

بعد رحيل الملك وإلغاء النظام الملكى، وقيام الجمهورية ظلت وسائل الإعلام تؤله الرئيس، وتصفه ببقايا الصفات القدسية التى توارثناها عبر تاريخنا، فهو دائما ذات مصونة لا تُمس، فهو صاحب السيادة والفخامة والعزة، وهو الحاكم الملهم العليم ببواطن الأمور، وهو المفكر الوحيد وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة دون خبرة كافية، وهو رئيس المجلس الأعلى للقضاء الذى يرتدى وشاح القضاء على لباسه العسكرى، فى إشارة إلى امتلاكه القوة والعدل، وهو أيضًاً المشرّع الأوحد، فبإشارة من أصبعه ينطلق (ترزية القوانين) فى غيّهم، فكل ما ينطق به حكمة تتصدر صحف الدنيا، وهو لا يريد إلا المصلحة العامة ومصلحة الوطن، وأن كل الأمور تقضى بتوجيهاته، وهو أيضا المتدين الخلوق والمتواضع الرحيم الذى يستمع للجميع ويحل مشاكلهم.
وقد حكم مصر أربعة رؤساء هم:
1 ـ محمد نجيب : ( 18 يونيو 1953 ــ 14نوفمبر 1954 ).
2 ـ جمال عبد الناصر : ( 23 يونيو 1954 ــ 28 سبتمبر 1970 ).
3 ـ أنور السادات: ( 18 أكتوبر1970 ــ 6 أكتوبر 1981 ).
4 ـ حسنى مبارك : ( 14 أكتوبر1981 ــ11 فبراير 2011 ).

محمد نجيب:
ــــــــــ

عند وقوع انقلاب 23 يوليو 1952 كان الإعلام محصوراً فى ثلاث وسائل: الصحف والإذاعة والجريدة الناطقة ؛ والصحف بطبيعتها لم تكن مؤثرة فى السواد الأعظم من الشعب، الذى ارتفعت نسبة الأمية بين أفراده، ولم تكن الإذاعة أفضل حالاً، فلم تكن أجهزة مذياعها متوافرة سوى فى قصور الباشوات ودواوير العمد وبيوت الأعيان وموظفى الحكومة وبعض المقاهى، وكانت الجريدة الناطقة تعرض قبل عرض الفيلم فى دور السينما، وتخاطب شريحة محددة من سكان المدن حيث توجد دور العرض.
 ومع الساعات الأولى للانقلاب الذى أُطلق عليه آنذاك «حركة الجيش المباركة» حرص محمد نجيب على الترويج لـ « كذبة الأسلحة الفاسدة فى حرب فلسطين » التى اتخذها ضباط الانقلاب ذريعة له  ، كما حرص على الظهور فى زى عسكرى حاملاً عصاه المارشالية وبايب يتدلى من زاوية فمه بصفته قائداً للحركة مع أخبار متناثرة عن كونه أيضا سليل أسرة عسكرية عريقة ، واهتز طرباً مع مونولوج اسماعيل ياسين الشهير : « 20 مليون ، والجيش ونجيب عملوا ترتيب » ، كما حرص أيضا على أن يبدو فى صورة المتدين الذى يحرص على أداء الصلوات فى المساجد الكبرى ، التى تضم رفات الأولياء، والجلوس فى خشوع لسماع خطبة الجمعة، وإظهار الود والتوقير لفضيلة الإمام الأكبر؛ فشيخ الأزهر دائماً هو المفتاح السحرى للدخول إلى قلوب المصريين ، وأيضا لا يأنف الذهاب إلى المحفل الماسونى للتهنئة بالعيد، ليؤكد أنه جاء رئيساً لكل المصريين، والتركيز على أن يبدو ودوداً مع الجميع ، فهو يعامل الجميع بتواضع وطيبة قلب، ولا يأنف الجلوس إلى جوار عامتهم والربت على أكتافهم.
 .. ولم يغفل نجيب توظيف الصورة الفوتوغرافية فى خلق صورة ذهنية له رسخ من خلالها أنه يعيش حياة بسيطة مثل أواسط الناس من خلال دعوته لمصور مجلة «المصور» أحمد سليمان فى سبتمبر 1953 لتصوير أحداث يوم من حياته ظهر فيه بالروب والبيجاما والقبقاب وصابون الحلاقة. وقد أثارت الصور إعجاب العامة وحبهم لرجل منهم يحكمهم ويحيا حياة بسيطة مثلهم بعيداً عن بذخ القصور وتيه السلطان.

نجيب رجل مصر القوى ، هكذا قدم نفسه
مع شيخ الأزهر محمد الخضر حسين ، دائما شيخ الأزهر
 هو المفتاح السحرى للدخول إلى قلوب المصريين
فى المحفل الماسونى للتهنئة بالعيد
فى فراشه بالروب والبيجاما
صابون الحلاقة على وجهه
يتوضأ والقبقاب فى إحدى قدميه

جمال عبد الناصر:
ــــــــــــــــ

 كان الهم الأول لعبد الناصر هو إيجاد صحافة موالية تنقل عنه وتخلق له الصورة التى أرادها لنفسه ، فأصدر جريدة الجمهورية التى خيّبت آماله بمحدودية توزيعها، لدرجة أنه فكر فى إغلاقها، ثم وجد أنه لا مفر من تأميم الصحافة وإنشاء التليفزيون العربى،  وقام بتزويد الميادين العامة والساحات الشعبية ومراكز الشباب بأجهزته لنقل صورته وخطابه إلى الجماهير، وأحاط نفسه بالعديد من مؤلفى الأغانى والملحنين الذين تغنوا به وله.

جمال يا حبيب الملايين...عبد الحليم حافظ

محمد عبد الوهاب ـ اغنية ناصر

 .. وحرص عبد الناصر منذ الوهلة الأولى أن تبدو صورته مهيبة وساعده على ذلك سمات جسمانية تمثلت فى قامته الفارعة وعرض منكبيه ، قليل الكلام وهى سمة اكتسبها من نشأته يتيماً فى حارة اليهود المنعزلة بطبيعتها ، ذكر الدكتور على شلش في كتابه تاريخ اليهود والماسونية في مصر ـ ص 163: (أن سيدة يهودية تدعى مدام يعقوب فرج شمويل ، كان عبد الناصر يدين لها بالفضل ؛ لأنها هي التي رعته في طفولته وبعد وفاة أمه ، وكانت تعامله كأحد أبنائها ..) .
 وقد تبلورت صفة الصمت والكتمان وتأصلت فى شخصيته بانضمامه إلى العديد من التنظيمات السرية فى آن واحد ؛ فهو قائد تنظيم الإخوان المسلمين داخل الجيش الذى اتخذ لنفسه اسما حركيا  ( البكباشى عبده ) ، وهو عضو حدتو الذى اتخذ لنفسه اسما حركيا ( موريس ) حتى أصبح لغزاً ؛ فهو الرجل ذو العلاقة الغامضة بإسرائيل ؛ فحينما كان رئيس أركان حرب الكتيبة السادسة مشاة ضمن القوات المٌحاصَرة في بلدة عراق المنشية قطاع الفالوجا ، كان يتحدث عبر خطوط الجبهة مع اليهود المٌحاصِرين للفالوجا ، ويتلقى هدايا البرتقال والشيكولاتة من إيجال يادين الذي كان رئيساً لأركان حرب جنوب فلسطين ، وهو أيضا الرجل ذو العلاقة الغامضة بالأمريكان فقد ذكر مايلز كوبلاند ( مندوب المخابرات المركزية فى مصر) فى كتابه لعبة الامم عن علاقته مع تنظيم الضباط الأحرار ومع جمال عبدالناصر خاصة:  (لم يكن انقلاب 23 يوليو لينجح لولا أن هناك تنسيقاً بين أمريكا وإنجلترا على ألا تتدخل الأخيرة فى الأحداث، وذلك لتصفية الحسابات القديمة مع الملك فاروق عقاباً له على إرسالة الجيش المصرى إلى فلسطين عام 1948) .
وقد ساعد كل هذا الغموض الذى أحاط بشخصية عبد الناصر إلى جعله شخصية أقرب إلى الأسطورة وإظهاره فى صورة الزعيم القادر على تحقيق المستحيل ،وإثارة حماس الجماهير وحناجرها بإشارة من يده ،  إضافة إلى حرصه على أن يبدو شديداً فى الحق، ملتصقاً بشعبه مهموما بأحواله، متديناً دون تزمت ، وهو الرجل الصعيدى المحافظ أسرياً دون إغفال لدور المرأة، والمنحاز للفقراء ، والمتمسك بالعروبة ، والمتحدى انتصاراً للكرامة الوطنية ، وهو أيضا الشخص البسيط المحب للفكاهة والذى يهوى الشطرنج لعبة الذكاء، ويعشق التصوير الفوتوغرافى  ويحب مشاهدة أفلام السينما.


عبد الناصر.. تحية الزعيم لجماهيره
يهوى الشطرنج " لعبة الذكاء "
مع أسرته على الشاطئ يسجل بكاميرته مرح أطفاله
يسجل بكاميرته فرحة ابنته منى فى ليلة عرسها

السادات :
ـــــــــ

اشتهر السادات منذ عرفه المصريون متهماً فى قضية مقتل أمين عثمان باسم أنور السادات، وبعد توليه السلطة بدأ يُلقب ثلاثياً محمد أنور السادات فى إشارة إلى أنه يتسمى باسم النبى محمد، تمهيدا لما سيلقب به فيما بعد : «الرئيس المؤمن»، والذى يستهل خطابه بآيات من القرآن الكريم، كما استخدم ألفاظا شعبية من قاموس صديقه الكاتب الشعبى زكريا الحجاوى فى مغازلة للبسطاء ودغدغة مشاعرهم لكسب تعاطفهم.
 ولكن سرعان ما احترقت هذه الصورة عندما انحنى أمام تمثال عبد الناصر بعد أداء يمين تولى السلطة قائلا : « لقد جئت إليكم على طريق عبد الناصر»، وهو ما أثار استياء الشعب المصرى المتدين بطبعه والذى يكره الوثنية، فأدرك البسطاء أنهم أمام شخص فهلوى يلعب بالبيضة والحجر، أو كما يقول أولاد البلد : « ابن حنت ».
ولم يغفل السادات دور الصورة الفوتوغرافية فى رسم الصورة الذهنية التى يريدها، فنشرت له الصور بالعباءة والجلباب البلدى، وظهرت زوجته جيهان وهى ترتدى ملابس القرويات فى ميت أبو الكوم. وهو أيضاً الذى قبل زمالة بول هاريس مؤسس أندية الروتارى أحد روافد الماسونية، التى أطلق العنان لأنشطتها فى مصر بعد السماح بانعقاد مؤتمر نوادى روتارى الشرق الأوسط فى الإسكندرية فى 5 ابريل 1978 برعايته وحضور ممدوح سالم رئيس الوزراء ومحب استينو وزير السياحة وروبرت مانشستر ممثل الروتارى الدولى * (1)  ، وقد أشارت « دائرة المعارف الماسونية « إلى أن المحفل السامى الماسونى السورى فى اجتماعه ليوم 21/ 2/ 1958 إعتماد أنور السادات أستاذاً أعظم شرقى فى المحفل الماسونى الأكبر *(2).
 وقد ساعده الظرف التاريخى على تحسين صورة السادات بالانتصار العظيم فى أكتوبر 1973، لكنه حوّله إلى حالة من الاستعراض الشخصى بلبس البذات العسكرية للأسلحة المختلفة، بما يتفق وكل مناسبة ، وهو ما كان مثار سخرية الشارع ، الذى عبر عنها فى صورة نكتتين، وهما أن السادات عندما ذهب إلى مركز تنظيم الأسرة لبس «لولب»، وعندما ذهب إلى مركز رعاية الطفولة لبس «بامبرز».
  فالسادات لم يُحسن استغلال النصر التاريخى بما فعله من تصرفات، وما تبعها من تداعيات وأحداث أهدرت قيمة النصر العسكرى، ولم تحقق المردود السياسى المستهدف منه بشكل يرضى القوى السياسية المصرية وفصائل النخبة المصرية من المثقفين والكتاب والصحفيين ورجال الدين الإسلامى والمسيحى، الذين طالتهم إساءات السادات وغروره ونالت منهم، كما أن المواطن البسيط بدأ يفقد الثقة فى أحاديث السادات عن الرخاء القادم فاندلعت مظاهرات 18 و19 يناير 1977 ، فلم يحقق الســادات الصــورة المنشودة فأصبح على حــد تعبير المراجـع الأجـنبية «منبوذاً» Outcast، وهو ما جعل السادات يستنسخ تجربة محمد نجيب بدعوته للمصور فاروق إبراهيم مصور« أخبار اليوم » فى مارس 1981 لتصوير يوم فى حياته من خلال صور ظهر فيها بالملابس الداخلية، وأيضا وهو يحلق ذقنه ويمارس رياضة اليوجا، والسباحة فى حمام السباحة بقصره، الغريب فى الأمر أن الصور كانت موضع سخرية الشعب المصرى الذى أطلق تعبيره اللاذع: « والله ونلتها يا خيشة !! »  فلم يفلح السادات فى كسب ثقته وتحسين صورته أمامه، فبينما كان السادات يمارس رياضة السباحة فى حمام قصره كانت المياه لاتصل إلى المنازل إلا فى ساعات قليلة من النهار، ولا تصل إلى الأدوار العليا فى المنازل مطلقاً والشوارع غارقة فى مخلفات الصرف الصحى.
وقد أعلن الشعب المصرى رأيه صراحة فى السادات بعد اغتياله عندما لزم منازله فبدت الشوارع شبه خالية؛ ليتم التغيير وانتقال السلطة بسلاسة وليترك السادات يوارى التراب دون مشيعين .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* (1) جريدة الأهرام : 6– 4 – 1978
*(2) محمد موسى النبهانى ، النشاط الماسونى فى الوطن العربى ـ الجزء 1 ـ ص74 ، الدار القومية للكتاب العربى ـ الطبعة الأولى ـ بغداد 1985.



بالجلباب والعباءة والمسبحة
جيهان فى ملابس القرويات
فى فراشه بالبيجاما
بملابسه الداخلية يحلق ذقنه
مستقياً على الأرض يمارس اليوجا
فى حمام السباحة بقصره
الصلاة فى برنس الحمام

السادات يصف انتفاضة شعبه بـ " انتفاضة الحرامية "

حسنى مبارك:
ـــــــــــ
 الصدفة وحدها هى التى أتت بمبارك إلى كرسى الحكم؛ فقد جاء من وسط دوامات الدم وعواصف اللهب، فهو مجرد موظف بدرجة رئيس جمهورية، ذو خلفية عسكرية ولا يجيد سوى التحدث بلغة «القشلاقات» Parracks وهى لغة خشنة تفتقد الأدب والتهذيب ، ولم يبذل أدنى جهد لتغيير هذه الصورة فهو يدرك حقيقة قدراته، فهو أخير دفعته فى الكلية الجوية، وهو دائما فى آخر الصف وذيل السرب، وعندما عينه السادات نائباَ للرئيس كان موضع نكات وقفشات وسخرية رجالات الدولة المقربين من الســادات لدرجة أن أحـدهم أطلق علية لقب : "الأفندى أبو نوتة"، لأنه كان يمسك بأجندة طوال الوقت يدوّن فيها كل ما يقوله السادات فى اصطناع للطاعة وتعويض نقص القدرات وبطئ الفهم ، هو ما حاول إخفائه بقناع باهت وابتسامة لزجة ، أثارت سخرية  رجل الشارع الذى وصفه بـ  «البقرة الضاحكة» La vache qui rei.

 فلم تكن لمبارك صورة مشرقة يقدمها لشعبه حتى الضربة الجوية، فهو ليس قائدها الأوحد، كما أن وراءه الكثير الذى حاول طمس تفاصيله؛ فهو الذى ارتضى لنفسه القيام بدور كومبارس فى فيلم "وداع فى الفجر" بطولة شادية وكمال الشناوى وإخراج حسن الإمام من إنتاج كمال الشناوى عام 1956.

 وهو الشاب المسلم الذى ارتضى لنفسه اسم جورج * فى سلوك انتهازى افتقد المبادئ من أجل الزواج من التلميذة الجميلة «فاتنة سانت كلير» رئيسة فرقة الباليه والسباحة بالمدرسة سوزان صالح ثابت، التى أصبحت فيما بعد سوزان مبارك، والتى سبق تعميدها كمسيحية فى كنيسة "بونتى بريد" باسم "سوزان بالمر ثابت"؛ وكان فى قبوله الاسم المسيحى بدلا من اسمه المسلم إرضاء لأقرباء لها متشددون دينيا من الكاثوليك المعتنقين للماسونية، ونتيجة لهذه الزيجة حصل على الجنسية البريطانية منذ عام 1965؛ بما يخل بشروط  تولى رئاسة الجمهورية !!
  
.. ومبارك أيضا هو الذى قبل أن يصدر طابع بريد من كيان معاد، يؤكد أنه تفانى فى خدمة الأعداء، وهو الذى لم ينف تصريحات العدو بأنه كنزهم الاستراتيجى وحارس أمنهم الشخصى على مدى ثلاثين عاماً، وهو الذى قبل الصورة المهينة التى ظهر بها فى المحكمة متمارضاً مستلقياً على قفاه يعبث بأصبعه فى أنفه وفمه.   

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* روز اليوسف ـ كتب توحيد مجدى ـ عائلة مبارك البريطانية ـ العدد 1925 - الجمعة الموافق – 7 اكتوبر 2011


الفريق محمود شاكر عبد المنعم القائد الحقيقى للضربة الجوية
 يسلم الأوسمة لرجاله وعلى يمينه حسنى مبارك وعلى يساره 
المشير أحمد إسماعيل.
مبارك الأخير على الدفعة؛ فى آخر الصف وفى ذيل السرب.
ارتضى لنفسه القيام بدور كومبارس فى فيلم "وداع فى الفجر" 
بطولة شادية وكمال الشناوى وإخراج حسن الإمام من إنتاج
كمال الشناوى عام 1956.
طابع بريد من كيان معاد يؤكد أنه تفانى فى خدمة الأعداء.
مبارك مستلقيا على قفاه فى مشهد مهين افتقد الكبرياء العسكرى 

أثر الصـورة الصحـفية
فى صنــع القــــــرار:
ــــــــــــــــــــــ

أصبحت الصورة الفوتوغرافية أكثر أهمية وتأثيراً من الكلمة، وهو ما جعل أثرها كبيراً فى دوائر صنع القرار؛ فصورة واحدة قد تتسبب فى أحداث وقرارات مصيرية؛ فقد كان لصورة وكالة الأسوشيتد برس التى التقطها المصور نك أوت فى 8 يونيو 1972 لطفلة فيتنامية عارية تهرب مذعورة من قريتها ترانج بانج، التى تعرضت لقصف بالنابالم، أثر بالغ فى إثارة استياء العالم وسخطه، وأحرجت الرئيس الأمريكى ريتشارد نيكسون أمام الشارع الأمريكى، الذى روّعته بشاعة الصدمة، فخرجت التظاهرات منددة بالحرب القذرة فى فيتنام، ولم يجد نيكسون آنذاك تبريراً سوى التشكيك فى كون هذه الصورة مباشرة وحقيقية، ولكن هذا التشكيك لم يلق تصديقا من الرأى العام الذى اتهم نيكسون بالكذب.

الطفلة كيم فوك تهرب عارية من قصف النابالم

وكان لصورة أخرى نشرتها وكالة "أسوشيتد برس" عن مجازر صبرا وشــــاتيلا أثرها البالغ فى إيقاظ الضمير العالمى، لدرجة جعلت الجمعية العامة للأمم المتحدة تدين المجزرة فى سبتمبر 1982 وتندد بالوحشية الإسرائيلية، وتصدر قرارا تطالب فيه مجلس الأمن بالتحقيق فى المذبحة.
وأيضا كان لصورة التقطها سائق صومالى يعمل مع طاقم صحفى بريطانى وقع الصدمة على المواطنين الأمريكيين الذى طالبوا بالانسحاب الفورى من الصومال وتصويت الكونجرس بأغلبية 226-201 على الانسحاب، الذى تم نهائياً فى 31 مارس1994 وكانت الصورة لصوماليين غاضبين يسحلون جثة أحد الطيارين الأمريكيين فى شوارع مقديشيو بعد أن سقطت طائرته من طرازهوك فى 3 أكتوبر 1993.
وقد لعبت صورة نشرها نشطاء «الفيسبوك» لجثمان الشاب القتيل خالد سعيد دورًا فى إعادة النظر فى التكييف القانونى والقيد والوصف لقضيته، ففى البداية تم التعامل مع الواقعة على أنها حادثة انتحار؛ واستمعت النيابة إلى أقوال القتلة بوصفهم شهودا!!
وبعد نشر الصورة وبها أثار العنف الوحشى، صدر قرار النائب العام بإعادة استخراج جثة الشاب، وندب لجنة ثلاثية من الطب الشرعى بالقاهرة برئاسة كبير الأطباء الشرعيين لفحص الجثة وإعادة تشريحها لبيان سبب الوفاة. وبناء عليه أحال النائب العام الشرطيين المتهمين بتعذيب الشاب حتى الموت إلى المحاكمة، ليواجها تهم «القبض على شخص دون وجه حق وتعذيبه بدنيا واستعمال القسوة». وقد حكم عليهما فى 26 أكتوبر 2011 بالسجن المشدد 7 سنوات لكل منهما.
وكان لصورة أخرى نشرتها وكالة رويتر فى 17 ديسمبر لفتاة مصرية تحت أقدام جنود من الشرطة العسكرية التابعة لوحدات الجيش المصرى ، والتى تصدرت قصتها كبريات صحف العالم ؛ لتروى وقائع قصة صحفية عن بربرية التعامل مع المتظاهرين فى مصر ، اللقطة تظهر مجموعة من الجنود يسحلون فتاة ، وأحدهم يقفز عليها بالبيادة أكثر من مرة، وجندى آخر يضع بيادته العسكرية على صدرها وهى تسحل وتُعَرَّى من ملابسها وعندما تحاول سيدة كبيرة السن الذود عن الفتاة الشابة يضربها الجنود .
كان لهذه الصورة وقع الصدمة على الرأى العام المصرى ، فخرجت مظاهرات النساء فى مصر لتدين هذا الفعل وهو ما حدا بقيادة المجلس العسكرى لتقديم الاعتذار والتحقيق فى الواقعة بعد أن شككت فيها أول الأمر ، ثم تجاهلها لعدة أيام .


صورة الفتاة " المسحولة " أثارت سخط الرأى العام فى مصر
.. تدخلت لانقاذ الفتاة فنالها " بطش العسكر "

الصورة الصحفية كدليل
إدانـــــــــة فى الجـرائم :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  أرسى حكم محكمة أمن الدولة العليا فى قضية أحداث 18 و19 يناير 1977 مبدأ قانوني في غاية الأهمية، فيما يتعلق بالصور الفوتوغرافية كأدلة اتهام في القضايا المنظورة أمام القضاء ، جاء فيه :  

" بالنسبة إلى الصور الشمسية التي قدمت في الدعوى تدليلا على ثبوت الاتهام قِبل من أسندت إليهم التهم، فإن تلك الصور يمكن اعتبارها من قبيل قرائن الأحوال، التي لابد أن تتضامن مع أدلة أو قرائن أخرى، بما يعززها ويدعمها من خلال هذا التقييم لتلك الصور الشمسية، فإن المحكمة عرض لها بالبحث والمناقشة، وقد استبانت من مطالعتها لتلك الصور أنها قد التقطت لجمع غفير من الناس دون تمييز من بينهم وجها لأحد الأشخاص بدا صاحبه كأنه محمول على الأعناق، إلا أن المناظرة التي أجرتها المحكمة لتلك الصورة ومقارنة ذلك الشخص المحمول بالمتهم قد أسفرت عن عدم إمكان القطع بأن الصورة هي لذلك المتهم بل إن المناظرة والمقارنة لم ترجح احتمال أن يكون المتهم صاحب الصورة، ونفس هذه النتيجة قد كشفت عنها مناظرة لبعض الصور المقدمة في الدعوى، هذا بالإضافة إلى ما هو معروف من إمكان إحداث تغيير وتعديل في الشكل والملامح تقيمها الأساليب العلمية الحديثة، وفضلا عن ذلك فإن تلك الصور لا تنبئ بذاتها عن مكان وزمان وملابسات التقاطها؛ فلا يمكن القول مثلا وعلى وجه القطع واليقين إن هذه الصورة أو تلك قد التقطت يومي 18و 19 يناير 1977 وإنها صورة مظاهرة كانت في هذا الشارع أو ذاك من شوارع القاهرة وأن تلك المظاهره كانت معادية لنظام الحكم القائم في البلاد. 

   .. كما أن تلك الصور ومع الفرض الجدلي المحض أنها خاصة بالمتهمين الذين نسبت إليهم فإنها لا يعتد بها في مجال التدليل على أنها التقطت في زمان معين هو يوما 18و19/1/1977 أو غيرهما من الأيام وفى مكان معين هو شوارع القاهرة وميادينها وفى مناسبات وملابسات، فضلاً عن كونها لم تفصح يقينا عن أنها خاصة بالمتهمين المنسوبة إليهم، ولم تنبئ أن هؤلاء المتهمين ينتمون لهذه المنظمة أو تلك، وان هدف المنظمة هو الإطاحة بالنظم الأساسية للمجتمع عن طريق استعمال القوة والإرهاب، وبالتالي، فإن المحكمة في مقام التدليل على ثبوت الاتهام تطرحها طرحا ."

  
أخلاقيات الصورة الصحفية:
Ethics of journalistic Photo
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ظهر مفهوم أخلاقيات الصحافة فى السويد فى عام 1916 ثم فى فرنسا عام 1918 ، ثم اعتبر هذا المفهوم من أهم الأسس التى تقوم عليها نظرية المسئولية الاجتماعية ، وهو مجموعة من المعايير الفنية المرتبطة بمهنة الصحافة والتى يلتزم بها الصحفيون فى عملية استقصاء الأنباء ونشرها والتعليق عليها والتقاط الصور وفى طرحهم لأرائهم .
مع الساعات الأولى من مصرع الأميرة ديانا فى 31 أغسطس 1997، برزت قضية القواعد الأخلاقية والقانونية لإعادة الانضباط إلى الصورة الصحفية وعمل المصور الصحفى، حيث ناقش مصورو الصحف الرصينة فى اجتماع الجمعية الملكية للتصوير الحادث، واعتبروه فرصة جيدة لإظهار ما يعتنقونه من أخلاقيات فى مجال التصوير، مثل الموضوعية والتغطية المتوازنة، وأعلنوا أن ما حدث من مصـورى صحــف النفــــايات حسب التعـبير الإنجليزى Rubbish) ) من مطاردات فضولية وغير منضبطة لموكب الأميرة كان سبباً رئيسا فى الحادث المأساوى، ومن ثم يجب العودة إلى حدود المهنية الصارمة وإقامة الحواجز بينهم وبين مصورى صحف الإثارة؛ تلك الحواجز التى كانت قد تلاشت خلال السنوات الأخيرة لرغبة الجمهور فى التعرف على أخبار المشاهير.
وكان فى مقدمة القضايا المثارة:
• قضية مصداقية الصورة وحمايتها من الحجب أو التلاعب فى تفاصيلها أو استعمالها فى غير الغرض الذى التقطت من أجله أو إساءة توظيفها بإقحامها فى غير سياقها أو وضعها مع عناوين أو نصوص لا توجد رابطة حقيقية بينها وبين مضمون الصورة.

• قضية احترام الخصوصية والحدود التى يجب أن يتوقف كل من المصور الصحفى والقائم بعملية الاتصال المصور عندها، بما لا يجوز معه هتك ستر، أونشر فحش أو انتهاك حرمة الأماكن التى حددها القانون، والتلصص على أصحابها واستراق الصور لهم فى غفلتهم ودون إذن منهم، وكذلك الموازنة بين حق الشخصيات العامة فى الخصوصية، وحق الرأى العام فى متابعتهم، والحفاظ على حقوق الذين لا يريدون أن يكونوا مجالاً للتصوير.

• قضية احترام حقوق الملكية الفكرية للصور الصحفية، وحقوق النشر والحفاظ على حق المؤلف، وعدم جواز استخدام الصور دون الرجوع إلى أصحاب حقوق ملكيتها، وعدم جواز انتهاك حق المؤلف باستخدام المعالجات الرقمية فى تشويه الصور الصحفية الأصلية بدون إذن وتصريح المؤلف.

• قضية احترام القوانين والمواثيق الدولية فيما يتعلق بشأن تصوير الأسرى واحترام التقاليد العسكرية العريقة، التى تلتزم باحترام جثمان الموتى من الخصوم واحترام حقوق السجناء.

• قضية احترام الضعف الإنسانى لضحايا الحوادث والكوارث والجرائم والتعامل معهم باهتمام وتعاطف خاص، وتجنب التطفل على لحظات الحزن والأسى الخاصة بهم وعدم تصويرهم إلا فى أضيق الحدود، التى تقتضيها الضرورة، وفى هذه الحالة يكون التركيز على تصوير حالة الضعف، لا على شخوص الضعفاء.

• قضية الامتناع عن تصوير المشاهد التمثيلية أو المفبركة، وإدخال الغش والتدليس بتقديمها للمتلقى على كونها حقيقة أو حدثا أو قصة خبرية.
حقوق البيئة والحيوان:
ولم تقتصر مدونات السلوك للمصورين الصحفيين على حقوق الإنسان فقط، بل تعدتها إلى حقوق الحيوان والبيئة بإرساء أخلاقيات تصوير الطبيعة من خلال عدد من القواعد التى أقرتها جمعية تصوير الطبيعة بأمريكا الشمالية:
• البعد عن التأثير على دورة حياة الحيوان.
• احترام حاجات الحيوان الروتينية.
• استخدام العدسة المناسبة لتصوير الحيوانات البرية، وعدم ترويع الحيوانات من وجودك بالابتعاد عنهم قدر الإمكان واستخدام عدسة ذات قدرة تقريبية أعلى.
• مراعاة هشاشة النظام البيئى بالالتزام بالطرق ذات التأثير الأقل عليه.

صــــورة ميركل
وحرب التابلويد:
ـــــــــــــــ

ورغم ذلك لم تتوقف تجاوزت المصورين.. لكن ما يجمع عليه أستاذة وخبراء الإعلام هو أن نشر الصور المنحطة، التى تستهدف التشهير والتشنيع والمبالغة، لا يعبر عن السقوط المهنى والأخلاقى للمصور فحسب بل يتعداه إلى انحطاط مستوى الشعب والصحيفة معاً. *
* د. عبد اللطيف حمزة ـ المدخل فن التحرير الصحفى.
فى إبريل 2006، أعربت الحكومة الألمانية عن انزعاجها من قيام صحيفة "ذى صن" الشعبية البريطانية بنشر صورة شبه عارية المؤخرة للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، وهى تهم بارتداء لباس البحر على أحد الشواطئ الإيطالية، حيث أمضت عطلة عيد القيامة على جزيرة ايشيا الإيطالية قرب كابرى فى خليج نابولى.
وقال مساعد المتحدث باسم الحكومة الألمانية توماس ستج فى لقاء مع الصحافيين "تأمل المستشارة أثناء عطلتها من أن تتمكن من الاستراحة وتمضية الوقت مع زوجها لا أن تكون معرضة باستمرار للمصورين المتربصين".
وأوضح ستج أن ميركل لا تنوى الادعاء على الصحيفة البريطانية. وقال "وجهة نظر الرأى العام الألمانى فيما يتعلق بنشر هذه الصور واضحة جدا وهذا يكفيها".
وهو ما أشعل ما أسماه خبراء الإعلام "حرب التابلويد فى أوربا" بين صحف ألمانيا وإنجلترا، فقد نشرت صحيفة بيلد الأكثر انتشارا فى ألمانيا مقالاً بعنوان "عار عليكم! ما كنا أبدا لنظهر ملكتكم فى ثوب داخلي". ولاحظت صحيفة برلينر تسايتونج أن "المعلومة الوحيدة التى قدمتها الصحيفة أن للمستشارة مؤخرة، وهو ما قد يكون معلومة جديدة لقرائها". وتابعت الصحيفة ساخرة : "يبدو أن البريطانيين لا يعرفون الشيء الكثير عن ألمانيا بعد عام 1945".
صورة ميركل التى أثارت استياء الألمان

شهادات عن أهمية
الصــورة الصحفية:
ــــــــــــــــ

ورغم بعض التجاوزات فى إساءة استخدام الصورة ومواضع توظيفها؛ يظل المجد للصورة الصحفية لكونها وثيقة تاريخية وثقافية؛ جعلتها من أهم النوافذ للإطلال على العصر الذى التقطت فيه وملامحه وأحداثه ؛ يقول فرنسيس هنرى تايلور:
" لقد دخل إلى حيز الوجود أدب بصرى لم يسبق له مثيل، يقرأ فيه الناس الصور تاركين للألفاظ واجب نقل الأفكار المجردة غير القابل للانتقال فى أشكال مرسومة ".
ــ ويقول روبرت جيلام سكوت :
"إن الصور تمثل لغة مرئية يمكننا من خلالها أن نسجل ما لنا من خبرات داخلية وخارجية عن عالم لا نستطيع التعبير عنه بالكلمات ".
ــ ويقول بيل جيتس رئيس شركة مايكرو سوفت :
" إن من يسيطر على الصورة ، يسيطر على العقول . "
ــ ويقول آنوريه دى بلزاك أمير الرواية الفرنسية عن دور الصورة فى الكشف عن المشاعر وتعرية النفس البشرية من خداعها :
" أنا أخشى ذلك الصندوق العجيب المخيف الذى يسمونه الكاميرا ؛ فكل مخلوق يتشكل كيانه فى رأيى من طبقات بعضها من فوق بعض بل هى متداخلة مع بعضها البعض إلى ما لا نهاية ، ولذلك فكل صورة تلتقطها الكاميرا هذه إنما تختلس أو تختزل واحدة من تلك الطبقات البالغة الدقة والخلق والإعجاز، فإذا أمعنت الكاميرا فى تصوير المرء المسكين فإنها تجرده من طبقات وجوده ذاته تأخذها من كيانه وتحولها إلى صور مطبوعة .. فلا يبقى منه سوى شغاف من ذاكرة .. أو هياكل بغير جوهر أو مضمون .. ".
ــ ويقول الباحث الاجتماعى الأمريكى لويس هاين:
"لو استطعت أن أعبر بالكلمات عما أريد لما حملت الكاميرا معى ."
ــ ويقول مؤرخ التصوير الفوتوغرافى هيلموت جيرنشم:
" الصورة الفوتوغرافية هى اللغة الوحيدة المفهومة فى كل أرجاء العالم والقادرة على مد الجسور بين الأمم والثقافات، إنها تربط عائلة الإنسان، مستقلة عن الهيمنة السياسية، فالناس خلالها أحرار. إنها تعكس بصدق الحياة والأحداث، وتسمح لنا أن نشارك فى آمال الأخرين ويأسهم، وهى تنير الظروف السياسية والاجتماعية، ونصبح معها شهود عيان على إنسانية البشر وتوحشهم . "
ــ ويقول جلال الدين الحمامصى:
"الصورة الصحفية تظل راسخة فى الأذهان بعكس المقدمة الصحفية فإنها تتبخر مهما كانت ألفاظها قوية، ومعبرة. "
ــ و يقول د. بطرس غالى ( أمين عام الأمم المتحدة الأسبق ) عن تأثير الصورة الصحفية فى صنع القرار السياسى:
"إن الصورة الصحفية أصبحت العضو السادس فى مجلس الأمن الذى يملك حق الفيتو ".
ــ ويقول بورديه فى كتابه " الحرب والصورة":
"السيطرة على الصورة تمثّل الخطوة الأولى لحسم المعركة، ومن ثم كان التوظيف المحموم للصورة من أجل صنع الواقع، حيث تدور رحى الحرب بين متسابقين على من يملك قدرة فرض الواقع الذى يشاء وحرمان الخصم من المشاركة أو تبديل هذا الواقع الافتراضى بالضرورة، أن تكون مصادر انطلاق الصورة هدفاً مركزياً فى أجندة الحروب الأخيرة. ففى حرب كوسوفو العام 1999 قصفت قوات الناتو مبنى التليفزيون فى بلجراد وتدميره، وفى 27 مارس 2003 قصفت القوات الأمريكية مبنى الإذاعة والتليفزيون فى بغداد، وكادت تلقى قناة الجزيرة المصير نفسه فى العام 2004، وفى يناير 2006 دمّرت القوات الإسرائيلية مبنى الإذاعة الفلسطينية ومبنى التليفزيون فى مدينة البيرة وهدّدت بقصف مبنى التليفزيون فى مدينة غزة. وفى 16 يوليو 2006، أى بعد ثلاثة أيام على اندلاع الحرب بين حزب الله وإسرائيل، قامت الأخيرة بتدمير مبنى تليفزيون المنار. "
ــ ويقول الكاتب الصحفى حلمى النمنم:
"الصور الصحفية بمعيار اليوم هى وثائق لا غنى عنها لمن يريد أن يدرس ويتأمل العصر الذى التقطت فيه؛ نقف من خلالها على التحولات السياسية والإنسانية التى تقع وتحدد مصائر الأفراد والجماعات ".
ــ الناقد الأدبى عبد الله الغذامى :
لقد امتصّت الصورة الطاقة الإبداعية للغة، فتحوّلت هى ذاتها إلى لغة، فبعد أن كان الفنان يستعين بالكلمات المجرّدة من أجل توصيف واقع ما، نجحت اللغة البصرية فى اقتحام المجال الإبداعي، حيث يتحول الموصوف اللامرئى إلى مادة بصرية قادرة على الإفصاح عن ذاتها بلغة صورية مكتنزة بالدلالات والإيحاءات، وأشكال التعبير التى تقتحم الخيال الإنسانى، وتزخمه بحزمة إشارات بصرية تضاهى بل تتفوق على القدرة الإبداعية والقوة التعبيرية للغة المجرّدة.
ــ ويعرب د. جلال أمين فى كتابه عن "العولمة" عن مخاوفه من طغيان ثقافة الصورة على الثقافات التقليدية قائلاً:
" ومن الغريب أن القلق المتزايد، داخل المجتمعات المتقدمة اقتصاديا من التهديد، الذى تتعرض له بعض أنواع الحيوانات والطيور، التى يهددها التقدم التكنولوجى بالانقراض، لا يقابله قلق لما يحدث لثقافات الأمم المختلفة من وراء هذا التقدم التكنولوجى نفسه، مع أن هذه الثقافات مهددة هى أيضا بالانقراض، والخسارة فى هذه الحالة لا تقل فداحة ".

***
ولا شك أن مخاوف د . جلال أمين حقيقية وهو ما دفع د . نبيل على فى كتابة «العرب وعصر المعلومات» للتساؤل : كيف ندرأ عن الضعاف فى عالمنا خطر تحول هذه القدرة فى يدى الأقوياء إلى «هيروشيما» جديدة معلوماتية تسحق عقولهم وتقتلع جذورهم الحضارية ؟

.. ولاشك أن تلك المخاوف حقيقية ؛ فالمشهد الإعلامي فى مصر كارثى بكل المعايير ، ولا يوجد له نظير في دولة في العالم ؛ فالسمة الغالبة عليه هى الفوضي والانفلات وغياب المعايير المهنية فى ظل هذا الكم الهائل من الإصدارات الصحفية والقنوات الفضائية ؛ فالفضاء المصري يستقبل 600 قناة علي «نايل سات» لا تعمل بترخيص إلا 81 قناة منها فقط فى غياب قانون لتنظيم البث الفضائي ، فجهة الترخيص هي الهيئة العامة للاستثمار التي تشرف علي الفضائيات وتتعامل معها كما تتعامل مع شركات الشيبسى واللبان والمياه الغازية ، ودون أن تسأل عن مصدر التمويل أو سر التكالب علي أمتلاكها ؟!!! .

***
.. والحل يخلص فى تفعيل دور نقابة الصحفيين فى محاسبة أعضائها وتفعيل ميثاق الشرف الصحفى ، وإنشاء هيئة ضابطة للبث الفضائى على شاكلة هيئة الاتصالات الفيدرالية في أمريكا (FCC) ، ومكتب الاتصالات في دول الاتحاد الأوربى (EPRA ) ، وتكون هيئة معنية بمتابعة تنظيم وسائل الإعلام  «لغرض الدفاع القومي» ولغرض تعزيز الهوية المصرية وحماية المشاهد وسلامة الأرواح والممتلكات ، وتلقي الشكاوي من الجمهور في حق وسائل الإعلام أو الفضائيات التي ترتكب أخطاء وفحص تلك الشكاوي والبت فيها.

الأحد، فبراير 19، 2012

ياسر بكر يكتب : الاســــتبداد.. وانهـيار الكلمة ـ الفصل الأول



الفصل الأول

الاســــــــتبداد..
وانهـيار الكلمة

على طريقة نيوتن فى صيحته التاريخية: "وجدتها"، أعلن ميتشل ستيفن رئيس قسم الصحافة والاتصال الجماهيرى بجامعة نيويورك الدخول إلى عصر جديد، وصفه بعصر "صعود الصورة وانهيار الكلمة " فى كتاب يحمل نفس العنوان " the rise of the image, the fall of the word " والذى أكد فيه أن الصور ستكون لها اليد العليا على الكلمات.
الصورة بطبيعتها سافرة الوجه متمردة، والكلمة حمّالة أوجه.. حق يراد به باطل وباطل يرتدى سمت الحق ؛ ويراد به باطل.
وهو نفس المعنى الذى سبق إليه الأستاذ أحمد بهاء الدين حين ناقش هذه القضية المهمة فى مقاله بعنوان : "كلمات فقدت سمعتها فى حياة لغتنا الجميلة: الموضوعية.. العقلانية.. الواقعية.. لماذا صارت كلمات رديئة؟!".
فى البداية يقول الأستاذ بهاء: إن اللغة لم تكن أبدا «محايدة» والكلمة الواحدة قد تستخدم فى مجال يحمل كل معانى الجدية، وأحيانا تصبح من كثرة استخدامها فى غير موضعها، تحمل لدى الناس كل معانى السخرية، والكلمة فى مجال قد يكون لها وزن الذهب، وقد يكون لها وزن الريشة !! وإذا كانت الكلمات من القاموس السياسى للغة، فهى أكثر عُرضة للتلف، ذلك أنها كثيرا ما تكون عُرضة للاستخدام الخاطئ المتعمد من رجال السياسة أو الكتابة أو للاستخدام فى مجرد تخدير الرأى العام.
ونأخذ على ذلك أمثلة من كلمات كبيرة مثل «الوحدة» أو "الثورة" أو «الديمقراطية»، كلمات كبيرة جدا، لكن بعضها لحقه «الإجهاد» من كثرة الاستعمال اللغوي، وانعدام الاستعمال الفعلى !!
ثم يكمل الأستاذ بهاء: إن الشعب العربى هو الذى نزل القرآن بلغته، والقرآن أكثر كتاب مقدس وغير مقدس تحدث عن العقل والعمل والتفكير والتذكير، فمن المستحيل أن تكون هذه اللغة بالذات هى اللغة التى تفقد فيها هذه الكلمات سمعتها.. الغرب يتباهى علينا، ويعلمنا أنه أقام نهضته على أساس «سيادة العقل»، وكتابنا السابق على هذا كله بقرون هو أول من أقام للعقل سلطانا عظيما، وهو أول دين تجيء معجزته فى شيء واحد فقط هى: كتاب! وأكثر ما تخاطب سطوره وآياته العقل ويفرق بين ذوى العقول وسواهم..
وما معنى العقلانية والموضوعية وغيرها من المصطلحات الحديثة إلا استخدام العقل ؟! أليست الموضوعية مثلا هى البدء فى كل أمر بدراسة الموضوع، وما معنى الواقعية إلا أنه يجب أن تكون دراستنا للموضوع دراسة واقعية مستندة إلى الواقع لا إلى التمنى !! "
وأخيرا يقول الأستاذ بهاء : "والخضوع للواقع أمر.. وتغييره أمر آخر وفى هذا يختلف فكر الناس ومدى همتهم وجدوى حساباتهم، وأعظم الذين غيروا وجه التاريخ كانوا أعظم الواقعيين، لأن اختراق طرق التغيير يقتضى معرفة الطريق الممهد من الطريق الوعر ومن الطريق المسدود تماما".


التباس اللغة
فى المصطلح أو المنطق:
ـــــــــــــــــــــ


فتح مقال أحمد بهاء الدين أعيننا على واحدة من مشكلاتنا وهى التباس اللغة فى المصطلح أو المنطق؛ لأننا نمتلك لغة فضفاضة؛ تمتاز بالثراء وكثرة المترادفات؛ فإذا ألقينا كلمة فى أتون الأحداث واحترقت من فرط تكرارها دون معنى مقصود فاللغة تسعفنا بعشرات المترادفات، فنحن لا نخشى عجزاً ما فى هذا النوع من "العملة"...؛ فوارينا سوءات واقعنا ببريق الكلمات، وأسرفنا فى مدح ذواتنا وذم خصومنا، وتأليه حكامنا وتفانينا فى صياغة ما يرضيهم من مفردات اللغة ومعانى الكلام فأسمينا الأشياء بغير مسمياتها ؛ فأطلقنا على الحـاكم على مر تاريخنا مسميات عديدة بداية من "الفرعون الإله " و " الفرعون المقدس بن الإله " و " حضرة جناب الباب العالى المعظم " و " ولى النعم " و " صاحب المقام الرفيع " و " الرئيس المؤمن " و " كبير العائلة " وانتهاء " بفخامة الرئيس "، ونفس الشيء لحق كلمة " الثورة " التى صارت فى لغتنا وصفا يطلق على أول دبابة تصل إلى محطة الإذاعة وتعلن البيان رقم واحد ! وصارت فى عقول الناس العاديين مرادفة لأى حكم عسكرى ! فأطلقنا على انقلاب 23 يوليو 1952 "ثورة 23 يوليو المباركة"، وعلى هزيمة 1956 "الانتصار التاريخى على قوى العدوان الثلاثى الغاشم فى 56" وعلى هزيمة 5 يونيو 1967 " نكسة"، ونحر المختلفين مع النظام "انتحار" والرشوة "إكرامية" والضعف " تسامح " والموظف " صاحب معالى وسيادة " وغيرها من ألفاظ التفخيم والتوقير.


فمع السلطة تبدأ حالة التعاظم والتأله، وبزوالها تضيع هيبة السلطان؛ فتبدأ عنتريات الاجتراء على الحاكم المعزول، وأكاذيب الافتراء عنه واغتيال السمعة، وتلطيخ الشرف، وحملات "التجريس"، والنعت بأسوأ الكلمات، وأحط وأقذع السباب.
يروى بن خلدون فى مقدمته : "من معايب أهل مصر؛ أنهم يمرون على الحاكم المعزول فلا يسلمون عليه ويعيرونه بعزله".


وقد نقلت لنا الملاحم الشعبية المصرية بعض الأهازيج فى السخرية من الحاكم المعزول أو حتى الموظف المرفوت :
".......................
.............................
رحت يا دندوف ؛ من شان
تكيد الرجال ؛ من شان
تبقى سلطان
رجعت يا دندوف، ريشك منتوف
ضهرك مسلوخ؛ وقفاك وارم
شعرك منكوش؛ خطفوا طاقيتك
...................
............................ "
وقد لخص العقل الجمعى حال الوالى المعزول فى المثل الشعبى : "ذل العزل يضحك من تيه الولاية".


***


اتفق أحمد بهاء الدين وميتشل ستيفن أن الكلمة لم تكن أبدا «محايدة» وهو ما يذهب إليه أيضا المفكر ناعوم تشوميسكى فى أن الإعلام التجارى يقوم بتلوين الكلمات ولىّ عنقها لتنطق بمفاهيم مغايرة لحقيقة معانيها بهدف صُنع منتج من نوع جديد، المنتج هو ( الجمهور ) الذى يتم تشكيل مدركاته وفق معارف تحدد أنماط سلوكه،حتى يصبح سلعة سهلة البيع فى سوق الإعلانات من ناحية.
وهو أيضا ما ينطبق على الإعلام الموجه فى الأنظمة المتخلفة من ناحية أخرى؛ حيث يتم إنتاج جمهور مغيب عن حقيقة واقعه المعاش، من خلال غرس قيم الخنوع والاستكانة والرضا بما تقدمه له الأنظمة الاستبدادية بحيث يصبح سلعة طيّعة التداول فى قبضة الحاكم الفرد الديكتاتور من منطلق أنه ليس فى الإمكان أفضل مما كان بما يجعل من قيادته أسهل وأسلس.
وهو ما أكده الباحث الفرنسى جان بولديير بقوله: إن سيطرة شركات وسائل الإعلام ( الخاضعة لنفوذ المؤسسات الصناعية والمالية الكبرى ) من خلال فرض سلطتها فى اختيار القائمين على الإعلام وما يتبعه من تقييد للمعلومات التى توجه من خلال وسائل الإعلام ( المؤسسات الإعلامية ) لتصنع طبقة من صانعى المنتج الإعلامى ( هؤلاء يمثلون مصالح الحكومة أو الطبقة الحاكمة )، وفصلهم عن المستهلكين ( المخدوعين والذين تم إدخال الغش عليهم برسائل مغلوطة من وسائل الإعلام لتقبل وجهات نظر الحكومة أو الطبقة الحاكمة ).
.. وهو ما أعلنه مهاتير محمد رئيس الوزراء الماليزى السابق فى الثانى من أكتوبر 1993 فى كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة:
"إن ما نسمعه أو نشاهده هو فى الواقع ما قررت وسائل الإعلام الغربية هذه إننا يجب أن نسمعه أو نشاهده"، وأشار إلى : "الاهتمام البالغ الذى تبديه وسائل الإعلام الغربية برقصة المغنى مايكل جاكسون، أكثر كثيراً من اهتمامها بإذاعة شيء يحدث فى اللحظة ذاتها ويتعلق بمذابح، وعمليات قتل جماعية، أو معاملة وحشية يتعرض لها بنو الإنسان فى أماكن أخرى من العالم".
.. وهو ما لخصه "تشرشل" بكلمات وقورة، بعيدة النظر:


" ابحث عن حقيقة الأمة فى حبر المطابع، وصفحات الصحف".


ــ فلما قيل له : "ولكن مِن الصحف المأجور، والمرتشى ؟! "


ــ قال: إنما أعنى الصحف " سيدة صوتها "، لا الصحف " صوت سيدها" .


الصحافة والحاكم:
ـــــــــــــــــ


ولدت الصحافة فى مصر فى نهايات القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر والقيد فى يدها. فقد نشأت فى كنف الحاكم فجاءت مقيدة بقيدين يشدانها إلى السلطة الحاكمة؛ قيد التبعية للحاكم وقيد فرض الرقابة، وهو ميراث ظل يلاحقها حتى اليوم، وإن اختلفت الظروف والملابسات والممارسات من حاكم إلى حاكم، ومن عصر إلى عصر، لكن علاقة الصحافة بالسلطة ظلت معقدة، مثلما ظلت علاقتها بالمجتمع على الناحية الأخرى تتآكل كلما احتكرتها السلطة و ضغطت عليها ؛ لتفقد مصداقيتها أمامه.


.. وظلت حتى الآن تواجه وضعا شديد الالتباس، بالغ التعقيد فالمؤسسات الصحفية القومية مملوكة للشعب، ويمارس حقوق الملكية عليها مجلس الشورى وتحت وصاية المجلس الأعلى للصحافة فيما يخص إدارة شئونها، وهو نمط من أنماط الملكية حول هذه المؤسسات من ملكية شعبية ـ تتمتع بالاستقلال، وتعبر عن مختلف اتجاهات الرأى العام حسب النص الدستورى ـ إلى ملكية خاصة للنظام السياسى تقوم على تبرير مواقفه واتجاهاته وترويجها والتعتيم على الحقائق ووجهات النظر الأخرى المخالفة؛ فتحولت رسالة الإعلام من كاشف للحقيقة ومحرض على التغيير نحو الأفضل، إلى تسويق الزيف، وترويج "الفهلوة" والأكاذيب، وامتداح كل صاحب سلطة والتهليل له وتمجيده إلى حد القداسة، وتلميع أنصاف الموهوبين وفرضهم على الناس، وصنع نجوم وقيادات من ورق وتسويقها للجماهير المخدوعة بالبريق الإعلامى والإلحاح المتكرر؛ فقاطرة الإعلام فى مصر تسير على قضيبين صنعا من إعلام جوبلز القائم على الكذب والتخويف والتخوين، وإعلام مردوخ القائم على الإلهاء؛ بعدما أدركت الحكومات الاستبدادية فاعلية الخطاب الإعلامى فى السيطرة والتحكم، وأن دوره لا يقل أهمية عن دور أجهزة القمع أو أجهزة مكافحة الشغب المختلفة.
الكذب والتخويف والتخوين: بنى جوبلز إعلامه على قاعدة : "اكذب، ثم اكذب، ثم اكذب ؛ حتى تصدق نفسك، فيصدقك الناس، فإن لم يصدقوك، فاخترع لهم عدواً وهمياً وخوفهم به، فإن لم يصدقوك، فاتهمهم بالخيانة".
وهو ما يفعله إعلام الدولة طوال الـ60 عاماً الأخيرة من إنتاج خطاب تدليسى زائف له أجندات مشبوهة ونشره باسم الحق وهو منها براء؛ وعندما فقد هذا الإعلام مصداقيته بهزيمة 67 بدأ التخويف بمطامع الإمبريالية العالمية فى مصر، وبعد حرب 73 بدأ التخويف بتأخر الرخاء القادم، والزج بالبلاد فى حروب اكتوت على مدى تاريخها بنارها، ومع حكم مبارك بدأ التخويف بقبول الوضع القائم أو السقوط فى فوضى حكم متزمت ضيق الأفق، ومع إدراك الجماهير زيف المخاوف و"الفزاعات"، واكتشافها أن أحوالها فى ظل السلام ليست بأفضل منها أيام الحروب؛ بدأ الإعلام الرسمى بالترويج لاتهامات التخوين وتعقب المعارضين واغتيالهم سياسيا ومعنويا ؛ فظهر مصطلح " القلة المندسة " ؛ " والمجموعة الحاقدة " و"إثارة البلبلة والشغب والفتن" و"انتفاضة الحـرامية" و"أصحاب الأجــندات الأجـنبية " و"الاتهام بالجاسوسية" و"محاولة قلب نظام الحكم".
الإلهاء :.. وبنى مردوخ إعلامه على قاعدة : المثلث الذهــبى لـلإلهاء وزيادة التوزيع وكــثرة الأرباح هى " 3 S" وهى تعنى الرياضة Sport والفضائح Scandals والجنس sex .
وهو ما كشف عنه أداء الإعلام المصرى من إلهاء الجماهير بمباريات الكرة ودراما العرى، و"كليبات" الجسد، وإثارة نعرة التعصب؛ والإثارة الجنسية والطائفية والثرثرة والنميمة، وما أطلق عليها الأستاذ فتحى غانم " صحافة التسالى.. فيشار، وقزقزة اللب".


تعريف الاستبداد:
ـــــــــــــــ


فى كتابه ( طبائع الاستبداد ) يصف عبد الرحمن الكواكبى الاستبداد قائلا: ( إن الاستبداد صفة للحكومة المطلقة العنان فعلا أو حكما، التى تتصرف فى شئون الرعية كما تشاء بلا خشية حساب ولا عقاب محققين.


..... وأشد أنواع الاستبداد التى يتعوّذ بها من الشيطان هى حكومة الفرد المطلق، الوارث للعرش، القائد للجيش، الحائز على سلطة دينية. ولنا أن نقول كلما قلت وصفا من هذه الأوصاف خف الاستبداد إلى أن ينتهى بالحكم المنتخب المؤقت المسئول فعلا ) .


وأورد الكواكبى شذرات مما: (.. تكلم به بعض الحكماء لا سيما المتأخرون منهم فى وصف الاستبداد ومن هذه الجمل : المستبد يتحكم فى شئون الناس بإرادته لا بإرادتهم ويحكم بهواه لا بشريعتهم، ويعلم من نفسه أنه الغاصب المعتدى فيضع كعب رجله على أفواه الملايين من الناس يسدها عن النطق بالحق والتداعى لمطالبته.


لا بد للمستبد من أن يستحقر نفسه كلما وقعت عينه على من هو أرقى منه علما. وعلى هذه القاعدة بنى ابن خلدون قوله : فاز المتملقون (.
ويستنتج الكواكبى أن بين العلم والاستبداد حربا دائمة، يسعى العلماء فى تنوير العقول، ويجتهد المستبد فى إطفاء نورها، والطرفان يتجاذبان العوام. العوام الذين إذا جهلوا خافوا، وإذا خافوا استسلموا، ومتى علموا قالوا ومتى قالوا فعلوا، والعوام هم قوّة المستبد وقوته. بهم عليهم يصول ويجول، فيتهللون لشوكته، ويغصب أموالهم، فيحمدونه على إبقائه على حياتهم، ويهينهم فيثنون على رفعته، ويغرى بعضهم على بعض فيفتخرون بسياسته ( حنكته ) وإذا أسرف فى أموالهم، يقولون كريم، وإذا قتل منهم ولم يمثل يقولون رحيم...


***


وعن أدوات المستبد يقول الكواكبى : "إن المستبد يتخذ الممجدين سماسرة لتغرير الأمة باسم خدمة الدين أو حب الوطن أو تحصيل منافع عامة أو الدفاع عن الاستقلال. والحقيقة فى بطلان كل هذه الدواعى الفخيمة التى ما هى إلا تخيل وإيهام يقصد بها رجال الحـكومة تهييج الأمة وتضليلها، حتى إنه لا يستثنى منها الدفاع عن الاستقلال، لأنه ما الفرق على أمة مأسورة لزيد أن يأسرها عمر ؟ وما مثلها إلا الدابة التى لا يرحمها راكب مطمئن، مالكا كان أو غاصبا.


المستبد يجرب أحيانا فى المناصب والمراتب بعض العقلاء الأذكياء أيضا، اغترارا منه بأنه يقوى على تلين طينهم وتشكيلهم بالشكل الذى يريد فيكونون له أعوانا خبثاء ينفعونه بدهائهم، ثم هو بعد التجربة إذا خاب ويئس من إفسادهم يتبادر بإبعادهم أو ينكل بهم. ولهذا لا يستقر عند المستبد إلا الجاهل العاجز الذى يعبده دون الله أو الخبيث الخائن الذى يرضيه ويغضب الله."


النهر والسلطان:
ـــــــــــــــ


فى مصر ومنذ فجر التاريخ شيئان مرهوبان مرجوان، النيل والسلطان؛ وقد نجحنا فى ترويض النهر بما أقمناه من قناطر وسد، يقول د. جمال حمدان فى كتابه شخصية مصر :
" بعد بناء السد العالى، أصبح للنيل عقل وله ضمير، فالنهر الذى طالما تحكم فى رقابنا، قد تحكمنا أخيرا فى رقبته".
ولم ننجح فى احتواء الحاكم فبقى السلطان محاطاً بغلالة الرهبة وهالة التقديس بما يمتلكه وسائل البطش والجبروت وقدرة المنح والمنع، التى رفعته ــ فى مراحل من التاريخ ــ الى مرتبة الإله أو ابن الإله أو نصف النبى أو على الأقل السوبرمان، الذى يملك من القوة والقدرة والعقل والفهم ما يعجز عنه شعبه؛ بما ضخم الأنا لدى الحاكم وعزز فكرة وصايته على شعبه وإحكام قبضته عليه من جانب، وتعميق وترسيخ الشعور بالدونية لدى جموع الشعب فى تعاملهم مع الحاكم، وألقى بظلاله السلبية على الشخصية المصرية إزاء الحكم والحاكم من جانب أخر.



الفرعون فى القرآن:
ــــــــــــــــــ


كلمة فرعون فى العامية المصرية مرادف لـ "الطاغية"، وأصل كلمة فرعون هيروغليفية ( فرعا )، وتعنى القصر العظيم أو الحاكم ساكن القصر العظيم.
وقد ورد ذكرها فى القرآن الكريم 74 مرة، فرعون لقب للملك الذى يحكم مصر، ولكن القرآن الكريم يتعامل معه كاسم علم، ولذلك يأتى ممنوعا من الصرف، يقول رب العزة فى محكم كتابه: ( إن فرعون ) لأنه سبحانه وتعالى يقصد شخصا بذاته، وهو فرعون موسى الذى علا فى الأرض وطغى وأفسد ، وقد بيّن لنا القرآن فى هذه الآيات الكريمة بعضاً من أنماط سلوكه التى تتطابق مع مسلك الطغاة فى كل العصور: ـ
ــ ( فَحَشَرَ فَنَادَى فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ) النازعات: 23
ــ ( يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيرى فتعبدوه ) القصص : 38
ــ ( قال يا قوم أليس لى ملك مصر وهذه الأنهار تجرى من تحتى أفلا تبصرون ) الزخرف:51
ــ ( إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِى الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِى نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) القصص :4
.. بهذه الآيات يفتح القصص القرآنى أعيننا ويضع أيدينا على أدوات صناعة الطاغية ممثلة فى إعلام فاسد ورجل دين فاسق وجلاد فاجر من خلال الكلمات ( حشر )، (يا أيها الملأ )، ( يا قوم ) وهى تعنى جمع الناس وإعدادهم وتهيئتهم لسماع النداء، وتلقى الرسالة، والتصديق بها، وهو أمر لا يستطيعه الحاكم الفرد بذاته ولا يمكنه القيام به إلا بمعاونين وخدم.
ثم تأتى آلة البطش فى المرتبة الثانية ممثلة فى جلاد فاجر؛ لتقمع من فشل الإعلام الفاسد ورجل الدين الفاسق فى إدخالهم إلى حظيرة الطاعة من خلال الكلمات ( وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِى نِسَاءهُمْ ).


بصمات القهر
على الشخصية المصرية :
ــــــــــــــــــــ


أرجع د. جمال حمدان فى كتابه "شخصية مصر" سلبيات وعيوب الشخصية المصرية إلى القهر السياسى :
"إن معظم سلبيات وعيوب الشخصية المصرية إنما يعود أساسا إلى القهر السياسى، الذى تعرضت له ببشاعة وشناعة طوال التاريخ، هذه ولا سواها نقطة الابتداء والانتهاء مثلما هى نقطة الاتفاق والالتقاء، السلطة، الحكم، النظام، الطغيان، الاستبداد، الديكتاتورية، البطش، التعذيب، التنكيل، الإرهاب، الترويع، التخــويف، تلك هى الآفة الأم وأم المأساة، ومن هنا يجمع الكل على أن النغمة الأساسية أو اللحن الخفى المستمر وراء الشخصية المصرية فى علاقتها بالسلطة ومفتاح هذه العلاقة التعسة هو العداء المتبادل والريبة المتبادلة، هى الحب المفقود والبغض الموجود بلا حدود".
وينتهى جمال حمدان إلى أن : "سلبية المواطن الفرد إزاء الحكم جعلت الحكومة هى كل شيء فى مصر والمواطن نفسه لا شيء، فكانت مصر دائما هى حاكمها. وهذا أصل الطغيان الفرعونى والاستبداد الشرقى المزمن حتى اليوم أكثر مما هو نتيجة له. فهو بفرط الاعتدال مواطن سلس ذلول، بل رعية ومطية لينة، لا يحسن إلا الرضوخ للحكم والحاكم, ولا يجيد سوى نفاق السلطة والعبودية للقوة، وما أسهل حينئذ أن يتحول من مواطن ذلول إلى عبد ذليل".


الوعى المصرى
ولغــته العــامية :
ــــــــــــــــــ


.. لكن حقائق التاريخ تؤكد أن بصمات القهر على جلد الشخصية المصرية سرعان ما تزول وتندمل آثارها، فالشعب المصرى الذى تعرض للغزو على مدى تاريخه تعلّم أن يقاوم الغزو بالغزو، غزو من نوع آخر يحمل فى طياته فكراً مصرياً خالصاً، تتكون بنيته من رقائق الحضارات ( الفرعونية ـ اليونانية والرومانية ـ القبطية ـ العربية الإسلامية )، فيحول الغـزاة إلى خلايا تذوب فى النسيج الوطنى.
وكذلك كان الشعب العجوز ذو الجذور والحضارات الضاربة فى عمق التاريخ أسبق إلى ما أسمته حركات التغيير فى العالم المعاصر ( حرب اللا عنف )، فقاوم الطغيان بقهر من نوع جديد يخلو حتى من مجرد العنف اللفظى، ويتفق مع سماته الأصيلة الست، فمازال متديناً وفناناً وذكياً وطيباً ومهذباً، ويتخذ من الفكاهة والسخرية اللاذعة سلاحاً يقتل، ولا يسيل دماً.
فكان الوعى الجمعى الشعبى فى مصر أكثر فطنة وحدساً فى كشف زيف الكلمات فى الإعلام الرسمى، فأصبحت الكلمات التى لا تعبر عن واقعه الملموس مجرد رطانة لغوية تثير سخريته ولا تمس عقوله. وهو ما جعله يهزأ منها ويدير للإعلام الرسمى ظهره، وينصرف عنه ويبحث عن إعلام بديل Alternative media يحقق للمهمشين فرص التعبير عن أفكارهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية من خلال ( الشائعة ـ النكتة ـ الأراجوز ـ الأمثال الشعبية ـ الموال الشعبى ـ العدودة ـ الكتابة على واجهات المنازل والمحلات التجارية ـ الكتابة على هياكل المركبات ـ نشرات الماستر ـ المدونات الإلكترونية ـ الصفحات على مواقع التواصل الاجتماعى ـ التعليقات على المواقع الإلكترونية ـ التظاهرات السلمية ـ الاعتصامات السلمية ـ الوقفات الاحتجاجية السلمية ـ الإضرابات السلمية ).
ولم يقتصر الإبداع المبتكر للوجدان الشعبى على وسيلة التعبير بل تعداها إلى لغة التعبير عما ترسخ فى عقله الجمعى العام من خلال صياغات مفردات مستحدثة فى لهجته العامية بكل ما فيها من ثراء وقدرة على التوليد والنحت والاشتقاق ؛ لاستخلاص أو صياغة ألفاظ وتعبيرات دالة، ومعبرة تماما عما يراد قوله بحسم ودقة تتواءم مع مفاهيم ومقتضيات الحال؛ فأصبح ما يتلقاه من وسائل إعلامه من رسائل لا تزيد على كونها :
• كلام جرايد : كلام فارغ غير قابل للتنفيذ.
• ميسواش ثمن الحبر اللى انكتب به : لا قيمة له.
• حبر على ورق : مجرد تسويد صفحات بلا هدف.
• بقبقة صحفيين : فشر ومبالغة.
• كلام فوريجية : كلام نصب وشغل بهلوانات.
• هطرسة : هلوسة بأى كلام.
• هرتلة : تخريف واستعباط .
• هرشة مخ : كلام فارغ لا داعى له.
• خربشة دماغ : تعب فى قراءة شيء لا يفيد.
• كلام فى الهجايص : كلام بلا معنى.
• هلفطة : كلام غير مسئول.
• طق حنك : كلام غير مُلزم ( وهى لفظة شامية دخلت إلى العامية المصرية ).
• بقين حمضانين : كلام فاسد يقصد به قول الزور.
• حوار مهابيل : كلام سفه.
• كلام مناويشى : كلام أشبه بالجنون.


لغة "الكابوريا":
ــــــــــــــــ


كما ابتكر الشباب لغة خاصة بهم أسموها لغة "الكابوريا"، وهى لغة مستحدثة وجديدة على المجتمع المصرى، ولها صدى مسموع فى الشارع وفى المواصلات العامة وفى الأندية والتجمعات وفى المدارس والجامعات ولها ألفاظها ومفرداتها ومصطلحاتها الدالة على قيم أصحابها وقناعاتهم وعلى سماتهم النفسية ولها إشاراتها اليدوية وتعبيراتها المنطوقة وأيضا المسموعة، والممثلة فى "لغة الكلاكسات" من خلال نفير أبواق السيارات، ومن أشهر ألفاظها المنطوقة :
• حوارات : وتعنى " ثرثرة بلا جدوى".
• كبّر : وتعنى " لا تهتم ".
• نفّض : وتعنى "لم تسمع شيئاً".
• فُُكَكَ : وتعنى "الترك والإهمال".
• بيئة : وتعنى "متدنى".
• اسكلتش : وتعنى "كلام فارغ أو عمل تافه".
• طحن : وتعنى "المبالغة".
• اشتغله : وتعنى "اخدعه أو اكذب عليه".
• وش : وتعنى "مباشر".
• فركيكو : وتعنى "شخص أجوف".
• مُزّة : وتعنى " فتاة حسناء".
• أفتكس : وتعنى " القدرة على صنع الأكاذيب ".
• روشنة : وتعنى " أسلوب لا يلتزم التقاليد".
• خبؤ : وتعنى "مغفل"
• فلاشة : وتعنى "نقل دون فهم".
• أفاتار : وتعنى "رعب".


الحاكم فى الأمثال الشعبية:
ــــــــــــــــــــــــ


الأمثال الشعبية المصرية هى الصوت المعبر عن أفكار ورؤية المهمشين والبسطاء، وهى خلاصة تجاربه الحياتية وخبراته المتراكمة على مر الزمان، والتى تعبر بصدق عن المزاج الشعبى والأحداث المتلاحقة والمتشابكة مع الواقع السياسى والثقافى والاجتماعى، وهى الدستور الشعبى للمصريين ومرآة تجاربه التاريخية.
وبين الخوف والرجاء؛ جاءت الأمثال لتكشف عن فلسفة الفكر الجماعى للأمة فى الحرص والحيطة؛ اتقاء شر الحاكم من خلال نفاقه والتزلف إليه:
ــ "ضرب الحاكم شرف".
ــ "إهانة الكبير، كبر مقام".
ــ "الناس مقامات".
ــ "العين ما تعلى عن الحاجب".
ــ "إتوصوا بنا يا اللى حكمتونا إحنا العبيد وانتو اشتريتونا".


وحتى تتقبل الذاكرة الجمعية للأمة فكرة غلبة الحاكم وخنوعها الظاهرى له؛ أدخلته فى إطار حنكة التعامل فى العلاقات المختلة بين غشم السلطان وضعف الرعية وقلة حيلتها:
ــ "الإيد اللى ما تقدرش تقطعها بوسها".
ــ " إن كان لك حاجة عند الكلب، قوله يا سيد ".
ــ "اللى الحكومة تاخد مراته ما يتعايرش".
ــ "ماحدش يقول للغولة : يا غولة عينك حمرا".
ــ " سلطان غشوم.. خير من فتنة تدوم ".
ــ "إذا كان خصمك القاضى مين تقاضي؟".
ــ " فيه عاقل يشتكى الجمل لخفه ؟ ".
.. كما أدخلته فى إطار التسامح والرضا بالقضاء والقدر، وهو ما لخصته الأمثال الشعبية:
ــ " يا بخت من بات مغلوب ولا بتش غالب".
ــ " الشكوى لغير الله مذلة ".
ــ " الرضا بالمقسوم عبادة ".
ــ " اصبر على الظالم، بكره يرحل أو تجيله زيحة ".
ــ " المكتوب على الجبين لازم تشوفه العين ".


***
ذكر الطبرى فى تاريخه وصف عمرو ابن العاص للمصريين قائلا : "أرضها ذهب.. ونيلها عجب.. وخيرها جلب. . ونساؤها لعب.. ومالها رغب.. وفى أهلها صخب.. وطاعتهم رهب.. وسلامهم شغب.. وحروبهم حرب، وهم مع من غلب".
وأوردها ابن كثير والسيوطى والقلقشندى وياقوت واليعقوبى وابن عبد الحكم فى كتابه "فتوح مصر وأخبارها".


النكتة والحاكم
وهــزيمة 67:
ــــــــــــــ


النكتة أحد أسلحة المقاومة، وقد استطاع الشعب المصرى بعبقرية متفردة أن يضم الضحك إلى قائمة أسلحة الدمار السياسى الشامل ؛ يحاكم من خلالها الحاكم، ويحكم عليه بالموت دون قتل.
والنكتة السياسية تنتشر فى الأوقات العصيبة حين تشتد الأزمات وتعبر عن الرأى العام واتجاهاته، وفى كل دولة أجهزة متخصصة فى قياسات الرأى العام من خلال النكات، وهو أسلوب أمنى كان موجوداً أيام عبد الناصر، ومن بعده السادات، الذى كان معروفاً عنه أنه يبدأ يومه بقراءة تقارير الأجهزة عن النكات التى قيلت عنه وكان يسميها ( نكات الصباح ).
كانت النكات التى تفتقت عنها قريحة الشعب المصرى بعد النكسة تعكس فلسفة خاصة به، وهو أنه لم ينهزم ولكن الذى انهزم هم من خانوا أمانته وضللوه وخدعوه، فإذا عايرنا مفردات المشهد عند الهزيمة مع مضمون النكات ذات الصلة، لوجدنا تطابقاً يكشف عن عبقرية شعب يصعب خداعه؛ فهو ينفذ ببساطة إلى بواطن الأمور يلخصها فى كلمات مقتضبة ولمحات ذكية.
كان من أهم مفردات المشهد وقبل هزيمة يونيو بشهر، إسناد الأمر إلى غير أهله، والذى بدا واضحاً فى مساء يوم 4 مايو 1967، عندما استقبل عبد الناصر الـ « فيلد مارشال» مونتجمرى، ومن المفارقات الطريفة أن المشير عبد الحكيم عامر كان بصحبة عبد الناصر فى استقباله وعندما رأى مونتجمرى رتبة المشير والنياشين المعلقة على صدر عامر، الذى كان يحمل رتبة الصاغ ساعة انقلاب يوليو 1952، أخذه الذهول طويلاً، لكن عبد الناصر قدمه له من جديد قائلاً: أعرفك بـ « فيلد مارشال » عبد الحكيم عامر، فسأله مونتجمرى على الفور: فى أى حرب حصلت على اللقب؟!
وخاصة أنه من المستقر عليه أن رتبة المشير لا تمنح إلا لقائد عسكرى خاض حربا بفكر جديد، وانتصر فيها بحيث يصبح هذا الفكر فتحاً جديدأ وإضافة حقيقية إلى مجال العلوم العسكرية.
وســاد صمت طويل وبارد لم تقطعه إلا كلـمات الترحيب بالضيف الإنجليزى والحديث عن انطباعاته حول مصر بعد ٢٥ عاما من انتهاء الحرب العالمية الثانية.
لم تمض أيام على هذه الواقعة التى جسدت "دراما الواقع" فى مصر الستينيات، حتى دسّ إعلام النظام على الرأى العام بيانات مكذوبة عن استعدادات وهمية لخوض الحرب فى مواجهة إسرائيل، ومع صباح يوم 5 يونيو واصل إعلام النظام بياناته عن انتصارات وهمية ساحقة وقتلى للعدو بالآلاف ودباباته المدمرة وطائراته المحطمة، وأن جيشنا المنتصر سيؤدى صلاة الجمعة فى تل أبيب ؛ بينما كان واقع الحال كما نقلته صحافة العالم أن الجيش انهزم هزيمة ساحقة فى معركة لم يدخلها؛ وأنه ينسحب بطريقة عشوائية وبدون خطة مما ضاعف من خسائره !! ومع أخر ضوء من يوم 9 يونيو أعلن عبد الناصر خبر الهزيمة، ونقل الناس فجأة من نشوة نصر أكيد وعدوا به إلى ظلمة هزيمة مروّعة، وأعطى إشارة البدء وإزاحة الستار عن "مسرحية التنحى".
.. ولكن إذا عرف السبب بطل العجب، كان الهدف هو جبر شرعية انقلاب يوليو الذى استمد شرعيته من التفاف الجماهير حوله، والتى سقطت مع إعلان الهزيمة، وإعادة تنصيب عبد الناصر على قلوب الجماهير؛ فمسرحية " التنحى " أخرجت فصولها المتقنة بعض الدوائر الضيقة الموثوق بها فى الاتحاد الاشتراكى بتعليمات من على صبرى رئيس الاتحاد الاشتراكى وبعض الأجهزة الأمنية التى تتخذ طابعاً مدنيا، والتى نظمت وقادت تظاهرة جموع البسطاء فى الشوارع من خلال توفير وسائل النقل من أتوبيسات المصانع والشركات وعربات النقل الجماعى والجرارات الزراعية لسكان الريف من محافظتى المنوفية والقليوبية، والإيحاء لهم بتجهيز بعض اللافتات بالشعارات المطلوبة، ومكبرات الصوت ؛ ولكن للأمانة العلمية أيضا كان هناك بعض الخروج العفوى من بعض الفئات التى أفادت من سياسات عبد الناصر والتى أخلصت فى الولاء لها، فقد كان هناك بالطبع بعض الضباط السابقين الذين ورثوا مراكز الأرستقراطية المعزولة كما كانت هناك بعض شرائح من العمال التى استفادت من التأميم وصغار المزارعين المستفيدين من الإصلاح الزراعى.
وقد بدأت "مسرحية التنحى" بكورس من بكاء شعراوى جمعة وزير الداخلية و نهنهة زكريا محيى الدين نائب أول رئيس الجمهورية وهو يقول: "لا، لا رئيس إلا أنت يا رئيسى"، ونحيب وعويل أنور السادات رئيس مجلس الأمة فى وصلتين استحضر خلالهما كل مواهبه فى التمثيل، الوصلة الأولى عندما أعلن المهزوم قرار التنحى فى خطابه المتلفز، والوصلة الثانية وهو يلقى بيان المهزوم بالعدول عن قراره على مجلس الأمة بنبرات استعرض فيها قدرته على التلوين الصوتى *وسط تصفيق وتهليل النواب الذين استخفت الفرحة أحدهم فقام يرقص "عشرة بلدى" !!.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ذكرت د. عزة عزت فى كتابها " صورة الرئيس" نقلا عن رشاد كامل فى كتابه " الزيارة الثانية للسادات " : أن مجلة فصول نشرت عن رؤية الشاب أنور السادات لذاته عندما بعث بسطور يقدم بها نفسه للعمل بالسينما: " أنا متحكم فى صوتى بمعنى الكلمة فتارة أجدنى أقلد صوت يوسف وهبى وتارة تجدنى أقلد صوت أم كلثوم وهذه خاصية أظنها نادرة ".


لكن الحقيقة المؤكدة والتى يجب التوقف عندها طويلاً، أن التاريخ الحديث والقديم لم يعرف شعباً خرج فى مظاهرات حاشدة غير الشعب المصرى، لا ليفتك بمن تسببوا فى هزيمته واحتلال أرضه وتدمير عتاد جيشه، الذى كانت جثث قتلاه تملأ سيناء وتفوح رائحتها من الصور المنشورة على صفحات صحف العالم.
.. وبالطبع لم يكن إعلام النظام بعيداً عن هزلية المشهد، فسرعان ما لحس أكاذيبه، وراح ينحى منحى جديدا بالحديث عن : "أسرع استفتاء فى التاريخ على شعبية عبد الناصر"، وأن جماهير الشعب قالت : "لا "، و "تحت قصف المدافع وفوق قضبان السكك الحديدية تدافع الشعب إلى عبد الناصر" وذهب كتاب النظام إلى الحديث عن : "قصة 17 ساعة قضاها عبد الناصر مواطناً عادياً "، إلى أن أعادته الجماهير إلى مقعد الرئاسة ؟!

قال التنظيم السياسى والإعلام الرسمى كلمتهما، لكن كان للوعى الشعبى الجمعى كلمة أخرى أعلنها فى صورة نكات، نذكر منها ثلاثا على سبيل المثال:
ـ النكتة الأولى: تحكى النكتة أن كلا من عبد الناصر وموشى ديان افتتحا مسمطين متجاورين فى شارع الصحافة، فدخل رجل من أبناء البلد إلى محل موشى ديان يسأله : عندك مخ ؟ فرد بالإيجاب، وعندما سأله : عندك لسان؟!، أجاب : عند اللى جنبى.
.. اختصر الوعى الشعبى أسباب الهزيمة فى جعجعة حاكمه الفارغة، بينما أعمل العدو العقل، وأحكم التدابير لتحقيق النصر وإلحاق الهزيمة بنا.
ـ النكتة الثانية: تحكى النكتة أن نفرا من أهل مصر الطيبين كانوا فى طريقهم إلى المسجد لصلاة الفجر، فوجدوا عبد الناصر يغسل دبره ويستحم فى مياه النيل، وعندما سألوه عما يفعل، أجاب : أزيل آثار العدوان.
.. اختزل الوعى الشعبى هزيمته فى حادثة اعتداء جنسى وهتك عرض حاكمه.
ـ النكتة الثالثة: تحكى النكتة أن جرس التليفون دق فى منتصف الليل فى بيت عبد الناصر، فنهض فزعاً للرد، فلما رفع السماعة، جاءه من الطرف الآخر من يقول بصوت وقور : "يا ريس لقد وجدت الحل السحرى لإزالة آثار العدوان".
فقال عبد الناصر متلهفاً : "أنت مين ؟، قابلنى فوراً"، فأجابه المتصل: "أنا إسمى المسحوق رابسو".
.. هكذا لخص الوعى الشعبى آثار الهزيمة فى حالة اتساخ لطخت حاكمه بالقاذورات، لكنها لم تنفذ إلى روح الشعب أو تمس جسد الوطن !!
مظاهرات 9 و10 يونيو 1967 .. لمطالبة المهزوم بالتراجع عن قرار التنحى
 نواب الأمة تناسوا عار ومرارة الهزيمة وهللوا وصفقوا لعودة المهزوم !!


الشائعات :
ــــــــــ
الشائعة مثل النكتة هى أحد أنماط الإعلام البديل لمواجهة طغيان الحاكم بإطلاق الشائعات عليه.. وكلتا الوسيلتين بهما ملمح "انتقام وتشفٍ" يعكس حالة من العدوان تجاه الشخص المستهدف لتشويه سمعته أو تغيير موقف الناس منه، والإسقاط من مروّج الشائعة لما يضمره فى نفسه على شخص آخر، والتنبؤ باحتمالات مستقبلية يعتقد مروّج الشائعة قرب حدوثها ويهيئ الناس والظروف لاستقبالها، أو أن تكون الشائعة بالونة اختبار لمعرفة نوعية وقدر استجابة الناس لحدث معين، و جذب الانتباه.
ويرى الدكتور محمد أحمد النابلسى فى كتابه "سيكولوجية الشائعة"
أن "الشائعة" هى قضية أو عبارة نوعية مقدمة وقابلة للتصديق والتناقل دون ذكر مصدرها أو تدقيق صحتها، وهى بالتالى نوع من الاتصال – بالمعنى الإعلامى– ولكنه يجرى لنقل محتوى خاطئ لرسالة تنتشر.
وقد لاقت الشائعة قبولا من المصريين على خلفية ثقافتهم التى لخصها المثل الشعبى: "مفيش دخان من غير نار"، وعلى خلفية تجربتهم الطويلة من عدم الثقة بالإعلام الرسمى التى لخصها فى مقولة : "اسمع الكذب من الإذاعة، واعرف الحقيقة من الإشاعة".
وكان عبد الناصر يعتمد على تحليلات الشائعات؛ لمعرفة اتجاهات الرأى العام، ويتخذ بعض القرارات بعد دراسة شائعات حولها.
وقد طالت الشائعات حكام مصر جميعاً تقريبا سواء كانوا ملوكا أو رؤساء، فالملك فاروق قيل عنه إنه سكير وقمارتى وزير نساء،
ورحل الرجل وبقيت الشائعات عالقة به، وعبد الناصر لحقت به شائعات قتل عبد الحكيم عامر، ود. أنور المفتى، بل إن وفاة عبد الناصر كانت محلا للشائعات بعدما قيل إنه مات مسموماً، والسادات لاحقته شائعة تعاطى الحشيش، وتناولت الشائعات القدرات الإدراكية المحدودة لمبارك وزيجاته السرية وثروات أبنائه !!.

الحاكم فى الأدب المصرى:
ــــــــــــــــــــــ


كان شغف نجيب محفوظ بسيرة الفتوات، تجربة عبقرية أظهرت علاقة المصريين بالسلطة فى قالب روائى، دون أن يجلب لنفسه المشكلات والمتاعب فظل الكاتب المرضىّ عنه طوال أربعة عصور يصل التناقض بينها إلى حد الصراخ.


فعلاقة المصريين بالحاكم تشبه تماما علاقة أهل الحارة بالفتوة، فهم يكرهونه ويرفضونه، ومع ذلك يداهنونه وينافقونه ويرتعدون خوفا فى وجوده, ويشكرونه على أنه سمح لهم بالعيش فى الحارة تحت حمايته، فإذا خلوا إلى أنفسهم سخروا منه وصبوا عليه الدعوات واللعنات، ولكن ربما فى مرحلة من المراحل يدخلون فى حالة التوحد مع المعتدى, فيرونه محقا فيما يفعل, وربما يضفون عليه هالات قداسة فينسبونه إلى الأشراف أو يدّعون اتصاله بنسل النبى صلى الله عليه وسلم، وهذا يريحهم ويرفع عنهم مسئولية مواجهته.


والفتوة لا يسقط بإرادة جماعية من أهل الحارة، وإنما يسقط بظهور فتوة آخر ينازعه السلطة ويبارزه بالنبوت فيهزمه، ويبايع أهل الحارة الفتوة الجديد ويصبون اللعنات على القديم, ويعود إليهم وعيهم بظلمه ومساوئه، ثم يبدأون رحلة استذلال وتملق جديدة مع الفتوة الجديد، ويضفون عليه من صفات القوة والعظمة ما يجعل ذاته تتضخم وبصورة نمطية تتكرر فى حياة المصريين فى كل مرحلة من مراحل تاريخهم.


الاستثناء الوحيد تمثل فى أحداث غضبة 25 يناير والإرادة الجماعية لشباب التحرير لخلع حسنى مبارك، والتى أخذ فيها التغيير شكل الانقلاب العسكرى الناعم المغلف بغطاء من إرادة شعبية.


هتاف الصامتين:
ــــــــــــــ


فى كتابه "هتاف الصامتين" درس عالم الاجتماع الدكتور سيد عويس ظاهرة الكتابة على هياكل مركبات النقل والسيارات الخاصة، وعربات بيع الفول والطعمية أو الكشرى أو الحنطور وعربات الكارو وعلى واجهات البيوت.


وهتاف الصامتين كما وصفه وغاص فى أعماقه الدكتور سيد عويس بمثابة شكوى مكنونة يبوح بها المصرى فى سرية شديدة وفى إيماءات ذكية مكتوبة مثل:
• لك يوم يا ظالم
• كلمة الله آية ولكل ظالم نهاية
• روح منك لله
• ارحم دموع عينيه
• كفايه يا عين
• الزمن هوه اللى هيخلص لى تارى
• قليل الأصل باع واشترى فيا
• شايفك يا حرامى
• بكرة تندم يا جميل
• السلطان من لا يعرف السلطان
• أسألك يا رب، يا مجرى السحاب والعوم
ترجع السبع، سبع مثل عاداته
وترجع الكلب، كلب لرقدته على الكوم !!
• الله يلعنك يا زمان ياللى خليت للندل كلام وجبت اللى ورا قدام وخليت السيد خدام


هتاف الثائرين:
ــــــــــــــ


رصدت السنوات العشر الأخيرة تحولات فى الشخصية المصرية وانعكاساتها فى سلوكهم؛ فتقلصت النكتة فى حياتهم، وحلت محلها الشكوى من الأوضاع وضيق العيش، وبدت واضحةً حالة من الاكتئاب العام فهناك ٣٠ مليون مصرى مريض بالاكتئاب ، منهم مليون وثلاثة أرباع المليون مرضى بالاكتئاب الجسيم ، من بين مرضى الاكتئاب الجسيم 5, 1 % يلجأون إلى الانتحار.*
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* (المرجع : د. أحمد عكاشة ـ " المصرى اليوم" ـ 28ـ  9ـ 2009  ).

وساد شعور من عدم الرضا والعنف لم يعهدها المصريون فى تاريخهم فهم يشعرون أنهم الذين دفعوا دائما ثمن المواقف الوطنية وهم الذين استشهدوا فى الحروب، وهم الذين دفعوا من أقواتهم وقروشهم القليلة أموال "المجهود الحربى"، وهم الذين شدوا الأحزمة على بطونهم ودفعوا ثمن البناء فى أوقات البناء، ولم يحصلوا على شيء؛ فهم جائعون، وأولادهم عاطلون، وبناتهم عوانس، وإذا مرضوا لا يجدون العلاج الكريم، وإذا ظلموا لا يجدون عدالة ناجزة تنصفهم وتحفظ عليهم حقوقهم وكرامتهم، وكرامتهم مُهانة بعد أن تحولت أقسام الشرطة إلى سلخانات بشرية، فلم يعد يشعر بآدميته سواء فى التعامل مع الشرطة أو المؤسسات الحكومية أو القضاء أو غيره، والحكومة تمارس البلطجة عليهم ليل نهار، فالحكومة تحصل منه مصاريف جمع القمامة على فاتورة الكهرباء وتتركه غارقاً فيها، وتحصل منه أجرة التكييف فى القطارات ولا يوجد بها من الأصل أجهزة تكييف، وتحصل منه قيمة تذكرة ركوب مميزة لأتوبيسات خردة مكسورة المقاعد، وتخصم من راتبه قيمة التأمين الصحى، فإذا مرض؛ لا يجد سوى الهوان والمذلة، وإذا شكا تسخر من مواجعه وآلامه، وهو ما جاء صريحا فى تصريحات رئيس الوزراء الأسبق : "الشعب ماسك فى ذيل الحكومة كأنها ماما وبابا"، و"دعهم يقولوا ما يريدون، ونحن نفعل ما نريد".


وفى لقاء الرئيس المخلوع بمثقفى النخبة بمعرض الكتاب فى 16 يناير 2005 التى كانت تعرف باللقاءات الفكرية مع رئيس الجمهورية وقف د.محمد السيد سعيد ليعلن رأيه بصراحة فى حال البلاد قائلا: "يا ريس إذا كنت عايز تدخل تاريخ هذا البلد.."، وقبل أن يكمل الجملة، رد مبارك مقاطعا: "يا سيدى أنا مش عايز أدخل التاريخ بتاعكم".
ولم يتوقف د. محمد السيد سعيد وقرر أن يسلم الرئيس يداً بيد مشروعاً مقترحاً للإصلاح السياسى، وضع فيه خلاصة خبرته فى البحث فعامله المخلوع بغضب وجفاء قائلاً : "الورقة دى حطها فى جيبك وأنت متطرف وعلى فكرة بقى أنا بأفهم أحسن منك".
وروى د. يحيى الجمل أن المخلوع قال له شخصياً: "أنا معايا دكتوراة فى العند."


وعندما أظهرت الجماهير استياءها من اغتصاب حقوقها الدستورية وتزوير إرادتها فى انتخابات 2010 التى أفرزت برلمانا مزيفاً، سخر منها الرئيس المخلوع فى مجلس الشعب قــائلاً : "خليهم يتسلوا" وسـط تصفيق وضحكات سفهاء المزورين.


وتصدى لها أحمد عز أمين تنظيم الحزب الوطنى بسـلسـلة مقــالات نشرتها "جريدة الأهرام"، مكذباً ومسفهاً ومؤكداً أن الانتخابات نظيفة تماما، وأن حزبه حصل على الأغلبية المطلقة عن استحقاق.
هكذا سدت الحكومة جميع الأبواب والنوافذ فى وجهه ولم تترك له متنفساً، ومارست عليه أبشع أساليب الطغيان والاستبداد وسخرت من مواجعه، ووضعته أمام خيارين لا ثالث لهما وهما خيارا الوجود أو العدم !!؛ فتخلى عن "هتاف الصامتين"، وتحول إلى "هتاف الثائرين "! مطالباً بإسقاط النظام والعيش والحرية والعدالة الاجتماعية عبر التظاهر فى ميدان التحرير والميادين الكبرى فى كل المدن المصرية والاعتصام على رصيف مجلس الشعب أو مجلس الوزراء أو أمام بوابات ماسبيرو ومقار الوزارات ودواوين المحافظات!

الأربعاء، فبراير 15، 2012

ياسر بكر يكتب : هيبة العسكر ، و" مرق السلطان " !!


ياسر بكر يكتب : هيبة العسكر ،  و" مرق السلطان " !!

للعسكر هيبة ، ولدت من نبل الفداء وشرف الفروسية ، كلمتهم سيف ، يرتبطون من ألسنتهم ؛ الكلمة عقد وعهد ، فهم درة تاج الوطن ، والغزل الأبيض فى نسيج ثوبه ، حراس العقيدة ، حماة الأرض ، حراس العرض ، ويفقد العسكر الهيبة عندما يشربون من مرق السلطان فتحترق ألسنتهم فلا يعرفون قولا سديدا ، وعندما يحتسون خمر السلطة فتلعب الخيلاء برؤوسهم فلا يصيبون فكرا رشيدا ؛ ويسقطون فى بئر الغواية وتسقط معهم الكلمة ؛ ويهدر الشرف !!؛ فشرف الرجل هو الكلمة  ، وويل للرجال عندما تصبح كلماتهم هراء مثل كلمة المعلم حنفى ( الممثل القدير خفيف الظل عبد الفتاح القصرى ) الذى يدعى أن كلمته " لا ممكن " تنزل الأرض، لكنها غالباً ما تنزل مع تعليقه المرح : ( تنزل المرة دى ) . !!.

حكم مصر بعد انقلاب 23 يوليو 1952  أربعة من العسكر هم اللواء محمد نجيب ( 18 يونيو 1953  ــ 14نوفمبر 1954 ) ، والبكباشى جمال عبد الناصر( 23 يونيو 1954 ــ 28  سبتمبر 1970 ) ،  واليوزباشى أنور الســــادات ( 18 أكتوبر1970 ــ 6 أكتوبر 1981 )، والفريق حسـنى مــبارك ( 14 أكتوبر 1981 ـ 11 فبراير 2011 ) .

اللواء نجيب لحظة القبض عليه
بدأ اللواء نجيب  أيامه فى الحكم مع الساعات الأولى للانقلاب الذى أُطلق عليه آنذاك «حركة الجيش المباركة» ، وحرص على الترويج لـ « كذبة الأسلحة الفاسدة فى حرب فلسطين » التى اتخذها ضباط الانقلاب ذريعة له  ، كما حرص على الظهور فى زى عسكرى حاملاً عصاه المارشالية وبايب يتدلى من زاوية فمه بصفته قائداً للحركة مع أخبار متناثرة عن كونه أيضا سليل أسرة عسكرية عريقة ، وانتشى مبكرا بخمر السلطة  ؛ فاهتز طرباً مع مونولوج اسماعيل ياسين الشهير : « 20 مليون ، والجيش ونجيب عملوا ترتيب » ، كما حرص أيضا على أن يبدو فى صورة المتدين الذى يحرص على أداء الصلوات فى المساجد الكبرى ، التى تضم رفات الأولياء، والجلوس فى خشوع لسماع خطبة الجمعة، وإظهار الود والتوقير لفضيلة الإمام الأكبر؛ فشيخ الأزهر دائماً هو المفتاح السحرى للدخول إلى قلوب المصريين ، وأيضا لا يأنف الذهاب إلى المحفل الماسونى للتهنئة بالعيد، ليؤكد أنه جاء رئيساً لكل المصريين، والتركيز على أن يبدو ودوداً مع الجميع ، فهو يعامل الجميع بتواضع وطيبة قلب، ولا يأنف الجلوس إلى جوار عامتهم والربت على أكتافهم.
 فقد نجيب شرفه العسكرى بعد عشرين يوماً من قيام حركة الجيش المبـــاركة البيضـاء فى 23 يوليو 1952 عندما وقع قرار تشكيل أول محكمة عسكرية فى تاريخ الوطن لمحاكمة المدنيين من عمال كفر الدوار فى نفس موقع الحادث  (على طريقة محاكمة دنشواى)  بقصد الردع ، فى محاكمة هزلية غاب عنها المحامون، وهو ما حدا برئيس المحكمة لسؤال الحاضرين،: حد هنا خريج حقوق ؟! ورد الصحفى موسى صبرى الذى تصادف وجوده لتغطية وقائع المحاكمة لصالح أخبار اليوم بالإيجاب، فطلب منه القيام بالدفاع عن المتهمين، وعندما قال موسى صبرى أنه ليس مقيداً بجداول نقابة المحامين ، قالت المحكمة : " ليس مهماً مادمت من خريجى الحقوق !! "

 وفقد نجيب شرفه الانسانى عندما صدق على إعدام اثنين من العمال هما مصطفى خميس ومحمد حسن البقرى قائلا: "دول شوية عيال شيوعيين ولاد كلب يستهلوا الحرق" ، وذهب ليحتفل برئاسته للوزارة التى تشكلت فى نفس اليوم .



عبد الناصر مهزوماً

ذهب اللواء نجيب وجاء البكباشى جمال عبد الناصر الذى حرص منذ الوهلة الأولى أن تبدو صورته مهيبة وساعده على ذلك سمات جسمانية تمثلت فى قامته الفارعة وعرض منكبيه ، قليل الكلام وهى سمة اكتسبها من نشأته يتيماً فى حارة اليهود المنعزلة بطبيعتها ، ذكر الدكتور على شلش في كتابه تاريخ اليهود والماسونية في مصر ـ ص 163: (أن سيدة يهودية تدعى مدام يعقوب فرج شمويل ، كان عبد الناصر يدين لها بالفضل ؛ لأنها هي التي رعته في طفولته وبعد وفاة أمه ، وكانت تعامله كأحد أبنائها ..) .
 وقد تبلورت صفة الصمت والكتمان وتأصلت فى شخصيته بانضمامه إلى العديد من التنظيمات السرية فى آن واحد ؛ فهو قائد تنظيم الإخوان المسلمين داخل الجيش الذى اتخذ لنفسه اسما حركيا  ( البكباشى عبده ) ، وهو عضو حدتو الذى اتخذ لنفسه اسما حركيا ( موريس ) حتى أصبح لغزاً ؛ فهو الرجل ذو العلاقة الغامضة بإسرائيل ؛ فحينما كان رئيس أركان حرب الكتيبة السادسة مشاة ضمن القوات المٌحاصَرة في بلدة عراق المنشية قطاع الفالوجا ، كان يتحدث عبر خطوط الجبهة مع اليهود المٌحاصِرين للفالوجا ، ويتلقى هدايا البرتقال والشيكولاتة من إيجال يادين الذي كان رئيساً لأركان حرب جنوب فلسطين ، وهو أيضا الرجل ذو العلاقة الغامضة بالأمريكان فقد ذكر مايلز كوبلاند ( مندوب المخابرات المركزية فى مصر) فى كتابه لعبة الامم عن علاقته مع تنظيم الضباط الأحرار ومع جمال عبدالناصر خاصة:  (لم يكن انقلاب 23 يوليو لينجح لولا أن هناك تنسيقاً بين أمريكا وإنجلترا على ألا تتدخل الأخيرة فى الأحداث، وذلك لتصفية الحسابات القديمة مع الملك فاروق عقاباً له على إرسالة الجيش المصرى إلى فلسطين عام 1948).
وقد ساعد كل هذا الغموض الذى أحاط بشخصية عبد الناصر إلى جعله شخصية أقرب إلى الأسطورة وإظهاره فى صورة الزعيم القادر على تحقيق المستحيل ،وإثارة حماس الجماهير وحناجرها بإشارة من يده .
.. ولأن الزيف سرعان ما يفقد بريقه ؛ فقد عبد الناصر شرفه العسكرى عندما أرسل الوحدات المقاتلة من جيش مصر إلى سيناء فى يونيو 67 ومعها أسلحتها الثقيلة ، ولكن بدون ذخائر ؛ لأن المهمة كانت فى رأسه لم تكن سوى مسرحية سياسية " لتهويش " أمريكا وإسرائيل ، وكانت نتيجة الحرب وبالاً فقد استشهد تسعة ألاف رجل وثمانمائة رجل بين شهيد ومفقود وخسرنا الجزء الأكبر من عتاد الجيش وتقول الإحصائيات عن هذه الخسائر : ـ
فى الأفراد 17 % من القوات البرية و 4% من الطيارين ، أما معدات القوات الجوية والدفاع الجوى والقوات البرية فقد كانت 85 % منها . ـ عن خسائر القوات الجوية فقد كانت 85 % من المقاتلات القاذفة والمقاتلات و 100 % من القاذفات الخفيفة و القاذفات الثقيلة .
وفقد عبد الناصر شرفه الإنسانى عندما أسدل الستائر السوداء على أسباب الهزيمة وطمس أثارها المدمرة بسلسلة من الأكاذيب تجلت فى مسرحية "التنحى" السخيفة التى حشد لها رعاع الاتحاد الاشتراكى وبعض أهلنا من البسطاء الطيبين المغيبين عمداً عن واقع الوطن وحقيقة أحداثه .

السادات مقتولاً
 
مات عبد الناصر وجاء اليوزباشى أنور السادات ثالث الأسافى من قيادة مجلس الانقلاب والذى اتخذ من الفهلوة سلوكا فبدأ حكمه بالانحناء  أمام تمثال عبد الناصر بعد أداء يمين تولى السلطة قائلا : « لقد جئت إليكم على طريق عبد الناصر»، وهو ما أثار استياء الشعب المصرى المتدين بطبعه والذى يكره الوثنية، فأدرك البسطاء أنهم أمام شخص فهلوى يلعب بالبيضة والحجر، أو كما يقول أولاد البلد : « ابن حنت ».
كما حرص على الظهور بالعباءة والجلباب البلدى، وظهرت زوجته جيهان وهى ترتدى ملابس القرويات فى ميت أبو الكوم. وهو أيضاً الذى قبل زمالة بول هاريس مؤسس أندية الروتارى أحد روافد الماسونية، التى أطلق العنان لأنشطتها فى مصر بعد السماح بانعقاد مؤتمر نوادى روتارى الشرق الأوسط فى الإسكندرية فى 5 ابريل 1978 برعايته وحضور ممدوح سالم رئيس الوزراء ومحب استينو وزير السياحة وروبرت مانشستر ممثل الروتارى الدولى  ، وقد أشارت « دائرة المعارف الماسونية « إلى أن المحفل السامى الماسونى السورى فى اجتماعه ليوم 21/ 2/ 1958 إعتماد أنور السادات أستاذاً أعظم شرقى فى المحفل الماسونى الأكبر.
 وقد ساعده الظرف التاريخى على تحسين صورة السادات بالانتصار العظيم فى أكتوبر 1973، لكنه حوّله إلى حالة من الاستعراض الشخصى بلبس البذات العسكرية للأسلحة المختلفة، بما يتفق وكل مناسبة ، وهو ما كان مثار سخرية الشارع ، الذى عبر عنها فى صورة نكتتين، وهما أن السادات عندما ذهب إلى مركز تنظيم الأسرة لبس «لولب»، وعندما ذهب إلى مركز رعاية الطفولة لبس «بامبرز».
  فالسادات لم يُحسن استغلال النصر التاريخى بما فعله من تصرفات، وما تبعها من تداعيات وأحداث أهدرت قيمة النصر العسكرى، ولم تحقق المردود السياسى المستهدف منه بشكل يرضى القوى السياسية المصرية وفصائل النخبة المصرية من المثقفين والكتاب والصحفيين ورجال الدين الإسلامى والمسيحى، الذين طالتهم إساءات السادات الذى نعت انتفاضة شعبه بـ " انتفاضة الحرامية " ، عندما فقد المواطن البسيط  الثقة فى أحاديث السادات عن الرخاء القادم فاندلعت مظاهرات 18 و19 يناير 1977 ، فلم يحقق الســادات الصــورة المنشودة فأصبح على حــد تعبير المراجـع الأجـنبية «منبوذاً» Outcast، وكان موضع سخرية الشعب المصرى الذى أطلق تعبيره اللاذع: « والله ونلتها يا خيشة !! »  فلم يفلح السادات فى كسب ثقته وتحسين صورته أمامه .


فقد السادات شرفه العسكرى عندما ارتضى الإهانة التاريخية عندما قبل أن يضعه رجال حراسته فى 18 يناير1977  فى عربة أتوبيس ليهربوا به من الجماهير الغاضبة التى زحفت على استراحته فى أسوان ، فافترش أرض السيارة هو وأسرته ورجال حاشيته ، حتى تبدو السيارة فارغة لا تحمل غير سائقها ، وكان  يبكى بمرارة ، وهو جالس القرفصاء على أرض الأتوبيس حتى وصلوا به  إلى المطار ليعودوا به للقاهرة .

فقد السادات شرفه الانسانى عتدما أصدر قرارات سبتمبر باعتقال 1536 من خيرة رجالات مصر .
وبعد موت السادات فى حادث درامى رأه العالم على شاشات التلفاز ، أعلن الشعب المصرى رأيه صراحة فى السادات عندما لزم منازله فبدت الشوارع شبه خالية؛ ليتم التغيير وانتقال السلطة بسلاسة وليترك السادات يوارى التراب دون مشيعين .

مبارك محبوساً
مات السادات وجاءت الصدفة وحدها برابعهم  الفريق حسنى مبارك إلى كرسى الحكم من وسط دوامات الدم وعواصف اللهب، فهو مجرد موظف بدرجة رئيس جمهورية، ذو خلفية عسكرية ولا يجيد سوى التحدث بلغة «القشلاقات» Parracks وهى لغة خشنة تفتقد الأدب والتهذيب ، ولم يبذل أدنى جهد لتغيير هذه الصورة فهو يدرك حقيقة قدراته، فهو أخير دفعته فى الكلية الجوية، وهو دائما فى آخر الصف وذيل السرب، وعندما عينه السادات نائباَ للرئيس كان موضع نكات وقفشات وسخرية رجالات الدولة المقربين من الســادات لدرجة أن أحـدهم أطلق علية لقب : "الأفندى أبو نوتة"، لأنه كان يمسك بأجندة طوال الوقت يدوّن فيها كل ما يقوله السادات فى اصطناع للطاعة وتعويض نقص القدرات وبطئ الفهم ، هو ما حاول إخفائه بقناع باهت وابتسامة لزجة ، أثارت سخرية  رجل الشارع الذى وصفه بـ  «البقرة الضاحكة»  .

 فلم تكن لمبارك صورة مشرقة يقدمها لشعبه حتى الضربة الجوية، فهو ليس قائدها الأوحد، كما أن وراءه الكثير الذى حاول طمس تفاصيله؛ فهو الذى ارتضى لنفسه القيام بدور كومبارس فى فيلم "وداع فى الفجر" بطولة شادية وكمال الشناوى وإخراج حسن الإمام من إنتاج كمال الشناوى عام 1956.

 وهو الشاب المسلم الذى ارتضى لنفسه اسم جورج  فى سلوك انتهازى افتقد المبادئ من أجل الزواج من التلميذة الجميلة « فاتنة سانت كلير» رئيسة فرقة الباليه والسباحة بالمدرسة سوزان صالح ثابت، التى أصبحت فيما بعد سوزان مبارك، والتى سبق تعميدها كمسيحية فى كنيسة "بونتى بريد" باسم "سوزان بالمر ثابت"؛ وكان فى قبوله الاسم المسيحى بدلا من اسمه المسلم إرضاء لأقرباء لها متشددون دينيا من الكاثوليك المعتنقين للماسونية، ونتيجة لهذه الزيجة حصل على الجنسية البريطانية منذ عام 1965؛ بما يخل بشروط  تولى رئاسة الجمهورية !!
  
.. ومبارك أيضا هو الذى قبل أن يصدر طابع بريد من كيان معاد، يؤكد أنه تفانى فى خدمة الأعداء، وهو الذى لم ينف تصريحات العدو بأنه كنزهم الاستراتيجى وحارس أمنهم الشخصى على مدى ثلاثين عاماً، وهو الذى قبل الصورة المهينة التى ظهر بها فى المحكمة متمارضاً مستلقياً على قفاه يعبث بأصبعه فى أنفه وفمه. 
  
***
ستون عاما من حكم العسكر يا " مصر المحروسة "    ،  فهل نراك قريباً يا " بهية " فى ثياب مدنية فيما بقى لنا من قليل العمر ؟! أتعشم .

الجمعة، فبراير 10، 2012

ياسر بكر يكتب : حضرات السادة "المهرجين ".. كفى !!



  يروى أن أبا سفيان راح يرقب صخب غلمان بنى أمية فى السقيفة ، وقال محدثاً نفسه : ( والله يا ابن أخى لو كنت أعلم أن أمور الإسلام ستؤول إلى غلمان بنى أمية ، ما نازعتك فيه !! ) ، كان الرجل يقصد بابن أخيه هنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى انتقل إلى الرفيق الأعلى .

  بهذه الكلمات أصاب شيخ الطلقاء كبد الحقيقة ؛ فعظائم الأمور عندما تؤول إلى الغلمان تصغر وتتضاءل .

 بداية ؛ ومن  باب درء الشبهات وسد الذرائع ، أؤكد أن الدين الإسلامي هو المكون الرئيس لثقافة الشعب المصرى وسلوكه وحضارته ، وأن جيش مصر هو ركيزتها الأساسية للسيادة على أرضها ، وأن البرلمان هو مناط الأمل والرجاء فى بٌنى تشريعية تكفل للوطن حكم ديمقراطى رشيد ، ونماء اقتصادى يحفظ للوطن هيبته ويعيد للمواطن كرامته.

 .. ولكن وبعد مرور عام كامل بالتمام والكمال بعدة الشهور والأيام على تنحى " المخلوع " ، لم نرى فيه آثراً للحرية ، ولا العيش ، ولا العدالة الاجتماعية التى نادت بها جماهير 25 يناير ، ووجدت الجماهير نفسها نهباً لـ " نطاعات المتأسلمين " بداية من تحجيب التماثيل والخروج على نص القسم فى البرلمان ، مروراً بجلوس " حضرة الصول " على كرسى الفقية القانونى الراحل الدكتور جمال العطيفى وانتهاء بالآذان تحت قبته وتحول جلسة البرلمان إلى حلقة وعظ فى فقة العبادات بما يتناقض مع تراث الحركة الوطنية المصرية !! ، وبين الصراخ الحنجورى للسيد الجنزوى : "مصر لن تركع  "، ففى الوقت الذى يشكو فيه معالى رئيس الوزراء القادم من رحم نظام "المخلوع" مر الشكوى من دول شقيقة خذلته ولم تقدم له الدعم الكافى، يمد اليد طالباً اقتراض خمسة مليارات دولار من البنك الدولى !! وبين بقاء الجيش فى الشوارع دون إنجاز يذكر سوى التلاعب بالناس من خلال تصريحات منسوب بعضها إلى الصفحة الرسمية للمجلس الأعلى للقوات المسلحة على الفيسبوك ، وشئ آخر منسوب إلى ما يسمى بـ ( أدمن الصفحة ) ؛ شوفتوا (الافتكاسات آخر حاجة ) بلغة الكابوريا يا شباب ، شوفتوا الفكاكة يا ولاد ، يا حلاوة .. يا حلال ؛ لقد أصبحنا طرفاً فى لعبة تشبه حدوتة الطيب والشرير ، وحكاية د. جيكل ومستر هايد!! ، وما بين تلويح بمؤمرات تحاك بليل ضد الوطن ، ولم يٌقدم عليها دليلاً ، واتهام لشباب بالعمالة فى استباق لسلطات التحقيق ودون بينة !!

 .. وببساطة أدرك المواطن المصرى أن عظائم الأمور عندما آلت إلى الصغار من ضعاف العزائم والهمم ؛ صغرت وحقرت وهانت ؛ ولأن اليأس إحدى الراحتين  ؛ فقد فوض الأمر لله ، وتنازل عن أمانيه العظام التى تمناها مساء 11 فبراير 2011 ، واستبدلها بالأمان فى الشارع  الذى أصبح أعز أمانيه!!

 .. هكذا أصبحت أمانى رجل الشارع فى مصر أشبة بأمنية شخصية المهرج فى رائعة شكسبير ( كنج لير )  ؛ فعندما سأله الملك عن أعز أمنية ليحققها له ، أجاب: أنه يريد حذاء فقد أتعبه السير على الثلوج.
وهى أيضا الحلم الإنسانى البسيط لشخصية على الطواف فى رائعة نعمان عاشور (عيلة الدوغرى ) فى امتلاك " جزمة كاوشت بٌنى" .
.. وهى أيضا ذلك المطلب الكوميدى المصاحب لافتقاد الأمل والرؤيا فى فيلم (الإرهاب والكباب) ، والذى انحصر فى وجبة كباب !! 

***

 لقد أوشكت ثورة 25 يناير 2011 أن تصبح نكتة ؛ فقد باتت الأقرب إلى ثورة رومانيا 1989 ؛ التى صارت مثاراً للسخرية والاستهزاء ؛ فقد بدأت بإعدام شاوشيسكو وانتهت بإطلاق النار على الثوار !!
فيا حضرات السادة المهرجين : كفى، هلك المتنطعون ..


الجمعة، فبراير 03، 2012

ياسر بكر يكتب : كأسك يا وطن !!


ياسر بكر يكتب : كأسك يا وطن !!

 جعجة ، ولا  طحن .. صخب وضجيج دون إنجاز  ، تلك هى مفرادت الحالة المصرية ، وطبائع أمورها كما يلخصها المثل الانجليزى :  ( البراميل الفارغة تحدث دوىّ أكثر !! )  ، والمٌحصلة أنه لم يبق لنا فى كأسك يا وطن ما نتجرعه سوى دموع الثكالى وعبرات الجرحى ودماء القتلى ، وأوجاع البسطاء من أمثالى الذين يطرقون باب الله طلباً للرزق وقوت العيال ، والشكوى لجلاله سبحانه من وقف الحال !!

قالها لى سائق التاكسى بعفوية : ( جبتك يا ثورة تحمينى ، حميتى  "المخلوع" وعصابته ، وكوتينى !! ) .
ـ قلت : معك حق .

.. وسرحت بخيالى أتامل المشهد من جانب القائمين على الأمر ، بين عبثية تحقيقات القتل فى الشوارع ، وهزلية محاكمات رموز العهد الماضى ، وتدنى لغة الخطاب الإعلامى والسياسى ، والالتفاف على الإرادة الشعبية ، والتدليس فى إصدار القوانين بمراسيم مولانا حضرة جناب (سارى عسكر) الذى أساء إلى الجميع بداية من "الطعن  فى الموقف الوطنى " إلى  "الاتهام بعدم الفهم " فى حق رجال من شعبه وانتهاء بتصريحات غير مسئولة لتغييب دور الدولة واستعداء طوائف من الشعب على أخرى فى محاولة مكشوفة ومفضوحة للتنصل من المسئولية السياسية عن الأحداث الدامية فى بورسعيد وغسل اليد منها !! .

حضرة جناب (سارى عسكر) لم يفى بوعد قطعه ، فلم ينحاز إلى مطالب الشارع ، ولم يسلم السلطة خلال ستة أشهر ، ولم يعد إلى ثكناته  !!  بل أبقى جنود مصر فى شوارع المدن لأكثر من عام نهباً لأمراض " المديّنة " والتى بدت عوارضها فى العنف والغِل غير المبرر تجاه أهلهم ، والتبول عليهم من فوق أسطح المبانى الحكومية ، وسحل النساء ، وتجاوز حدود اللياقة فى الحديث ، وانتهاء بالضابط الجالس أمام إحدى المؤسسات ماداً ساقيه يقرأ صحيفة وأمامه كوب شاى فى مشهد يفتقد الانضباط  ، ويسئ إلى سمعة العسكرية المصرية التى نعرف قدرها ، ونضعها فوق رؤسنا تاجاً ، ونحملها فى ضمائرنا نبراساً ، حتى وإن حاول الأفراد العابرون على قيادتها فى ظروف عابرة وعوارض الأحداث النيل منها ، فنحن على يقين إنه اللمم الذى سيذهب جٌفاء وينسحب إلى هامش التاريخ ، ويمكث جيشنا فى الأرض ينفع الناس ، فهو دائما وأبداً خير أجنادها ، كما قال سيدى رسول الله ، وقوله الحق . 

فإذا أخذنا جانب رجل الشارع فالمشهد من زاويته لا يقل سواداً ولا مأساوية ، فغول الغلاء ينهش كبده ، وإذلال العجز يسحق ما بقى من آدميته فى طابور الخبز وأنبوبة البوتاجاز وطلب العلاج ، والتدهور اليومى فى واقعه الاجتماعى المعاش أصبح حقيقة فى ظل انفلات أمنى ينغص عليه حياته ويهدد أمن ممتلكاته ، ويروعه بخطف أبنائه ، وضياع قوت يومه بعد إصابة المصانع والشركات بالشلل وتعطيل حركة القطارات والبواخر النيلية وقطع الطرق !!  

الأخطر من كل ذلك هو سرقة تاريخ مصر من خلال نهب بعض مقتنيات المتحف المصرى ، ومتحف مصطفى كامل ، وإحراق المجمع العلمى وهى كلها محاولات تنطوى على الرغبة فى طمس الهوية الثقافية والتاريخية لمصر .

.. يزيد المشهد سوء خلو واجهته من رجل رشيد ؛  فكلٌ يلقى تبعته على غيره ، ويتبادل معه الاتهام ، ويحمله المسئولية ، والمحصلة هراء ، فلا غضبة الشعب فى 25 يناير 2011 ، أقول غضبة ولا أقول ثورة !! ، قد اكتملت فاعلياتها بعد؛ فمازالت أقرب إلى الانقلاب العسكرى الناعم المغلف بغطاء من إرادة شعبية منها إلى الثورة بمفهومها المستقر عليه فى تعريف الثورات ، ولا أحد يعرف ما يدور برؤوس قادة الانقلاب !! ، والثوار لم يصلوا بعد إلى كابينة القيادة ، ولم يدعهم أحد إلى المشاركة ؛ والنظام الذى ثاروا عليه لم يسقط بعد فالسياسات هى السياسات ، والأحزاب هى الأحزاب وإن تغيرت أسمائها ، والانحيازات هى الانحيازات، ومازالت «عقلية» النظام المخلوع تسيطر على مفاصل وأوصال مؤسسات الدولة فى الجيش والشرطة والقضاء والسياسة والإعلام والهيئات والبنوك !!

***
.. ونحن تائهون توهة الفأر فى المصيدة ، وقد بلغت قلوبنا الحناجر وضاعت من خطواتنا الطريق ؛ فلم نعد نعرف سوى طريق السير فى الجنائز ؛ نشيع شهدائنا ونشرب من دمعنا على قبورهم .

.. آه منك  .. وآه عليك يا وطن ، لم يعد فى كأسك ما نتجرعه سوى مرارة الوجع ، وذل العجز وعار قلة الحيلة ، ولوعة الذكرى التى تنفع المؤمنين فى مواجهة عدو من فلول نظام غدار وخسيس ونذل وجبان .